Top
Image Alt

فوائد علم الطبقات، وفوائد معرفة الوفيات والمواليد

  /  فوائد علم الطبقات، وفوائد معرفة الوفيات والمواليد

فوائد علم الطبقات، وفوائد معرفة الوفيات والمواليد

لماذا صنف العلماء في علم الطبقات، وما هي فوائده؟

له فوائد كثيرة جدًّا؛ منها مثلًا: معرفة العالي والنازل من الأسانيد:

فالإسناد العالي: هو ما قل فيه عدد الرواة بين الراوي وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.

والإسناد النازل: هو ما كثر فيه عدد الرواة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين صاحب الكتاب كالبخاري مثلًا، فقلة العدد أو كثرته مبنية على معرفتنا بعلم الطبقات، وقد اصطلح العلماء على أن القرن يستغرق ثلاثة من طبقات الرواة أو من أجيالهم تقريبًا.

فلو قلنا مثلًا: بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين البخاري رحمه الله تقريبا قرنان ونصف، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات سنة 11 هجرية في ربيع الأول، والبخاري رحمه الله مات في سنة 256 هجرية، إذًا يغطيهم سبعة أو ثمانية من الرواة، هذا هو المعتاد في الإسناد العالي، فإذا زاد الإسناد عن ذلك أصبح نازلًا، وإذا قل أصبح عاليًا.

وهناك ثلاثيات للبخاري، أي: بين البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الرواة، لكن هذا -كما قلت- لا نعرفه إلا بمعرفة طبقات الرواة في كل جيل.

وأبناء الطبقة الواحدة: هم أبناء الجيل الواحد الذين اشتركوا في الأخذ عن الشيوخ كما ذكرنا؛ سواء تقاربت أسنانهم أو تفاوتت.

والعالي من الأسانيد أقوى وأعلى وأرفع مكانة ومنزلة من النازل على الأعم الأغلب أيضًا، إلا أن يكون في النازل فوائد ليست موجودة في العالي، كأن يكون كل رجاله ثقات مثلًا، بينما في العالي بعض رجاله حولهم كلام، أو كأن يكون كل شيخ تلقى عن شيخه بالسماع أو بالقراءة، وهناك تصريح بالتحديث؛ حدثنا أو سمعت أو كذا، بينما في العالي الرواية بالعنعنة، وهكذا.

إذًا من أول فوائد معرفة علم الطبقات: معرفة العالي والنازل من الأسانيد، وهذه تترتب عليها فوائد كثيرة.

من فوائد معرفة علم الطبقات أيضًا: إمكان الاطلاع على التدليس.

والتدليس: هو أن يروي الراوي عمن عاصره موهمًا أنه تلقى منه، أو من لم يلتقِ به موهمًا أنه تلقى منه.

إذًا كيف نعرف أن هذا الراوي التقى بفلان، أو هو عاصره أو لم يعاصره؟ كل ذلك عن طريق علم الطبقات.

ومعنى أن فلانًا يروي عن فلان بالعنعنة، أي: ليس عنده لفظ يفيد السماع أو التحديث، وهذه العنعنة محمولة على الاتصال إذا كانت إمكانيات اللقاء بينهما متاحة، ومن أبناء زمن واحد وقد التقيا، وتوجد أحاديث لهما أخرى قد صرحوا فيها بالسماع… إلى آخره.

وقد تحمل على الانقطاع إذا لم توجد قرائن تعين على أن التلميذ أخذ عن شيخه.

إذًا كل ذلك يتحدد بمعرفة علم الطبقات، فحين أجد في الإسناد عنعنة أو أنأنة؛ فعلم الطبقات يعين على أن هذه العنعنة محمولة على الاتصال، أو محمولة على الانقطاع.

أيضًا، علم الطبقات يعيننا على التمييز بين الرواة خصوصًا إذا اشتركا في الاسم مثلًا، وهناك علماء كثيرون اشتركوا في الاسم والأب والجد، وأحيانًا في الكنية واللقب، وفي كل فن من هذه الفنون مؤلفات، قد بذل المحدِّثون جهودًا مضنية لبيانها، وكل ذلك خدمة للسنة المطهرة.

وهذا له فوائد كثيرة، على رأسها أنه قد يكون أحدهما ثقة، والآخر ضعيفًا، فإذا لم أستطع أن أميّز بينهما ربما جعلت الثقة مكان الضعيف والعكس أيضًا.

وعلم الطبقات كذلك يساعد على بيان ما في السند من أنواع الانقطاع، مثل الإرسال أو العضل أو التدليس أو التعليق.

والإرسال: معناه: أن يسقط من السند الصحابي، أي: يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك من يتوسع في معنى المرسل؛ ليشمل كل صور الانقطاع في الإسناد، سواء من جيل الصحابة، أو ما بعده من أجيال إلى آخر راو في السند؛ مثل: البخاري أو مسلم.

ومعنى الإعضال: أن يسقط من الإسناد راويان متتاليان؛ فمثلًا قد يسقط الصحابي والتابعي.

فمثلًا يقول الإمام مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإمام مالك من أتباع التابعين، فأين طبقة التابعين وطبقة الصحابة؟ فهذا يسمى إعضالًا في الإسناد.

إذًا علم الطبقات يساعد على معرفة ما في الإسناد من خلل، وخلل الإسناد له صور متعددة تدرس في علم المصطلح.

ومعرفة الطبقات أيضًا تتغلب -إلى حد ما- على عدم معرفة المواليد والوفيات.

فمعرفة مواليد ووفيات الرواة لها فوائد كثيرة، لكن إذا فاتني معرفة سنة وفاة الراوي أو مولده، فأستطيع أن أتغلب على ذلك بتحديد الطبقة، أي: عن طريق معرفة أقرانه الذين شاركوه في الطلب، وعن طريق معرفة شيوخه الذي اشترك مع إخوانه في الأخذ عنهم؛ لأن معرفة تاريخ المواليد والوفيات مما يعين على التأكد من التلقي.

أهمية معرفة مواليد الرواة ووفاتهم:

أ. بيان كذب الرواة:

يقول الإمام النووي: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ.

وقال حسان بن يزيد: لم يُستعن على الكذابين بمثل التاريخ، يقال للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإن عرف ثبت صدقه، وإن لم يعرف ثبت كذبه.

مثال تطبيقي: إسماعيل بن عياش سأل رجلًا على سبيل الاختبار في أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة ومائة، قال له: أنت كتبت عنه بعد وفاته بسبع سنين! مع أن هناك اختلاف في سنة وفاة خالد بن معدان ما بين سنة 105 أو 107، أو قبل ذلك، لكن في كل الأحوال خالد بن معدان لم يعش حتى سنة 113.

إذًا، هنا ضُبط الكذب بمعرفة تواريخ مواليد الرواة ووفياتهم، وأي مشتغل بعلم الحديث يدرك أهمية ذلك جيدًا.

مثلًا قد تجد بين التلميذ وشيخه أكثر من سبعين سنة، وهذه كثيرة، إذًا كيف التقيا؟ فلا بد أن نعرف المواليد والوفيات، حتى نتأكد من أنهما قد التقيا.

فيلزم أن نعرف أن التلميذ قد أدرك فترة زمنية من حياة شيخه تسمح له بالرواية عنه، وأحيانًا يكون هناك أكثر من ذلك في سنة الوفيات، وأحيانًا نضبط خطأنا وخطأ غيرنا ونحن نناقش الرسائل مثلًا في مثل هذا، فتجد الباحث لم ينتبه إلى تواريخ الوفيات، فيحدد أو يترجم لشيخ ليس هو الموجود في الإسناد؛ لمجرد التشابه في الاسم، لكن لم ينتبه إلى أن التلميذ لم يلتقِ به للتفاوت في هذا.

وقد حدث أن كنت أناقش رسالة، فذكر الباحث أن أبا يعلى الحيري من شيوخ الإمام الحاكم، والإمام الحاكم ولد 321 وتوفي سنة 405، وأبو يعلى الحيري الذي ترجم له الباحث مات 215، فمجرد اشتراكه في الكنية، وفي النسبة إلى البلد مع شيخ الحاكم اشتبه على الباحث، ولم ينتبه للفرق الكبير بين مولد الحاكم ووفاة شيخه، الشيخ أبو يعلى الحيري مات 215، والحاكم ولد 321، حتى المولد بعد وفاة الشيخ بأكثر من قرن من الزمان، ومع ذلك لم ينتبه الباحث ووقع في هذا الخطأ لمجرد الاشتراك في الاسم أو الكنية.

ولذلك تمييز الأسماء وتمييز المواليد والوفيات كل ذلك من العلوم المهمة جدًّا، لأننا لابد أن نتأكد من أن كل راوٍ التقى مع شيخه وأخذ عنه مباشرة بدون انقطاع… إلى آخر ما نعلمه في علم دراسة الأسانيد.

ب. علم المواليد والوفيات يساعد على معرفة حال الراوي، وهل روى التلميذ عن شيخه قبل اختلاطه أو بعده؟

هب أن التلميذ لم يدرك من حياة شيخه إلا سبع سنوات مثلًا هي سن معتبرة عند العلماء للتلقي، وأقل سن للتلقي عند علماء الحديث خمس سنوات على أن ينضم إليها التمييز؛ فاشتركا في سبع سنوات، أو في عشر سنوات، ونحن نعلم أن الشيخ قد اختلط قبل وفاته مثلًا بسنوات؛ سنتين أو ثلاثًا، هذا مما يؤكد لنا أن رواية هذا التلميذ بالذات الذي لم يدرك من حياة شيخه إلا سبع سنوات- بعد الاختلاط، ومن القواعد المقررة أن من يروي عنه بعد الاختلاط ترد روايته على الأعم الأغلب عند العلماء.

جـ. علم المواليد والوفيات يتميز به الناسخ من المنسوخ من الأدلة الشرعية، وخصوصًا في جيل الصحابة؛ لنعرف أيهم أسبق في الأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيهما المتأخر!

فيعين على ذلك سنة إسلام الراوي، فيقال مثلًا: أسلم في سنة عشرة؛ إذًا فكان هذا آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم.

والعلماء يقولون مثلًا: إن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإذن بالكتابة، بعدما نهى في أول الأمر عن الكتابة.

ويستعينون في ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق))؛ لأن عبد الله بن عمرو بن العاص أسلم في سنة الثامنة.

وبمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا لأبي شاة))، وكان ذلك في حجة الوداع.

إذًا كان هذا آخر الأمر منه صلى الله عليه وسلم.

د. علم المواليد والوفيات أيضًا يتبين به التصحيف في الأنساب؛ أي: إذا قيل: فلان من قبيلة كذا، فهل المعني بهذا النسب هو من نفس الجيل الذي يذكر فيه أم لا؟

– علم التواريخ والوفيات والمواليد كذلك يستدل به على دقة ضبط الشيوخ، يقول الراوي مثلًا: سمعت الشيخ مثلًا يحدث يوم الخميس الموافق 15 من جمادى الأولى سنة 400، فهذا التاريخ الذي ذكره إنما يذكره لمزيد من توثيق الرواية؛ كأنه يريد أن يقول: أذكر التاريخ الذي التقيت به، وقد كان حيًّا في ذلك الوقت، وسمعت منه.

ومثل هذه الأقوال تفيدنا فوائد أخرى، مثل: أن نعرف أن الشيخ كان حيًّا في سنة كذا مثلًا، كأن يقول: رويت عنه قبل أن يختلط سنة كذا؛ فأولًا: أكد لنا أنه روى عنه قبل الاختلاط، وثانيًا: عرفنا سنة اختلاط الشيخ؛ حتى نتحاشَى ما رواه بعد هذا التاريخ.

أو مثلًا يقول: رويت عنه قبل أن يحدث ما أحدث، أي: قبل أن يتكلم في البدع مثلًا، وما شاكل ذلك.

هـ. معرفة المواليد والوفيات أحد الطرق التي يعرف بها ويميز بها الخطأ في المتفقين، كما في الخليل بن أحمد مثلًا. ومن يفتح كتب الرجال سيجد الاسم الواحد يشترك فيه ربما عشرات، وليس الاسم الأول فقط، بل يشتركون في أسماء الآباء والأجداد… إلى آخره، كيف نميز بينهم؟

كما ميزنا بالطبقة وعددنا ذلك من فوائدها، ففنُّ المتفق والمفترق مهم في تحديد هذا الأمر من علم الطبقات، وهو تحديد مَن المراد بهذا الاسم، أي: قد يتفقون في الاسم وأحيانًا، في اسم الأب والجد أيضًا، وأحيانًا في الكنية واللقب، لكنهم يفترقون في الذات، فالاسم واحد لكن ذواتهم مختلفة، فكيف نميز بينهم؟

نستطيع أن نميز بينهم بمعرفة مواليدهم ووفياتهم، هذا وُلِد سنة كذا ومات سنة كذا، وهذا ولد سنة كذا ومات سنة كذا، إذًا هذا غير هذا، وإذًا شيوخ هذا غير شيوخ هذا… إلى آخره.

و. معرفة المواليد والوفيات يُستعان بها على تمييز الروايات الكاذبة، ليس الرواة الكاذبون فقط، وإنما أيضًا الروايات الكاذبة، وفي هذا قصة مشهورة؛ تتداولها الكتب ويستدلون بها على نجابة وذكاء وفطنة الخطيب البغدادي -رحمه الله- حين عُرضت عليه وثيقة يقول اليهود فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعفاهم من الجزية، أي: أعفى يهود خيبر من الجزية، وجاءوا بكتاب مزوّر مختوم بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم على حد زعمهم، وكتبه معاوية بن أبي سفيان، وشهد عليه سعد بن معاذ.

ولما نظر فيها الخطيب البغدادي، وكانوا يطلبون من الخليفة وقتها أن يسقط عنهم الجزية استنادًا إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم!

فرجع الخليفة إلى المتخصصين في هذا الأمر، وهم علماء الحديث الكبار وكان في زمانه الخطيب البغدادي -رحمه الله- فبعد أن قرأ الرسالة أخبر الخليفة بأن هذا الكتاب مزوّر.

واستعان على ذلك بالحقائق الآتية: قال للخليفة: متى فرضت الجزية؟ قال: فرضت الجزية بعد العودة من تبوك في سنة تسعة، بينما خيبر فتحت سنة 7، فهذا أول دليل على كذب الوثيقة، ومعرفته هنا بتاريخ التشريع أعانه على التمييز.

قال أيضًا: إن الذي كتبه معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية لم يسلم إلا سنة 8، بل يعده الكثير من مسلمة الفتح، إذًا لم يكن قد كتب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد، وإذا قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعفى يهود خيبر التي كانت في سنة 7؛ فمعاوية لم يكن قد أسلم بعد.

أيضًا، يقولون: إن الوثيقة قد شهد عليها سعد بن معاذ، وسعد بن معاذ رضي الله عنه الذي اهتز لموته عرش الرحمن- مات في سنة 5، كنتيجة من نتائج غزوة الخندق وما بعدها غزوة بني قريظة، وهو الذي حكم في بني قريظة.

إذًا، كل التواريخ أعانت على بيان كذب هذه الوثيقة، ولذلك سُرَّ الخليفة جدًّا بالخطيب البغدادي -رحمه الله- حين ساعده على تحديد كذب هذه الوثيقة.

error: النص محمي !!