Top
Image Alt

فوارق الجرح والتعديل بين المتقدمين والمتأخرين ومطاعن العدالة ومسائل أخرى

  /  فوارق الجرح والتعديل بين المتقدمين والمتأخرين ومطاعن العدالة ومسائل أخرى

فوارق الجرح والتعديل بين المتقدمين والمتأخرين ومطاعن العدالة ومسائل أخرى

اختلاف منهج المتقدمين عن المتأخرين في إطلاق الجرح والتعديل:

ففي ترجمة يزيد بن هارون الواسطي، كان بعد أن كف بصره إذا سئل عن الحديث لا يعرفه أمر جاريته أن تحفظه له من كتابه، وكان ذلك يعاب عليه. قال ابن حجر: كان المتقدمون يتحرزون عن الشيء اليسير من التساهل؛ لأن هذا يلزم منه اعتماده على جاريته، وليس عندها من الإتقان ما يميز بعض الأجزاء من بعض، فمن هنا عابوا عليه هذا الفعل، وهذا في الحقيقة لا يلزم منه الضعف ولا التليين؛ أي:؛ لأنه لا يعتمد عليها وإنما يعتمد على حفظه، وقد احتج به الجماعة كلهم.

ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة روى العقيلي بسنده عن أبي نعيم، قال: حدثنا يحيى بن زكريا، وما هو بأهل أن أحدث عنه، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: ما رأيت أميرًا على منبر أحسن من مصعب، وثقه أحمد، وابن معين، وابن عيينة، وابن المديني، ويحيى القطان، وابن نمير، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وكان يحدث حفظًا، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة. قال ابن معين: لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد. وقال أبو زرعة: قلما يخطئ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم. وقيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يحدث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عدي ومن أهل قريته. قال ابن حجر: قد احتج به الجماعة، وجرحه مردود، بل ليس بجرح ظاهر؛ أي: لأن أبا نعيم لم يعلل لجرحه ولم يبين سببه.

هذا عن منهج المتقدمين؛ حيث تشددوا في استحضار شروط الرواية في الراوي، وجرحوا في اليسير مما يحتمل من أمور العدالة والضبط، ومما لا يؤثر في الرواية؛ احتياطًا للسنة.

تخفيف المتأخرين في شروط الراوي:

ثم خفف المتأخرون في اعتبار هذه الشروط:

قال العراقي: وأعرضوا في هذه الدهور عن اعتبار اجتماع هذه الأمور -أي: لم يشددوا في العصور المتأخرة في الحكم على الرواة- بل خففوا في الشروط لتعسر الوفاء بها، فاكتفوا بأن يكون الراوي مستور الحال في العدالة، وبأن يثبت ما يروي بخط ثقة مؤتمن في الضبط، أو بإفادة ثقة بذلك على الكتاب بخطه، واعتمدوا قراءة الأصل المعتمد على المحدثين الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم من مثل هذا الأصل المعتمد المسموع لهم؛ والسبب في هذا التخفيف أن الأحاديث دونت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث؛ فأصبح التعويل عليها لا على ما يروى بالسند بعد ذلك؛ حيث لو ورد حديث بالإسناد لا يوجد في هذه الجوامع المعتمدة لم يقبل؛ لأنه لا يجوز أن يفوت جميعه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالحجة قائمة بروايتهم له، فآل السماع والرواية بالأسانيد إلى بقاء صورة الإسناد بين الرواة. قال السخاوي: لما كان الغرض أولًا معرفة التعديل والتجريح، وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان، للتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف؛ حصل التشدد بمجموع تلك الصفات.

قال السخاوي: ولما كان الغرض آخر الأمر الاقتصار على مجرد وجود السلسلة السندية اكتفوا بما ذكرناه، وهذا بالنظر إلى الغالب، فقد يوجد تشدد عند بعض المتأخرين وتساهل عند بعض المتقدمين على ندرة.

تخصص الراوي في فن من فنون الرواية دون سواه:

ثم نتكلم عن تخصص الراوي في فن من فنون الرواية دون سواه:

عُنِي علماء الحديث ببيان تخصص الراوي في فن من فنون الرواية دون سواه، كروايته للمراسيل، أو المقاطيع، أو روايته في التفسير، أو السيرة النبوية، أو عنايته بالعلل، أو الأسانيد، أو ألفاظ الحديث، ومن ذلك قولهم: روى عنه أهل بلد كذا، أو كان راوية لفلان، أو روى عنه نسخة، أو روى فلان عنه نسخة، أو نحو ذلك، وفي كتاب (الثقات) لابن حبان تنبيه واضح على هذه النواحي.

وفائدة ذلك تيسير الاستفادة من تخصص الراوي فيما يرويه، وعدم الحاجة إلى البحث عن تخصصه في كل حديث يرويه، وتقتضي منهجية البحث تحديد خصائص الراوي التي يشاركه فيها غيره؛ لتجميع من يشترك في خاصة معينة من الرواة؛ فتسهل الاستفادة من مروياتهم، ونجتزئ من ذلك بما يلي:

ممن عرف بالرواية عن شيخ معين علي بن المبارك الهنائي، كان راويًا ليحيى بن أبي كثير، وكان متقنًا ضابطًا، وعبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي كان راويًا للثوري، وعبد الرحمن بن أبي الرجال كان راويًا لأبيه، والوضين بن عطاء كان راويًا لمحفوظ بن علقمة، ويزيد بن مسروح كان راويًا لعمرو بن شعيب، ويونس بن بكير الكوفي كان راويًا لأبي إسحاق، ويونس بن يحيى بن نباتة كان راويًا لسلمة بن وردان.

ومنهم من عرف بعلل الحديث بيانًا لها وكشفًا لمواطنها: كابن المديني، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، والترمذي … وغيرهم.

ومنهم من عرف بالعناية بحديث الزهري: كمحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن صالح المصري.

ومما يذكر في هذا المجال ما ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث عن هلال بن العلاء الرقي، قال: منّ الله -تعالى ذكره- على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي يفقه أحاديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسّر غرائب أحاديث الرسول صلى الله عليه  وسلم وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة.

أثر اختزال المتأخرين لأقوال المتقدمين في الحكم على الراوي:

نتحدث عن أثر الاختزال في كتب المتأخرين لأقوال المتقدمين في الحكم على الراوي. قال المُعَلِّمي: أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره، وربما يخلّ ذلك بالمعنى، فينبغي -إذا ورد اختلاف- البحث عن العبارة الأصلية ليُبنى عليها، وذكر من ذلك إذا رأى الباحث في الترجمة “وثقه فلان” أو “ضعفه فلان” أو “كذبه فلان” فقد لا يكون فلان قال: هو ثقة، أو هو ضعيف، أو هو كذا.

وحكى عن ابن حجر في مقدمة (الفتح) قال في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حبان المدني: وثقه ابن معين وأبو زرعة. قال: والذي في (التهذيب) قال أبو زرعة: ليس به بأس.

وفي المقدمة أيضًا للبخاري -شرح البخاري- ترجمة إبراهيم بن المنذر الحزامي: وثقه ابن معين والنسائي، والذي في ترجمته في (التهذيب) قال عثمان الدارمي: رأيت ابن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب ظننتها المغازي. وقال النسائي: ليس به بأس، وفاته قول الخطيب في نفس الترجمة: إن يحيى بن معين وغيره من الحفاظ كانوا يرضونه ويوثقونه.

قال ابن حجر: والذي قاله الخطيب سبق أبو الفتح الأزدي بمعناه، فابن حجر اختار عن ابن معين توثيقه لذلك الراوي، ورأى ابن حجر أنه في قول النسائي وأبي زرعة: “لا بأس به” ما يعني كونه ثقة، ونقل الأقوال بالمعنى مما لا يُقبل؛ لأنه يوهم غير ما يدل عليه اللفظ إلا عند من يعرف مراد الإمام.

قال المُعَلِّمي: وفي (الميزان) و(اللسان) معبد بن جمعة كذبه أبو زرعة الكشّي، وما في عبارته أنه ثقة في الحديث، ففي (تاريخ جرجان) قال أبو زرعة محمد بن يونس الجنيدي الكشي: معبد بن جمعة أبو شافع كان اسمه واسم أبيه واسم جده غير ما ذُكر، هو غيّر أسماءهم، وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المُسكر. قال المُعَلِّمي: فكأن بعضهم استروح إلى قوله: “هو غير أسماءهم” فعدّها تكذيبًا، وتبعه غيره بدون تحقيق. قال: وتغيير الاسم ليس بكذب إلا أن يدعي الرجل أن اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قول الكشّي: وكان ثقة في الحديث، وحمل شرب المُسكر على شرب القليل من غير الخمر -أي: من النبيذ.

وهذا مثال جيد للاختزال المثير للتعجب لأقوال المتقدمين أجاد المُعَلِّمي اختياره، ومع أن التكذيب يتجه إلى العدالة، والتوثيق يتجه إلى الضبط غالبًا إذا كانا في الحديث، لكن العبارة تحتمل ما ذكره المُعَلِّمي وهو ما يرد إطلاق تكذيبه.

جرح المتأخر وتعديله بقدر اطلاعه على أقوال المتقدمين:

ونتكلم عن تأثر الجرح والتعديل الصادرين من الإمام المتأخر بقدر اطلاعه على أقوال المتقدمين.

قال الذهبي: زكريا بن يحيى بن داود الحافظ أبو يحيى الساجي ما علمت فيه جرحًا أصلًا، وقال أبو الحسن بن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم وضعفه آخرون. قال ابن حجر: جازف ابن القطان بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحدٌ قط، وقد كان مع معرفته بالفقه والحديث وتصنيفه في الاختلاف والعلل عن الإسناد قال ابن أبي حاتم: كان ثقة يعرف الحديث والفقه وله مؤلفات في الرجال، واختلاف العلماء، وأحكام الرجال.

والحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، قال ابن معين: كذاب ليس بشيء، وقال ابن نمير: يكذب على ابن جريج، وقال محمد بن حميد الرازي: ما رأيت أسوأ صلاة منه، وقال محمد بن رافع النيسابوري: كان يرفع رأسه قبل الإمام ويسجد قبله، وقال أبو الحسين الرهاوي: كتبت عن الحسن بن زياد كتبه وكنت لزمته، فرأيته يومًا في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف، فلما سجدوا مد يده إلى خد الغلام فقرصه وهو ساجد، ففارقته وجعلت على نفسي ألا أحدث عنه بشيء أبدًا، وقال محمود بن غيلان: سألت يزيد بن هارون عن اللؤلؤي فقال: أو مسلم هو؟ وكان أبو أسامة يسميه: الخبيث، وقال يعلى بن عبيد: اتق اللؤلؤي، وقال ابن عدي: له أحاديث وليست صنعته الحديث فيدري ما يحدث عمن حدثه، كان يكذب على ابن جريج، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بثقة ولا مأموم وكذبه أبو داود، وقال ابن المديني: لا يُكتب حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون.

قال ابن حجر: ومع ذلك كله أخرج له أبو عوانة في (مستخرجه)، والحاكم في (مستدركه)، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، ولا يُقبل قول المتأخر فيه مع ما ثبت عن المتقدمين من جرحه.

كون الرواة المتأخرين لا يُشترط فيهم كل ما يُشترط في المتقدمين:

ثم نتكلم عن كون الرواة المتأخرين لا يُشترط فيهم كل ما يُشترط في المتقدمين. ففي العصور المتأخرة بعد تدوين السنة تخفف المحدثون من الشروط المشددة التي وضعوها لتوثيق الراوي أو تعديله، فاكتفوا بأن يكون مستور الحال، أي: مسلمًا بالغًا عاقلًا غير مرتكب لمفسق أو خارم للمروءة، ولم يشترطوا ثبوت تزكيته من إمام من أئمة الجرح والتعديل، واكتفوا في الضبط بأن يثبت ما روى، وأن يثبت بخط ثقة مؤتمن من أهل الخبرة في هذا الشأن، وأصبح الغرض بقاء سلسلة الإسناد لتبقى خاصة الإسناد التي خُصت بها هذه الأمة، لكن تشدد المحدثون في حفظ الأصول ورعايتها وقوانين الكتابة والنسخ والضبط، وما يتصل بذلك من تحقيق النصوص وسلامة الكتب أو الأجزاء التي يُحدّث منها الراوي.

جهالة الراوي سبب من أسباب الطعن فيه:

ثم نتكلم عن وجوه الطعن في الراوي فيما يتعلق بالعدالة:

والوجه الأول: الجهالة، أسباب الجهالة حددها الخطيب بقوله: المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد، ومثل لذلك بمن لم يرو عنه إلا أبو إسحاق السبيعي كعمرو ذي مر، وجبار الطائي، وعبد الله بن أغر الهمذاني، والهيثم بن حنش، وسعيد بن ذي حُدان، وقيس بن كركم، وخمر بن مالك -أو خُمير- وبعض هؤلاء روى عنه أكثر من واحد، خلافًا لما حدده الخطيب كالهيثم بن حنش روى عنه أيضًا سلمة بن كُهيل.

ومثل لذلك أيضًا بمن انفرد بالرواية عنه الشعبي مثل سمعان بن مشنج، والهزهاز بن ميزن، على أن الهزهاز روى عنه أبو وكيع بن الجراح، وذكر منهم عمير بن إسحاق لم يرو عنه سوى عبد الله بن عون، ثم قال: وغير من ذكرنا خلق كثير تتسع أسماؤهم، قال: وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الراوي اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم، وروى عن محمد بن يحيى وهو الذهلي قال: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة، قال: وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، ومن روى عنه واحد هو مجهول العين.

المراد بالمبهم وحكم روايته مع التعليل:

المبهم من الرواة من لم يسم رجلًا كان أو امرأة، ولا تُقبل روايته في الأصل إلا بعد تعيينه لتزول جهالة عينه، مثاله: أخبرني رجل أو شيخ أو فلان أو بعضهم؛ لأن شرط قبول الخبر عدالة راويه، ومن أُبهم اسمه لا تعرف عينه، فكيف عدالته؟! ويعرف المبهم بذكره في رواية أخرى صرحت بذلك، أو بجزم إمام من أئمة الحديث أنه فلان ولم يرد عن غيره ما يعارضه، ومن المبهم أن يقال: ابن فلان وله أبناء كثيرون، أو فلان عن عمه أو عمته وليس أحد منهما محدد العين، هذا كله إذا كان الراوي عن المبهم معينًا، فإن كان مبهمًا أيضًا زاد إبهامه، وقد يزيد إبهام من روى عنه، كحديث ربعي بن خراش عن امرأته عن أخت حذيفة، وإبراهيم بن ميسرة عن خالته عن امرأة.

أما سبب الإبهام فمتعدد: ومن ذلك أن يكون الراوي ثقة عنده مجرحًا عند غيره مع ضعف ما ينبني عليه الجرح، أو أن يكون صغيرًا والراوي عنه كبير، أو أن يكون المبهم من غير الشيوخ المشاهير أو أن تجلب الرواية عنه شرًّا للراوي باتهامه بالاتصال به أو بالاشتراك معه فيما هو متهم فيه، أو يكون الإبهام اعتمادًا على ثبوت الحديث من طريق غير المبهم عن شيخه أو عمن فوقه، ورواية المبهم مردودة وهي أشد جهالة من مجهول العين.

آراء العلماء في المبهم بلفظ التعديل مع التعليل وبيان الراجح:

المبهم بلفظ التعديل كقوله: حدثني الثقة أو الضابط أو العدل، أو يقول: جميع من أروي عنهم ثقات، ويبهم بعضهم أثناء الرواية، وجهالة عين المبهم -كما قلنا- أشدُّ من جهالة مجهول العين المعيّن الذي لم يرو عنه إلا واحد، واختلف العلماء في حكم رواية هؤلاء المُعدَّلين مع الإبهام:

فقال أئمة الشافعية كالصيرفي والخطيب وابن الصباغ: لا يُعتبر هذا التعديل عند من يُقلد المعدل أو عند غيره، وتعليل هذا الرأي أن تعديل المبهم عند من عدله لا يُعتبر تعديلًا عند غيره؛ لأن غيره قد يطلع على جرح في المبهم إذا عرف اسمه لا يعرفه المعدل، وقد ينفرد المعدل بالتوثيق مع أن غيره من العلماء يُجرحه، وأضافوا إن إضراب المحدث عن تسمية الراوي وكشف إبهامه رِيبة توقع ترددًا في القلب، خاصة إذا تفرد بما يرويه.

واعتمد ابن أبي الدم على رده أيضًا من شاهد الأصل إذا شهد عليه شاهد فرع، فقال: أشهدني شاهد أصل أشهد بعدالته وثقته أنه يشهد بكذا، فشهادته بعدالته لا تُسمع حتى يعينه للحاكم ويعرف عدالته.

وقيل: يكفي تعديل المبهم كما يُقبل تعديل المعين؛ لأن المعدل مأمون في الحالتين، وهو ماشٍ على منهج من يحتج بالمرسل؛ لأنه في قوة تعديل من لم يذكر في السند، بل هذا أقوى؛ لأنه صرح بالتعديل، لكن الفرق بين الرأيين أن المبهم لا يعرف فيه تعديل غير من عدله بخلاف المعين، وعند احتمال الجرح لا يُجبر هذا الفرق ولا يزول احتمال الجرح في الغالب، فتوثيق المبهم أدنى درجة من توثيق مجهول العين الذي لم يرو عنه إلا واحد إذا وثّق لعدم إمكان معرفة حكم غير من وثقه.

وقيل: يقبل تعديل المبهم إذا صدر من مجتهد في حق من قلده، كمالك والشافعي وغيرهما من الأئمة المتبوعين، وأُيد ذلك ببيان من أبهم وتعيينه بمتابعة استعمال الإمام لهذا التعديل. قالوا: فإذا روى مالك عن الثقة عن بُكير بن عبد الله بن الأشج فالثقة مخرمة ولده، وإذا قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب فقيل: إنه عبد الله بن وهب أو الزهري أو ابن لهيعة، وإذا قال: أخبرني من لا أتهم من أهل العلم فهو الليث، وما يقول: “بلغني عن علي” سمعه من عبد الله بن إدريس الأودي.

وإذا روى الشافعي عن الثقة عن ابن أبي ذئب فهو ابن أبي فديك، وإذا قال: عن الثقة عن الليث فهو يحيى بن حسان، وإذا قال: عن الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، والثقة عن الأوزاعي هو عمرو بن أبي سلمة، والثقة عن ابن جريج هو مسلم بن خالد الزنجي، والثقة عن صالح مولى التوأمة هو إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال عن الثقة وذكر أحدًا من العراقيين فهو أحمد بن حنبل، وقال الربيع: إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة فهو يحيى بن حسان، أو من لا أتهم فهو إبراهيم بن أبي يحيى، وبعض الناس يريد أهل العراق، وبعض أصحابنا يريد أهل الحجاز.

وبيانهم لمن أبهم يُستفاد منه أن تعديل الإمام المجتهد لا ينخرم إلا في النادر، وأن تعديله إذا خُولف فيه له فيه وجهة معتبرة، لكن ينبغي رعاية منهجه في الرواية من الأخذ برواية الراوي على سبيل الاستقلال أو على سبيل المتابعة والاعتضاد.

قال الزركشي: قيل: إن الشافعي أعلم أصحابه بذلك -أي: بمراده ممن وثقه من المبهمين- وقيل: يقول ذلك -أي: يبهم التعديل- فيما يثبت من طرق مشهورة -أي: من غير طريق المبهم- أما الراوي غير المتبوع كابن إسحاق فلا يُعتمد توثيقه للمبهم، فقد قال: أخبرني من لا أتهم عن مقسم، وفُسر بالحسن بن عمارة المعروف بالضعف، ومن لم يعتمد تعديل الإمام لمبهم بالنسبة لمن قلده قال: إنه لا يورد خبر المبهم على سبيل الاحتجاج بالخبر على غيره، وإنما يذكر قيام الحجة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك -أي: إن الخبر المروي بإسناد من أبهم توثيقه ليس أصل احتجاجه، بل مساعد في هذا الاحتجاج، فلا يدل إطلاق توثيقه على أنه يحتج بخبره إذا انفرد- وهذا بعيد لأن الكلام في التوثيق بلفظ يدل على التوثيق لا في إثبات التوثيق بمجرد رواية الإمام عنه هذا الخبر، وبينهما فرق واضح -أي: بين توثيق الراوي وبين توثيق الخبر المعين الذي رواه.

الفرق بين “حدثني الثقة” و”حدثني من لا أتهم”:

ألحق ابن السبكي قول الشافعي: حدثني من لا أتهم بقوله: حدثني الثقة في مطلق القبول لا في مرتبة التعديل، والسند في ذلك إلى ما ذُكر من تعيين من قال فيه ذلك وظهور التوثيق في أكثرهم والقبول في جميعهم، وقال الذهبي: إن قول الشافعي: “أخبرني من لا أتهم” ليس بحجة؛ لأنه أنزله من مرتبة الثقة إلى أنه غير متهم فهو لين عنده -أي: يحتاج إلى متابع- وأضاف إلى ذلك أنه ضعيف عند غيره؛ لأنه مجهول ولا حجة في مجهول.

قال: ونفي الشافعي التهمة عمّن حدثه لا يستلزم نفي الضعف، فإن ابن لهيعة ووالد علي بن المديني وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وأمثالهم ليسوا ممن نتهمهم على السنن، وهم ضعفاء لا يقبل حديثهم للاحتجاج به، يريد أن يقول: إن قول الشافعي: “أخبرني من لا أتهم” تعديل وليس بتوثيق ويحتاج إلى متابع. قال ابن السبكي: وهو صحيح، إلا إذا قال الشافعي ذلك حين احتجاجه بالحديث -أي: بانفراده- وليس به وبما يؤيده من الأحاديث، فإن احتجاجه به والتوثيق له سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، وهذا إنما يُقال قبل تعيين مراده بالمبهم، فإذا عُيّن كان الحكم تبعًا للتعيين، وقد ظهر أن غالب من قال فيه ذلك موثق، وأن المضعف مقبول عنده إذا كان حديثه مؤيدًا بالشواهد والمتابعات.

آراء العلماء في الاحتجاج برواية مجهول العين:

آراء العلماء في الاحتجاج برواية مجهول العين مع تعليل كل قول وبيان الراجح:

قال السخاوي: قبل هذا القسم مطلقًا من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام، وعزاه ابن المواق للحنفية، وقال: إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد ومن روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق.

وقال الرازي: قال أبو حنيفة وأصحابه: يكفي في قبول الرواية الإسلام، بشرط سلامة الظاهر عن الفسق، ونسب ابن السبكي ذلك لأبي حنيفة وابن فورك وسليم الرازي، لكن ذلك مخصوص عندهم بالقرون الثلاثة الفاضلة، لثبوت عدالة الصحابة وغلبة العدالة على من بعدهم، أما بعد القرون الثلاثة فلا تقبل رواية المستور لغلبة فقدان العدالة عندهم، وأولى رواية مجهول العين.

وعلى هذا أيضًا المالكية؛ لأنهم يقبلون المرسل أيضًا مثلهم، فأولى الراوي المعين الذي لم يُجرّح، وهذا الرأي ظاهر في إثبات العدالة مطلقًا للمجهول، مجهول العين ومجهول الحال، بل ومن لم يذكر بما يدل عليه ما دام قد روى عنه راوٍ لم يُجرح، فلا يُشترط في الحكم بعدالته أو توثيقه عدالة من روى عنه، ولا يُعتبر مجهولًا ما دام قد روى راوٍ عنه، واستدل بعضهم لذلك بأن الدليل قام على قبول خبر العدل، إما عن نفسه بأن يخبر بأنه ابن فلان أو أن هذه داره، فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية، وقوله: أخبرني فلان -إخبار عن الراوي بأنه فلان، فقبول خبره بذلك لازم لقيام الدليل على قبول خبره.

زوال جهالة العين وجهالة الحال:

فمجهول العين قال بعضهم بقبول روايته، لكن الظاهر أن المطلوب إثبات كونه ممن طلب الحديث، وعرفه العلماء بالرواية، لا مجرد كونه فلانًا، أو عدالته في غير الرواية، ولم يرد ممن روى عنه ولم يوثقه ما يدل على ذلك، ومن وثقه لا يستطيع أن يبني توثيقه على جانب روايته للحديث؛ لأنه لم يُعرف في رواة الحديث من طريق غيره، بل يُثبت عدالته لا على أنه من الرواة.

وذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وذكر ابن حجر أن ذلك أيضًا مذهب ابن حبان، وقيد ابن حبان ذلك أن يكون الراوي عنه غير ضعيف، قال: فمن لم يرو عنه إلا الضعفاء متروكون على الأحوال كلها. ومن كان غير مجروح وليس فوقه مجروح أو دونه مجروح وسَلِمَ سند حديثه من الإرسال والانقطاع -أي: والتدليس- كان محتجًّا بحديثه.

فجهالة العين لا تتحقق عنده إلا إذا كان الراوي عنه غير عدل، والعدل عنده: من لم يعرف فيه الجرح؛ إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يُجرح فهو عدل عنده حتى يتبين جرحه، فإذا أريد بالراوي المشهور عند ابن خزيمة الشهرة بالعدالة كان قوله وقول ابن حبان واحدًا -كما قرر ابن حجر.

ونتيجة ذلك أن شهرة الراوي تتحقق عندهما بعدم جرحه، وكذا شهرة الراوي عنه، وهكذا تُعتبر روايات المستور مثل روايات الثقات عند من تزول جهالة العين عنده برواية راوٍ واحد عن الراوي، مع الاختلاف فيما تثبت به العدالة، فهو هنا: عدم ثبوت جرح في الراوي.

وعند غير ابن خزيمة وابن حبان لا بد من التعديل، ودليلهم على قبول الراوي المشهور عندهم دليل القول الأول، مع الاحتياط برواية راوٍ غير مجروح عنه.

ويرى ابن حجر أن من لم يرو عنه إلا واحد لا يكون مجهولًا إلا إذا لم يوثق، فإن وثق خرج عن الجهالة. ففي مراتب الجرح والتعديل في أول (التقريب) قال: السابعة من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق وإليه الإشارة بلفظ: “مجهول”. فاشترط في مجهول العين شرطين: ألا يروي عنه إلا واحد، ألا يوثق. وعن ابن القطان قبول من تفرد عنه الراوي والمزكي.

قال أبو العباس القرطبي: الحق أنه متى عرفت عدالة الراوي قبل خبره، سواء روى عنه واحد أو أكثر، وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن تنطع المحدثون. فاعتبر اشتراط رواية اثنين مع توثيق الراوي تنطعًا، وأصل ما اختاره ابن حجر قول الشافعي: رواية المجهول غير مقبولة، بل لا بد فيه من خبرة ظاهرة، والبحث عن سيرته وسريرته. وقال ابن عبد البر: من عرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد.

وأدلة هذا الرأي هي أدلة الرأي الأول مع زيادة الاحتياط بثبوت توثيقه ممن روى عنه، أو ممن لم يرو عنه.

والتوثيق هنا لا يتم بعدم ثبوت جرح في الراوي، بل بحكم أحد من أئمة الجرح والتعديل، لكن وجهة من لم يعتمد هذا الرأي أن مجهول العين الموثق بمنزلة المبهم الموثق؛ لأن اسم الراوي وعينه لم يثبتا إلا من جهة من وثقه، فكأنه قال: حدثني الثقة، وذلك غير مقبول عند جمهور أهل الحديث، وانتصر بعضهم للاكتفاء في زوال جهالة العين برواية راو مشهور، أو مع تزكية مزكٍ، أو رواية من لا يروي إلا عن ثقة عنه، بأن كل ذلك يفيد الظن بتعيين الراوي، وهو كاف في لزوم اعتبار عينه وإثباتها.

واشتراط اليقين في تعيين الراوي مع أن ما يثبت بخبره ليس يقينًا، بل غلبة ظن لا يقبل؛ إذ لا يجوز أن يشترط في الشرط ما لا يشترط في المشروط من حيث الثبوت، فالذي تقتضيه الأدلة أنه لو وثقه واحد، ولم يرو عنه أحد، أو روى عنه واحد ووثقه هو بنفسه، أو روى عنه واحد ثقة أو غير مجروح -خرج عن حد الجهالة، وصار مظنون العين، واعتماد الظن واجب، ومن يشترط اثنين لا يكتفي بذلك؛ لعدم ترجح وجود عينه ومعرفتها.

وقيد بعضهم القبول بما إذا كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، كمالك، وابن مهدي، ويحيى القطان، وغيرهم، وجعلوا بذلك رواية من لا يروي إلا عن عدل في قوة توثيق الراوي أو الحكم بعدالته، وعدم وجود جرح فيه، وإن لم يكن التوثيق بلفظ صريح، وذكر ابن عبد البر من ذلك عروة بن الزبير، فروى عنه قال: إني لأسمع الحديث استحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدّث عمّن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدّث به عمّن لا أثق به؛ فلا أحدث به. قال ابن عبد البر: هذا فعل أهل الدين والورع، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المئونة؟ ولو كان الناس على هذا المذهب كلهم لم يُحتج إلى شيء مما نحن فيه، وفاته أن توثقه لمن يروي له لا يعني التزام غيره من الأئمة بذلك التوثيق.

وقال ابن عبد البر: لعلم الإسناد طرق يصعب سلوكها على من لم يصل بعنايته إليها، ويقطع كثير من أيامه فيها، ومن اقتصر على حديث مالك -رحمه الله- فقد كُفي تعب التفتيش والبحث، ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنفصم؛ لأن مالكًا قد انتقد وانتقى، ولم يرو إلا عن ثقة حجة، وذكر أنه سيقيم الدليل على موقع مرسلات كتابه وموضعها من الصحة، والاشتهار في النقل، ولا يعني اجتهاده في ذلك، وحكمه بالتوثيق لزوم اتباع غيره له في ذلك أيضًا.

وأدلة هذا الرأي هي أدلة الرأي الأول مع زيادة الاحتياط بأن يكون الراوي عنه لا يروي إلا عن ثقة؛ لئلا يقع الشك في أمره ولو على سبيل الاحتمال.

ونص بعضهم على اختصاص قبول رواية المجهول بأن يكون مشهورًا بالاستفاضة ونحوها في غير العلم -أي: علم الحديث- كشهرة مالك بن دينار بالزهد. قال أبو مسعود الدمشقي: برواية الواحد لا يرتفع عن الراوي اسم الجهالة، إلا أن يكون معروفًا في قبيلته.

وأدلة هذا الرأي هي أدلة الرأي الأول مع الاحتياط بمعرفة الراوي بالعدالة في غير الرواية بعدم ثبوت جرح فيه مع معرفة غير المحدثين له، ذلك أن عدم شهرته في غير الحديث يمنع غالبًا من معرفة حاله من الجرح والتعديل على وجه العموم.

والجمهور على اشتراط رواية اثنين عن الراوي من المشهورين بالعلم -أي: رواية الحديث- لتزول جهالة عينه، وهو احتياط زائد من المحدثين لمعرفة عين المحدث وتمييزه عن غيره من جهة الرواة عنه، وهو احتياط يضاف إلى ما بذلوه من جهد في تعيين شخصية الراوي ومنع التباسه بغيره ممن يشتبه به، أو ممن يراد التلبيس على شخصية الراوي به كتسميته، أو تكنيته، أو ذكره بغير ما يشتهر به مما يصعب معه تحديد شخصيته، ويبقى النظر فيما تثبت به عدالته على الآراء المختلفة في ذلك.

وقد نقل ابن كثير وابن السبكي فضلًا عن ابن المواق الإجماع على عدم قبول من روى عنه واحد. قال ابن المواق: لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد، وإنما يُحكى الخلاف عن الحنفية، أي: عن علماء الأصول.

وقال في (توضيح الأفكار): مذهب جمهور المحدثين: أن من روى عنه عدل، وعدله آخر غير الراوي -أي: أو عدله نفس الراوي- فهو عندهم مجهول؛ فإن حقيقة المجهول حاصلة فيه، وهي تفرد الراوي عنه، ولظاهر كلامهم في مجهول العين أن لو زكاهم جماعة، وتفرد عنه راوٍ لم يخرج عن جهالة العين؛ لأنه جعل حقيقته من لم يرو عنه إلا راوٍ -أي: حقيقة مجهول العين.

ووجه الاحتياط في صنيع المحدثين أن الراوي لم يعرف اسمه وإسلامه، وأنه من أهل الرواية للحديث من غير جهة المعدل راوي عنه، أو موثق مع الرواية، أو موثق له آخر مع هذا الراوي، ولكن لم تُعرف عينه إلا من طريق رواية هذا الراوي عنه، فالرواية عن الراوي تتضمن إخبارًا بوجوده وتعين ذاته، وأنه ممن يروي الحديث، لكن ذلك غير مراد للراوي، وإنما هو لازم روايته، فكما لا يقبل تعيين الراوي بالرواية عنه لا يقبل توثيقه ممن وثقه وحده مع عدم معرفة عينه؛ لأن التوثيق فرع ثبوت عين الموثق، وتزداد الجهالة إذا انفرد بتوثيقه من روى عنه، وتزداد بصورة أكبر إذا انفرد بالرواية عنه ولم يوثق.

والظاهر من صنيع العلماء في مراتب الجرح والتعديل أن المجهول -مجهول العين الذي لم يوثق- في مرتبة من يحتاج إلى متابعة، وكذلك إذا وثق عند جمهور المحدثين، ويرى ابن حجر أن توثيقه يزيل أثر جهالة العين؛ لاندراج ذلك في إزالة جهالة الحال، أما زوال جهالة العين فلا يفيد زوال جهالة الحال، فلا تزول جهالة الحال عند ابن حجر، ومن قال بقوله، بل يُقال: إن هناك جهالة عين، وهو خلاف ما يراه المحدثون؛ حيث إن جهالة الحال لا تزول إلا إذا زالت جهالة العين أولًا، والتوثيق مع جهالة العين لا اعتبار له عندهم.

ومن أمثلة مجهول العين قال ابن المديني: حامد الذي روى عنه أبو إسحاق، قد سمع من سعد بن أبي وقاص، ولا يعرف، وهو حامد الصائدي أو الشاكري، وفي (لسان الميزان) ذكره البخاري، وابن أبي حاتم في (التابعين) ولم يذكرا فيه جرحًا، وذكره أبو الفتح الأزدي في الصحابة، فقد قال ابن المديني: لا يُعرف، وسكت عن ذلك من بعده.

مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا:

آراء العلماء في الاحتجاج برواية مجهول الحال، مع تعليل كل قول وبيان الراجح. مجهول الحال هو: من زالت جهالة عينه برواية اثنين أو أكثر عنه ولم يوثق، وجعله ابن حجر في المرتبة السابعة، وقال: وإليه الإشارة بلفظ مستور أو مجهول الحال. وقسم بعضهم هذا القسم من الرواة إلى قسمين:

  • مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا.
  • ومجهول العدالة باطنًا.

والعدالة الظاهرة: عدم ورود جرح في الراوي، أو ظهور ما يُجرّحه حال الرواية، أو الأخذ عنه مع عدم البحث والسؤال.

والعدالة الباطنة: هي ما يرجع إلى الخبرة والدراسة حتى يغلب على الظن عدالة الراوي، سواء أكان ذلك من الراوي أو أئمة الجرح والتعديل.

وقد يفرقون بين خبرة الراوي، وخبرة إمام الجرح والتعديل، فمن وثقه راوٍ تزول جهالة العدالة ظاهرًا لا باطنًا، بخلاف من وثقه إمام. قال ابن رُشيد: لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد واثنين ما لم يُصرح الواحد أو غيره بعدالته، نعم كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حُسن الظن فيه. قال السخاوي: وتوجيه هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا تكون تعديلًا له. وقال الخطيب: لا يثبت حكم العدالة للراوي برواية الاثنين عنه. وقال الأمير: تحقق العدالة شرط في الراوي، ومن جهلت عدالته لا تقبل روايته.

أما القسم الثاني من مجهول الحال فهو مجهول العدالة باطنًا مع كونه عدلًا في الظاهر، وهو من لم يوثقه العلماء مع البحث عن حاله والاهتمام بذلك من الراوي عنه وغيره، أو عدّله من ليس أهلًا لقبول تعديله؛ لأنه ليس من علماء هذا الشأن.

قال النووي تبعًا للرافعي والبغوي: المستور من عرفت عدالته ظاهرًا لا باطنًا، وقال إمام الحرمين: المستور من لم يظهر منه نقيض العدالة، ولم يتفق البحث في الباطن عن عدالته، ويُضاف إلى ذلك من بحثنا عنه فلم نجد قول إمام يعدله، وهذا النوع من الرواة الذين ثبتت لهم العدالة ظاهرًا دون العدالة باطنًا، وهي العدالة، أي: الباطنة المكتسبة من دراسة رواياته، ومعرفة أنه لم يكذب، ولم يتعمد الكذب، ولم يكن مبتدعًا إلى غير ذلك مما ينكشف من البحث في رواياته، حكم هذا الراوي قبله بعض من منع قبول مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، ومنهم سُليم بن أيوب الرازي، واحتج بأن الأخبار تبنى على حسن الظن بالراوي؛ ولأن الخبرة بعدالته الباطنة تعسر على الراوي عنه، وعُزي الاحتجاج برواية مجهول العدالة باطنًا لكثيرين من المحققين.

ورأى ابن الصلاح أن العمل يشبه أن يكون على هذا القول في كتب الحديث التي اشتُهرت، وتداولها الأئمة فمن دونهم؛ حيث خرج فيها أحاديث لرواةٍ تعذرت الخبرة بهم في باطن الأمر، وخص ذلك السخاوي بالقرون الفاضلة وبغير رواة الصحيحين، واستدلوا على قبوله بالأدلة على قبول رواية المجهول، واعتمده صاحب توضيح الأفكار، وأثار إشكالًا في تحديد العدالة الباطنة؛ لأنها راجعة إلى اصطلاحات حادثة بعد عصر الحديث -أي: عند المتقدمين- وهذا كله مبني على عدم إدراك العدالة الباطنة بدراسة أحاديث الراوي، وتبين عدم كذبه، أو اتهامه بالكذب، والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنها لا تقبل، أي:؛ لأنه لا بد من ثبوت العدالة بدليل معتبر بناءً على دراسة إمام من الأئمة، ورأى ابن حجر: أن مجهول الحال عمومًا هو المستور، وأن روايته لا يُطلق القول بردها ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، والوقف كما هو معروف في حكم الرد فيما يتصل برواية الحديث إذا انفرد الراوي بالرواية إلى أن يرد ما يقوي روايته، ومن لا يحتج به يجعل روايته مما يحتاج إلى متابع، ولا يردها على الإطلاق أيضًا فابن حجر موافق في حكمه على رواية المستور لمن لا يحتج بروايته.

هل في الصحابة مجاهيل؟

الخلاف في قبول رواية المجهول دائر في حق من دون الصحابة رضي الله  عنهم فالسبب في رد رواية المجهول احتمال كونه غير عدل يظهر جرحه إذا تبينت شخصيته، وتحددت هويته؛ ذلك لأن العصر الذي هو فيه لا تغلب فيه العدالة، وظهر فيه الجرح، وتهاون الناس بشروط الرواية، فروى بعضهم وهو غير أهل للرواية، وصار الاعتماد على علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة والمرويات، فمن استوفى الشروط قبلوه، ومن اختل شرط فيه بينوه وأظهروه ومنعوا قبول روايته، حتى يزول سبب التوقف أو الرد، هذا في غير الصحابة.

أما الصحابة فكلهم معدل بتعديل الله إياه في إطار الصحبة، ومع هذا التعديل لا يحتاج إلى حكم عالم بالتعديل، قال الخطيب: ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يُحتاج إلى سؤال عنهم، ثم قال: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه  وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن.

تفاوت روايات المجهولين بحسب نوع الجهالة:

فروايات المجهولين على درجات -على ضوء ما سبق- وفي الكلام على المجهول نجد أن رواياته على درجات:

الأولى: أن يروي عنه ضعيف أو مبهم أو مجهول ويكون مبهمًا، وهي أدنى الدرجات.

ثانيًا: أن يروي عنه ضعيف أو مبهم أو مجهول، ولا يروي عنه إلا واحد، وهي الدرجة التالية.

ثالثًا: أن يروي عنه ضعيف أو مبهم أو مجهول، ويكون مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا.

رابعًا: أن يروي عنه ضعيف، ويكون مجهول الحال باطنًا لا ظاهرًا.

وفي كل هذه الأحوال لا تُقبل روايته؛ لأن الراوي عنه غير معتمد في تشخيصه أو تعديله، وذكر ابن حجر من هذه المراتب: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وبين ابن حبان أن المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء -أي: ويلتحق بهم المبهم أو المجهول- متروكون على الأحوال كلها، فإن روى ثقة عن المبهم أو مجهول العين أو الحال أو المستور كان درجته أخف مما سبق على نفس الترتيب.

فالثقة عن المبهم أخف من الثقة عن مجهول العين، ثم يتلوه مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا ثم المستور، هذا إذا لم يوثق المجهول، فإذا وثق كان أعلى مرتبة من ذلك أو زالت جهالته، فإذا وثق المبهم كان أدنى درجة من مجهول العين إذا وثق، ثم يعلوه مجهول الحال ظاهرًا وباطنًا، ثم المستور إذا زالت جهالته بالتوثيق.

والجمهور لا يقبل إلا توثيق من زالت جهالة عينه وحاله، أما من دونه فيُعتبر التوثيق واقعًا على من لم تثبت روايته بوجه معتبر، وخفف بعض العلماء من شروط قبول المجهول فقبل روايات بعض المجاهيل بحسب مراتب الجهالة، وتفاوتوا في هذا التوسع، حتى قبل بعضهم ما رواه غير المجهول عن أي مجهول.

وقد روى الشيخان عن بعض من هو مجهول العين؛ فاتُّفِقَ على الرواية عن حصين بن محمد الأنصاري السالمي، ولم يرو عنه إلا الزهري؛ حيث سأله عن حديث محمود بن الربيع فصدقه. قال الذهبي: فيحتج به في الصحيحين، ومع هذا فلا يكاد يُعرف، وبين السخاوي أن قبوله إنما يتم على رأي من قال بقبول رواية مجهول العين إذا زكاه ما راويه أحد أئمة الجرح والتعديل مع رواية الراوي عنه، وذلك أن الزهري استوثق منه، وقد وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في (الثقات) على أن من روي له من هؤلاء في الصحيحين له متابعات في الغالب تجبر حديثه.

وهذا يدل على أن العلماء قد يظن بعضهم الراوي مجهولًا، ثم يطلع غيره على أنه ليس بمجهول.

رواة الصحيحين الذين لم ينص على توثيقهم عالم:

وننتقل إلى قول الذهبي: في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أحدًا نص على توثيقهم، أي: أن حالهم مجهول.

قال الذهبي في (الميزان): مالك بن الخير الزبادي مصري محله الصدق، ثم ذكر أنه روى عنه حيوة بن شريح، وابن وهب، وزيد بن الحباب. قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته، يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، أي: ولم ينص أحد على جرح فيه.

قال الذهبي: وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح.

قال ابن حجر في (اللسان) معقبًا: وهذا الذي نسبه -أي: للجمهور- ينازع فيه، بل ليس كذلك، بل هو شيء نادر؛ لأن غالبهم معروفون بالثقة إلا من خَرّج له في الاستشهاد. وكانت وفاة مالك بن الخير سنة ثلاثة وخمسين ومائة، وقال في (هدي الساري): جهالة الحال مندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول -أي: جهالة الحال- فكأنه نازع صاحب الصحيح في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مع المُثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا.

وهذا فيه التباس؛ لأن الذهبي نسب إلى الجمهور تصحيح حديث من روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه، وهذا غير تعديل المجهول؛ لأن المجهول يتوقف في قبول حديثه حتى يظهر له متابع أو شاهد، فإذا صحح حديثه أحد بشواهده أو متابعاته لم يخرج بذلك عن حد الجهالة. واعتراض ابن حجر عليه لا يقبل منه إلا قوله: إنهما خرجا للمجهول -أي: مجهول الحال- في الاستشهاد.

أما ابن حبان فزاد على ذلك -أي: على تصحيح حديث المجهول بالمتابعات- زاد توثيقه وأدخله في الثقات.

لا يلزم من حكم بعض الأئمة على الراوي بالجهالة أن يكون مجهولًا، الحكم بالجهالة إنما يكون بحسب اطلاع الإمام على حال من يحكم عليه، أو على من روى عنه، فإن روى عنه واحد عنده قال: مجهول -أي: مجهول العين- وإن لم يعرف حاله، ولم يطلع على حكم غيره عليه، قال: مجهول أو لا أعرفه -أي: مجهول الحال- وقد يكون الواقع خلاف ذلك على سبيل الندرة.

ومن ذلك: أن أبا القاسم اللالكائي قال عن أسامة بن حفص المدني: مجهول. قال ابن حجر تابعًا للذهبي: ليس بمجهول، فقد روى عنه أربعة، وذكر ابن حجر في (التهذيب) رواية اثنين عنه هما: أبو ثابت المدني، ويحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة، وقال: روى له البخاري حديثًا واحدًا بمتابعة أبي خالد الأحمر والطفاوي كلهم عن هشام بن عروة، وهذا مثال لمن روى عنه البخاري في المتابعات ممن قيل: إنه مجهول، وليس في الحقيقة بمجهول، وممن ضعفه الأزدي فلم يُعتمد تضعيفه له بغير حجة؛ ولأن الأزدي في نفسه مجروح.

التجهيل من إمام في حق أئمة مشهورين:

قد يقع التجهيل من إمام في حق أئمة مشهورين فلا يضرهم ذلك، قال ابن حجر في ترجمة الإمام الترمذي قال: الخليلي ثقة متفق عليه، وأما أبو محمد ابن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال في كتاب (الفرائض) من (الإيصال): محمد بن عيسى بن سورة -أي: الترمذي- مجهول، ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي، ولا اطلع على حفظه، ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم. قال: والعجب أن الحافظ ابن الفرضي ذكره في كتاب: (المؤتلف والمختلف) ونبه على قدره، فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه؟

ومما ينبه عليه منهج ابن القطان في تجهيل الحال: قال الذهبي: حفص بن بغيل روى عنه أبو كريب وأحمد بن بديل، قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف. ثم قال: ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمّن يعاصره ما يدل على عدالته -أي: يقول فيه: لا يعرف له حال ولا يعرف- وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل، ولا يوافق الذهبي في أنهم ليسوا بمجاهيل لما هو معروف من رواية الصحيحين عنهم متابعة لا أصلًا.

ومنهج ابن القطان موافق للجمهور، لكنه تفرد باشتراط أن يكون من بيّن حاله إمام عاصره أو روى عمّن عاصره؛ لأن التوثيق معتمد من كل إمام يوثق الراوي سواء عاصره، أو لم يعاصره، فقول الذهبي: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا لا يقبل إلا إذا اطلع على توثيق إمام له.

مراد الجهالة عند أبي حاتم:

مراد أبي حاتم بقوله: فلان مجهول، قال اللكنوي: فرق بين قول أكثر المحدثين في حق الراوي: إنه مجهول، وبين قول أبي حاتم: إنه مجهول؛ فإنهم يريدون به غالبًا جهالة العين بألا يروي عنه إلا واحد، وأبو حاتم يريد جهالة الوصف، ونقل عن السخاوي قوله على أن قول أبي حاتم في الرجل: إنه مجهول لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد، بدليل أنه قال في داود بن يزيد الثقفي: إنه مجهول مع أنه قد روى عنه جماعة؛ ولذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولًا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات -يعني: أنه مجهول الحال- وهذا المثال لا يدل لما أراد؛ لأن أبا حاتم إن جهل الراوي، ولم يذكر له إلا راويًا واحدًا يريد جهالة العين، وإن ذكر له عدد من الرواة رووا عنه، فهو يريد جهالة الوصف كما في داود الثقفي هذا؛ حيث ذكر رواية خمس من الرواة عنه، ومنهم أئمة ثقات، وقال: شيخ مجهول.

الفرق بين جهالة الحال، وجهالة التعيين:

جهالة العين: ألا يُذكر الراوي بما يدل عليه من اسم، أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب، وأن يُذكر بغير ما اشتهر به؛ لغرض من الأغراض كالتعمية على السامع، أو اختبار فطنته، فإن تعين برواية اثنين عنه مع بيان ما يدل عليه زالت جهالة العين.

وجهالة الحال: أن يروي عنه اثنان، ثم لا يحكم عليه أحد العلماء.

وقد صنف علماء الحديث في مبهم الأسانيد والمتون من الرجال والنساء، فإن تعين المبهم خرج عن الجهالة، وإلا فهو مجهول العين والمصنفات في ذلك معروفة ومشهورة، وقد يبهم بلفظ التوثيق، وقد يكون مجهول العين لم يرو عنه إلا واحد، فإن روى اثنان -كما قلنا- احتاج إلى زوال جهالة الحال.

أما جهالة التعيين: فهي أن يقول الراوي أخبرني فلان أو فلان ويسميهما وهما عدلان، فيتردد في تعيين من أخبره بين رجلين من رواة الحديث، فالحجة قائمة بمثل هذه الرواية إذا كان من روى عنهما كل منهما معلوم العين، ومعلوم الحال، وأنه ثقة، فتعتمد روايته على أي الاحتمالين.

التردد في التعيين لا يعني عدم الجزم بالرواية عن أحدهما بعينه يقينًا، فإن جُهلت عدالة أحدهما أو جُهل عينه مع التصريح باسمه، أو كان أحدهما مبهمًا لم تعتمد هذه الرواية لاحتمال أن تكون الرواية عمّن فيه جهالة أو عمّن فيه ضعف، ولا يضر في جهالة التعيين إذا كانت بين ثقتين عدم الجزم بشيخ الراوي بعينه أو تلميذه؛ لاحتمال أنه هذا أو ذاك؛ لأن جهالة التعيين هنا لا تؤثر في ثبوت الحديث عن شيخ من أحدهما ليس فيه جهالة مع اتصال السند وثقة روايات السند على كلا الاحتمالين، وذلك يدل على أن المقصود عند علماء الحديث أن يثبت الحديث عن ثقة، وإن ترددنا في عينه مع ثقة آخر.

error: النص محمي !!