Top
Image Alt

في الأيمن أحق بالشراب

  /  في الأيمن أحق بالشراب

في الأيمن أحق بالشراب

بل أحق بكل شيء، والله سبحانه وتعالى يحب التيامن في كل شيء؛ حتى في التنعل وفي الترجل، فعندما يسرح الإنسان شعره يبدأ بالجانب الأيمن، وعندما يلبس نعله، يبدأ باليمين، وهكذا.  وكان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء.

قال الترمذي: حدثنا الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك عن ابن شهاب وحدثنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب، ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن)).

قال الترمذي: “وفي الباب عن ابن عباس، وسهل بن سعد وابن عمر، وعبد الله بن بسر، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. 

أما حديث ابن عباس فقال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”.

وحديث ابن عباس الذي أشار إليه الترمذي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عن يمينه ابن عباس، وفي القوم معه كبار القوم؛ فكان أبو بكر عن يساره وغيره؛ فلما شرب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعطي الكبار وابن عباس كان صغيرًا، قال: ((أتأذن لي يا غلام أن أسقي الأشياخ – فكانت فطنة ابن عباس- قال: لا أوثر بفضلتك أحدًا يا رسول الله)) أي: لا أفضل أحدًا، أو لا أترك أحدًا يشرب مكانك قبلي، تقول الرواية: فتله النبي صلى الله عليه وسلم في كف ابن عباس، يعني وضع الإناء في كف ابن عباس وشرب بعده ابن عباس رغم أنه صغير القوم الجالسين، إلا أنه كان عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يبدأ الإنسان بالأيمن في كل شيء.

وقوله: “جيء بلبن شيب بماء” أي: مُزج بالماء وكانوا يمزجون اللبن بالماء؛ لأن اللبن يكون عند حلبه حارًّا، وتلك البلاد في الغالب حارة، فكانوا يمزجونه بالماء من أجل أن يبردونه، وقال النووي: قوله: شيب. أي: خُلط، وفيه جواز ذلك، أي: هذا يشير إلى جواز خلط اللبن بالماء، وإنما ينهى عن شيبه إذا أراد بيعه؛ لأنه غش، أي: يجوز أن يُضاف الماء للبن عند الشرب، أما عند البيع والشراء فلا يجوز”.

قال العلماء: “والحكمة في شربه أن يبرد أو يكثر أو للمجموع حتى يكفي الحاضرين جميعًا، ثم أعطى الأعرابي وقال: ((الأيمن فالأيمن)) أي: ابدءوا بالأيمن فالأيمن، ويجوز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: ((الأيمن)) مبتدأ خبره محذوف، أي: الأيمنُ مقدم أو أحق، ويجوز أن يكون منصوبًا على تقدير: قدموا الأيمنَ أو أعطوا الأيمنَ.

وقال النووي: “ضُبط الأيمنُ بالنصب والرفع، وهما صحيحان، النصب على تقدير: أعط الأيمنَ، والرفع على تقدير: الأيمنُ أحق، أو نحو ذلك، وفي رواية أخرى ((الأيمنون)) وهو يُرجح الرفع؛ لأنه جمع مذكر سالم رُفع بالواو.

وفيه دليل على أنه يقدم مَن على يمين الشارب في الشرب، وهلم جرًّا، وهو مستحب عند الجمهور.

وقال ابن حزم: “يجب أن نعطي الأيمن أولًا”.

فحمل الأمر على الوجوب، لكن الجمهور حمله على الاستحباب.

ثم يقول الشارح: “ولا فرق بين شراب اللبن وغيره، كما جاء في حديث سهل بن سعد وغيره”.

وقال النووي: “فيه استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه أن الأيمن في الشراب ونحوه يُقدم وإن كان صغيرًا أو مفضولًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الأعرابي وقدم الغلام -وأراد به ابن عباس- على أبي بكر رضي الله عنه وأما تقديم الأفاضل والكبار، فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يُقدم الأعلم والأقرأ على الأسن الكبير في الإمامة في الصلاة. 

وقال الحافظ ابن حجر في الحديث: “إن سُنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن، وإن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه، بل المعنى في جهة اليمين، وهو فضلها على جهة اليسار، فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحًا لمن هو على اليمين، بل هو ترجيح لجهته أي: لجهة اليمين.

قال الترمذي: “وقد يعارض حديث أنس يعني المذكور في الباب وحديث سهل يعني: الذي أشار إليه الترمذي في الباب حديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة: ((كَبِّرْ كبِّر))، وتقدم في الطهارة حديث ابن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر.

وأخص من ذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو يعلي بسند قوي قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقي قال: ابدأوا بالكبير)).

فيُجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين، إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم، أو خلفًا أو حيث لا يكون فيهم؛ فتُخص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن، أو يُخص من عموم هذا الأمر بالبداءة بالكبير، أما إذا جلس بعض عن يمين الرئيس، وبعض عن يساره ففي هذه الصورة يُقدم الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل، ما دام في جهة اليمين، ويظهر من هذا أن الأيمن ما امتاز لمجرد الجلوس في الجهة اليمنى، بل بخصوص كونها يمين الرئيس، فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل”. انتهى كلام الحافظ ابن حجر. 

وقول الإمام الترمذي: “وفي الباب عن ابن عباس، وسهل بن سعد، وابن عمر، وعبد الله بن بسر”. قال الشارح: “أما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد والترمذي في الدعوات وابن ماجه وأما حديث سهل بن سعد، فأخرجه الشيخان عنه أي: عن سهل بن سعد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده)). 

وأما حديث ابن عمر، فليُنظر من أخرجه، وأما حديث عبد الله بن بسر، فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، ثم قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح” قال الشارح: “وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه” فهذا الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((الأيمن فالأيمن)) يدل على فضل جهة اليمين، وأن الإنسان يحاول دائمًا أن تكون جهته إلى اليمين، وأنه إذا بدا أن يمشي فليبدأ برجله اليمنى، وإذا دخل داره فليدخل باليمنى، وإذا شرب فليتناول باليد اليمنى، وإذا أكل فليتناول باليد اليمنى، وهكذا، فهذا يدل على فضل اليمين في كل شيء، ولقد سبق أن ذكرنا حديث عمر بن أبي سلمة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال له: يا غلام؛ سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))، هذا يكون في الطعام وفي الشراب، وهذا يدل على فضل جهة اليمين”.

error: النص محمي !!