Top
Image Alt

في الحكمة من ذكرها

  /  في الحكمة من ذكرها

في الحكمة من ذكرها

ويعرض لنا سؤال، وهو: بغَضِّ النظر عن معاني هذه الحروف: ما هي الحكمة من إيرادها، غير ما قدّمناه في حكمة المتشابه؟

قال بعضهم: إنما ذُكرت لنعرف بها أوائل السوَر. حكاه ابن جرير.

قال ابن كثير: “وهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها، فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة”.

وقال آخرون: “بل ابتُدِئ بها لتَفتح لاستماعها أسماعَ المشركين، إذ تواصَوا بالإعراض عن القرآن؛ حتى إذا استمعوا له، تلا عليهم المؤلف منه”. حكاه ابن جرير أيضًا.

قال ابن كثير: “وهو ضعيف أيضًا، لأنه لو كان كذلك، لكان ذلك في جميع السوَر، لا يكون في بعضها؛ بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك أيضًا لا نبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها -أعني: (البقرة) و(آل عمران)- مدنيتان، ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

ومثل ذلك، من قال: هي فواتح للسوَر، كما يقولون في أول القصائد: “بل”، و”لا بل”.

وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها، بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلْق عاجزون عن معارضته بمثله. هذا مع أنه (رُكّب) من هذه الحروف المقطّعة التي يتخاطبون بها.

قال الزمخشري: “ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت، ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن”.

وقد جاء منها على حرف واحد، وحرفين، وثلاثة، وأربعة، وخمسة، كما سبق أن فصّلناه، لأن تركيب كلام العرب على هذا: من الكلمات ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة، لا أكثر من ذلك.

قال ابن كثير: “ولهذا، كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته؛ وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع؛ ولهذا يقول تعالى: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2،1]. {الَمَ (1) اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّوم (2) نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 1-3]، {الَمَصَ (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} [الأعراف: 1-2]، {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ}[إبراهيم: 1]، {الَـمَ (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رّبّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 2،1]، {حـمَ (1) تَنزِيلٌ مّنَ الرّحْمَـَنِ الرّحِيمِ} [فصلت: 1-2]، {حـمَ (1) عَسَقَ (2) كَذَلِكَ يُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الشورى: 1-3]، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم”.

وقال غيره: “لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولًا متداولًا بينهم، لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، بل تلا عليهم: {حـمَ} فصلت و{صَ}، وغيرهما، فلم ينكروا ذلك؛ بل صرّحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة، مع تشوّفهم إلى عثرة وغيرها وحرصهم على زلة؛ فدل على أنه كان أمرًا معروفًا بينهم، لا إنكار فيه”.

وقيل: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغَوْا فيه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه، ويكون تعجّبهم منه سببًا لاستماعهم، واستماعهم له سببًا لاستماع ما بعده، فترقّ القلوب وتلين الأفئدة.

وقيل: هي أمارة جعلها الله لأهل الكتاب، أنه سينزل على محمد كتابًا في أوّل سوَر منه حروف مقطّعة.

وقد أطال الآلوسي في ذكر كثير من الغرائب حول هذه الحروف، ولا نطيل بذكر شيء منها، لعدم اعتبارها في الحقيقة.

error: النص محمي !!