Top
Image Alt

في العقائد النَّصرانيَّة

  /  في العقائد النَّصرانيَّة

في العقائد النَّصرانيَّة

. ما يتعلَّقُ بحقيقة الأناجيل الَّتي بين أيدي النَّصارى:

أرسل اللهُ عيسى عليه السلام برسالة التَّوحيد، شأنُه شأنُ جميع الأنبياء والمرسلين، وكان عليه السلام آخرَ حلقةٍ فِي سلسلةِ أنبياء بني إسرائيل، قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة: 46، 47].

وقال تعالى عنه عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُون * إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} [آل عمران: 48- 51].

فهذه الآياتُ والَّتي قبلها وكذلك كلُّ ما جاء فِي القرآن عن عيسى عليه السلام يوضح ويُبرز الحقائقَ التَّالية:

أولًا: أنَّه عليه السلام أُرسل لبني إسرائيل خاصَّةً، لتصحيح ما انحرف فِي عقائدهم، ولتقويم ما ابتعدوا عنه من شريعة موسى عليه السلام.

ثانيًا: إنَّ الله سبحانه وتعالى أنزل على عيسى عليه السلام الإنجيلَ، وهو كلامُ الله كشأن كلِّ الكتب المُنزلة على رسله، وبجانب نزول الإنجيل فقد علَّمه اللهُ التَّوراةَ الَّتي أُنزلت على موسى، لكي يُبَيِّنَ لليهود أنَّ ما بين أيديهم لا يمُتُّ بصلةٍ لكلام الله، وإنَّما هو من وضع أحبارهم.

ثالثًا: إنَّ الدِّين الَّذي جاء به عيسى عليه السلام هو الإسلامُ الَّذي يقومُ على نفس الأُسس والقواعد الَّتي جاءت بها رسلُ الله وأنبياؤه مِن لدن آدم عليه السلام.

رابعًا: إنَّ عيسى عليه السلام لم يدَّعِ لنفسه وضعًا مميَّزًا أو مكانةً خاصَّة، تختلف عن مكانة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وإنَّما هو عبدُ الله ورسولُه.

خامسًا: إنَّ الإنجيل الحقَّ المُنزل على عيسى عليه السلام قد حمل بين ثناياه، كما حملت التَّوراةُ التَّبشيرَ برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم.

سادسًا: وصف اللهُ الإنجيلَ بأنَّه هدًى ونورٌ، كشأن كلِّ الكتب المنزلة على الأنبياء السَّابقين.

سابعًا: أمر اللهُ بني إسرائيل أن يحكموا وفق ما أنزله الله على موسى وعيسى -عليهما السلام.

ثامنًا: إنَّ عيسى عليه السلام نفى نفيًا  قاطعًا ما اعتقده النَّصارى فِي بُنوَّته لله أو ألوهيَّته، وتَبرَّأ من ذلك، وجعل الله -تبارك وتعالى- من أمارات السَّاعة الكبرى أن ينزل عليه السلام فيكسرَ الصَّليب ويقتلَ الخنزير، وهذا ما أخبر به الصَّادق المصدوق محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، وتكون السَّجدة واحدةً لله ربِّ العالمين)).

قال أبو هريرة: “اقرءوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النِّساء: 159]” رواه الشَّيخان.     

2. موقف النَّاس من عيسى عليه السلام:

انقسم النَّاس فِي شأن عيسى عليه السلام إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

قَوْمٌ كفروا به وناصبوه العداء، وهم عتاةُ اليهود الَّذين عادَوه وكذَّبوه ورمَوه وأمَّه بالبهتان العظيم، ووشَوا به إلى الحاكم الرُّومانيِّ، وعمدوا إلى محاولة قتله وصلبه، ولكنَّ الله أنقذه من أيديهم، قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 156- 159].

وقد استمرَّ عداءُ هذه الفئة، ويؤازرهم فِي العدوان الرُّومان حتى اعتناق الإمبراطور الرُّوماني “قسطنطين” الدِّيانةَ النَّصرانيَّة عام 317م.

القسم الثَّاني:

جماعةٌ آمنوا به عليه السلام وصدَّقوا بما أنزله اللهُ عليه، واحتملوا صنوف الأذى الَّتي لحقت بهم؛ سواء من الرُّومان أو من الَّذين انحرفوا عن الدِّين الحقِّ، وغيّروا وبدلوا، قال الله -تعالى- عن أولئك المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِين} [الصف: 14].

ويصف “سفر أعمالِ الرُّسُل” مِن “إنجيل لوقا” أحوالَ الحواريِّين، فقال: “وكانوا يواظبون على تعاليم الرُّسل، والمشاركة، وكسر الخبز، والصَّلوات، وكان جميعُ الَّذين آمنوا جماعةً واحدة، يجعلون كلَّ شيءٍ مشتركًا بينهم، يبيعون أملاكهم وأموالهم، ويتقاسمون الثَّمنَ على قدر احتياج كلٍّ منهم، يُلازمون الهيكلَ كلَّ يومٍ بقلبٍ واحد”.

وهؤلاء هم الَّذين تحدَّث عنهم القرآنُ الكريم فِي قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيم * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِين} [آل عمران: 55- 60].

غير أنَّ هذه الفئة الَّتي آمنت بعيسى عليه السلام وصدَّقت بما أُنزِل عليه من الله، ولم تغلُ غلوَّ غيرهم، لم تصمد أمام تلك الجماعة الَّتي تزعمها بولس “شاول” اليهوديُّ، الَّذي تحالف مع الوثنيَّة الرُّومانيَّة، الَّتي استأصلت هؤلاء الموحِّدين، ونبذتهم المجامعُ النصرانيَّة، وقضى عليهم الاضطهادُ الكَنَسيُّ، ولم يبقَ منهم سوى أفرادٍ قلائل، كانوا يمثِّلون حقيقةَ رسالة عيسى عليه السلام إلا أنَّ صوتهم كان خافتًا ضعيفًا، وضاع وسط الأعاصير والعواصف.

القسم الثالث:

الَّذين غلَوا فيه ورفعوه فوق منزلته الَّتي أنزله الله إياها، وهي العبوديَّة والرِّسالة، وبالغوا فِي إطرائه، حتى انتقلوا به من مصاف البشريَّة إلى مرتبة الألوهيَّة -والعياذ بالله- وذلك إمَّا بسبب الانبهار بما أجرى الله على يديه من معجزات خارقة كولادته عليه السلام من غير أبٍ، وكالآيات الأُخرى الَّتي جاء ذِكرُ بعضها فِي القرآن الكريم، وإمَّا بسبب دسائس اليهود الكافرين الحاقدين، ليُفسدوا ما جاء به عيسى عليه السلام، كما أفسدوا ديانة موسى وديانة أنبياء بني إسرائيل جميعًا، ولقد تولَّى كبر هذا الانحراف والإفساد “بولس الرَّسول” وكان من عتاة اليهود، عاصر عيسى عليه السلام غير أنَّه لم يلتقِ به، وكان خصمًا عنيدًا لرسالته عليه السلام وأنزل بالحواريِّين ويلاتِ الاضطهاد والعذاب، وفجأةً تحوَّل إلى النَّصرانيَّة، وصار من أشدِّ المتحمسين لها، غير أنَّه انتهج خَطًّا مخالفًا للدِّين الحقِّ، وأحدث شرخًا عظيمًا فِي الدِّين النَّصرانيِّ، فزلزل أركانه، وقلبَ عقائده رأسًا على عقب، وانتقل به من دينٍ خاصٍّ لبني إسرائيل وعلى شريعة موسى إلى ديانةٍ ممتزجةٍ بالوثنَّات والثَّقافات الأمميَّة المعاصرة؛ فدبَّ الشِّرك فِي أوصالها، وسرت فِي جنباتها فلسفاتٌ قديمة، وديانات ومعتقدات وثنيَّة، كان من معالمها وملامحها القضايا التَّالية:

أولًا: التَّثليث: وهو يمثل جوهر عقيدة النَّصارى فِي الألوهيَّة، ويُصوِّرون هذا المعتقد بقولهم: طبيعةُ الله ثلاثةُ أقانيم متساوية: اللهُ الأب، والله الابن، والله الرُّوح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن ينتمي الفداء، وإلى الرُّوح القدس ينتمي التَّطهير، وقد أشار القرآن الكريم إلى بطلان هذا المعتقد، قال تعالى:

{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [المائدة: 73] .

ثانيًا: الدَّينونة: يعتقد النصارى أنَّ المسيح عليه السلام هو الله الابن، ويُحاسب النَّاس على خطاياهم.

ثالثًا: الصَّلب: يعتقد النَّصارى أنَّ المسيح عليه السلام قد صُلب فداءً للخليقة، وتكفيرًا عن الخطيئة الَّتي ارتكبها آدم أبو البشر وورثها لأبنائه من بعده. والنَّصارى مختلفون فِي الطَّريقة الَّتي تم بها الصَّلب، والقرآنُ الكريم يدحض هذا الزَّعم كليَّةً، فيقول: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}[ [النساء: 157، 158].

رابعًا: التَّعميد: وهو الانغماس فِي الماء، أو رش الشَّخص باسم الأب والابن وروح القدس؛ تعبيرًا عن تطهير النَّفس من الخطايا والذُّنوب.

خامسًا: الاعتراف: وهو البَوح بكل ما يقترفه الإنسان من ذنوب وآثام إلى رجل الدِّين، ويدَّعون أنَّ ذلك يُسقط العقوبة، ويطهر الذُّنوب.

سادسًا: العشاء الرَّبَّانيُّ: يدَّعي النَّصارى أنَّ المسيح عليه السلام جمعَ الحواريِّين فِي اللَّيلة الَّتي سبقت صلبه، وأنَّه وزَّع عليهم خبزًا كسره بينهم وخمرًا، وأنَّ الخمر يُشير إلى دمه، والخبز إلى جسده.

سابعًا: الاستحالة: يعتقد النصارى أنَّ من أكل الخبزَ وشربَ الخمرَ فِي يوم عيد الفصح استحالَ فيه، وأصبح كأنَّه أدخل فِي جوفه لحمَ المسيح ودمه، وأنَّه بذلك امتزج بتعاليم المسيح.                                                        

3. حقيقة الأناجيل الَّتي بين أيدي النَّصارى:

هذه المعتقداتُ لم تردْ فِي دينٍ من الأديان السَّماويَّة، ولم يتحدَّث بها نبيٌّ من الأنبياء، ولم يوحِ الله سبحانه وتعالى فِي كتبه المنزلة، وإنَّما حفلت بها عدة أناجيل تمَّ وضعُها فيها بأيدٍ بشريَّة، كما سنوضِّحه.

من الأمور الَّتي قرَّرها القرآن الكريم: أنَّ اللهَ قد أنزل على عيسى عليه السلام الإنجيل، ووصفه الحقُّ -تبارك وتعالى- بما وصف به الكتب المنزلة.

هذا الإنجيل وهو كلام الله المنزل على عيسى عليه السلام فُقد بعد رفعه عليه السلام وضاعت معالمُه، واندثرت آثاره، ولحقَ به ما لحق بالتَّوراة؛ لأنَّ الله لم يتكفَّل بحفظ أيٍّ منهما، هذا بجانب ملاحقة اليهود والرُّومان للحواريِّين، والتَّنكيل بهم ومطاردتهم، مِمَّا كان عاملًا على فقدان الإنجيل الحقِّ، وأن الَّذي بين أيدي النَّصارى الآن من الأناجيل المتعدِّدة، والَّتي وصلت إلى سبعين إنجيلًا، اتُّفِق على أربعةٍ منها فِي مؤتمر “نيقيَّة” (عام 317م)، وهذه الأناجيل الأربعة لا تمت بصلَةٍ إلى وحي السَّماء الَّذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.

ويُلاحظ على هذه الأناجيل ما يلي:

أولًا: إنَّ هذه الأناجيل ليست من كلام الله، لا حقيقةً ولا مجازًا، وأنَّ عيسى عليه السلام لم يقم بإملاء نص مكتوب هو “الإنجيل”، بل تمَّ حفظُ تعاليمه وأقواله عن طريق الحفظ فِي صدور الحواريِّين فقط، وقد بدأ التَّدوينُ كسيرة، لا كوحيٍ سماويٍّ، بعد النِّصف الثَّاني من القرن الأول الميلاديِّ.

ثانيًا: باعتراف علماء النَّصارى أنَّ واضعي هذه الأناجيل ليسوا جميعًا من تلاميذ المسيح الَّذين لازموه وتلقَّوا منه مباشرةً، ونقلوا عنه بالسند المتَّصل، فأهمُّ هذه الأناجيل وأوَّلُها فِي التَّرتيب لدى الكنيسة (إنجيل متَّى) المنسوب إلى أحد الحواريين، وقد دار جدلٌ حول صحة نسبة الإنجيل إليه.

يقول موريس بوكاي: “لنقل صراحةً: إنَّه لم يعد مقبولًا اليوم، القولُ: إنَّه أحدُ حَواريِّي المسيح”.

كما يدورُ جدلٌ حول تاريخ تدوينه.

يقول الشيخ محمَّد أبو زهرة -رحمه الله-: “والحقُّ أنَّ باب الاختلاف فِي شأن التَّاريخ، لا يُمكنُ سدُّه، كما أنَّ مترجمه من العبرانيَّة إلى اليونانيَّة مجهولٌ تمامًا”.

أمَّا (إنجيلُ مرقص) وهو أقدمُها من حيث الظُّهورُ التَّاريخيُّ، وذلك بعد منتصف القرن الأول ما بين (عام 65-70م) فليس مؤلِّفُه من الحواريِّين، ولكنَّه تتلمذ لخاله “برنابا”، ورافقه فِي رحلته مع بولس إلى أنطاكيَّة، وثَمَّ خلافٌ بين مؤرخي النَّصارى، حول كاتبه الحقيقي:

أهو بطرس عن مرقص؟ أم هو مرقص بتوجيه من بطرس؟ أم هو مرقص بغير توجيه من بطرس؟

وهذا الاضطراب يوهن النسبة، فضلًا عن العيوب المتعلِّقة بالتَّحرير والسرد القصصيِّ المضطرب.

أمَّا (إنجيل لوقا) فهو لطبيبٍ أنطاكيٍّ، وليس من الحواريين ولا من تلاميذهم، بل هو تلميذٌ “لبولس” صحبه فِي بعض أسفاره.

أمَّا (إنجيل يوحنا) فآخر الأناجيل ظهورًا، ويختلف عن الثلاثة الأخرى اختلافًا بينًا، فِي ترتيبه وأسلوبه وما تضمنه من عقائد؛ حيث إنَّه الإنجيل الوحيد الَّذي صرَّح بألوهيَّة عيسى عليه السلام.

ثالثًا: الاختلاف البيِّن والواضح بين هذه الأناجيل حول طبيعة عيسى عليه السلام وحول العقائد الأخرى، مما أدى إلى انقسام الكنائس والطوائف النَّصرانيَّة إلى طوائف كثيرة متناصرة. وصدق الله العظيم: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

مما سبق تتَّضح الأمور التَّالية:

أ. إنَّ وجوب الإيمانِ بالكتب المنزلة ينحصر فيما أنزله الله على أنبيائه ورسله دون غيرها مِمَّا هو موجودٌ بين يدي أهل الكتاب الآن.

ب. إنَّ التَّوراة والإنجيل -واللذان يضمُّهما كتابا (العهد القديم) لليهود، و(العهد الجديد) للنَّصارى- لا يمُتَّان بصلة إلى كلام الله المنزل على موسى وعيسى -عليهما السلام.

ج. إنَّ ما فِي العهدين القديم والجديد، يتنافى تمامًا مع قضيَّة التَّوحيد وتنزيه الله سبحانه وتعالى وعصمة الأنبياء، وأنَّ فيها من التَّضارب والخيال والاختلافات ما يُسقطها.

د. إنَّ القرآن الكريم هو الفيصل والحكم على هذه الكتب، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُون * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيم} [ النَّمل: 76- 78].

حَكَمَ الإسلامُ فِي أهل الكتاب بحكمين:

أحدهما: حُكمٌ اعتقاديٌّ: وهو الحكم على معتقداتهم بالكفر، وإنكار ما هم عليه من أعمال شركيَّة، وعدم إقرارهم على شيء مِمَّا هو تحت أيديهم، ونفي الإيمان عنهم، وقد وردت آياتٌ كثيرةٌ فِي القرآن الكريم تنصُّ فِي صراحةٍ ووضوح بكفر ما يعتقده اليهود والنَّصارى.

الثَّاني: حُكمٌ عمليٌّ: وهو يصف ما يجبُ على المسلمين، نحو معاملة أهل الكتاب والوفاء بعهدهم، ما داموا مسالمين ولم يُنابذوا المسلمين العداء، ولم ينالوا من القرآن ولا من سُنَّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم بذمٍّ أو قدح، ولم يعتدوا على المسلمين، قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [الممتحنة: 8، 9].

و. يجب أن يحتاط المسلمون لما بين أيدي أهل الكتاب من عقائد أو كتب، قال صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ)) رواه الإمام أحمد وأبو داود.

ما بين أيدي أهل الكتاب مِن عقائد أو كتب لا يخرج عن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: ما علمنا صِحته مِمَّا بأيدينا من القرآن والسُّنَّة مِمَّا يشهد له بالصدق فذاك صحيح.

الأمر الثاني: ما علمنا كذبه بما جاء عنه فِي الكتاب والسُّنَّة فيجب إنكار ما أنكره الله ورسوله.

الأمر الثالث: ما هو مسكوتٌ عنه، فلا نؤمن به، ولا نكذِّبه.

ز. دعاوى التَّقريب بين الأديان الَّتي تتعالى الأصوات بها فِي هذا العصر هي دعوة حقٍّ يُراد بها باطل، فكيف يتمُّ التَّقريب بين دِينٍ يقوم على التَّوحيد، وكتابُه موجود ومحفوظ، وسِيرة رسوله صلى الله عليه وسلم مصانةٌ وموثقةٌ توثيقًا نادرًا، بدينٍ يقومُ على الشرك، ولا أثر لكتابه ولا توثيقَ لمصادره.

إنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة فقدتا مصداقيَّتهما بعد موسى وعيسى -عليهما السلام- ودعوى الحوار هي محاولةٌ يائسة لعودة المصداقيَّة إليهما، وانتشالهما من أعماق الثَّرى، وعواصف التَّخبط الفكريِّ والعقائديِّ؛ ليتشرَّفا بالجوار والحوار مع الإسلام العظيم.

ح. من الخطأ البيِّن ومن الانحراف العقائديِّ والفكريِّ الواضح أن يُطلق على ما بين أيدي أهل الكتاب عنوان “الكتب المقدَّسَة”، ويُريدون بمكر ودهاء أن يلحقوها بالقرآنِ الكريم، وللأسف يُردِّد بعضُ الجهلاء من أبناء المسلمين الَّذين تربَّوا على موائد الاستشراق والتَّبشير والاستعمار، يُرَدِّدُون مقولاتهم، فيقولون -وبئس ما قالوا-: الأديان السماويَّة الثلاثة، والكتب السماويَّة المقدسة، وقد انساقُوا إلى هذا طوعًا أو كرهًا.

مِمَّا سبق يتَّضحُ أنَّ الإيمان بالكتب المنزَّلة من عند الله على الأنبياء والمرسلين جزءٌ من الإيمان بالغيب الَّذي هو جوهر عقيدة المسلم، وأساسُ الدَّعوة إلى الله، قال تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [البقرة: 4، 5].

error: النص محمي !!