Top
Image Alt

في وقوعها في القرآن

  /  في وقوعها في القرآن

في وقوعها في القرآن

استفتح الله- جل وعلا- بعض سوَر القرآن بحروف التهجي، نحو: {الَمَ} [البقرة: 1]، {الَمَصَ} [الأعراف: 1]، {الَمَر} [الرعد: 1]، {كَهيعَصَ} [مريم: 1]، {طه} [طه: 1]، {طسَ} [النمل: 1]، {طسَمَ} [القصص: 1]، {حـمَ}  [الأحقاف: 1]، {حـمَ (1) عَسَقَ} [الشورى: 1، 2]،، {قَ} [ق: 1]، {نَ} [ن: 1]، وذلك في تسع وعشرين سورة.

قال الزمخشرى: “وإذا تأمّلت الحروف التي افتتح الله بها السوَر، وجدْتَها:

نصف أسامي حروف المعجم: أربعة عشر: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والخاء، والقاف، والنون، فى تسع وعشرين: عدد حروف المعجم.

ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف: المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والمطبقة، والمستعلية، والمنخفضة، وحروف القلقلة.

ثم إذا استقريت الكلام، تجد هذه الحروف هي أكثر دورًا مما بقي، ودليله: أن الألف واللام لما كانت أكثر تداورًا، جاءت في معظم هذه الفواتح. فسبحان الذي دقّتْ في كل شيء حكمته!” انتهى.

قال الزركشي: “قيل: وبقي عليه من الأصناف: الشديدة، والمنفتحة. وقد ذكر تعالى نصفَها.

أما حروف الصفير فهي ثلاثة، ليس لها نصف؛ فجاء منها: السين، والصاد، ولم يبق إلا الزاي.

وكذلك الحروف اللينة ثلاثة، ذكر منها اثنين: الألف، والياء. أما المكرر: وهو الراء والهاوي -وهو الألف-، والمنحرف -وهو اللام-، فذكرها. ولم يأت خارجًا عن هذا النمط إلا ما بين الشديدة والرخوة، فإنه ذكر فيه أكثر من النصف. وهذا التداخل موجود في كل قسم قبله، ولولاه لما انقسمت هذه الأقسام كلها.

ووهم الزمخشري في عدد حروف القلقلة، إنما ذكر نصفها، فإنها خمسة ذُكر منها حرفان: القاف والطاء”.

وقال القاضي أبو بكر: “إنما جاءت على نصف حروف المعجم، كأنه قيل: من زعم أن القرآن ليس بآية، فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظًا معارضة للقرآن”.

قال الزركشي: “واعلم أن الأسماء المتهجاة في أول السوَر: ثمانية وسبعون حرفًا. فالكاف والنون كل واحد في مكان واحد. والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في مكانين. والصاد في ثلاثة. والطاء في أربعة. والسين في خمسة. والراء في ستة. والحاء في سبعة. والألف واللام في ثلاثة عشر. والميم في سبعة عشر.

وجملة الحروف المقطعة بدون تكرار: أربعة عشر حرفًا، يجمعها قولك: “نص حكيم قاطع له سر”. ومنهم من ضبطها بقوله: “طرق سمعك النصيحة” ، و”على صراط حق يمسكه”، وقيل: غير ذلك…

ثم بنيتها ثلاثة: حروف موحّدة: ص ق ن. وعشرة مثنى: {طه}، {طسَ} ، {يسَ}، {حـمَ}، واثنا عشر مثلثة الحروف: {الَمَ} {الَر} {طسَمَ}. واثنان حروفها أربعة: {الَمَصَ} {الَمَر}، واثنان حروفها خمسة:{كَهيعَصَ} {حـمَ (1) عَسَقَ}.

وأمّا ما بدئ بحرف واحد فاختلفوا فيه: فمنهم: من لم يجعل ذلك حرفًا، وإنما جعله اسمًا لشيء خاص. ومنهم: من جعله حرفًا، وقال: أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها”.

قال: “فأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف ففيه سر:

وذلك أنّ الألف إذا بدئ بها أوّلًا كانت همزة، وهى أول المخارج من أقصى الصدر. واللام من وسط مخارج الحروف، وهى أشد الحروف اعتمادًا على اللسان. والميم آخر الحروف، ومخرجها من الفم. وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف، أعني: الحلق واللسان والشفتين.

وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية: فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التي يتفرع منها ستة عشر مخرجًا ليصير منها تسعة وعشرون حرفًا عليها مدار كلام الخلق أجمعين، مع تضمنها سرًّا عجيبًا وهو: أن الألف للبداية، واللام للتوسط، والميم للنهاية. فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على: البداية، والنهاية، والواسطة بينهما.

وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف، فهي مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه، مشتملة على خلق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر. فتأمل ذلك في: (البقرة)، و(آل عمران)، و(تنزيل السجدة)، وسورة (الروم)”.

قال: “وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهى: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والإطباق، والإصمات. والسين: مهموس، رخو، مستفل، صفير، منفتح. فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.

وتأمل السورة التي اجتمعت على الحروف المفردة، كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف، فمن ذلك: {قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1]، فإنّ السورة مبنية على الكلمات القافيّة من ذكْر القرآن، ومن ذكْر الخلق، وتكرار القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملَكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب، وذكر السابق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرن، والتنقيب في البلاد، وذكر القتل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم، وخوف الوعيد، وغير ذلك…

وسرّ آخَر وهو: أنّ كل معاني السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والجهر والقلقلة والانفتاح.

وإذا أردت زيادة إيضاح، فتأمل ما اشتملت عليه سورة: {صَ} [ص: 1] من الخصومات المتعددة: فأوّلها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم: {أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً} [ص: 5] إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، وهو الدرجات والكفارات، ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود، ثم اختصامه ثانيًا في شأن بنيه، وحلفه ليغوينّهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم.

error: النص محمي !!