Top
Image Alt

قاعدة: “إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل”، وقاعدة “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”

  /  قاعدة: “إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل”، وقاعدة “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”

قاعدة: “إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل”، وقاعدة “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”

. قاعدة: “إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل”:

أ. معنى القاعدة:

أنَّه إذا بطل الأصل بأن صار متعذرًا، فإنه يُصار إلى البدل. أما ما دام الأصل ممكنًا، فلا يصار إلى البدل.

ففي العين المغصوبة إذا كانت في يد الغاصب وجب رد عينها؛ لأن تسليم عين الواجب هو الأصل على الراجح؛ لأنه إذا رد العين، فقد رد الأصل صورة ومعنى، وتسليم البدل رد معنًى فقط، وهو خلفٌ عن الواجب، والخلف لا يُصار إليه إلا عند العجز عن الأصل.

وفي عقد الإجارة على شهرٍ مثلًا، فإن وقع العقد في ابتداء الشهر اعتبر الهلال، إذ هو الأصل، وإن وقع في أثناء الشهر، وتعذر اعتبار الأصل وهو الهلال، فإنه يُصار إلى البدل وهو الأيام.

وفي البيع بالوكالة عن المالك، فإذا كان للمشتري دينٌ على الموكل، ودينٌ على الوكيل تقع المقاصة بدين الموكل دون الوكيل، فإذا لم يكن دينٌ على الموكل بل كان دينه على الوكيل فقط وقعت المقاصة به، ويضمن الوكيل للموكل ثمن المبيع؛ لأنه قضى دينه بماله.

ب. فروع هذه القاعدة:

وممّا يتفرع على هذه القاعدة: أن الغاصب إذا أعطى للمغصوب منه رهنًا بالعين المغصوبة، ثم تلفت العين المغصوبة في يد الغاصب، فإن الرهن يكون بدلًا لها.

سواء كان من المثل أو القيمة، وكذلك لو أن المسلَم إليه أعطى لرب السلم رهنًا بالعين المُسْلَم فيها ثم انفسخ عقد السلم لسببٍ من الأسباب فإن الرهن يصير رهنًا برأس مال السلم الذي قبضه المسلم إليه.

ومما يتفرع على القاعدة: ما لو كان رأس مال السلم قيميًّا كالحيوان فقبضه المُسْلم إليه فهلك في يده، ثم تقايلا -أي: طلب كل منهما أن يقيل صاحبه من العقد- صحت الإقالة، وعليه قيمته لرب السلم؛ لأنه إذا تعذر رد الأصل، فإنه يصار إلى البدل.

2. قاعدة: “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”:

أ. معنى القاعدة:

أن تصرف الإمام الأعظم وتصرف كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين لا يصح ولا ينفذ شرعًا ما لم يكن مقصودًا به المصلحة العامة، فإذا لم يكن كذلك كان باطلًا.

والمراد بالرعية، في القاعدة: عموم الناس الذين هم تحت ولايته، والمراد بالإمام: هو إمام جميع المسلمين في بقاع الأرض كالخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم كرؤساء الدول الإسلامية، وكل رئيس يتولى عملًا في الدولة.

ومعنى منوطٌ، أي: معلق ومرتبطٌ ومعهود به، أي: بالمصلحة العامة، وهذه القاعدة نص عليها الإمام الشافعي، بقوله: “منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم”.

والأصل الذي تقوم عليه: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن البراء بن عازبٍ قال: قال عمر رضي الله عنه: “إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت”.

فقد شبه الإمام عمر رضي الله عنه موقفه من مال المسلمين بولي اليتيم من مال اليتيم، فلا يأخذ إلا عند الحاجة، فإذا لم تكن له حاجةٌ إلى المال؛ فإنه لا يأخذ شيئًا لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، فإن قال قائلٌ: إن الشافعي لا يأخذ بقول الصحابي فليس قوله حجةً عنده، قلنا: إنما الحجة فيه جاءت على نمط الآية الكريمة: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، وهذه القاعدة تضبط الحدود التي يتصرف في نطاقها كل من ولي شيئًا في أمور المسلمين العامة من إمام أو والٍ أو أمير أو قاضٍ أو موظف، وتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم وتصرفاتهم لكي تنفُذ على الرعية ولكي تكون ملزمة له يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة وخير الأمة، فإن الولاة والعمال والأمراء والقضاة والقادة وغيرهم ليسوا عمالا لأنفسهم، وإنما هم وكلاء عن الأمة في القيام بشئونها فعليهم أن يراعوا خير التدابير لإقامة العدل وإزالة الظلم وإحقاق الحق وصيانة الأخلاق وتطهير المجتمع من الفساد ونشر العلم ومحاربة الجهل والحرص على الأموال العامة وعلى رعايتها وإنفاقها فقط فيما يعود على الأمة بالخير والنفع، كما لا يجوز لهم أن يحابوا بها أحدًا دون أحدٍ لجاه أو سلطان أو رغبة أو طمع؛ لأنه لا يجوز لمن ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يأخذ درهما من أموال الناس إلا بحق، كما لا يجوز له أن يضعه إلا في يد تستحق، كما لا يجوز له كذلك أن يأخذ من مال أحد شيئا إلا بحق ثابت معروف.

ب. دليل هذه القاعدة:

الدليل لهذه القاعدة: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعيةً يموت وهو غاشٌ رعيته إلا حرم الله عليه الجنة))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لم يجتهد لهم، وينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه، وإلا لم يدخل معهم الجنة)).

وروي: أن عائذ بن عمرو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)).

فهذه الأحاديث، تدل على وجوب حرص الوالي على رعيته والاجتهاد في مصالحهم، والنصيحة لهم في دينهم ودنياهم، فإن فعل غير ذلك كان غاشًّا لهم غير حريص على مصلحتهم، ولا أمينًا على أموالهم، فتحرم عليه الجنة، ويخلد في النار مع هامان، وقارون، وأبيَّ بن خلف.

وهذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه الله، أو خانه، أو ظلمه، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة.

ج. فروع هذه القاعدة:

ويدخل تحت هذه القاعدة من الفروع، ما ذكره الماوردي: أنه لا يجوز لأحدٍ من ولاة الأمور أن ينصِّب إمامًا للصلوات ويكون فاسقًا، وإن صححنا الصلاة خلفه؛ لأنها مكروهة، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه؛ وهو الصلاة خلف الفاسق، فإن فعل ذلك يكون غير مراع للمصلحة، ومن باب أولى لا يجوز أن يولى المفضول مع وجود الفاضل؛ فإن فعل ذلك، فقد خان الله ورسوله، وخان جماعة المسلمين؛ لقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18].

ولما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطانه، أو أن يخاف سوطه وسيفه)).  

وقال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم)).

وكذلك فإنَّ الإمام إذا تخير في الأسرى بين القتل، وبين الرق، والفداء، والمن؛ لم يكن له ذلك بالتشهي؛ بل يكون ذلك بالمصلحة والمشاورة، فإذا لم يظهر له وجه المصلحة العامة للدولة، فعليه أن يحبسهم حتى يقف عليها؛ فقد حدث في غزوة بدر أن استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى فكان رأي عمر القتل، وكان رأي أبي بكر المن وأخذ الفداء، أو المن بغير مال، ومال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر فأخذ به؛ فنزلت الآية الكريمة: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67 : 68]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر))، وفي هذا دليلٌ على وجوب أن يكون تصرف الإمام منوطًا بالمصلحة العامة للرعية، وإلا تعرض لمقت الله وغضبه وشديد عقابه في الدنيا والآخرة.

ومن ذلك: إذا لم يكن لإنسان وارث، فإنه إذا مات فتركته لبيت مال المسلمين، وإذا قتله أحد عمدًا فوليه السلطان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((السلطان ولي من لا ولي له)).

وليس للسلطان أن يعفو عن قاتله مجانًا؛ لأن القصاص، أو الصلح على الدية يأخذها من القاتل، أو يدفع عنه السلطان من ماله ليضع الدية في بيت المال، وعلى ذلك فالإمام ليس له أن يعفو مجانًا؛ لأنه لو عفا مجانًا أضاع المصلحة؛ بل عليه أن يقتص إن رأى المصلحة في القصاص، أو أن يأخذ الدية، وأن يضعها في بيت المال إذا رأى المصلحة في أخذ الدية، أما العفو مجانًا فلا يحق له؛ لفوات المصلحة.

وكذلك إذا زوج السلطان امرأة ليس لها ولي، فليس له أن يزوجها بغير كفء حتى ولو رضيت؛ لأن الكفاءة معتبرة في النكاح، وهي حقٌّ للمسلمين، وقد اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة، سواء منهم من قال باشتراط الولاية في عقد الزواج وهم الجمهور، أو الذين لم يشترطوها إلا في بعض الحالات وهم الحنفية -عدا الكرخي- ومن وافقهم؛ حيث قالوا: بعدم اعتبار الكفاءة في الزواج.

وقد احتاط الفقهاء في الكفاءة؛ لما يترتب على الزواج من غير كفء من أضرار وأخطار تشين المرأة وأسرتها، ويلحق بها وبأوليائها العار عرفًا، فإذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء، فلا ينتظر من هذا الزواج أن تتحقق به مصالح الزوجية، وأن تتحقق به مداومة العشرة بين الزوجين؛ وإنما تتحقق إذا كان الزوج مساويًا للزوجة على الأقل؛ لأنَّ الزوج له السلطان الأقوى في شئون الزوجية كما قال تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34]، ولقوله تعالى: { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].

والزوجة تأنف غالبًا أن يكون لزوجها هذا السلطان وهذه القوامة، إذا كان أقل منها نسبًا ودينًا وخلقًا، وكذلك يأنف أهلها وأولياؤها من مصاهرة من لا يناسبهم في دينهم وجاههم ونسبهم ويعيرون بذلك، وقد تختل روابط المصاهرة أو تضعف، فالكفاءة من حق الزوجة ومن حق أوليائها، فكما أن لها حق الاعتراض إذا زوجوها من غير كفء، فلأولياء الزوجة حق الاعتراض أيضا إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء، وإذا كان هذا في شأن المرأة وأوليائها -وهو حقهم- فلهم أن يتنازلوا عنه إذا رغبوا في ذلك، فكما أن للمرأة حق الاعتراض إذا زوجها الأولياء من غير كفء، فللأولياء حق الاعتراض أيضًا إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء، وإذا كان هذا شأن المرأة أوليائها -وهو حقهم- فلهم أن يتنازلوا عنه إذا رغبوا في ذلك.

أما إذا زوجها السلطان فلا يجوز له أن يزوجها بغير كفء؛ لأنَّ تصرفه منوط بالمصلحة، وليس من المصلحة أن يضعها عند غير كفء فلا ينفذ تصرفه عليها؛ ولهذا روي أن عمر بن الخطاب، قال: “لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء”.

وكذلك لا يجوز لولي الأمر أن يقدم في الإعطاء من بيت المال غير الأحوج على الأحوج، فإن فعل ذلك يكون غير مراع للمصلحة.

 قال الإمام السبكي، في فتاويه: “فلو لم يكن إلا إمام فهل لغير الأحوج أن يتقدم بنفسه فيما بينه وبين الله تعالى إذا قدر على ذلك، ثم قال: ملت إلى أنه لا يجوز، واستنبطت ذلك من حديث: ((إنما أنا قاسم والله يعطي))، ووجه الدلالة: أن التمليك والإعطاء؛ إنما هو من الله تعالى لا من الإمام، فليس للإمام أن يملك أحدًا إلا ما ملكه الله؛ وإنما وظيفة الإمام القسمة، والقسمة لا بد أن تكون بالعدل، ومن العدل أن يقدم الأحوج، والتسوية بين متساويين، فإذا قسم بينهما ودفعه إليهما علمنا أن الله ملكهما قبل الدفع، وإن القسمة إنما هي معينة لما كان مبهمًا كما هو بين الشريكين، فإذا لم يكن إمام وبادر أحدهما واستأثر به؛ كان كما لو استأثر بعض الشركاء بالماء المشترك ليس له ذلك.

قال: ونظير ذلك، ما ذكره الماوردي، في باب التيمم، أنه ورد: أنه إذا ورد اثنان على ماء مباح، وكان أحدهما أحوج فبادر الآخر وأخذ منه أنه يكون مسيئًا.

د. ما يستثنى من هذه القاعدة:

يستثنى من هذه القاعدة بعض صور، نذكر منها: أن الأب، والجد إذا لم يكن سكرانًا ولم يكن معروفًا بسوء الاختيار ينفذ تزويجه للصغير والصغيرة من غير كفء، وبغبن فاحش، وهذا للأب، والجد خاصة دون بقية الأولياء؛ لأن الأب غير متهم في تصرفه، وأنه إذا تنازل عن شرط من شروط الكفاءة؛ فإنما يكون ذلك لاعتبارات يراها تحقق المصلحة.

error: النص محمي !!