Top
Image Alt

قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”

  /  قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”

قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”

أ. معنى هذه القاعدة:

أن ما كان من معاملات الناس نافعًا وطيبًا، فهو على الحل والإباحة، إلا ما ورد فيه نصٌّ صحيح صريح من الشارع بتحريمه.

فمدلول هذه القاعدة يدخل فيما لم يرد فيه نص؛ وذلك لأن ما ورد بشأنه دليل شرعي لا يرجع فيه إلى قاعدة: “أن الأصل في الأشياء الإباحة”، وإنما يرجع إلى الدليل الشرعي الذي ثبتت به الإباحة: إما نصًّا على التخيير، أو رفعًا للحرج بأي أسلوب من الأساليب الدالة على الإباحة.

وتطلق الإباحة على رفع الحرج عن الفعل أو الترك سواء صرح الشارع بذلك أو لم يرد فيه عنه شيء مما هو داخل فيما يسمى بمرتبة العفو عند بعض الأصوليين.

فتعميم الإباحة وجعلها أصلًا في الأشياء فإنها لا تكون إلا في المنافع؛، وأما المضار فلا نعلم أحدًا من العلماء قال: بأن المضار أصل في الإباحة، لأن المضار ليست مسكوتًا عنها؛ بل هي منفية من الشرع مطلقًا، ولا يمكن بحال أن يمتد العمل بهذه القاعدة في المضار والمفاسد، فيكون الأصل فيها الإباحة، فذلك هو المنهج الصحيح، والفَهم المستقيم الذي يتلاءم مع روح الشريعة، ومع ما جاءت به في رفع الحرج الثابت بالأدلة القاطعة، والنصوص التي تنفي نفيًا باتًّا أن يكون الأصل في الأشياء الحظر والتحريم.

ولا يكون التحريم إلا بدليل.

ب. الأدلة على حجية هذه القاعدة:

 قامت الأدلة من: الكتاب، والسنة، والمعقول.

أولًا: أدلة القرآن:

أما الأدلة عليها من القرآن الكريم فكثيرة، منها:

قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } [البقرة: 29]، ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله تعالى أخبر بأن جميع المخلوقات الأرضية للعباد؛ لأن: {مَا} موضوعة للعموم، واللام في: { لَكُمْ} تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي: أن ذلك مختص بكم فيلزم منه أن يكون الانتفاع بجميع المخلوقات مأذونًا فيه شرعًا وهو المدعى، أي: أن المراد أنه ثابت.

وقال ابن السبكي في توجيه الآية: إنه تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان، ولا يمتن المولى سبحانه وتعالى إلا بالمباح والجائز، وإذا كانت: {مَا} في الآية موضوعة للعموم، فيكون الانتفاع بالأرض وما فيها كما قال الإسنوي.

ثانيًا: الأدلة من السنة:

أما الأدلة من السنة على قاعدة أنَّ الأصل في المنافع الإباحة فهي كثيرة أيضًا، نختار منها:

ما أخرجه البخاري ومسلمٌ وأحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته)).

ووجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبه على أن التحريم مرتبطٌ بالمسألة، ومن أجل ذلك نهى الشارع الحكيم عن ذلك ومنع منه، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101].

فدل ذلك على أن التحريم لا يكون إلا بنص، وأن ما لم يرد نص على ذلك وعلى تحريمه، فهو باق على الإباحة؛ لأن قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} صريح بأن ما سألوا عنه كان معفوًّا عنه قبل ذلك، وليس كل سؤال مذموم، فهناك من الأسئلة ما هو مطلوب ومرغوب، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

ومن ذلك الأسئلة التي سألها الصحابة عن الأنفال، وعن الكلالة، وغيرها، وإنما المذموم من الأسئلة ما كان على وجه الأغاليط، وما فيه تعنت وتكلف، وليس فيه مصلحة للمسلمين.

ومن أجل ذلك، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يسبقوا بالسؤال عن شيء لم ينزل حكمه بعد حتى يحرم عليهم، فيقعوا في محظور الإثم، كما حدث لمن قبلهم من الأمم، فقد روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).

وبهذا المنهج التزم الصحابة والتابعون ومن بعدهم؛ لأنهم فهموا أن المسكوت عنه مما عفا الله عنه، وأحله لعباده، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “ما لم يذكر في القرآن، فهو مما عفا الله عنه” وكان يسأل عن الشيء لم يحرم، فيقول: “عفو” وقيل له: ما تقول في أموال أهل الذمة؟ فقال: “العفو” يعني بذلك: أنَّ أموالهم لا زكاة فيها.

وقال عبيد بن عمير: أحل الله حلالًا، وحرم حرامًا، فما أحل، فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.

ثالثًا: الأدلة العقلية:

من الأدلة العقلية على أن الأصل في المنافع الإباحة:

أن الله تعالى إما أن يكون قد خلق الأشياء لحكمة، أو لغير حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، وقوله سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115]، والعبث واللعب على الله لا يجوز؛ بل هو محال في حقه سبحانه، وإذا انتفى ذلك ثبت أن الخلق كان لحكمة، وهي الانتفاع.

وهذا الانتفاع إما أن يعود إلى نفع الله سبحانه وتعالى أو إلينا، والأول باطل؛ لاستحالة ذلك الانتفاء عليه عز وجل فثبت أنه إنما خلقها لينتفع الناس بها، وإذا ثبت هذا كان نفع المحتاجين مطلوب الحصول، ولا يمنع منه إلا إذا رجع ضرر من ذلك، وحينئذ يكون خارجًا عن المقام فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة.

وبهذا يكون الحكم بحِل الأشياء غير المنصوص على حكمها هو المتفق مع سنن الفطرة والطبيعة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، فالأصل فيها العفو وعدم الحظر، فلا يحظر منها إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى وبعد أن ذكر شيئًا من الأدلة قال: هذه قاعدة عظيمة نافعة، وعليه فإنَّ البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم، كالأكل، والشرب، واللبس، والناس فيها يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة عليهم ذلك، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة.

وإن كان بعض ذلك يستحب أو يكون مكروهًا، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا فيتبعون على الإطلاق الأصلي، أي: أن المعتبر في ذلك مصالح العباد، والإذن دائر معها أينما دارت حسبما هو مبين في مسالك العلل.

والمقصود من ذلك: أن تعامل الناس فيما بينهم، وما يبرمونه من عقود وعهود هم فيه على أصل الإباحة، ولهم الحرية في ذلك، ويلزمهم الوفاء بما تعاقدوا عليه، غير ألا تشمل عقودهم على أمور قد نهى عنها الشارع، أو يُوضع فيها من الشروط ما ليس في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاملات الناس -فيما بينهم- داخلة في باب العادات فهي على أصل الإباحة.

وإذا كان الأصل في المنافع الإباحة فإن المقصود هنا هي ما كانت منافع حقيقية خالصة من شائبة المضار؛ إذ إن ذلك لا وجود له إلا في المنافع الأُخروية، ولا أن المقصود منها هو مجرد تحقيق منفعة ما، ولو كانت معارضة لمفسدة أشد منها، وهذا الكلام يثير مسألة نسبية المنافع وتعارضها، وهذا أمر مسلم، ولكن عند تعارض المنفعة والمفسدة في الشيء الواحد فإنه يقدم الجانب الراجح -كما قرر الشاطبي ذلك- فإن المنافع لا تخلو من أضرار، وبالعكس فكان يقدم الجانب الراجح.

لا بد من تقديم الراجح منهما إذا كان الشك يجتمع فيه الحرام والحلال، حتى لا يجتمع الإذن والنهي عن الشيء الواحد؛ إذ كيف يقال: إن الأصل في الخمر مثلًا: الإذن من حيث منفعة الانتشاء والتشجيع وطرد الهموم، والأصل فيها أيضًا المنع من حيث مضرة سلب العقل، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة وهما لا ينفكان، ولكن هل يوجد تعارض بين هذه القاعدة وبين المصالح المرسلة؟

إنه قد يبدو في الظاهر وجود تعارض بينهما؛ وذلك لأن المصلحة المسكوت عنها إذا لم يعتبرها الشارع ولو في أجناسها فليست من المصالح المرسلة؛ بل هي ملغاة؛ لأنه يشترط أن تكون المصلحة من المصالح الملائمة، وإلا كانت ملغاة، فكيف يقال: إن الأصل في المنافع الإباحة؟

ويمكن دفع ذلك الاعتراض بالقول: بأن المراد من المنافع المسكوت عنها هنا ما كانت معتبرة من الشارع بما هو أبعد من الأجناس التي تعتبر فيها المصالح المرسلة، وبما هو خارج عن نطاقها، وشاملٌ ميدان المنافع التحسينية أيضًا.

وبناءً على ذلك: فإن العمل بهذه القاعدة يكون متممًا للعمل بالمصلحة المرسلة، وشاملًا لكل ما تضمن من منفعة، ولو بوجه من الوجوه، وإذن لم يوجد لها معارض، ولكن هذه القاعدة لا ترد، ولا ترقى إلى قوة المصلحة المرسلة؛ ولهذا فلا تصح معارضة الأدلة والقواعد الشرعية بها.

وعلى هذا، فإنَّ قول القرافي في شأن هذه القاعدة: وقد تَعْظُمُ المنفعة فيصاحبها الندب أو الوجوب، فيقع الإذن بعيدًا؛ لأنَّ ما نحن بصدده لا يرقى إلى هذه المرتبة، وما يبلغ هذه المرتبة يدخل في باب المصالح المرسلة، إذ هي لا تتصف بهذه الأحكام، إذ إنَّه لا يوجد فيما ذكره أصحاب الفروع الفقهية ما هو مندوب أو واجب كالحيوان المشكل أمره، والنباتات المجهولة سميته، وكالزرافة والحمَام الداخل في البرج ما لم يعلم أنه مملوك أو مباح.

ج. نتائج هذه القاعدة:

يمكن بيان نتائج هذه القاعدة فيما يلي:

إنَّ المسكوت عنه في الشريعة مباح حلال، سواء أكان من الأشياء والأعيان، أم من الأفعال والتصرفات المدنية أو المعاملات والعادات، فالأصل فيها عدم التحريم؛ لأنَّ قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119]، عام في كل شيء، وأما العبادات فلها صفة دينية محضة لا يشرع فيها شيء إلا بما شرعه الحق تبارك وتعالى.

ومن هنا قرر فقهاؤنا الأفذاذ هذه القاعدة الفقهية: لا تُشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله؛ والعادات: كل ما اعتاده الناس في حياتهم مما يحتاجون إليه، وهو يشمل كل عقود البيع، والإيجار، والهبة، والشَّركة، ونحوها.

أيضًا القاعدة أطلقت حكم الإباحة في المنافع التي لم يرد فيها نص بشأنها، أو شأن ما هو قريب منها ومشابه لها لتقاس عليها، وعدم منع المكلف من هذه المنافع فيه تيسير وتخفيف ظاهر.

ثم إنَّ الشريعة قد وضعت بهذه القاعدة حدًّا لحيرة المكلف، وتردده في الإقدام على ما تحققت فيه صفة المنفعة، ولم يرد بشأنه ما يمنعه، وذلك لرفع الحيرة عنه، ولاطمئنان قلبه إلى أن ما سيفعله مباح شرعًا، ولا إثم فيه، وهذا تيسير من الله لعباده لا شك فيه.

ومن هنا ضاقت دائرة الحرام في شريعة الإسلام ضِيقًا شديدًا، واتسعت دائرة الحلال اتساعًا بالغًا، حيث لا تحريم إلا بنص، وما لم يجئ بإباحته أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.

وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله بمجرد الأهواء والآراء التي لا مستند لها، ولا دليل عليها، ثم توعد على ذلك بالعذاب الأليم يوم القيامة، فقال تعالى: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [يونس: 60]، أي: ما ظنهم أن يصنع بهم يوم قيامتهم، ويوم مرجعهم إلينا: { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } [البقرة: 243]، فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 60]؛ بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم، ويضيقون على أنفسهم، فيجعلون بعضًا حلالًا وبعضًا حرامًا.

وعلى ذلك جرت الفُتيا على: أن كل من حرم على نفسه شيئًا مما لم يحرمه الله، فليس له ذلك التحريم؛ لأنَّ الذي يحل ويحرم هو الله تعالى، فليأكل إن كان مأكولًا، وليشرب إن كان مشروبًا، وليلبس إن كان ملبوسًا، وليملك إن كان مملوكًا، وكأنَّه إجماع من العلماء نقلوه عن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم.

ذلك كله استنادًا إلى هذه القاعدة؛ لأنَّ ما سكت عنه الشارع مرده إلى رحمة الله لعباده، فإنَّ المسكوت عنه لم يكن عن نسيان؛ لأنَّ الله تعالى لا ينسى شيئًا -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما تركه رحمة بالناس، وتيسيرًا عليهم.

يؤيد ذلك ما روي عن أبي الدرداء مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أحل الله في كتابه، فهو حلال، وما حرمه، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، وتلا قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64])).

فكل ما يتجدد من أنواع التجارات حسب تطور أحوال الناس، وظروفهم، وأعرافهم، وألوانهم، ومجتمعاتهم، متى جمعت التجارة والمعاملة الرضا المعتبر، والصدق والعدل، فقد أباحها الله عز وجل بما اشتملت عليه من شروط ووثائق، ولكن هذا التراضي لا يجعل المنصوص على تحريمه مباحًا من المعاملات الربوية، فإن الربا حرام، وإن تعاطي الربا مرفوض في دين الله، والإجماع قائم على تحريمه، والتفصيل إنما هو في الفروع، والأعيان المحرمة من خمر وغيره، وما فيه من جهالة وغرر، والقاعدة التي استقر العمل بها في دين الله: أن ما يؤدي إلى الحرام، فهو حرام.

error: النص محمي !!