Top
Image Alt

قاعدة “الأصل في الأمور العارضة العدم”

  /  قاعدة “الأصل في الأمور العارضة العدم”

قاعدة “الأصل في الأمور العارضة العدم”

. قاعدة “الأصل في الأمور العارضة العدم”:

أ. معنى هذه القاعدة:

أنَّ الأمور العارضة أو الصفات التي تعرض، وتزول يكون الأصل فيها العدم، كما أنَّ الصفات الأصلية يكون الأصل فيها الوجود، حتى يقوم الدليل على خلافه.

وهذا معناه أنَّ الصفات بالنسبة إلى الوجود والعدم على قسمين:

الأول: الصفات التي يكون وجودها في الشيء طارئًا وعارضًا، بمعنى أنَّ الشيء بطبيعته يكون خاليًا عنها غالبًا، وهذه تسمى الصفات العارضة، والأصل فيها العدم، وهذه الصفات وغيرها من الأمور التي توجد بعد العدم تعم سائر العقود والأفعال، وهذا القسم وما ألحق به من العقود والأفعال هو موضوع هذه القاعدة.

الثاني: الصفات التي يكون وجودها في الشيء مقارنًا لوجوده، وهو مشتمل عليها بطبيعته غالبًا، فهذه الصفات تسمى الصفات الأصلية، والأصل فيها الوجود، وذلك مثل: البَكارة في البنات، وسلامة المبيع من العيوب، والصحة في العقود بعد انعقادها، ويلحق بالصفات الأصلية الصفات العارضة التي ثبت وجودها في وقت ما، فإنَّ الأصل فيها -حينئذٍ- البقاء بعد ثبوت وجودها، فلو اختلف العاقدان في سلامة المبيع من العيوب أو عدم سلامته أو في صحة البيع -مثلًا- وفساده، فالقول لمن يتمسك بسلامة المبيع وصحة العقد؛ لأنه يشهد له الأصل.

بخلاف ما لو اختلف المتعاقدان في صحة البيع وبطلانه، فإن القول قول من يتمسك بالبطلان؛ لأن الباطل غير منعقد، فهو ينكر وجود العقد، والأصل عدمه، وهذا إذا لم يكن الظاهر يشهد لمدعي الصحة دون البطلان، فإذا كان الظاهر شاهدًا له، فالقول لمدعي الصحة؛ لأن الظاهر شاهد له.

ب. فروع هذه القاعدة:

ولهذه القاعدة فروع كثيرة، من هذه الفروع:

المثال الأول: لو اختلف المضارب ورب المال في حصول الربح وعدمه، فالقول للمضارب، والبينة على رب المال، لإثبات الربح؛ لأن الأصل عدم الربح.

المثال الثاني: لو قال الوصي: لم أتجر في مال اليتيم، أو قال: اتجرت فلم أربح أصلًا، أو ما ربحت إلا كذا، فالقول قوله؛ لأن الأصل في الأمور العارضة العدم.

المثال الثالث: لو أدخلت المرأة حَلمة ثديها في فم الرضيع، ولم يعلم هل دخل اللبن في حلقه أو لا؟ فإن النكاح لا يحرم؛ لأن الأصل عدم المانع الذي هو دخول اللبن من المحل المذكور.

المثال الرابع: لو اختلف البائع والمشتري في قبض المبيع أو الثمن، أو اختلف المؤجر والمستأجر في قبض العين المستأجرة، أو في بدل الإجارة، فالقول: لمنكر القبض في جميع ذلك؛ لأن الأصل العدم.

المثال الخامس: لو اختلف البائع والمشتري في شرط الخيار فالقول لمنكر الخيار؛ لأنه صفة عارضة، والأصل عدمها، وهذا يدل على أن الصفة العارضة هي العدم، ويفيد من ذلك: أن القول قول مَن قال بعدم الخيار.

المثال السادس: لو دفع إنسان لآخر شيئًا، ثم أراد استرداده مدعيًا أنه دفعه له عارية، وقال القابض: إنك كنتَ بعتني إياه أو وهبتني إياه، فالقول للدافع في كونه عاريًا؛ لأن الأصل عدم الهبة، فيصدق من قال: إنك بعتني إياه تمشيًّا مع القاعدة، وهي الأصل في الأشياء العارضة العدم.

المثال السابع: لو قال رجلٌ لامرأته: إن لم أدفع لك نفقتك اليوم، فأنت طالق، ثم مضى اليوم فاختلفا، فقال: دفعتها لك، وقالت: لم تدفعها لي، فالقول قول الزوجة، ويترتب عليه وقوع الطلاق، بخلاف ما لو قال لها: إن لم أدخل الدار اليوم -مثلًا- فأنت طالق، ثم اختلفا فقال: دخلت، وقالت: لم تدخل، فإن القول قوله، وإن كان الأصل عدم الدخول؛ وذلك لأن الشرط المعلق عليه إذا كان مما يصح التنازع فيه لذاته بقطع النظر عن التعليق، كوصول النفقة أو عدمها، فحينئذ ينظر إلى صورة التنازع، فيكون القول قول المنكر وهو هنا الزوجة؛ لأن الأصل عدم وصول النفقة إليها.

وأما إذا كان الشرط مما لا يصح التنازع فيه لذاته، كدخول الدار وعدمه، فإنه لا ينظر فيه إلى صورة التنازع؛ لأنه غير ممكن؛ بل ينظر فيه إلى المقصود منه وهو وقوع الطلاق أو عدم وقوعه، ولما كان مقصود الزوج بدعواه الدخول إنكار وقوع الطلاق كان القول له؛ لأن الأصل عدم الوقوع، ولكن إذا قام دليلٌ على خلاف ذلك الأصل بأن كان الظاهر معارضًا له فإن الأصل يترك، ويترجح جهة الظاهر كما قالوا في زوجة العِنِّين من أنها: لو ادعت عليه عدم وصوله إليها، وادعى هو الوصول، وكانت بكرًا حين العقد فإن الحاكم يريها -حينئذ- للنساء، فإن قلن: إنها بكر فالقول قولها، وإن قلن: إنها ثيب فالقول قوله في الوصول إليها، مع أن الأصل عدم الوصول؛ لأن ظهور ثيوبتها مؤيد لدعواه، فتُرك به الأصل.

ج. ما يستثنى من هذه القاعدة:

ويستثنى من هذه القاعدة عدة مسائل، ومن هذه المسائل:

لو تصرف الزوج في غلات زوجته، ثم ماتت فادعى أن تصرفه كان بإذنها، وأنكر الورثة ذلك، فإن القول قوله بيمينه، مع أن الأصل عدم الإذن من الزوجة إلى زوجها.

ولو أراد الواهب الرجوع في هبته، فادعى الموهوب له هلاك الموهوب فالقول قوله، ولا يمين عليه؛ لأنه حكى أمرًا يمكن حصوله، والأصل فيه العدم، ولو اختلف الزوجان في هبة المهر، فقالت الزوجة: وهبته لك بشرط ألَّا تطلقني، وقال الزوج وهبتيني إياه بغير شرط، فالقول قولها، مع أن الشرط من العوارض، والأصل فيه العدم.

وكذلك لو جاء المضارب بمبلغ، وقال: هو أصلٌ وربح، وقال رب المال: هذا أصل وليس فيه ربح، فالقول قول المضارب، مع أن الأصل عدم الربح.

وكذلك لو طلبت المرأة نفقة أولادها الصغار بعد أن فرضها القاضي لهم، فادعى الأب أنه أنفق عليهم، فالقول قوله مع اليمين، مع أن الأصل عدم الإنفاق.

1. قاعدة “الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته”:

أ. معنى هذه القاعدة:

إذا وقع الاختلاف في زمن حدوث أمرٍ من الأمور، فحينئذ ينسب إلى أقرب الأوقات إلى الحال ما لم تثبت نسبته إلى زمن بعيد، فإذا ثبتت نسبته إلى الزمن البعيد يحكم بذلك، وهذا إذا كان الحدوث متفقًا عليه، وإنَّما وقع الاختلاف في تاريخ حدوثه.

أما إذا كان الحدوث غير متفق عليه بأن كان الاختلاف في أصل حدوث الشيء وقِدمه كما لو كان في ملك أحد مَثيل لآخر، ووقع بينهما اختلاف في الحدوث والقدم، فادعى صاحب الدار حدوثه، وطلب رفعه، وادعى صاحب المثيل قدمه، فالقول لمدعي القدم، والبينة لمدعي الحدوث، حتى إذا أقام كل منهما بينة رجحت بينة مدعي الحدوث، وهو صاحب الدار.

والوجه في كون الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته: هو أن الخصمين لما اتفقا على حدوثه، وادعى أحدهما حدوثه في وقت، وادعى الآخر حدوثه قبل ذلك الوقت، فقد اتفقا على أنه كان موجودًا في الوقت الأقرب، وانفرد أحدهما بدعوى أنه كان موجودًا قبل ذلك، والآخر ينكر دعواه، والقول للمنكر؛ لأنَّ الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.

وهذه القاعدة مقيدة بألا يؤدي إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته إلى نقد ما هو ثابت مقرر؛ لأن الحكم بحدوثها لأقرب ما ظهر ثابتٌ باستصحاب الحال، لا بدليل أوجب الحدوث للحال، والثابت باستصحاب الحال لا يصلح لنقد ما هو ثابت -وهذا ما سوف يتضح جليًّا عند ذكر مستثنيات القاعدة؛ لأن معظم تلك المستثنيات إنما خرجت عنها؛ لأن تطبيقاتها يستلزم نقض ما هو ثابت متقرر.

ب. فروع القاعدة:

يتفرع على هذه القاعدة فروع كثيرة، ومسائل متعددة: كالطلاق، والميراث، والإقرار، والهبة، والبيع وفسخه، والحجر، والوكالة، وغيرها.

ومن ذلك في مسائل الطلاق: أنَّه إذا طلق رجلٌ زوجته طلاقًا بائنًا، ثم مات قبل أن تنقضي عدتها، فادعت الزوجة أنه أبانها وهو في مرضه، فصار بذلك فارًّا من الميراث، فترث هي منه رغمًا عنه، وقال الورثة: إنه أبانها وهو في حال صحته، فلم يكن فارًّا فلا ترث، فإن القول قول الزوجة، والبينة على الورثة؛ لأن الزوجة تضيف الحادث إلى أقرب أوقاته من الحال وهو زمن المرض، فيكون القول قول الزوجة.

وكذلك لو مات رجل مسلم وله امرأة نصرانية، فجاءت امرأته بعد موته مسلمة، وقالت: أسلمت قبل موته فأنا وارثة منه، وقال الورثة: إنك أسلمت بعد موته فلا ميراث لك، فترد على هذا من الميراث، ولكن القول يكون للورثة، والبينة على الزوجة؛ لأنَّ الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته.

لو أقر إنسان لأحد ورثته بعين أو دين، ثم مات فاختلف المقر له مع الورثة، فقال المقر له: أقر لي في صحته فالإقرار نافذ، وقال الورثة: أقر لك في مرضه فالإقرار غير نافذ، فإنَّ القول للورثة، والبينة على المقر له.

وكذلك يكون الحكم فيما لو وهب إنسان شيئًا لأحد ورثته ثم مات، فاختلف الموهوب له مع بقية الورثة على الكيفية المذكورة، فالقول للورثة والبينة على الموهوب له.

ولو اشترى إنسان شيئًا بالخيار، ثم بعد مضي مدة الخيار جاء المشتري ليرده على البائع قائلًا: إنَّه فَسخ قبل مضي مدة الخيار، وقال البائع: فسخت بعد مضي المدة، فلا يصح فسخك، فالقول قول البائع؛ لإضافة الفسخ إلى أقرب أوقاته من الحال.

ومن ذلك ما لو اشترى إنسان شيئًا ثم جاء ليرده بعيب فيه مدعيًا أنه كان موجودًا فيه عند البائع، وقال البائع: لا؛ بل حدث العيب عند المشتري بعد القبض، وكان العيب مما يحدث مثله، فإن القول قول البائع على أنه حدث عند المشتري، والبينة على المشتري أنه حدث عند البائع؛ أما لو كان العيب مما لا يحدث مثله كالخيف في الفرس -وهو أن تكون إحدى عينيه سوداء، والأخرى زرقاء- فإن البائع يُلزم به، والقول قول المشتري.

ج. ما يُستثنى من هذه القاعدة:

يُستثنى من هذه القاعدة فروع خرجت عنها:

ومنها: لو ادعى الأجير على الحفظ أنَّ العين هلكت بعد تمام المدة المعقود عليها، فيستحق كل الأجر، وقال المستأجر: هلَكت قبل تمام المدة بكذا، فالقول للمستأجر بيمينه؛ وذلك لأنَّ من المقرر الثابت فراغ ذمة المستأجر على الحفظ من الأُجرة، وإنما ثبتت الأجرة في ذمته بمقدار المدة التي يوجد فيها الحفظ من الأجير فعلًا، فلو جُعل القول للأجير في حدوث هلاك العين بعد تمام المدة بناءً على إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته يلزم منه نقد الأمر الثابت المتقرر، وهو فراغ ذمة المستأجر؛ لأنَّه لم يثبت بالمقدار الزائد الذي يدعيه الأجير.

 وإضافة الحادث إلى أقرب أوقاته إنما تعتبر إذا لم يؤد اعتبارها إلى نقد ما هو ثابت -كما قدمنا- فكان القول قول المستأجر، ولأنَّ إضافة الحادث -وهو هلاك المبيع إلى أقرب الأوقات- من قبيل الظاهر، والظاهر لا يكفي حجة للاستحقاق.

ومنها: ما لو اشترى إنسان شيئًا ثم جاء ليرده على البائع بعيب فيه بعد أن كان استعمله استعمالًا يفيد الرضا به معيبًا، فقال البائع له: إنك استعملته بعد اطلاعك على العيب، فسقط حقك في الرد، وقال المشتري: إنما استعملته قبل الاطلاع على العيب، فالقول للمشتري بيمينه، فقد قال في (رد المحتار)، في كتاب “البيوع” في باب “خيار العيب”: ولو أراد المشتري الردَّ، ولم يدعِ البائع عليه مسقطًا للرد لم يحلف المشتري، وهذا يعني: أنه لو ادعى عليه البائع مسقطًا فالقول قوله بيمينه.

ووجه كون العقد للمشتري في أنَّ استعماله للمبيع كان قبل الاطلاع على العيب لا بعده: أن خيار العيب في الصورة المذكورة قد ثبت للمشتري حين الشراء لا محالة، فيتقرر بقاؤه إلى أن يوجد المسقط يقينًا؛ لأن ما ثبت بزمان فالأصل بقاؤه حتى يقوم الدليل على خلافه.

فدعوى البائع سقوط الخيار الثابت للمشتري تكون على خلاف الأصل المتقرر، فلو حكمنا بأن القول قوله بناء على إضافة الحادث لأقرب أوقاته، يلزم منه نقد ذلك الأمر الثابت الذي لم نتيقن بإزالته، فلذلك كان القول للمشتري في بقاء خياره، ولا يقضي القاضي بالرد بالعيب إلا بعد أن يحلفه أنه لم يرضَ بالعيب قولًا أو دَلالة، وإن لم يدع عليه البائع أنه رضي به، ولم يطلب تحليفه.  ويظهر من هذه الفروع:

أن قاعدة إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته مقيدة بما إذا لم تتعارض مع قاعدة: الأصل براءة الذمة، وقاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإن كان تعارض فإنه يُترك العمل بقاعدة: إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، ويعمل بهاتين القاعدتين دونها؛ لأنهما أقوى.

error: النص محمي !!