Top
Image Alt

قاعدة “الأمور بمقاصدها” والقواعد المتداخلة معها

  /  قاعدة “الأمور بمقاصدها” والقواعد المتداخلة معها

قاعدة “الأمور بمقاصدها” والقواعد المتداخلة معها

. قاعدة “الأمور بمقاصدها”:

 أ. معنى القاعدة:

أنَّ الحكم الذي يترتب على أمرٍ يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر.

والأمر هنا معناه الفعل، وهو عمل الجوارح، فيكون القول من جملة الأفعال؛ لأنَّه ينشأ عن جارحة اللسان؛ ويأتي الأمر بمعنى الحال؛ إذ يقال أمور فلان مستقيمة -أي: أحواله مستقيمة- ومنه قوله تعالى: { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97]، يقصد به حال فرعون ليس برشيد.

والمقاصد: هي النيات، والمراد: أن أعمال المكلف وتصرفاته قولية، أو فعلية تختلف باختلاف مقصود الشخص من وراء هذه الأعمال، والتصرفات.

والقاعدة بهذا المعنى، تكون على تقدير أحكام الأمور بمقاصدها.

ولزيادة الإيضاح، نقول: إنَّ الإنسان إذا ترك المحرمات المنهي عنها؛ امتثالًا للنهي الوارد في التشريع أثيب على هذا الترك، وأما إذا كان الترك يتعلق بطبيعة الشخص كأن كان يستقذر هذا الشيء بدون نظر إلى طلب الترك الناهي عن فعله الشارع كان ذلك أمرًا عاديًّا لا ثواب له عليه.

ومثال ذلك: أن الله تعالى قد حرم الميتة في غير حال الضرورة، بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فإذا ترك الأكل لأمر خارج عن النهي الوارد عن الشارع بتركها، بأن كانت نفس الشخص تعاف من أكل الميتة؛ لاستقذارها -مثلًا- فلا ثواب له على الترك، أما إذا كان الترك امتثالًا لأمر الله تعالى أثيب على هذا الترك.

ب. دليل القاعدة:

هذه القاعدة تستمد دليلها، من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الستة وغيرهم، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إنما الأعمال بالنيات)).

وعند البيهقي من حديث أنس: ((لا عمل لمن لا نية له))، وفي رواية من حديث أنس: ((نية المؤمن خيرٌ من عمله))، وفي رواية من حديث سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت فيها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)).

وهذه الروايات كلها، تدل على أنَّ تصرفات المكلفين لا يُعتد بها شرعًا إلا بالنية، فإذا كانت نية المرء صحيحة كان العمل صحيحًا، وإذا كانت نية المرء فاسدة كان العمل فاسدًا، وهذا عند فقهاء الشافعية ومن وافقهم.

أما فقهاء الحنفية، فيقولون: إن كمال الأعمال بالنيات، وإذن فلا بد في الحديث من إضمار ما يسميه علماء اللغة: بدلالة الاقتضاء، كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، أي: اسأل أهل القرية، ودلالة الاقتضاء؛ هي إضمار ما يصح به الكلام.

فإذا قد عرفنا دليل القاعدة، وأنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)).

ج. معنى النية، وحقيقتها:

النية في اللغة: العزم على الشيء، يقال: نويت، أي: عزمت.

والنية بمعناها الاصطلاحي هي: قصد الطاعة، والتقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل، أو الامتناع عنه، وتدخل هذه القاعدة في جلِّ أبواب الفقه -أي: في معظمه، وأكثره- إن لم يكن في كله؛ بل إن ابن نجيم جعل النية في الأعمال الأخروية، جعل قاعدة نية أولى من قواعده الكبرى، وهي قاعدة “لا ثواب إلا بالنية”، ولكن قاعدة “لا ثواب إلا بالنية” هي في الواقع تدخل ضمن قاعدتنا هذه، وهي قاعدة “الأمور بمقاصدها” فتخص بالجانب الأخروي منها؛ ولذلك أدرجناها ضمن قاعدتنا هذه؛ لأن الأمور أعم من كونها دنيوية أو أخروية، ومقاصد الأعمال أعم كذلك من كونها يُرجى ثوابها أو لا يُرجى ثوابها.

وعلى هذا فإن هذه القاعدة على وجازة لفظها، وعلى قلة كلماتها، فإنها ذات معنى عام متسع يشمل كل ما يصدر عن الإنسان من قولٍ أو فعلٍ.

فلفظ الأمور عام بدليل دخول “أل” الجنسية عليه، فهو من ألفاظ العموم، ولفظ مقاصدها كذلك عام لإضافته إلى ضمير لفظ عام.

د. فائدة النية:

والنية إنما شرعت لفائدتين:

الفائدة الأولى: تمييز العبادات عن العادات، فالإمساك عن المفطرات قد يكون بنية الصوم، وقد يكون حمية أو تداويًا أو لعدم الحاجة إلى الطعام، والجلوس في المسجد قد يكون للاعتكاف، وقد يكون للاستراحة، والذبح قد يكون للأكل فيكون مباحًا أو مندوبًا، وقد يكون قربة إلى الله تعالى كالأضحية، أو يكون للوفاء بالنذر أو الصدقة.

أما الأعمال التي لا تصلح إلا للعبادة، ولا تلتبس بغيرها، فلا يشترط لها النية؛ لأنها متميزة لا تلتبس بغيرها، وكذلك النية لا تحتاج إلى نية.

الفائدة الثانية: فإنها تميز رتب العبادات بعضها عن بعض، فالتقرب إلى الله تعالى يكون بالفرض والنفل، فشرعت النية لتمييزها، فالصوم قد يكون فرضًا أو نذرًا أو نفلًا، والصلاة تكون كذلك فرضًا أو نفلًا أو نذرًا، فشرعت النية لتمييز رتب هذه العبادات بعضها عن بعض.

وعلى ذلك فإن كل عبادة اشتبهت بغيرها من العبادات كالظهر مثلًا يشاركها في صورتها بقية الصلوات الخمس وباقي السنن، فلا بد في نيتها من ملاحظة ما يميزها عن باقي الصلوات، وما يميزها عن السنن فينوي المصلي الظهر فرضًا؛ لأن نية الظهر تميزها عن باقي الفروض، ونية الفرض تميزها عن السنن، ونية الأداء تميزها عن القضاء، وهذا هو معنى قول الفقهاء: يجب أن يكون المنوي معلومًا.

هـ. حكم ما إذا انفردت النية عن الفعل أو انفرد الفعل عن النية:

– إذا انفردت النية عن الفعل فإنها إذا كانت بحيث لا تقترن بفعل ظاهر، فلا يترتب عليها شيء من الأحكام، ومن ثَمّ فلا بد أن تقترن النية بفعل ظاهر حتى تترتب عليها أحكام شرعية.

فلو أنَّ إنسانًا طلق زوجته في قلبه، أو باع رجل داره أو مزرعته، ولم ينطق بلسانه، لا يترتب على ذلك الفعل الباطني حكم؛ لأن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالظواهر، وكذلك لو نوى شخص أن يقف وقفًا أو اغتصب شيئًا، ولم يصدر منه فعل، فلا يترتب على نيته حكم؛ لأن النية وحدها بدون اقترانها بفعل ظاهر لا يترتب عليها حكم شرعي.

و. إذا انفردت الأفعال عن النية، ماذا يكون الحكم؟

إذا انفردت الأفعال عن النية فإنه يفرق بين أمرين:

الأول: إذا كانت الألفاظ صريحة، فلا تحتاج إلى نية، ويكفي حصول الفعل لترتب الحكم عليه؛ لأن الألفاظ الصريحة لا تحتاج إلى نية لاشتمالها عليها، كما لو قال شخص لآخر: بعتك هذا الشيء، أو أوصيت لك به، أو أقر بشيء، أو وكل، أو أودع، أو قذف، أو سرق، فكل هذه أمورٌ لا تتوقف على النية؛ بل فعلها يكفي لترتب الحكم عليها.

الثاني: إذا كانت النية أو كانت الألفاظ غير صريحة، فإنه يختلف في حكم اللفظ الواحد باختلاف مقصد الفاعل كالبيع أو الشراء، فإنه إذا استُعمل بصيغة المضارع كقول البائع أو قول المشتري: أبيع أو أشتري، فإذا قصد به الحال ينعقد به البيع، وإذا قصد به الاستقبال لا ينعقد، وعلى هذا يختلف الحكم باختلاف مقصد الفاعل؛ إذ إنَّ اللفظ غير الصريح لا يعطي حكمه إلا بالقصد، فلا ينفصل الفعل عن النية فيه، ومعنى هذا أنَّ هناك بعض الأفعال لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد والنية، فلو أنَّ شخصًا أخذ مال شخص آخر على سبيل المزاح بدون إذنه، فإنَّه بمجرد وقوع الأخذ يكون الآخذ غاصبًا، ولا يُنظر إلى نيته من كونه لا يقصد الغصب؛ بل يقصد المزاح.

وعلى ذلك لو أقدم شخص على عملٍ غير مأذونٍ فيه فإنه يضمن الخسارة الناشئة عن عمله، ولو حصلت عن غير إرادة منه كما لو أخذ نقودًا من سكران ليحفظها له فضاعت، فهو ضامنٌ.

ومن ضبط في منزل غيره من غير إذن صاحبه، وبدون عذرٍ واضحٍ مقبولٍ، وهو يحمل متاعًا منه أو مالًا اعتبر سارقًا، ولو ادعى أنَّه كان لا يقصد السرقة، أو أنه أراد حماية المال في مكان أمين؛ لأنَّه علم أو ظن أن المال سيتلف؛ لأن حريقًا سيشب في المنزل بعد قليل.

وكذلك الألفاظ التي يترتب على أدائها صريحة عقوبة كالسب والقذف، فإن الشخص إذا صدرت منه مثل هذه الألفاظ عوقب عليها، ولا نظر إلى ما يدعيه بأنه لم يقصد الإيذاء من وراء ذلك.

ومن هذا ندرك أن بناء الأحكام يكون على حقائق الأشياء، وهي الألفاظ حتى تكون الأحكام والقواعد ثابتة مستقرة ومنفصلة تمامًا ومعروفة للجميع.

ز. محل إيقاع النية:

الأصل أنَّ وقت إيقاع النية يكون أول العبادات، ففي الصلاة لو نوى قبل الشروع عند الوضوء، أو لو توضأ في منزله ليصلي الظهر ثم حضر المسجد فافتتح بتلك النية، ولم يشتغل بعملٍ آخر، فإنَّ النية التي سبقت تكفيه في ذلك؛ لأنَّ النية المتقدمة باقية إلى وقت الشروع حكمًا، وكذلك كما في الصوم، إذا لم يبدلها بغيرها.

وهذا عند الحنفية والحنابلة، والآمدي من الشافعية، وأجاز المالكية في الصحيح عندهم تقديم النية على الطهارة بزمن يسير.

وأوجب الآخرون في الطهارة، وفي الصلاة مقارنة النية لتكبيرة الإحرام، بحيث لا تتقدم عليها ولا تتأخر عنها.

وأما الزكاة فعند جمهور الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة: أنه يجوز تقديمها على الدفع عند العزل تيسيرًا، أو عندما يوكل رب المال غيره في دفع الزكاة إلى المستحقين لها.

وقال بعض فقهاء الشافعية، والحنفية: يجب مقارنتها حال الدفع إلى الإمام، أو إلى الأصناف، ولا يجوز تقديمها؛ والرأي الأول هو أرجح وصدقة الفطر كالزكاة نية، ومصرفًا.

وأما الصوم: فعند الشافعية والحنابلة يجب تقديم النية من الليل في الصوم الواجب، فلو نوى مع الفجر، لم يصح في الأصح، وأما عند الحنفية: فيجوز تقديم النية من الليل ومقارنتها للفجر، وتأخيرها عند الشروع إلى ما قبل نصف النهار تيسيرًا على الصائمين في صوم رمضان، وفي صوم النفل، وأما عند المالكية فيجب تقديم النية عن الفجر في كل صومٍ واجبٍ أو نفلٍ.

وكذلك عند الشافعي يلزم تقديم النية في الصوم الواجب، وأما القضاء والنذر والكفارة فلا يجوز فيها تأخير النية عند الجميع.

وأما الحج: فالنية فيه سابقة على الأداء عند الإحرام، عند الجميع، ومنها نية الأضحية يجوز فيها أن تقدم على الذبح، ولا يجب اقترانها به في الأصح، كما تجوز النية عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.

ح. شروط النية:

لما كانت النية عبادة كان لها شروط لا تصح إلا بها، ولا يُعتد شرعًا إلا إذا وجدت، وإذا فقدت شرطًا من شروطها، فإنها تبطل، وهذه الشروط هي أربع: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي، وعدم المنافي بين النية والمنوي.

الشرط الأول: وهو الإسلام: فيشترط في الناوي أن يكون مسلمًا؛ لأن النية عبادة، ونية العبادة لا تصح من الكافر؛ لأن العبادة لا تصح منه؛ لأنه فقد شرط صحة قبول العبادة، وهو الإيمان بالله تعالى.

الشرط الثاني: هو التمييز: ومعناه: القوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، فلا تصح عبادة صبي لا يميز، ولا عبادة مجنون، والطفل المميز هو الذي أصبح له بصر عقلي يستطيع به الفصل بين الحسن والقبيح من الأمور، ويعرف الفرق بين الخير والشر، وبين النفع والضر، وحد بلوغ سن التمييز هو سبع سنين، ويتفرع على هذا الشرط أنه إذا جنى الصبي أو جنى المجنون أو السكران جناية، فماذا يكون الحكم؟

عند الحنفية: أن عمد الصبي والمجنون خطأ سواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز، وينتقض وضوء السكران، وتبطل صلاته بالسكر.

ولا تجب الكفارة على الصبي والمجنون إذا قتل، والسكران يعامل معاملة الصاحي في الجنايات.

أما عند الشافعي: فالطفل غير المميز عمده خطأ، وكذلك المجنون غير المميز، وأما إذا كان عنده نوع تمييز، فقد اختلفوا فيه، والأصح أن عمده عمد، والصبي كذلك، وأما السكران فيحكمون عليه ببطلان وضوئه وصلاته إذا انتشى وفقد التمييز، أو كاد.

وعند مالك وأحمد والشافعي: تجب الكفارة على الصبي والمجنون إذا قتلا.

وعند الحنابلة: عمد الصبي والمجنون عمد، وتضاعف عليهما الدية من مالهما على الراجح.

وينتقض وضوء السكران وإن كان مميزًا، ويجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله في المشهور من المذهب.

الشرط الثالث: العلم بالمنوي، أي: أن يعلم حكم ما نواه إن كان فرضًا أو نفلًا عبادة أو غيرها، فمن جهل فرضية الصلاة أو الوضوء لم يصح منه فعلهما، لكن الذي لا يميز -الفرائض من السنن- تصح عبادته بشرط ألا يقصد التنفل بما هو مفروض، لكنهم صححوا الإحرام بالمبهم في الحج؛ لأن عليًّا رضي الله عنه أحرم بما أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم، وصححه له رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز أن ينوي إحرامًا كإحرام غيره، وجاز أن يبهم إحرامه، ثم يصرفه إلى أحد النسكين أو إليهما.

أما في غير الحج فلا يصح إلا بالعلم بالمنوي في عبادة أو غيرها، والفرق بين النسك وغيره أن الناسك لا يخرج من نسكه بأقوى المفسدات وهو الجماع.

فلو قال لزوجته: طلقتك -مثلًا- مثلما طلق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد، أو قال: بعتك مثلما باع زيد، وهو لا يعلم قدره، لا يصح في الصورتين لعدم العلم.

الشرط الرابع: ألا يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي، والمراد بالمنافي العمل الخارج عن المنوي، وليس من النية، كمن ارتد بعد النية، فمن ارتد فقد بطلت عبادته.

ومن المنافي قطع الإيمان، فمن نوى قطع الإيمان -والعياذ بالله تعالى- صار مرتدًّا في الحال، ومن نوى قطع الصلاة بطلت عند الشافعي؛ لأنها شبيهة بالإيمان، ولم تبطل عند الحنفية، ومن نوى الأكل أو الجماع في الصوم أو نوى فعل مناف في الصلاة كالأكل والفعل الكثير لم يضره ذلك ما لم يفعل، ومن نوى الصوم من الليل، ثم قطع النية قبل الفجر سقط حكمها، ولم يصح صومه ما لم يجدد النية قبل الفجر، بخلاف ما لو أكل بعدها فلا تبطل؛ لأن الأكل ليس ضدها، ومن نوى قطع الحج والعمرة، لم يبطلا بلا خلاف؛ لأنه لا يخرج منهما بالإفساد.

ومن نوى قطع الجماعة بطلت، ومن نوى الإتمام في أثناء الصلاة امتنع عليه القصر، ومن المنافي قلب النية، فمن نقل فرضًا إلى فرض لم يحصل واحد منهما، ومن نقل نفلًا إلى فرض لم يحصل واحد منهما -أيضًا- بخلاف ما لو نقل فرضًا إلى نفل فيجوز له ذلك.

ومن المنافي: التردد، وعدم الجزم في أصل النية، ومن الأمثلة على ذلك: من اشترى فرسًا للركوب، وهو ينوي إن أصاب ربحًا باعه، أنه لا زكاة عليه، ومن نوى يوم الشك إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائمًا لم تصح نيته، وأما لو تردد في الوصف بأن نوى إن كان من شعبان فيصوم نفلًا، وإن كان من رمضان ففرضًا صحت نيته وجاز صومه. ومن كان عليه فائتة وشك في قضائها، ثم تيقنها لم تجزئه.

لكن يستثنى من ذلك بعض مسائل تصح فيها النية مع التردد أو التعليق:

فمن كان عليه صوم واجب لا يدري هل هو من رمضان أو هل هو نذر أو كفارة؟ فإنه ينوي صومًا واجبًا، ويجزئه ذلك كمن نسي صلاة من الخمس، فصلى الخمس.

وكذلك إن قال مريد الإحرام: إن كان زيدٌ محرمًا، فقد أحرمت، فإن كان محرمًا انعقد إحرامه، وكذلك لو أحرم يوم الثلاثين من رمضان وهو شاك، فقال: إن كان غدًا من رمضان فإحرامي بعمرة، وإن كان من شوال فبحج، كان حجه صحيحًا.

ومن شك في قصر إمامه، وقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، فبان قاصرًا قصر.

ومن صلى منفردًا ثم أعاد مع جماعة، ونوى الفرضية، ثم بان فساد الأولى، فإن الثانية تجزئه ولا يلزمه الإعادة، صرح به الإمام الغزالي في فتاويه، هذه هي الصور التي تستثنى من النية مع التردد أو التعليق.

2. قاعدة “هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟”:

تعريف اللفظ العام:

معناه في اللغة: الشامل المتعدد، سواء كان لفظًا أو غيره، ومنه عمهم المطر، أي: شملهم، ومطر عام أي: شامل.

معناه في الاصطلاح: هو اللفظ المستغرق لما يصلح له من غير حصر، كلفظ الرجال.

تعريف اللفظ الخاص:

معناه في اللغة:

وأما الخاص أو التخصيص في اللغة فهو: تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه في الجملة، وهو خلاف العموم، يقال: تخصص فلان في علم كذا، أي: قصر عليه بحثه وجهده، والخصوص نقيض العموم، ويستعمل بمعنى لا سيما، تقول يعجبني فلان خصوصًا علمه وأدبه، أي: لا سيما.

معناه في الاصطلاح:

وأما في الاصطلاح، فهو: قصر العام على بعض أفراده، أي: أن العام أريد به ابتداءً بعض الأفراد.

مثل: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]؛ فهو عام في الحوامل وغير الحوامل، ولكن خصص ذلك قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فإنه يقتضي أن يكون عدة الحامل –مطلْقًا- هو وضع الحمل مطلقة أو متوفًى عنها زوجها.

فهل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم الفظ الخاص؟ في ذلك اختلاف بين المذاهب:

فعند الحنفية: تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً لا قضاءً، وعند الخصاف مقبولٌ قضاءً أيضًا، وأما تعميم الخاص بالنية، فقد اختلف فيه علماء الحنفية ما بين نافٍ ومثبت.

فعند المالكية: النية تعمم الخاص وتخصص العام.

وعند الشافعية: النية في اليمين تخصص اللفظ العام، ولا تعمم الخاص.

وعند الحنابلة: النية تعمم الخاص، وتخصص العام بغير خلاف فيها، لكن اختلفوا: هل النية تقيد المطلق؟ أو تكون استثناءً من النص؟

ومن هذا نلاحظ: أن تخصيص اللفظ العام بالنية متفق عليه بين المذاهب، وإن كان جمهور الحنفية يعتبرونه ديانةً لا قضاءً، وأما تعميم الخاص بالنية فأجازه الحنابلة، والمالكية، ومنعه الحنفية، والشافعية.

ومن تطبيقات القاعدة: هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟

لو حلف لا يكلم أحدًا، ثم قال: نويت زيدًا فقط، لا يحنث لو كلم غير زيد، فلفظ أحد نكرة في سياق النفي، فهي عامةٌ تشمل كل أحد، ولكن عندما قال: نويت زيدًا فقط، أعملت نيته، فخصص عدم التكلم به، وجاز له أن يكلم غير زيدٍ، ولا يحنث في يمينه.

ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم قال: نويت من بلدة كذا، أو من محلة كذا، صح له أن يتزوج امرأة من غير تلك البلدة، أو من غير تلك المحلة، وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية والحنابلة.

وأما عند الحنفية -غير الخصاف: فلم يعتبروا نيته قضاء، فلو كلم في المسألة غير زيد حنث، ولو تزوج في المسألة الثانية أي امرأة طُلِقَتْ منه، ولكنه يصح بنيته بينه وبين الله.

وأما الخصاف: فهو يجيز تخصيص العام بالنية ديانة وقضاء، فهو مع الشافعية والحنابلة والمالكية في صحة ذلك قضاء وديانة، وهذا بالنسبة للشطر الأول من القاعدة، وهو: هل النية تخصص اللفظ العام؟

فإذا انتقلنا إلى الشطر الثاني من القاعدة وهو: هل النية تعمم اللفظ الخاص؟

الإجابة: من أمثلته: أنه لو حلف لا يشرب من فلانٍ ماء من عطش، فعند الحنفية والشافعية أنه لا يحنث بطعامه؛ لأن اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصة، وأما عند الحنابلة فلو حلف لا يشرب لفلان ماء، ونوى الامتناع من جميع ماله حنث بتناوله أي شيء يملكه.

وكذلك عند المالكية: لو حلف لا يدخل هذا البيت -يريد هجران أهله- فدخل عليهم بيتًا آخر حنث، وكذلك لو قال: لزوجته: إن لبست ثوبًا فأنت طالق، وقال: أردت ثوبًا أحمر، فجمهور الحنابلة يقبل منه ديانة، وفي قبوله قضاء روايتان.

ومن ثَمّ فإننا نقرر أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين الشافعية والحنابلة والمالكية، وأما عند الحنفية فاختلفوا: فجمهورهم يرى أن تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً لا قضاءً، ومعنى ذلك أن ادعاء الحالف التخصيص غير مقبول في الحكم والقضاء، ولكنه مقبول بينه وبين الله تعالى ديانة، وأما عند الخصاف منهم يصح تخصيص العام بالنية ديانةً وقضاءً، فهو في هذا مع الشافعية والحنابلة.

وأما تعميم الخاص بالنية، فهو جائز على الإطلاق عند الحنابلة، وإن اختلفوا في تقييد المطلق بالنية، وهو كذلك عند المالكية، وأما عند الشافعي فإنهم منعوا تعميم الخاص بالنية على الإطلاق، وكذلك عند الحنفية على الراجح؛ لأنهم يمنعون عموم المشترك، فهذا أولى بالمنع وإن كان وردت عنهم بعض الأمثلة التي تدل على أن بعضهم أخذ بتعميم الخاص، ولكنها غير مسلمة عند الأكثرين منهم.

مقاصد اللفظ:

مقاصد اللفظ، هل هي على نية اللافظ أو هي في اليمين عند القاضي؟

عند الحنفية: أنَّ مقاصد اللفظ تكون على نية اللافظ، إلا في اليمين عند القاضي، أي: أمام القاضي، فهي على نية الحالف إن كان مظلومًا، وهذا موافق لقول الخصاف السابق، وهو خلاف ظاهر المذهب، وعلى نية الحالف سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، هذا هو رأي الحنفية.

وأما عند الشافعية فاليمين يكون على نية القاضي عند التحالف دون الحالف، وهكذا يكون الأمر عند المالكية، فإن اليمين في الأحكام كلها على نية المستحلف، وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية، ولا ينفع إلا استثناءً وهو الظاهر عند الحنابلة.

هذه هي آراء المذاهب في مقاصد اللفظ، وهل هي على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي.

3. قاعدة “العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني”:

معاني الألفاظ هي العبرة، معناها الاعتداد، والعقود جمع عقد، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول، كعقد البيع والتجارة والإعارة، واللفظ هو الكلام الذي ينطق به الإنسان بقصد التعبير عمّا يدور في ضميره، وما يعتلج في نفسه.

والمقاصد: جمع مقصد، والمقصد معناه نية المتكلم، فالمقاصد هي النيات، ومراده بهذه المقاصد هي النوايا.

والمعاني: جمع معنى، وهو الصورة الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل.

بيان معنى هذه القاعدة:

معنى هذه القاعدة عند الحنفية، والمالكية: أنَّه عند حصول العقد لا ينظر للألفاظ التي يستعملها العاقدان حين العقد؛ بل ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام الذي يلفظ به حين العقد؛ لأنَّ المقصود الحقيقي هو المعنى، وليس اللفظ، فالألفاظ عندنا هي أوعية للمعاني، والمعاني هي المقصودة بها من الألفاظ، واللفظ هو وعاء المعنى، وليس الصيغة المستعملة هي المرادة، وإنَّما المراد هو المعنى الذي تدل عليه هذه الصيغة.

وأما الألفاظ: ما هي إلا قوالب للمعاني، وأما إذا تعذر الجمع بين الألفاظ، وبين المعاني المقصودة، فلا يجوز إلغاء الألفاظ.

فالحنفية والمالكية قد غلبوا جانب المعنى قولًا واحدًا إلا حين تعذر التوفيق بين اللفظ والمعنى، أما عند الشافعية والحنابلة، فالمغلب منهما: هل اللفظ أو المعنى فيه خلاف في قاعدة العقود؟ والأمثلة على هذه القاعدة كثيرة، ومن أهمها:

أنه لو اشترى شخص من بقال سلعة، وقال له: خذ هذه الساعة أمانة عندك، حتى أدفع لك الثمن، فهي في الحقيقة رهن، ولها حكم الرهن، ولا تكون غير الرهن، ولا تكون أمانة بحال من الأحوال؛ لأن الأمانة يحق للمؤتمن أن يسترجعها، ويجب على الأمين أن يعيدها إليه، وليس ما نحن فيه كذلك.

المثال الثاني، وهو: الهبة إذا اشترط فيها الثواب، فإنَّ هذه الهبة تأخذ حكم عقد البيع، أخذت أحكام البيع عند الحنفية، والمالكية قولًا واحدًا؛ لأنَّه أصبح في معناها، الهبة أصبحت في معنى البيع رغم استعمال العاقد لفظ الهبة، فيرد الموهوب بالعين، وكذا سائر أحكام البيع.

وأما عند الشافعية وعند الحنابلة ففي صحة العقد خلاف، فعند الشافعية الأصح أنَّ الهبة تكون بيعًا اعتبارًا بالمعنى، وعند الحنابلة فيه ثلاثة أقوال:

الأول: أنه بيعٌ نظرًا للمعنى.

الثاني: أنه هبةٌ صحيحةٌ؛ لأن شرط العوض في الهبة والعارية يصح.

الثالث: أنه عقدٌ فاسدٌ.

error: النص محمي !!