Top
Image Alt

قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وقاعدة “الضرورة تُقدَّر بقدرها”

  /  قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وقاعدة “الضرورة تُقدَّر بقدرها”

قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وقاعدة “الضرورة تُقدَّر بقدرها”

. قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”:

هذه القاعدة لها ارتباط وثيق بقاعدتي “لا ضرر ولا ضرار” وبقاعدة “المشقة تجلب التيسير”، والضرورات جمع ضرورة وأصلها من الضرر وهو الضيق، والمحظورات هي الممنوعات.

أ. معنى هذه القاعدة:

أنَّ الأشياء الممنوعة تعامل كالأشياء المباحة وقت الضرورة، وتعتبر حالة الضرورة من أعلى أنواع الحرج، ومن أشدها وأكثرها أهمية من الحاجة، ومن أكبرها خطرًا، ومعنى هذا أن الممنوع شرعًا يباح عند الضرورة.

ب. دليل القاعدة:

هذه القاعدة أصلها ودليلها مأخوذٌ من قول الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، وهي قاعدة أصولية وقاعدة فقهية، وتتعلق بالرخص الشرعية، وهذه الرخص التي تُخرّج على قاعدة الضرورة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يفيد إباحة الممنوع ما دامت الضرورة قائمة كأكل الميتة للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وأكل لحم الخنزير وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة أو عند الإكراه التام بقتل أو قطع عضو؛ لأن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة يتحقق بالإكراه التام لا بالإكراه الناقص.

فهذه الأشياء تباح عند الاضطرار لقوله تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، أي: دعتكم شدة المجاعة لأكلها، والاستثناء من التحريم إباحة، وكما يتحقق الاضطرار بالمجاعة يتحقق أيضًا بالإكراه التام، فيباح التناول ويحرم الامتناع حتى ولو امتنع حتى مات أو قتل فإنه يكون آثمًا؛ لأنه بالامتناع صار ملقيًا بنفسه إلى التهلكة، وقد نهى الشرع عن ذلك، وأما إن كان الإكراه بحبس أو ضرب لا يخاف منه التلف؛ فلا يحل له أن يفعل المحظور.

النوع الثاني: نوعٌ لا تسقطه حرمته بحال فيبقى الفعل المحظور حرامًا، لكن الشارع رخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة كإتلاف مال المسلم، أو القذف في عرضه، أو إجراء كلمة الكفر على لسانه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وهذا بشرط أن يكون الإكراه تامًّا، فهذه الأفعال في نفسها محرمة مع ثبوت الرخصة، وأثر الرخصة يكون في تغيير حكم الفعل المحظور، وهو رفع المؤاخذة فقط لا في تغيير وصفه وهو الحرمة، فهو حرامٌ وحرمته قائمة، وفي هذا النوع يكون الامتناع عن الفعل أفضل، فإنه لو امتنع فقتل كان مأجورًا، هذا هو النوع الثاني من أنواع الرخص التي لا تسقط الحرمة بحال، وإنما تسقط المؤاخذة عند الفعل.

النوع الثالث: أفعال لا تباح بحال ولا ترخص، أو لا يرخص فيها أصلًا لا بإكراه تام ولا غيره، كقتل المسلم، أو قطع عضو من أعضائه، أو الزنا، أو ضرب الوالدين أو أحدهما، فهذه الأفعال لا تباح بحالٍ من الأحوال.

فإنَّ هذه الأفعال لا يباح الإقدام عليها ولا ترتفع المؤاخذة عنها ولا الإثم، فلو فعل ذلك مع الإكراه بأنه قد تعارض هنا مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما، فقتل المسلم أشد من تهديده بالقتل، ولو قتل في هذه الحالة كان مأجورًا، ولو قتل كان ظالمًا، لكن لو قتل في هذه الحالة هل يقتص منه أو من المُكرِه أو من كليهما؟ خلاف بين الفقهاء.

ولو زنا تحت الإكراه التام فإنه يسقط عنه الحد لشبهة الإكراه، ولكن لا يرتفع الإثم عنه، وبناءً على هذا فإن هذه القاعدة لا تتناول النوع الأخير؛ لأنه لا يباح بحال من الأحوال، فهو مستثنًى من هذه القاعدة، وهي إنما تتناول النوع الأول مع ثبوت إباحته، لكن لا ترفع الضمان لو اضطر لأكل مال الغير، وهي تبيح النوع الثاني مع بقاء حرمته والترخيص، إنما هو في رفع الإثم كنظر الطبيب إلا ما لا يجوز للكشف عنه شرعًا من مريضٍ أو جريحٍ، فإنه ترخيص في رفع الإثم لا الحرمة، وكالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمة المال، وإنما هو يسقط الإثم ويجب عليه الضمان أو الاستحلال من صاحبه.

وهذه القاعدة زاد عليها الشافعية قيدًا وهو عدم نقصان الضرورة عند المحظور، فإذا نقصت الضرورة عن المحظور فإنه لا يباح المحظور، وهذا الشرط ملتزم به عند غير الشافعية وإن لم يقولوه، فإنه لو أكره إنسان على قتل غيره؛ فلا يرخص له ذلك، وهو كذلك لو دفن الميت بغير تكفين لا ينبش قبره عليه؛ لأن مفسدة هتك حرمة الميت أشد من مفسدة عدم تكفينه؛ لأن التراب قام بالستر مقام هذا الكفن، وإن كان هذا في الحقيقة يندرج تحت القاعدة القائلة باختيار أهون الضررين.

2. قاعدة: “الضرورات تقدر بقدرها”:

أ. معنى هذه القاعدة:

وضعت هذه القاعدة عقب القاعدة السابقة وهي: “الضرورات تبيح المحظورات” وضعت لتنبه على أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنما يرخص منه بالقدر الذي تندفع به الضرورة فحسب، فإذا اضطر إنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في فعل المحظور؛ بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط.

وهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة الأم “الضرر يزال”، ولها ارتباط بقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، فمضمون القاعدة هذه: أن الضرورات تبيح المحظورات مطلقًا، فجاءت قاعدة: “الضرورات تقدر بقدرها” لتبين أن الضرورات تبيح المحظور بشرط عدم نقصانها عنها، أي: لا بد أن تقدر الضرورة بقدرها، وما زاد على قدر الضرورة فباقٍ على الحظر وعدم الإباحة، والمحظور هو ارتكاب ما نهى الله عنه في الظروف العادية، والضرورة هي العذر الذي يجوز بسببه فعل الشيء الممنوع.

ب. دليل هذه القاعدة:

دليل هذه القاعدة وأصلها فيها قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145].

وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]، هذه هي الأدلة التي وردت في الكتاب الكريم على هذه القاعدة.

ووجه الدلالة من هاتين الآيتين أن الله تعالى قد حرم الأكل من الميتة إلا عند الضرورة، وعلى ذلك فيباح الأكل من الميتة على مقدار ما يسد الرمَق؛ لأن ما بعد سد الرمَق غير مضطرٍ إليه؛ فلا يباح بحال من الأحوال، ولا فرق بين المحرم من المأكول والمشروب، لكن إذا كان المشروب مسكرًا واضطر الإنسان إليه فإنه لا يشرب الخمر؛ لأن شرب الخمر إنما يزيد في عطشه، فهو حينئذٍ لا يزيل العطش بل يثيره، لكن إذا غص بلقمة ووقفت في حلقه فإن لم يجد غير الخمر فإنه يأخذ منه وله أن يسيغها به.

وارتباط هذه القاعدة بالقاعدة الأم وهي قاعدة: “الضرر يزال”، هذا الارتباط ظاهرٌ وقويٌّ من حيث إننا لو لم نُقدر الضرورة بقدرها وقع الضرر؛ لأنَّ مجاوزة القدر المطلوب لإزالة الضرورة وقوع في الحرام وهو ضرر؛ فلا يتحقق الضرر يزال إلا أزيل بقدره.

ج. فروع هذه القاعدة:

لهذه القاعدة فروعٌ كثيرة، وهي تدور حول جواز إباحة المحظور، وأن يكون بقدر الضرورة.

الفرع الأول: الاستشارة في الخاطب؛ فإنه إذا استشير إنسانٌ في خاطب فإنه يكتفى بالتعريض، ولا يعدل عنه إلى التصريح إلا إذا كان المستشير لا يفهم بالتعريض.

والتعريض: ما يفهم من عرض الكلام ومن فحواه، وكل ما تكون دلالته على المراد بالإشارة، فهو من التعريض، فالضرورة هنا معرفة صلاحية الخاطب، فإذا فهم المستشير بالتعريض؛ فلا يجوز للمستشار أن يصرح بما في الخاطب من عيوب؛ لأن ذلك يوقعه في أعراض الناس بلا ضرورة وبلا حاجة تدعو إليه، أما إذا كان لا يفهم إلا بالتصريح فعندئذٍ يجوز له أن يصرح في تلك الحالة للضرورة التي تدعو إلى التصريح، ومن التعريض أن يقول: “هذا الخاطب لا يصلح لكم والله يكرمكم بغيره”؛ ولهذا قالوا: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. وإلا وقع الإنسان في الحرام وخالف أمر الله تبارك وتعالى.

الفرع الثاني: أخذ نبات الحرم، فقد حرم الله تعالى قطع نبات حرم مكة وحرم المدينة؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة، ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة؛ فلا يصاد صيدها، ولا يقطع شجرها إلا لعلفٍ)).

الفرع الثالث: أخذُ الطعام في دار الحرب، فيجوز للمحارب أن يأخذ من طعام دار الحرب بقدر ما تدعو إليه الضرورة أو الحاجة، فإذا وصل إلى عمران دار الإسلام امتنع من ذلك، وإذا كان معه بقية ردها.

ودار الحرب هي التي استولى عليها الكفار وأصبحت تحت سلطانهم ولو كان بها مسلمون، والمراد بالطعام كل ما هو مأكول سواءٌ كان يؤكل اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا، والحاجة تنزل منزلة الضرورة؛ لأن الاقتصار على حدِّ الضرورة فيه مشقة عظيمة، ومن ثَمّ فله أن يأخذ من الطعام بقدر الحاجة قبل القسمة في دار الحرب تشجيعًا له على ما زاد على قدر الحاجة؛ لئلا يهلك جوعًا أو عطشًا من باب التيسير على المسلم المحارب في دار الحرب.

أما ما زاد على قدر الحاجة؛ فلا يحل له؛ لأن ما زاد عن الحاجة يحرم أخذه؛ وفي ذلك ما روي عن زيد بن خالد الجُهني رضي الله عنه: ((أن رجلًا من أصحاب النبي توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك؛ فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين))، ومعنى غلّ: خان وأخذ ما ليس له بحق.

الفرع الرابع: مداواة الرجلِ المرأةَ، فيجوز للرجل أن يداوي المرأة ولو كانت أجنبية عنه، ولكن لا يجوز أن يكشف من قدرها إلا بقدر الضرورة وبقدر ما يلزم للعلاج من سائر الأمراض، فإذا كشف ما يزيد عن مقدار الضرورة كان آثمًا، وتكون المرأة آثمة هي الأخرى إذا كشفت أكثر ممّا يزيد على قدر الضرورة؛ إذ لو زدنا على قدر الضرورة فإننا نكون قد تجاوزنا إلى ما هو محظور، وخرج بالأجنبية المحرم فإنه يراعي ما يحل له النظر إليه ويقف عند الضرورة فيما لا يجوز.

الفرع الخامس: فإن تعدد الجمعة يجوز لكل من أراد أن يصلي الجمعة لعسر الاجتماع في مكانٍ واحدٍ بقدر ما تنتفع به الحاجة، فلو اندفعت الحاجة بجمعتين لم تجز الثالثة، والقول بجواز تعدد الجمعة ليس خاصًّا بالشافعية وحدهم؛ بل قال به الأئمة كلهم، وذلك لأن جواز التعدد ضرورة والضرورة تقدر بقدرها، والعيد حكمه حكم الجمعة، لا يتعدد العيد إلا بقدر الضرورة؛ ولذلك فإن الشافعية يصلون بعد الظهر احتياطًا لاحتمال أن تكون جمعتهم باطلة، أما في زماننا هذا فإن التعدد دائمًا يكون لحاجة.

وعليه؛ فالمسلم إذا أدرك الجمعة في أي مسجدٍ، صلى وهو مطمئن على أن جمعته وقعت موقعها الصحيح، وأُديت على الوجه الذي طلبه الله سبحانه وتعالى.

الفرع السادس: اقتناء الكلاب: يجوز اقتناؤها إذا كانت للصيد، أو الحراسة، أو للتعرف على المجرمين عن طريق الكلاب البوليسية المدربة، فهذا جائزٌ للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وفي ذلك ما روي أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة، فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عن ذلك، فقال: ((لقد منعنا أن ندخل بيتًا فيه كلبٌ، أو صورة)).

فالأصل هو المنع، ولكن جاءت حاجات الناس الداعية إلى اقتناء الكلاب؛ فكانت الإباحة بقدر الضرورة، فالذي لا يحتاج إلا لكلبٍ واحدٍ لا يجوز له أن يقتني أكثر منه، فإذا كانت الضرورة تقضي باثنين فلا يأخذ أكثر منهما؛ لأنه أزيد من الضرورة، والزيادة لا تحل؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.

وقد ذكر العلماء أن إباحة الممنوع سواءٌ كانت على وجه التحريم أو على غير وجه التحريم كالكراهة يأتي على خمس مراتب:

المرتبة الأولى: الضرورات، وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدنيا والدين للجماعة والأفراد، بحيث لا يستقيم نظام الناس باختلالها، وتؤول حالة الأمة أو حالة الأفراد إلى فساد، وتفوت حياة الأمة في الدنيا وفي الآخرة، ويكون بفوت النجاة والنعيم في الآخرة والرجوع بالخسران المبين، فإذا وصل الإنسان إلى الحد الذي يجعله إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلاك، ففي هذه الحالة يباح له أن يتناول الحرام كالخمر والميتة وأن ينطق بكلمة الكفر.

المرتبة الثانية: فهي الحاجة، وهي كل ما تحتاج إليه الأمة ويحتاج إليه الأفراد من حيث التوسعة ورفع الحرج وانتظام الأمور، بحيث إذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج والمشقة من غير أن يبلغ مبلغ الفساد المتوقع، لكنه على حالة غير منتظمة، وذلك كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهدٍ ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام ويبيح الفطر في الصوم، فالمشقات تبيح الرخص ولا تبيح المحرمات.

المرتبة الثالثة: المنفعة، وهي كالذي يشتهي: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والطعام الدسم، فهي لا تتعلق بإباحة محظورٍ ولا حاجة.

المرتبة الرابعة: هي مرتبة الزينة كالمشتهي: الحلوى، والسكر، والثوب المنسوج من حرير، والفواكه الغالية أو النادرة، ولحم الغزال.

المرتبة الخامسة: فهي مرتبة الفضول، والفضول جمع فضلٍ بمعنى الزيادة، والفضول كل أمر تردد بين الحلِّ والحرمة، ومن ذلك التوسع بأكل الحرام أو الشبه كما يريد استعمال أواني الذهب أو شراب الخمر، وهي مراتب ما تحتاج إليه النفس في هذه الدنيا، وقد تدخل الضرورة في حلِّه بعد حرمته، وقد تدخل فيه الرخص وقد لا تدخل.

هذه هي المراتب الخمس التي ذكرها العلماء، وقالوا: إن إباحة الممنوع سواء كانت على وجه التحريم أو على غير وجه التحريم كالكراهة يأتي على خمس مراتب ذكرناها على الترتيب، فالله -تبارك وتعالى- يريدنا أن لا نستعمل أواني الذهب، ولا أن نشرب في أواني الخمر؛ لأن هذه أمورٌ محرمة، والنفس إذا أقبلت عليها فإنها تدخل في المحظور الذي حرمه الله -تبارك وتعالى- والله أعلم.

error: النص محمي !!