Top
Image Alt

قاعدة “اليقين لا يزول بالشك”

  /  قاعدة “اليقين لا يزول بالشك”

قاعدة “اليقين لا يزول بالشك”

. قاعدة: “اليقين لا يزول بالشك”:

أ. معنى القاعدة:

هي من القواعد الأساسية في الفقه الإسلامي، وتدخل في أحكام كثيرة في أبواب الفقه على اختلافه وأنواعه، ومعنى هذه القاعدة: أنَّ الأمر الذي ثبت بيقين لا يزول بالشك، وإنما يزول بيقين مماثل؛ لأنَّ الشك ضعيف فلا يقوى على إزالة اليقين القوي، وإذا كان الأمر كذلك فما معنى اليقين؟

معنى اليقين لغة: قرار الشيء، يقال: يقن الماء في الحوض بمعنى: ثبت فيه واستقر.

معنى اليقين في الاصطلاح: فهو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، أو هو حصول الجزم أو الظن الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه.

فخرج بالاعتقاد الجازم الظن وغلبة الظن؛ لأنَّه لا جزم فيهما، وخرج بقوله: “المطابق للواقع” ما ليس مطابقًا للواقع وهو الجهل، وإن كان صاحبه جازمًا؛ لأن جزم الجاهل لا يكون عن دليل، وخرج بقوله: “عن دليل” اعتقاد المقلد فيما كان صوابًا؛ لأن اعتقاده لما لم يكن عن دليل كان عرضةً للزوال، فكل ذلك ليس من اليقين في شيء، ولا يكون من اليقين أبدًا، ومع هذا فإن المناسب هنا هو تفسير اليقين بالمعنى اللغوي؛ لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر، فكثيرًا ما يكون الأمر في نظر الشارع يقينيًّا لا يزول بالشك، في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، وذلك كالأمر الثابت بالبيّنة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، مع أنَّ الشهادة -شهادة الشهود- لا تخرج عن كونها خبر آحاد، ويجيز العقل فيها السهو والنسيان، ويجيز فيها الكذب، وهذا الاحتمال الضعيف لا يُخرج ذلك عن كونه يقينًا؛ لأنَّه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله ولم يبقَ له اعتبار في نظر الناظر وعُرفه –أي: عرف اليقين- وعرفه البعض، بقوله: هو اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال.

 وقال ابن قدامة: ما أذعنت النفس للتصديق به، وقطعت بأنَّ قطعها به صحيح.

معنى الشك:

هو لغةً: التردد، والشك خلاف اليقين.

اصطلاحًا: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه، أي: لا يوجد مرجّح لأحد الأمرين على الآخر، فالتردد هو تردد بين الفعل وعدم الفعل، دون أن يكون لأحد الطرفين مرجّح على الآخر، ولا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين فيهما، أما إذا كان الترجيح ممكنًا لأحد الاحتمالين، والقلب غير مطمئن للجهة الراجحة فتكون الجهة الراجحة في درجة الظن، والجهة المرجوحة في درجة الوهم، والوهم ضعيفٌ، ولا يُؤبه له ولا يُعمل به، وإذا كان القلب يطمئن للجهة الراجحة فتكون ظنًّا، والظن الغالب يُنزّل منزلة اليقين، ويفهم من هذا أنه إذا وجد اليقين في شيء زال الشك، ومثال ذلك: إذا رأى إنسان شيئًا في يد آخر ورآه يتصرّف فيه تصرّف المالك في ملكه، فإنه يغلب على ظنّ من يشاهده أنه مالك لهذا الشيء، بشرط أن يكون مثله يملك مثله، لم يخبر الرأي عدلان بأنه ملك غيره، فإنَّه في هذه الحالة يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكية هذا الشيء بناءً على غالب الظن الذي ترسب عنده واستقر في نفسه، فالظن الغالب معتبر في الشرع بمنزلة اليقين في بناء الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستندًا إلى دليل معتبر، والمراد بالشك هنا هو الشك الطارئ بعد حصول اليقين في الأمر، سواء تساوى الاحتمالان أو رجح أحدهما على الآخر.

ب. بيان دليل هذه القاعدة:

دليل هذه القاعدة: قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36].

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأُشْكل عليه أخَرج منه شيء، أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتّى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا))، أي: الإنسان لا يدع ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها، وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: ((شُكِيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))، وروى مسلم عن أبي سيعد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلّى أثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكّ وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلّى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان)).

والشك هو الوقوف بين الشيئين حيث لا يميل القلب إلى أحدهما، فإن ترجّح أحدهما ولم يطرح الآخر، فهو الظن، فإن طرحه، فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين، وإن لم يترجح، فهو وهم.

وبناء على ما تقدم نقرر أن المدركات لها خمس مراتب، وهي: اليقين، والظن الغالب، والظن، والوهم.

أما اليقين فهو: جزم القلب مع الاستناد إلى دليل قطعي.

وأما الظن الغالب فهو: ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر مع اطمئنان القلب إلى الجهة الراجحة.

وأما الظن فهو: تجويز، وقوله في الحديث: ((حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))، معناه: لا ينصرف حتى يتيقن، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى لا للفظ، وهذا أصل، وقاعدة من قواعد الدين في أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، والمراد أن استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه، ولك أن تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.

وهذا يقتضينا أن نتكلم عن أهم المباحث التي تتعلق بالشك في الآتي:

الشك في اللغة: مطلق التردد، وفي اصطلاح الأصوليين: تساوي الطرفين، فإذا رجح أحدهما كان ظنًّا والمرجوح وهمًا، وأما عند الفقهاء، فهو كاللغة في سائر الأبواب، لا فرق بين المساوي والراجح، وهذا إنما قالوه في الأحداث، وقد فرقوا بينها في مواضع كثيرة، منها: أنه في الأكل من مال الغير إذا غلب على ظنه الرضا جاز، وإن شكّ فلا يأكل، ومثله وجوب ركوب البحر في الحجّ إذا غلبت السلامة، وإن شكّ فلا يركب، ومثله في المرض المخوف إذا غلب على ظنّه كونه مخوفًا نفذ التصرف من الثلث فقط، وإن شككنا في كونه مخوفًا لم ينفذ إلا بقول أهل الخبرة والأطباء العدول.

وأما الشك الطارئ بعد الشروع فلا أثر له في مواضع، منها: أن يتذكر المشكوك فيه عن قرب، كما لو شك في أصل النية وتذكر على القرب قبل مضي قدر ركن وتصح صلاته، وكذا لو شكّ الصائم في النية وتذكر قبل مضي أكثر النهار صح صومه.

ويستثنى من ذلك بعض المسائل، منها: ما لو صلى المسافر وشك هل نوى القصر أو لا؟ يلزمه الإتمام، وإن تذكّر في الحال أنه نوى القصر قصر، نص عليه الشافعي في (الأم)، وتابعوه، ومنها الشك بعد الفراغ من العبادة، قال ابن القطان: فرق الشافعي بين الشك في أثناء العبادة وبين الشك بعد الفراغ منها، فلم يوجب إعادة الثاني؛ لأنه يؤدي إلى المشقة، فإنَّ المصلي لو كُلِّف أن يكون ذاكرًا لما صلّى لتعذر عليه ذلك، فسومح فيه، كما لو شك بعد السلام في ترك فرض من فروض الصلاة لم يؤثِّر على المشهور، نعم لو كان المشكوك فيه هو النية وجبت الإعادة، والشك في المانع لا يؤثر.

ولذلك فإننا نقرر أنَّ ما كان وجوده شرطًا كان عدمه مانعًا، فالشرط في البيع والسَّلَم: القدرة على التسليم، والعجز مانع، وإذا شككنا في الشرط لا يثبت الحكم، وإذا شككنا في المانع منه أثبتنا الحكم عملًا بالأصل في الموضعين، فإذا شككنا هل تطهر أو لا؟ فالشك لا يؤثر؛ لأنَّ الطهارة شرط والأصل عدمها، وأما إذا شككنا في المانع فالأصل هو العدم فيترتب الحكم عليه، فإذا قال لزوجته: إن خرجتِ بغير إذني فأنت طالق، فخرجت، وادعى أنَّه أذن لها فأنكرت الإذن، فالقول قولها، ويقع الطلاق لأنَّ الأصل عدمه، ومن لم يوقعه يتمسّك بأن الأصل بقاء النكاح، وكذلك هنا يقال: إنما رتّبنا الحكم عند الشك في الحدث، فإنه مانع، والأصل عدمه، فالشك لا يؤثر في يقين الطهارة، فإن كان عدميًّا لا يترتب الحكم، وإذا تقرّر ذلك أنتج أن ما كان وجوده شرطًا فعدمه مانع، وعند الشك في وجوده لا يترتب الحكم؛ لأنَّ الأصل عدم وجود ذلك الشرط، والأصل وجود المانع.

ومن الصور التي لا يؤثر فيها الشك بعد الفعل: أن يعارضه أصل ضعيف فيضعف الشكّ حينئذٍ، ومن ذلك ما لو أحرم وتزوج، وشكّ: هل كان تزوجه قبل الإحرام أو بعده، فالنكاح صحيح، نصّ عليه الشافعي فيما نقله الماوردي، ووجهه أنَّ الأصل عدم الإحرام.

وقال الدارمي: نص الشافعي قال: من جهة الورع إيقاع طلقة ويعطي نصف الصداق إن سمى المهر، والمتعة إن لم يسمِّ. قال: وفي الحكم النكاح صحيح. وإذا أقدم شاكًّا في حصول الشرط، ثم بان مصادفته –أي: حصوله- هل يجزئه؟

على ضربين:

الأول: أن يكون مما تجب فيه النية أو بُني على الاحتياط فلا يجزئه، كما لو صلى شاكّا في دخول الوقت ثم بان دخوله، وكما لو توضّأ من الإناء المشتبه فيه من غير اجتهاد، ثم تبيّن أن الذي توضّأ منه كان طاهرًا لم تصحّ صلاته ولا وضوءه، فلو غسل به نجاسة لم يصح بناءً على نيته قبل التبين، وتصح بعد التبين بناءً على المشهور أنَّ النجاسة يغتفر فيها إلى النية. قال الشاشي: فلو اشتبهت عليه القبلة فصلّى بغير اجتهاد وتبيّن أنه صلى للقبلة، وكذا لو حكم القاضي بغير اجتهاد ثم بان مصادفته، لا يصح، ولو ولى الإمام قاضيًا وهو لا يعلم اتِّصافه بالأهلية لم يصح وإن كان أهلًا، ومن لا يجوِّز أن يكون قاضيًا لو ولِي وحكم لم تنفذ أحكامه، وإن كانت صوابًا.

الثاني: حكى ابن عبدان في كتابه (الشواهد)، قال: من ولِي القضاء من غير أهلية فوافق الحق فحكمه ينفذ في تلك الحكومة، فإن كان الشك في غير حصول الشرط فيجزيه في صور، ومنها: لو وقف بعرفة شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه قد طلع، فإن وقوفه صحيح مسقط للفرد، قاله الشاشي في (المعتمد).

وقال الشيخ أبو حامد وغيره: الشك ثلاثة أضرب:

الأول: شكٌ طرأ على أصل حرام، كشاة مذبوحة في بلد فيه مسلمون ومجوس لا يغلب أحدهما على الآخر، فلا تحلّ؛ لأن أصلها حرام.

الثاني: شكّ طرأ على أصل مباح، كما لو وجد ماءً متغيرًا، واحتمل أن يكون تغيره بنجاسة أو بطول المكث، فيحلّ استعماله مع الشك عملًا بأصل الطهارة، وكذلك الشك في الطلاق لا يؤثر؛ لأن الأصل بقاء النكاح.

الثالث: شكّ لا يُعرف أصله، كمعاملة من أكثر ماله حرام، فلا يَحرم لإمكان الحلال، ويكره خوف الوقوع في الحرام.

ج. بيان مكانة قاعدة: “اليقين لا يزول بالشك”:

هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو تزيد، ويكفي أن نذكر أهم الفروع الفقهية التي تندرج تحتها، ومن هذه الفروع ما نُص عليه من عدم جواز البيع مجازفة في الأموال الربوية، كالمكيلات والموزونات؛ لأن المماثلة في بيعها شرط محقّق، والمماثلة مع المجازفة مشكوك فيها، فلا تثبت الصحة بناءً على أن الأصل المقرر هو أن الحكم المعلق على شرط إذا وقع الشكّ في شرطه لا يثبت؛ لأن ما ليس بيقين لا يثبت بالشك، والثابت بيقين لا يزول بالشك؛ ولأن الشك في المماثلة هي عين المفاضلة.

ومنها إذا سافر رجل إلى بلاد بعيدة، وانقطعت أخباره مدةً طويلة، فانقطاع أخباره يثير شكًّا في حياته، إلا أن ذلك الشك لا يزيل اليقين وهو الحياة المتيقنة من قبل، ومن ثَم فلا يجوز الحكم بوفاته، وليس لورثته اقتسام تركته ما لم يثبت موته يقينًا، وعلى العكس إذا سافر آخر بسفينة وثبت غرق السفينة، فيحكم بموته؛ لأن موته في هذه الحالة ظن غالب، والظن الغالب يُنزل منزلة اليقين، ومن هذه الصور إذا أقر شخص بمبلغ لآخر قائلًا: أظن أنه يوجد لك بذمّتي كذا من المال، فإقراره هذا لا يترتب عليه حكم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والأصل هو المتيقّن، فما لم يحصل يقينًا بشغل ذمته لا يثبت المبلغ عليه للمقرّ له؛ إذ إنَّ إقراره لم ينشأ عن يقين بل عن شك وظن، وهذا لا يزيل اليقين ببراءة ذمة المقر.

ومنها: لو عقد الرجل على أختين بعقدين متعاقبين، ونسي الأول منهما، فإنه يفرّق بينه وبين الثنتين، ولا يجوز ترجيح أولية عقد إحداهما على الأخرى بغلبة الظن؛ بل لا بد من العلم؛ لأن التحرِّي وغلبة الظن لا يجري في مسائل الفروج.

ومن الصور: لو طلق واحدة معينة من نسائه ثم نسيها، فإنه لا يجوز له أن يأتي واحدة من نسائه إلا بعد العلم بالمطلقة، ولا يكفي التحري وتغليب الظن، ولا يسع الحاكم أن يُخلِي بينه وبين نسائه حتى يحدد؛ لأنَّ التحري إنَّما يجوز فيما يباح عند الضرورة، والفروج لا تحل للضرورة.

ومن المسائل أيضًا المندرجة تحت القاعدة -وهي قاعدة: اليقين لا يزول بالشك- أن المتيقّن للطهارة إذا شكّ في الحدث هل هو متطهر؟

عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، يكون متطهرًا. أما عند مالك: فمن شك في الطهارة يجب عليه الوضوء، بناءً على قاعدة عنده تقول: “الشك في الشرط مانع من ترتب المشروط”. لكن ابن عبد البر ردَّ هذا القول في كتاب (التمهيد)، فقال: إن قول مالك: “من شك في الحدث بعد يقينه في الوضوء فعليه الوضوء” هذا القول لم يتابعه عليه أحد من أهل الفقه علمته إلا أصحابه ومن قلدهم في ذلك، وقد خالفه عبد الله بن نافع، وأجمع العلماء أن من أيقن الحدث وشك في الوضوء أن شكه لا يفيد فائدة.

ومن هذه الصور: إذا شك في إخراج ما عليه من الزكاة؛ فإنه يجب عليه إخراج الزكاة مرة أخرى وينوي بها التقرب إلى الله، وإذا أدّى الزكاة من مال يظن حله فأخلف ظنه لم تسقط الزكاة بذلك، وكذلك إذا عجل الزكاة على ظنّ بقاء الفقر إلى الحول فأخلف ظنه باستغناء الفقير لم تسقط الزكاة بذلك، وله الرجوع لخروج المقبوض عن كونه زكاة.

ومنها إذا أحرم بالعمرة ثم بالحج وشكّ: هل كان أحرم بالحج قبل طواف العمرة فيكون صحيحًا أو بعده فيكون باطلًا؟ حكم بصحته؛ لأن الأصل جواز الإحرام بالحج حتى يتيقين أنه كان بعده، وهذا كمن تزوج وأحرم، ولم يدر هل أحرم قبل تزوجه أو بعده، فإن الشافعي نصّ على صحة نكاحه؛ لأن الأصل العدم.

ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه القاعدة: إذا أقرّ الحاكم بشيء إن كان على جهة الحكم كان حكمًا، وإن لم يكن على جهة الحكم بأن كان في معرض الحكاية والإخبار عن الأمور لم يكن حكمًا، أي: أننا إذا شككنا في ذلك لم يكن حكمًا؛ لأن الأصل بقاؤه على الإخبار وعدم نقله إلى الإنشاء.

ومنها ما لو طلّق الرجل زوجته وكانت ذات لبنٍ، وتزوّجت بآخر بعد عدتها، فحملت منه ثم أرضعت طفلًا في مدة الحمل، فإنّ لبنها لم يزل معتبرًا من الزوج الأول، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له؛ لأنه كان متيقنًا أن اللبن منه، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشكِّ الحاصل بسبب حملها من الزوج الثاني، فإذا ولدت يحكم حينئذٍ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني.

2. قاعدة: “الأصل بقاء ما كان على ما كان”:

وقد عبر السيوطي عن هذه القاعدة فقال: “ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه”.

أ. معنى هذه القاعدة:

معناها: أن ما ثبت على حالٍ في الزمان الماضي ثبوتًا أو نفيًا يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره.

ب. دليل هذه القاعدة:

يُستدل لهذه القاعدة بالاستصحاب.

معنى الاستصحاب لغة:

والاستصحاب معناه في اللغة العربية: الملازمة وعدم المفارقة.

معنى الاستصحاب اصطلاحًا:

وأما الاستصحاب في اصطلاح العلماء فيختلف تعريفه عند الأصوليين عنه عند الفقهاء، فهو عند الأصوليين أنواع، منها: استصحاب النص إلى أن يرد نسخ، أي: أنه يعمل بالنص من كتاب، أو سنة حتى يرد دليل ناسخ، وهذا متفق عليه.

ومنها: استصحاب العموم إلى أن يرد دليل تخصيص، أي: العمل باللفظ العام حتى يرد المخصَّص، فيُقصر العام على بعض أفراده، وهذا أيضًا متفق عليه.

ومنها: استصحاب الحال، وهو ظن دوام الشيء بناءً على ثبوت وجوده قبل ذلك، وهذا قريب من تعريف الفقهاء للاستصحاب.

وقد اختلف الأصوليون في كونه حجة، أو لا.

فذهب الأكثرون -مالك، وأحمد، والمزني، والصيرفي، وإمام الحرمين، والغزالي، وجماعة من أصحاب الشافعي-: إلى أنه حجة.

وذهب جمهور الحنفية، وأبو الحسين البصري، وأبو طالب من الحنابلة، وجماعة من المتكلمين: إلى أنه ليس بحجة.

وأما الاستصحاب عند الفقهاء: فهو لزوم حكم دلّ الشرع على ثبوته ودوامه، كالمِلك عند جريان العقد المملّك، وكشغل ذمة المتلف عند وقوع الإتلاف، وذمة المديون عند مشاهدة استدانته.

وينقسم الاستصحاب عند الفقهاء إلى قسمين:

الأول: أن الشيء إذا كان على حاله في الزمان الماضي، فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يغيره، وسماه بعضهم: استصحاب الماضي للحال.

الثاني: أن الشيء على حالته الحاضرة يُحكم أنه عليها في الزمان الماضي ما لم يوجد دليل يغيره، وهذا يسمى: الاستصحاب المعكوس، وسماه بعضهم: استصحاب الحال للماضي، والقاعدة يشير معناها إلى النوع الأول.

ج. بيان الفروع التي تندرج تحت قاعدة: “الأصل بقاء ما كان على ما كان”:

فإنه يدخل في فروع هذه القاعدة مسألة المفقود التي انقطعت أخباره ولم يعلم موته ولا حياته، فهذا يحكم بحياته؛ لأنَّه حين تغيبه كانت حياته محققة، فما لم يقم دليل على موته حقيقةً أو يحكم بموته عن طريق القضاء، فهو حي حكمًا، فليس لورثته اقتسام تركته ولا تأخذ وديعته ولا تَبين منه امرأته، وهذا أمرٌ متّفق عليه بين الفقهاء، وأما إذا مات نصراني فجاءت امرأته مسلمة وقالت: أسلمت بعد موته فأستحق ميراثه، وقال الورثة: بل أسلمت قبل موته فلا ميراث لها، فالقول قول الورثة عند بعضهم، ووجهه أن سبب الحرمان قائم في الحال وهو اختلاف الدين، فيثبت فيما مضى تحكيمًا للحال؛ ولهذا الحكم وجه آخر وهو: أنَّ إسلامها حادث، والحادث يضاف إلى أقرب أوقاته، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

حكم الاستصحاب:

فالاستصحاب عند الحنفية يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق، وهذا ما نصّ عليه الكرخي بقوله: الأصل أنَّ الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه، وذلك كمسألة المفقود التي سبق أن ذكرناها، فاستصحابه حياته يمنع تقسيم تركته وبينونة امرأته، ولكن لو مات شخص يرثه المفقود فلا يستحقّ المفقود من إرثه شيئًا؛ لعدم تحقّق حياته عند موت مورثه، فاستصحاب حيات المفقود لم تصلح حجة لاستحقاقه الإرث حال غيبته.

وأما عند الشافعية وبعض الحنفية فالاستصحاب يصلح حجة للدفع والاستحقاق، وبناءً عليه فالمفقود عندهم يرِث ولا يورِّث؛ لأنه قبل فقده كان حيًّا فيجب استصحاب حياته حتى يظهر خلاف ذلك.

والاستصحاب عند الحنابلة حجة للدفع والاستحقاق أيضًا، حيث يوقفون نصيب المفقود لحين ظهور حياته أو موته، فإن ظهر حيًّا ورث، وإلا رد المال لورثة المورث المفقود.

ومن أمثلة هذه القاعدة التي تندرج تحتها: أنه إذا تعاشر الزوجان مدةً مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة فالقول قولها عند عدم بينة الزوج مع يمينها؛ لأن الأصل بقاؤهما في ذمته كالمديون، وإذا ادّعى دفع الدين وأنكر الدائن، ومنها لو ادعت المطلقة امتداد الطهر وعدم انقضاء العدة صُدِّقَت ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاؤها.

ويستثنى من قاعدة الاستصحاب أن الأمين يصدّق بيمينه في براءة ذمته، فلو ادّعى المودع أنه أعاد الوديعة، أو أنها تلفت في يده بلا تعدٍّ أو تقصير، يقبل ادعاؤه مع يمينه، مع أنه كان يجب -بمقتضى قاعدة الاستصحاب- أن يعد الأمين مكلفًا بإعادة الأمانة ما لم يثبت إعادتها؛ لأن الحال الماضي هو وجود الأمانة عند المودَع، والسبب في تصدِيقه بيمينه أن الأمين هنا يدعي براءة الذِّمة من الضمان، وأما المودع، فهو يدعي شغل ذمّة الأمين، وذلك خلاف الأصل لأن الأصلَ براءةُ الذِّمة.

error: النص محمي !!