Top
Image Alt

قاعدة: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص”، والقواعد المتداخلة معها

  /  قاعدة: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص”، والقواعد المتداخلة معها

قاعدة: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص”، والقواعد المتداخلة معها

. قاعدة: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص”:

أ. معنى القاعدة:

أن الاجتهاد غير مطلوب في مسألة ورد فيها نص؛ لأن جواز الاجتهاد مشروطٌ بعدم وجود نص قطعي الثبوت والدلالة، فإذا وُجِدَ ذلك النص فالاجتهاد ممنوع، والمراد بالنص هنا الكتاب والسُّنة، والاجتهاد مأخوذ من الجَهد بفتح الجيم أو من الجُهد بضمها.

تعريف الاجتهاد لغة:

وهو في اللغة: بذل الوسع في تحصيل ما فيه كُلفة أو فيه مشقة، يقال: اجتهد في حمل الصخرة، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة لعدم المشقة في حملها.

تعريف الاجتهاد اصطلاحًا:

وعند الأصوليين الاجتهاد له تعريفات كثيرة أرجحها تعريف الإمام البيضاوي الذي عرف به الاجتهاد بقوله: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية، فدرك الأحكام معناه: تحصيلها سواءٌ كان على سبيل الظن أو على سبيل القطع.

ويُفهم من هذا التعريف بأنَّ الفقيه لا يوصف بأنه مجتهد ما لم يبذل أقصى طاقته وقدرته في استخراج الحكم الشرعي من الدليل، بحيث لا يستطاع بذل وسع أكثر من ذلك، فإذا بذل المجتهد وسعه في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلبٍ فهذا هو الاجتهاد التام وغيره الاجتهاد الناقص.

نوعا الاجتهاد:

والاجتهاد نوعان:

النوع الأول: اجتهاد في فهم النصوص لإمكان تطبيقها، وهذا واجبٌ على كل مجتهدٍ، وخاصة إذا كان النص عامًّا أو مجملًا أو مطلقًا، فالعام يخصص، والمجمل يفصل، والمطلق يقيد.

النوع الثاني: اجتهاد عن طريق القياس والرأي، وهذا لا يجوز الالتجاء إليه إلا بعد أن لا نجد حكم المسألة المطلوب معرفة حكمها في الكتاب أو السُّنة أو الإجماع، أو هو -كما قال الإمام ابن القيم: ما يراه القلب بعد فكرٍ وتأملٍ وطلبٍ لمعرفة وجه الصواب ممّا تتعارض فيه الأمارات.

وعليه فإن الاجتهاد بالرأي يكون عند عدم وجود النص، ويتحقق على الوجه الآتي: أن يستنبط الفقهاء أحكام الحوادث الجديدة من القواعد العامة التي جاء بها القرآن وجاءت بها السُّنة، وأن يقيسوا المسألة الجديدة التي لم يرد فيها نص على ما ورد فيها من أحكام الفروع الأخرى، وأن يراعي المجتهد روح الشريعة ومقاصدها العامة، وأسس التشريع الإسلامي التي قام عليها، وهي اليسر، ورفع الحرج، وقلة التكاليف، وتحقق العدالة.

شروط الاجتهاد:

والاجتهاد له شروطٌ تحدث عنها الفقهاء، ومن أهمها: أن يكون المجتهد عالمًا بمواطن الإجماع والناسخ والمنسوخ، وعالمًا بأحاديث الأحكام في مواطنها وفي أبواب الفقه، وعالمًا بمواضع الآيات من سورها، وأن يكون ملمًّا باللغة العربية.

وقد ذكر ابن القيم أن الإمام الشافعي قال فيما رواه عنه الخطيب في كتابه (الفقيه والمتفقه)، قال الإمام الشافعي: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلٌ عارفٌ بكتاب الله تعالى، بصيرٌ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للسُنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحةٌ بعد هذا، فإن كان هذا فله أن يتكلم وأن يفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يُفتي.

ب. فروع القاعدة:

من فروع هذه القاعدة: أنَّ الحاكم لو قضى بصحة رجعة الزوجة الرجعية بدون رضاها لا ينفذ ذلك القضاء؛ لأنَّه مخالفٌ لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، وكذلك لو قضى بحلِّ المطلقة ثلاثًا بمجرد عقد الزواج الثاني لا ينفذ هذا الحكم؛ لأن حديث: “العُسَيْلة” يخالفه؛ فيكون التحليل بدون الوطء مخالفًا له فلا يجوز على أنه قد يرد حديث في موضوع فيراه بعض الفقهاء صحيحًا فيعمل بموجبه ويترك القياس المخالف له، بينما لا يراه غيره كذلك فيتركه ويلجأ إلى القياس، وهذا جائزٌ وليس ممّا نحن فيه.

2. قاعدة: “الاجتهاد لا ينقض بمثله”:

أ. معنى القاعدة:

أنَّ القاضي إذا اجتهد في مسألة شرعية، ثم عَرَضَتْ له مسألة مشابهة فحكم فيها برأي آخر، فلا ينقض الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني، وكذلك لو حكم مجتهدٌ في مسألة بموجب اجتهاده ثم حكم مجتهدٌ آخر في تلك المسألة عينها وكان اجتهاده مخالفًا، فلا ينقض الحكم المستند على الاجتهاد الأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، والمقصود بالاجتهاد الذي لا ينقض بمثله هو الاجتهاد الذي مضى حكمه وقضي به ثم تغير الحكم فيه في المستقبل بتغير الاجتهاد.

ب. الدليل على هذه القاعدة:

وأما دليل هذه القاعدة: فقد قام الدليل على أنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد؛ لأن الاجتهاد إنما هو حصول غلبة الظن على إصابة المرمى مع احتمال الخطأ، فكل اجتهادٍ كما يجوز أن يكون صوابًا يجوز أن يكون خطأ، وعليه فإن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الاجتهاد الأول؛ لأن الاجتهاد الأول ظني والاجتهاد الثاني ظني، ولا ترجيح لأحد الظنين على الآخر.

ج. فروع هذه القاعدة:

لهذه القاعدة فروع تؤكد ذلك، وأن الاجتهاد لا ينقض بمثله؛ لأن شرط النقض اتحاد النسبة الحكمية، ومع اختلاف الظنون لا تتحد النسبة الحكمية، فلا ينقض الاجتهاد بمثله.

الفرع الأول: لو تغير اجتهاد المجتهد في القبلة عمل بالثاني ولا قضاء حتى لو صلى أربع ركعات بأربع جهات بالاجتهاد فلا قضاء عليه، فتكون الأربع ركعات صحيحة؛ لأن الاجتهاد في كلٍّ منها لا ينقضُ بما قبله؛ لما أخرجه الترمذي وأحمد والطبراني من حديث عامر بن ربيعة بلفظ: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ مظلمة، فلم ندر أين القبلة، وصلى كل رجلٍ على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115])).

وفي رواية جابر عند البيهقي بلفظ: ((صلينا ليلة في غيم وخفيت علينا القبلة، فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أحسنتم، ولم يأمرنا أن نعيد))، فدل ذلك على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد الآخر.

الفرع الثاني: لو اجتهد فظن طهارة أحد الإناءين فاستعمله وترك الآخر ثم تغير ظنه لا يعمل بالثاني بل يتيمم، فلو أن هناك إناءين وبينهما كلب فظن أن الكلب شرب من أحدهما، وظن أن الآخر طاهر ثم تبين له عكس ذلك، فلا يعمل بالاجتهاد الثاني بل يتيمم؛ لأنه لو عمل بالاجتهاد الثاني لكان ناقضًا للاجتهاد الأول؛ لأن الأول مبني على الظن والثاني مبني على الظن، ولا ترجيح لأحدهما فيجب عليه أن يتيمم وأن يترك الإناءين، وهذا مبنيٌّ على وجوب التحري.

الفرع الثالث: لو شهد فاسقٌ على خصم في حادثة، فقال الخصم: هذا فاسقٌ، وردت شهادته لفسقه ثم تاب وأعاد الشهادة في نفس الحادثة بعينها، لم تُقْبَلْ شهادته؛ لأن الحكم بفسقه كان باجتهاد، وقبول شهادته بعد التوبة لعدالته اجتهاد، فلو قبل القاضي شهادته يكون قد نقض الاجتهاد الأول بالثاني في الحادثة عينها، وهذا ما علل به المتولي.

وهناك تعليلٌ آخر للحامولي قال: لو قبل القاضي شهادته في الحادثة عينها بعد أن تاب لتوجهت التهمة للحاكم وتزعزعت ثقة الناس في القاضي فيوجد الاتهام، وإذا تزعزعت ثقة الناس في حكامهم فعلى الدنيا السلام، أما لو كانت الحادثة مختلفة وشهد فيها فاسقٌ بعد التوبة فتقبل؛ إذ لا يكون هناك اجتهاد ثانٍ، فلا يقال: نقض الاجتهاد بالاجتهاد.

الفرع الرابع: إلحاق النسب بالقيافة، والقائف هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره في أعضاء المولود.

وهذا مختصٌ بما مضى من العصور، وأما في هذا العصر -عصر الاكتشافات العلمية- فإن القافة هم خبراء الجينات الذين يحكمون بإلحاق نسب الطفل إلى أبيه بأدق الوسائل العلمية، فلا يعقل أن يُطلب حكم القافة مع وجود ما يدل على البنوة بطريقة علمية أدق؛ ولهذا كان العمل بالقيافة في القديم كان صحيحًا سواء عن طريق الفراسة أو عن طريق خبراء الجينات عن طريق التحاليل المخبرية كل ذلك مشروع، وهذا هو قول الجمهور.

والقيافة من الأدلة الشرعية لإثبات الأنساب عند الاشتباه، قالت عائشة رضي الله عنها: ((دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ مسرورًا فرحًا، فقال: يا عائشة إن مجزز المدلجي دخل عليه فرأى أسامة، وزيدًا وعليهما قطيفةٌ قد غطيا بهما وبدت أقدامهما؛ فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)).

فلو أن القائف ألحق الولد بأحد المدعيين بناء على علم عنده ثم تغير اجتهاده وتغير ظنه ورجع وألحقه بالمدعي الآخر لم يقبل؛ لأن إلحاقه بالأول اجتهاد وإلحاقه بالثاني اجتهاد، وليس الأول بأقوى من الثاني، والقاعدة تقول: لا ينقض الاجتهاد باجتهاد مثله، وكذلك لو ألحقه قائفٌ بأحدهما فجاء قائف آخر فألحقه بالآخر لم يلحق به؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، فالحكم فيهما واحد، والفرق بين الاجتهاد في الأولى والثانية أن التغير الظني في الأولى اجتهادٌ من شخص واحد، وأما في الثانية فمن شخصين، فلا ينقض الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني سواء من فردٍ أو من اثنين.

الفرع الخامس: أن الحاكم إذا حكم في حادثة بحكم ثم تغير اجتهاده لم ينقض الحكم الأول، وإن كان الظن الثاني أقوى؛ لأن الرجحان في الظنين لا يوصل إلى القطع، غير أنه لو حكم في الحادثة الأولى وتغير ظنه فيها لا يحكم إلا بالثاني نظرًا لقوة الثاني على الأول، ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه لقي رجلًا له خصومة فقال له: “ما صنعت في خصومتك فقال له الرجل: قضى فيها علي بن أبي طالب وزيدُ بن ثابت بكذا، قال عمرُ رضي الله عنه: لو كنت أنا لقضيت فيها بكذا، فقال الرجل: وما يمنعك والأمر إليك؟ قال له عمر: لو كنت أردك إلى كتاب أو إلى سُنة لفعلت، ولكن أردك إلى رأي والرأي مشترك”، ولم ينقض عمرُ ما حكم عليٌّ وزيد، فدل هذا على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وعليه فإن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه بتغيير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر لأمكن تكرار هذا ممّا يؤدي إلى اضطراب الأحكام وعدم الوثوق بحكم الحاكم وهو خلاف المصلحة.

وإنما يمكن نقضه إذا خالف دليلًا قطعيًّا من نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ جلي، أو غير ذلك من الأدلة الثابتة ثبوتًا قطعيًّا في دلالتها وفي ثبوتها، وقد ورد أن العز بن عبد السلام أفتى في مسألةٍ بفتوى فتبين له الخطأ، فأمر مناديًا ينادي في الناس ويقول: من أفتاه عز الدين بن عبد السلام فلا يعمل بفتواه، فالقاضي إذا بان له الخطأ في المسألة أو الحكم، كأن كان الحكم قد خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا، فيجب عليه أن يرجع إلى الصواب فورًا ولا يتمادى في حكمه، فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والقياس الجلي هو ما قُطِعَ فيه بنفي الفارق بين المقيس والمقيس عليه في نفس العلة، مثل قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23].

الفرع السادس: أنه لو زوجت المرأة نفسها بغير الولي فلا ينقض ذلك النكاح؛ لأنَّ الحنفية صححوا النكاح مع عدم الولي بخلاف بقية المذاهب، حيث إنَّ الحنفية لم يعملوا بحديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، ومن ثَمّ فلا ينقض ذلك النكاح، وقالوا: إذا كانت المرأة تتصرف فيما تملك من مال أفلا تتصرف في أمر نفسها، وعلى ذلك إذا حكم القاضي الحنفي بصحة النكاح بغير ولي فلا يعترض القاضي الشافعي على ذلك الحكم ولا يبطله ويقول بعدم النكاح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)).

ولما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإنَّ الزانية هي التي تزوج نفسها)).

الفرع السابع: الخلع، وهو مفارقة المرأة بعوض، وقد أجمع العلماء على مشروعية الخلع؛ لما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس قال: ((جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني ما أعتب عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة))، رواة البخاري، والنسائي.

فهل الخلع طلاقٌ أو فسخ؟

فيه ثلاثة آراء للعلماء:

أحدها: أنه طلاق.

والثاني: أنه فسخ.

والثالث: أنه ليس بشيء.

فعلى القول بأنه فسخ فإن خلع الرجل زوجته ثلاثًا ثم تزوجها الرابعة بلا محللٍ لاعتقاده أن الخلع فسخ، ثم تغير اجتهاده ورجع عن رأيه وقال: إنه طلاق، وهو باقٍ معها بذلك النكاح مع رجوعه عن رأيه بأن الخلع فسخ، فينفذ حكمه فتكون زوجته قضاءً وديانة؛ لأننا أُمرنا أن نحكم بالظاهر، وبه قال الشافعية.

وقال الحنفية: ينفذ قضاءً لا ديانةً، وعليه فهي حرام بينه وبين الله، ويبقى النكاح ويستمر الزواج ظاهرًا ولا يطؤها لاعتقاده أنه حرام، ولا ينتقض الاجتهاد بالاجتهاد بالنسبة للظاهر لما يلزم من بلبلة الناس، لكن دينًا لا يترتب عليه أي فتنة واضطراب بين الناس، فالحكم القضائي ينفذ ظاهرًا ويظهر أثره في المتنازعين، ويكون متعلقًا بالنفاذ الظاهر فقط، وهذا حكمٌ بالغ الخطورة؛ إذ كيف يتصور بقاء العقد مع عدم حل الوطء بينهما؟!.

وفرعوا على ذلك أيضًا أنَّ الحنفي إذا خلل خمرًا فأتلفها عليه رجل لا يعتقد طهارتها بالتخليل فترافعا إلى قاضٍ حنفيٍّ ثبت عنده أن الحل موجود؛ فقضى بضمانها ولزمه ذلك قولًا واحدًا، وإذا قلنا قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا، أما لو قلنا إن حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا لا باطنًا فلا ضمان عليه بينه وبين الله؛ لأنه أتلف نجسًا؛ وذلك لأنَّ المذهب الشافعي يرى أنَّ الخمرة إذا صارت خلًّا بالصنعة لا تطهر استنادًا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ((أتُتَّخذ الخمر خلًّا؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا))، فدل الحديث على أن التخليل بالصنعة لا ينفي عن الخمرة التنجس وعكسه عند الحنفية، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.

قال الإسنوي: إن النَّقْض الممتنع إنما هو في الأحكام الماضية ونحن لا نتعرض لها، وإنما غيرنا الحكم لانتفاء المرجح كالمجتهد في القبلة وغيرها إذا غلب على ظنه دليلٌ فأخذ به ثم عارضه دليلٌ آخر، فإنه يتوقف عن الأخذ به في المستقبل ولا ينقض ما مضى؛ بل ما وقع وقع صحيحًا.

د. ما يستثنى من هذه القاعدة:

يستثنى من قاعدة: “الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد”، فروع أخذت حكمًا غير حكم القاعدة، ومن أهم هذه الفروع المستثناة: الحِمَى، ومعناه المنع، وذلك بأن يحمي الإمام أرضًا بتخصيصه لمنفعة يراها كبناء مدرسة، أو بناء مستشفى، أو غيرهما من المصالح العامة، فيجوز نقض ذلك الحِمَى ويجوز رفعه فيعود كما كان إذا ظهرت مصلحة في نقضه بعد ظهورها في الحِمَى، ومعنى ذلك نقض الاجتهاد بالاجتهاد، فتكون هذه الصورة مستثناة بناءً على هذا الرأي وهو الأصح، ومقابل الأصح لم ينقض ما حماه الإمام؛ لأنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولأنَّ التغيير الذي حصل كان للمصلحة، وإذا تغيرت المصلحة المقتضية تغير الحكم وتغير تبعًا لتلك المصلحة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وأما ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُنقض، فقد حمى رسول الله أرضًا بالبقيع، فهذا الحمى يستمر إلى يوم القيامة؛ لأنَّه بمثابة النص، ولا اجتهاد مع النص.

ومن الفروع المستثناة منها: قسمة الإجبار، وهي ثلاثة أنواع:

النوع الأول: قسمة إفراز، وسميت بذلك لكونها أفرزت لكلٍّ من الشركاء نصيبه.

النوع الثاني: قسمة تعديل، وهي تعديل الأنصباء بالقيمة كأرض تختلف قيمة أجزائها.

النوع الثالث: قسمة رد، وتكون فيما تساوت أجزاؤه وفي أحد الأجزاء ميزة.

وقسمة الإفراز يكفي فيها قاسم واحد، أما الآخران فلا بد فيها من عدلَيْنِ، فلو قسم شخص قسمة إجبار ثم قامت بينة بغلط القاسم نقضت مع أنَّ القسمة حصلت باجتهاد فتنقض القسمة، وكونها تنقض مُشكِل؛ لأنه من قبيل نقض الاجتهاد باجتهاد آخر، والواقع أنَّه لا إشكال؛ لأنَّ نقض القسمة الأولى لفوات شروطها في القاسم، أو لأنَّ النقض سببه عدم وجود الشرط المعتبر في القسمة.

وَمِنَ الْفُرُوعِ المستثناة: إذا قوّم شخصٌ عقارًا أو سيارةً فقال: إن هذا المنزل أو هذه السيارة تساوي مائة ألف مثلًا، ثم اطلع على صفة زيادة أو نقص، وتبين له أن القيمة الحقيقية خلاف ذلك بطل التقويم الأول، وهذا يشبه نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ونقض الاجتهاد بالاجتهاد لا يجوز، فهذا ليس من قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وإنما هو نقض الاجتهاد الأول لمخالفته النص.

ومن الفروع: أن يتنازع اثنان في دار، أحدهما خارجٌ عن الدار والثاني داخلٌ فيها، فأقام الخارج بينة ادعى فيها أن الدار داره وأن الشخص الذي فيها اغتصبها في غيبته، ورُفِعَ الأمر إلى القاضي فحكم القاضي له بناء على بينته، ثم أقام الداخل بينة شهدت له بأنه ورثها عن أبيه، أو أنه اشتراها من زيدٍ من الناس، فحكم القاضي له بناء على هذه البينة وبناء على وضع اليد، وهذا هو الأصح؛ لأن الاجتهاد الأول كان مبناه على الخطأ، وقد ظهرت بينة الثاني مع وضع يده وهذا أقوى، فعدول القاضي لا يسمى نقضًا، وإنما تبين له الخطأ في القضاء، والثاني رجحت حجته بالبينة ووضع اليد فيسمى عدولًا عن الخطأ، فالواقع أن هذه الصورة ليست بمستثناة، وهناك قولٌ ثانٍ، قاله الهروي: وهو أنَّ القضاء باقٍ بحاله وعلى ذلك لم يُنْقَض اجتهاد باجتهاد.

ويتضح من هذا كله أنه يجوز نقض قضاء القاضي إذا خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا.

ومثال ما خالف نص الكتاب: القضاء بشاهد ويمين، فهو مخالف لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].

فحديث القضاء بشاهد ويمين لما كان مخالفًا لنص القرآن، فقد أبطل بعض العلماء العمل به ومنهم: علي، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري وغيرهم؛ لأنَّ الله تعالى قال في الآية الكريمة: { وَاسْتَشْهِدُوا} وهذا مجمل فسره بنوعين: برجلين، ورجلٍ وامرأتين، والمجمل إذا فُسِرَ كان بيانًا لجميع ما يتناوله لفظه فجعل الشاهد واليمين حجة زيادة على النص بخبر الواحد، وهو جارٍ مجرى النسخ فلا يجوز العمل به، وهذا عند الحنفية.

وأما ما خالف السُّنة من الاجتهاد: فمنه القضاء بحلِّ المطلقة ثلاثًا للأول قبل أن يدخل بها الثاني، فإنه مخالف للُسنة المشهورة فيما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((طلق رجل امرأته ثلاثًا، فتزوجها رجل، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عُسَيْلتها ما ذاق الأول)).

وأما ما خالف الإجماع: فهو ما إذا قضى بصحة نكاح المتعة، فإن هذا القضاء مخالفٌ للإجماع؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على فساده، وصح رجوع ابن عباس عنه.

كما يُنقض الحكم الاجتهادي بحكمٍ اجتهادي آخر إذا كان الحكم الأول لا دليل عليه، أو كان بخلاف شرط الواقف؛ لأن شرط الواقف كنص الشارع، فلا يجوز مخالفته إلا عند الضرورة، فإن كان شرط الواقف مخالف للشارع كما لو وقف على البغايا، فهذا وقفٌ باطلٌ، فيلزم مخالفته، وينقض حكم الحاكم إذا خالف نصًّا، أو شيئًا ممّا تقدم، أو يكون الحاكم قد أخطأ في طريق الحكم لا في الحكم، كأن يحكم ببينة مزورة، أو يكون الشهود غير عدولٍ؛ فينقض الحكم هنا لتبين بطلانه.

error: النص محمي !!