Top
Image Alt

قاعدة “ما ثبت بالشرع مقدمٌ على ما ثبت بالشرط” وفروعها

  /  قاعدة “ما ثبت بالشرع مقدمٌ على ما ثبت بالشرط” وفروعها

قاعدة “ما ثبت بالشرع مقدمٌ على ما ثبت بالشرط” وفروعها

أ. معنى القاعدة:

أن الحكم الذي ثَبَتَ بوضع الشارع -وهو الله سبحانه وتعالى مُقَدَّمٌ على ما ثبت بالشرط، وذلك عند التعارض؛ لأنَّه إذا تقدم ما ثبت بالشرط ترتب عليه تقديم عبارة المخلوق على عبارة الخالق جل وعلا- وهذا لا يجوز شرعًا، ولا يجوز عقلًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات:1].

والمعنى: لا تقطعوا أمرًا من أمور دينكم قبل أن يحكم الله ورسوله به، فينبغي أن تتأدبوا، ولا تقضوا أمرًا دون أمر الله ورسوله من شرائع دينكم، وذلك فإن من آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا، وتأكد من صدق نسبة النصوص الشرعية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ عليه بعد ذلك أن يترك رأيه وهواه، وأن يحكم ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وليس له أن يحتكم إلى الموازين والمقاييس العقلية ويعارض بها النصوص الشرعية؛ لأنَّ العقول مهما أوتيت من قوة وعظمةٍ فإنَّ الله تعالى لم يجعل لها القدرة على إدراك كل شيء، ولم يجعل لها الإحاطة علمًا بكل صغيرة وكبيرة، قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فهناك من الأشياء ما لا يصل العقل إليه بحال، ومنها ما يصل إلى ظاهر منه دون اكتناه، وهي -مع هذا القصور الذاتي- لا تكاد تتفق في فهم الحقائق التي أمكن لها وأدركها الشارع، فإنَّ قوى الإدراك ووسائل العقول تختلف عند النظار اختلافًا كبيرًا.

ولذلك فإنَّ ذلك كان سببًا في ذلة أقدام العقلانيين، ووقوعهم في البدع؛ هو أنهم قدموا العقل على النصوص الشرعية، فلم يأخذوا منها إلا ما وافق عقولهم، وطرحوا كل ما لم يستحسنوه، فوقعوا بذلك، ورفعوا العقل عن مكانته، وأنزلوا الشرع عن مكانته؛ حيث قدموا ما حقه التأخير، وأخروا ما حقه التقديم، وجعلوا الأصل فرعًا والفرع أصلًا، فوقعوا في بدعة عظيمة، كبدعة الجهمية في نفي أسماء الله تعالى وصفاته، وكبدعة المعتزلة في نفي الصفات.

ب. فروع القاعدة:

لهذه القاعدة فروعٌ كثيرة، ذكرها الإمام السيوطي في كتابه القيِّم، وهو كتاب (الأشباه والنظائر).

وهذه الفروع تحتاج إلى شرحٍ، وإيضاح، ونحن -إن شاء الله- نقوم بشرحها على النحو التالي:

الفرع الأول: نذر الواجب؛ قال السيوطي -رحمه الله: ولهذا -أي: لكون ما ثبت بالشرع مقدَّم على ما ثبت بالشرط- فلا يصح نذر الواجب.

معنى النذر لغة: والنذر معناه لغةً: الوعد بخير، أو شر، ويتعدى بنفسه، أو بالباء، فيقال: وعده خيرًا، ووعده شرًّا، كما يقال: وعده بالخير، ووعده بالشر، وقد صرح أئمة اللغة بأن الوعد يُسْتعمل في الخير والشر مقيَّدًا، فيقال: وعده خيرًا، ووعده شرًّا. وأما عند الإطلاق، فيستعمل الوعد في الخير، كما يُسْتعمل الإيعاد في الشر، فإذا قال شخص لآخر: أكرمك غدًا، فهذا من قبيل الوعد بالخير، وإذا قال له: أضربك غدًا، فهذا من قبيل الإيعاد بالشر، قال الشاعر:

وإني إذا أوعدته أو وعدته

*لمخلفُ إيعادي ومنجز موعدي

وفي هذا لفٌّ ونشر مرتب، فقوله: لمخلفُ إيعادي، راجعٌ لقوله: أوعدته. وذلك في الشر، وأما قوله: ومنجز موعدي، فهو راجع لقوله: وعدته. وذلك في الخير؛ لأن خُلْفَ الإيعاد في الشر مما يُتَمَدَّحُ بِهِ؛ لَأَنَّهُ ينشأ عن الحلمِ، والعفو، كإنجاز الوعد في الخير؛ لأنه ينشأ عن الكرم، والسماحة.

معنى النذر شرعًا: وأما النذر في الشرع فهو: الوعد بخير خاصَّة، قاله الروياني والماوردي، وقال غيرهما: النذر التزام قربة لم تتعين بأصل الشرع.

والمعنى الذي تتضمنه هذا التعريف أن: المرء إنما يعقد النذر على نفسه تأكيدًا لما ألزم الإنسان نفسه به تقربًا إلى الله تعالى، كأن يقول نذرت لله ذبح شاة، أو علي لله أن أصوم ثلاثة أيام، يريد بذلك التقرب إلى الله تعالى، وحكم هذا النذر وجوب الوفاء به، لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].

ولما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه)).

ويكره النذر المقيد كأن يقول الإنسان: إن شفى الله مريضي صمت ثلاثة أيام، أو تصدقت بألف جنيه لمؤسسة خيرية، وذلك لقول ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل الشحيح، ولا ينعقد النذر بغير القول، ولا ينعقد بمحال، ولا ينعقدُ بمعصية لحديث عمران بن حصين: ((لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم)).

قال العلماء: لا يُسْتَحَبّ النذر للنهي عنه، وتوقف شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه، وحرمه طائفةٌ من أهل الحديث، والنذر لا يكون إلا فيما يتقرب به إلى الله تعالى، فخرج بالقربة -المعصية، فلا يجوز نذرها، كشرب الخمر والصلاة بغير وضوء لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه)).

والقربة: ما يتقرب به إلى الله تعالى، وخرج بالقربة -أيضًا- المكروه؛ لأن المكروه لا يتقرب به، والنذر لا يكون إلا فيما يتقرب به إلى الله، فلا ينعقد النذر بالمكروه، ومحل عدم الانعقاد إذا كان مكروهًا لذاته، كالالتفات في الصلاة، وأكل بصلٍ، أو ثُومٍ، أو الإحرام قبل الميقات، أو طلاق زوجته، وهي حائض فلا ينعقد هذا النذر؛ لأنَّ ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة عليه، لأنه وفّى بنذره، أما المكروه لعارض فالمعتمد أنه يلزم الوفاء به، كنذر صوم يوم الجمعة، أو يوم السبت، أو الأحد فإنَّ هذا النذر ينعقد، لأن المكروه لعارض الإفراد لا لذات العبادة، فإن العبادة لا كراهة فيها، وقد ورد النهي عن إفراد يوم السبت بصيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)).

وهذا يشمل القضاء، ويشمل النذر، ويشمل النفل، إلا إذا وافق عادته، أو كان يوم عرفة، ونحو ذلك، وإذا لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبٍ، أي: قشر عنب، أو عود شجر فليمضغه، ولا يصوم في يوم السبت، أو الأحد منفردًا.

فمعنى الكراهية: أن يختص يوم السبت، أو يختص يوم الأحد بصيام؛ لأن اليهود يعظمون يوم السبت، والنصارى يعظمون الأحد؛ ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يخالفهم، وعلى هذا، فإنه يُفَرَّق بين المكروه لعارضٍ والمكروه لذاته، فينعقد في الأول دون الثاني، وخرج المباح لذاته؛ لأنه لا ينعقد إذا نَذَرَه عند الشافعية؛ لأن المباح لا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى؛ لحديث أبي إسرائيل عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ؛ إذ هو برجلٍ قائمٍ في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يصوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه)).

وهذا يدل على أن النَّذْرَ إذا كان على فعلٍ مباح، أو على تركه فلا ينعقد باتفاق الأصحاب، فضلًا عن لزومه، وما دام نَذْرُ المباح لا ينعقد فلا كفارة فيه؛ لعدم انعقاده.

ومن نذر المباح: نذرُ لبس الثوب، وركوب الطائرة، بأن يقول: لله عليَّ أن ألبس ثوبي، أو أركب الطائرة. فإن نذر ذلك لا ينعقد، لكن إذا اقترن بالمباح ما يصيره عبادةً صح نذر المباح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى اللقمة يرفعها إلى فم زوجته له بها صدقة)).

ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم إذا أنفق نفقةً على أَهْلِهِ وَهو يحتسبها فهي له صدقة))، وخرج من النذر الواجب العينيّ، كصلاة الصبح، والظهر، فلا يصح نذر الواجب العيني؛ لأنه لزمه عينًا بالشرع قبل النذر، فيكون التزامه بالنذر لا معنى له، ولو قلنا بانعقاده لأدى إلى تقدُّم ما ثبت بالشرط على ما ثبت بالشرع، وهو خلاف القاعدة، ويكون ذلك من قبيل تحصيل الحاصل، وهو لا يجوز.

وأما المندوب فينعقد النذر به؛ لأنه غير متعيِّنٍ عليه بأصل الشرع، كتشييع جنازة، وقراءة سورة معينةٍ، وطول القراءة في الصلاة، وعيادة مريض، وزيارة أخٍ له في الله تعالى، وغير ذلك مما هو مندوب، وكان بقصد التقرب، أو نَذَرَ أن يتصدقَ، أو نَذَرَ أَلًّا يرد سائلًا فيلزمه الوفاء بذلك كله؛ لعموم قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75-77]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)).

وينعقد أيضًا نذر الواجب الموسَّع، وهو ما وقته يسعه ويسع غيره، والانعقاد في الواجب الموسع يكون باعتبار وقته لا باعتبار ذاته، فإذا نَذَرَ إنسان أن يصلي الظهر عند الزوال لزمه النذر؛ لأنه يجوز له ترك الصلاة في هذا الوقت بالذات، وأن يصليها في وقت الاختيار؛ لأن ما جاز تركه في وقت من الأوقات انعقد نذره في وقت معين، وينعقد نذر الواجب الكفائي كذلك، والواجب الكفائي: هو الأمر الذي إذا أتى به فرد من أفراد المكلَّفين، فقد تم المطلوب، وسقط الحرجُ عن المكلفين جميعًا.

وإنما سمي بذلك؛ لأنه منسوبٌ إلى الكفاية والسقوط؛ من حيث إن فعله من أيِّ فاعلٍ يسقط طلبه عن الآخرين، وذلك مثل أن ينذر إنسان أن يصلي على كل جنازة يحضرها، فإن الصلاة على الجنازة واجب كفائي، فينعقد النذر إلا في شخصٍ قد انفرد، ولا يوجد غيره، فقد حضرت الجنازة، فيتعين عليه الصلاة.

ويدخل في الواجب الكفائي: بِنَاءُ المستشفيات، وتولي سلطة القضاء، والإفتاء، ويدخل فيه أيضًا: بدء السلام، ورده، فإن هذا ونحوه مما يلزم حصوله من غير نَظَرٍ إلى من يفعله، ويظهر من هذا أن الواجب العيني: هو الذي يَتَعَلََّق التكليف فيه بكل فردٍ من أفراد المكلفين؛ ولهذا نسب إلى العين، وهذا هو فرق ما بين الواجب الكفائي، والواجب العيني.

وقد اتفق الأصوليون على: أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين له؛ فمتى فعله بعضهم، فلا يُطَالَبُ بفعله البعض الآخر، واتفق الأصوليون -أيضًا- على أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يوجب تأثيم الجميع؛ لأنهم فَوَّتُوا ما قُصِدَ من الفعل.

وأما الواجب المخير: فهو ما طلبه الشارع مبهمًا في واحد من أمور معينة، كأحد خصال كفارة اليمين، في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:89]، أي: فكفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أي: من خير، وأمثل قوت عيالكم، أو كسوتهم؛ ما يصح أن يصليَ فيه، أو عتق رقبة -إذا وجدت- ويشترط أن تكون الرقبة مؤمنة؛ فمن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة وجوبًا.

والجمهور على أنها متتابعاتٌ؛ لقراءة ابن مسعود: “فِصِيَامُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ”، فدلت القراءة على مشروعية التتابع، وله أن يصليها غير متتابعة على رأي -غير الجمهور- فيجوز أداؤها متفرقة.

الفرع الثاني: الطلاق الرجعي على مال، والرجعة في الطلاق، هي: إعادة مُطَلَّقَة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد؛ لقوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 228 -229]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((مُرهُ فليراجعها)).

وَطَلَّقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حفصة، ثم راجعها، ولأن حكم الرجعية هي حكم الزوجات، والرجعية مأخوذة من الرجعة، والرجعة إمساكٌ، فتصح الرجعة ما دامت في العدة، بأربعة شروط وهي: الدخول، أو الخلوة، أو كون الطلاق من نكاح صحيح، وكونه دون ما يملك، وكونه بلا عوض؛ فإن فُقِدَ شرطٌ من الشروط هذه لم تصح الرجعة.

قال الإمام السيوطي: ولو قال: طلقتك بألفٍ على أن لي الرجعة، سقط قوله بألف ويقع الطلاق رجعيًّا؛ لأن المال ثبت بالشرط، والرجعة بالشرع، فكان أقوى.

وذلك لأن قول الرجل لزوجته: طلقتك بألف. يقتضي وقوع الطلاق على مال، والطلاق على مال لا يقع إلا بائنًا كالخلع؛ لأن الزوجة بَذَلَتِ المال لتملك بضعها -والبضع هو الفرج- فلا يملك الزوج، ولاية الرجوع إليها؛ لأن القصد إزالة الضرر عنها، ولو جازت الرجعة لعاد الضرر، فإن شَرَطَ الرُّجُوعَ مع دفع المال في الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا؛ لأن شرط الرجعة والمال متنافيان، فيسقطان -أي: يسقط الشرط والمال- ويبقى مجرد الطلاق، فيكون رجعيًّا، والأول ثبت بالشرط، والثاني ثبت بالشرع، فيقدم ما ثبت بالشرع؛ لأنه أقوى، كما قال العلامة السيوطي.

والمراد إثبات القوة كاملةً في جانب الشرع، ونفيها تمامًا في جانب الشرط، فإن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، وهذا إذا كان الزوج هو الذي قال لزوجه: طلقتك بألف. أما إذا كانت الزوجة هي التي قالت: طلقني بألف. فقال الزوج: طلقتك بألف على أن لي الرجعة. سقط قوله: على أن لي الرجعة، ويقع الطلاق بائنًا؛ لأن هذا ثبت بالشرع، فيقدم على ما ثبت بالشرط، فيقع الطلاق -حينئذٍ- بائنًا، وتحصل الفرقة بينهما بمجرد أخذ المال، فلا تحتاج الفرقة في الخلع إلى لفظ الزوج، فالزوجة المفتدية هي التي تقول: أنا أفتدي نفسي منك بألفٍ. فإذا قبل الزوج الفدية، وأخذ المال انفسخ النكاح، وهذا مذهب أحمد، فقد قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: كيف الخلع؟ قال: إذا أخذت المال، فهو فرقة. واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لجميلة: ((أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: خذ ما أعطيتها، ولا تزد)).

ولم يستدعِ منه لفظًا، ولأن دلالة الحال تغني اللفظ، بدليل أنه لو دفع ثوبه إلى خَيَّاط معروف بذلك فخاطه له استحق الأجرة، وإن لم يشترط العوض، ولكن الصحيح أن الْخُلْعَ لا يصح بدون اللفظ، كالنكاح، والطلاق، ولأن أخذ المال قبضٌ للعوض، فلم يكن بمجرده مقام الإيجاب، ولأن الخلع -وإن كان طلاقًا- فلا يقع بدون اللفظ، إما أن يكون صريحًا، أو كناية، وإن كان فسخًا، فهو أحد طرفي عقد النكاح، فيعتبر فيه اللفظ؛ كابتداء العقد، وأما حديث جميلة، فقد أورده البخاري بلفظ: ((اقبل الحديقة، وطَلِّقْهَا تطليقة))، وهذا صَرِيحٌ في اعتبار اللفظ، إذا عرفنا ذلك؛ فإن الطلاق ينقسم من حيث الأثر المترتب عليه إلى: طلاق رجعي، وبائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى.

تعريف الطلاق الرجعي:

فالطلاق الرجعي: هو الذي لم يَبْلُغْ حَدَّ الثَّلَاثِ، ولم يكن على مال، ويعرف -كما جاء في قانون الأحوال الشخصية- بأنه: “طلاق الرجل زوجته المدخول بها حقيقة، إذا لم يقترن بعوض، ولم يسبق بطلاقٍ، أو سُبِقَ بطلقة واحدة”، وهذا مأخوذ من المذهب الشافعي، والمذهب المالكي، ويكون من حق الزوج مراجعتها ما دامت في العدة بشرط أن يكون قد دخل بها، فإذا لم يكن قد دخل بها أصلًا، أو دخل بها، وطلقها طلقة، أو طلقتين، ولم يراجعها حتى انقضت عدتها منه؛ كانت أحق بنفسها منه، وهذه هي البائن بينونة صغرى.

تعريف البينونة الكبرى في الطلاق:

أما البائن بينونة كبرى: فهو الطلاق المكمل للثلاث، وبه تخرج المرأة من عصمة الزوج بالطلقة الثالثة، وتصبح محرمة عليه، ولا يجوز له مراجعتها إلا بعد أن تَنْكِحَ زوجًا غيره بعقد شرعي، ويدخل بها دخولًا حقيقيًّا، لا بقصد تحليلها لزوجها الأول، لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230].

الفرع الثالث: إذا لم يَحُجّ، وأحرم بحج تطوع، أو نذر، قال الإمام السيوطي في هذه المسألة: ومن لم يحج إذا أحرم بتطوع، أو نذر وقع حَجُّهُ عن حجة الإسلام؛ لأنه يتعلق بالشرع، ووقوعه عن التطوع، أو عن النذر متعلقٌ بإيقاعه عنهما، والأول أقوى، والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الخمسة التي عُلِمَتْ من الدين بالضرورة، فهو إذن من العلم المستفيض الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف، والحكمة من فرضه على الناس: أنه إنما وَضَعَ البيت، وأوجب حجََّه؛ ليشهدوا منافع لهم -كما ذكر الله في كتابه- فلا حاجة به تعالى إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه، فإن الله غنيٌّ عن العالمين، وأخر الحج عن الصلاة، والزكاة، والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها، ولتكررها كل يوم خمس مرات، وأول ما يُسْأَلُ عنه العبد يوم القيامة، ثم الزكاة لكونها قرينة للصلاة في أكثر المواضع من الكتاب والسنة، ولشمولها المكلف، ولغير المكلف، ثم الصوم؛ لتكرره كل سنة.

لكن البخاري قدم الحج على الصوم، للتغليظ، فمن أنكر وجوب الحج، فقد كفر، وارتد عن الإسلام، فيجب على المسلم أداؤه متى توافرت شروطه، فإذا أحرم من لم يحجَّ حجة الإسلام ناويًا النذر، أو التطوع، وقع عن حجة الإسلام؛ لأن وقوعه عن حجة الإسلام ثابت بالشرع، ووقوعه عن نذر، أو تطوع ثبت بالشرط، فيقدم ما ثبت بالشرع على ما ثبت بالشرط، والأول أقوى، أي: أقوى من جهة الدليل، فقد أجمع المسلمون على أنه ركن من أركان الإسلام، وعلى أنه فرض من فروضه، قال تعالى: {فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، أي: ولله على الناس فرضٌ واجبٌ: حج البيت، فَحَرْفُ “على” للإيجاب، لا سيما إذا ذكر المستحق، وأتبعه بقوله: ومن كفر، فسمى تعالى تاركه كافرًا فدل على كفره، وحيث دل على كفره، فقد دل على أكادية ركنيته، فمن لم يعتقد وجوبه، فهو كافر إجماعًا، وأفعل التفضيل هنا يفيد وجود القوة في الاثنين، لكن الأول أقوى؛ لأن وقوعه عن حجة الإسلام من اعتبار الشارع، ووقوعه عن التطوع والنذر من اعتبار الناذر، والمتطوع، فيقدم الأول لقوته -وإن كان في الثاني قوة؛ لأنه ناتج عن قصده، ونيته- والنية لها أثرها الواضح في صيرورة المباحات إلى عبادات، وإذا كان الأمر كذلك، فاعتبارها فيه قوة، لكن ما اعتبره الشارع أقوى، فيكون أفعل التفضيل هنا جاء على بابه.

الفرع الرابع: وذلك الفرع هو اشتراط مقتضى العقد.

قال الإمام السيوطي: “ولو شرط مقتضى العقد لم يضره ولم ينفعه، ومقتضى العقد مستفاد من العقد بجعل الشارع لا من الشرط”.

فالعقد قد يقترن بالشرط، وشروط العقد كثيرة ومتنوعة، منها ما هو جائزٌ، ومنها ما هو محرم، فالشرط الجائز ما كان موافقًا للشرع ويعتبر كذلك كل شرطٍ من مقتضيات العقد كاشتراط حبس المبيع حتى قبض الثمن في عقد البيع، أو كلُّ شرطٍ ملائم للعقد كاشتراط الرهن تأمينًا لدفع الثمن، أو كلُّ شرطٍ متعارف عليه بين أهل البلد كاشتراط وضع القفل في الباب عند شرائه، فالشرط الموافق لمقتضى العقد لم يأت بجديد، وإنما هو إظهارٌ لنفس الحكم، فهو يقرر حكم العقد في المعنى، فلو أجر شخصٌ سيارته، أو حانوته لآخر، فقال المستأجر: قبلت ذلك بشرط أن أركب السيارة، أو بشرط أن أنتفع بالحانوت، أو أجر له دارًا فقال: قبلت بشرط أن أسكنها، فإن هذا الشرط لا يضيف جديدًا؛ لأن هذه المقتضيات ثابتةٌ بالشرع، وإنما هو يؤكد الأثر المترتب على العقد، وبالتالي فلا يضره ولا ينفعه، وهذا الفرع غير داخل في القاعدة، إلا أن الإمام السيوطي ذكره؛ لبيان أن القاعدة مقيدة بحالة التعارض، أما في حالة التوافق فلا يحتاج الأمر إلى إعمال هذه القاعدة.

قال الإمام ابن السُّبكي: “هذه الفروع تدل على أنه إذا اجتمع خيار المجلس وخيار الشرط يكون ابتداء خيار الشرط من التفرق وهو وجه؛ لأن ما قبله ثابتٌ بالشرع فلا يحتاج إلى الشرط”.

تعريف خيار المجلس لغة:

أما خيار المجلس، فهو في اللغة مكان الجلوس، والمراد به المكان الذي يوجد فيه المتعاقدان من وقت الاجتماع الواقع فيه العقد إلى تمام العقد ونفاذه ولزومه، وعلى هذا يكون مجلس العقد هو مكان الاجتماع الواقع فيه العقد على أي حال كان المتعاقدان عليها.

تعريف خيار المجلس في الاصطلاح:

وخيار المجلس في اصطلاح الفقهاء يُعرف بأنه حقٌّ شرعيٌّ يثبت بمقتضاه لكل واحدٍ من المتعاقدين الحق في إمضاء العقد، أو فسخه ما دام في مجلس العقد ما لم يتفرقا، أو يتخايرا، فإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحدٌ منهما البيع، أو تفرقا على هذا، فقد وجب العقد.

من هذا يظهر أن إضافة الخيار إلى المجلس من إضافة الشيء إلى ظرفه.

تعريف خيار الشرط لغة:

وأما خيار الشرط، فهو في اللغة يطلق على معانٍ كثيرة منها إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، والشرطُ سبب والخيار مسبب، فهو من إضافة المسبب إلى السبب.

تعريف خيار الشرط اصطلاحًا:

وهو في اصطلاح الفقهاء أن يكون لكلٍّ من المتعاقدين، أو لأحدهما، أو لأجنبيٍ حق إمضاء العقد، أو حق فسخه في مدة معلومة عند اشتراطهما ذلك.

قال ابن السُّبكي: إنه إذا اجتمع خيار المجلس عند من يقول به وخيار الشرط يكون ابتداء خيار الشرط من وقت التفرق وهو وجه؛ لأن خيار المجلس ثابتٌ بالشرع، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، فيقدم ما ثبت بالشرع على ما ثبت بالشرط وهذا هو الوجه الأول.

والوجه الثاني: أن ابتداء خيار الشرط من وقت الشرط؛ لأنه بخيار الشرط انقطع خيار المجلس إلا أن هذا الوجه لا يتفق مع ما شُرِعَ لأجله الخيار، فإنه شُرِعَ للتروي وللنظر في الأمر، وهذا نقيض أن يكون خيار الشرط من وقت الاشتراط، وإنما الذي يلائمه أن يكون ابتداء الشرط من حين التفرق، فالوجه الأول هو الذي يناسب الحكمة من مشروعية الخيار.

قال ابن السُّبكي: وقد يقال لا معارضة بينهما عند من جوز اجتماع علتين.

وهذا يفسر لنا أن العلل الشرعية المقتضية لوجود الحكم إما أن تكون بمعنى الأثر، أو بمعنى المُعرِف، فإن كانت بمعنى الأثر فلا يجوز اجتماع مؤثرين على مؤثرٍ واحدٍ وإن كانت بمعنى المُعرِف فيجوز اجتماع أكثر من مُعرِف على مُعرِفٍ واحد؛ ولهذا فمن قال: إن العلة بمعنى المؤثر فإنه يمنع اجتماع علتين على معلولٍ واحدٍ، وعليه فتحتسب مدة خيار الشرط من التفرق، أما من قال: إنها بمعنى المعرف، فإن خيار الشرط يبدأ من حين الاشتراط، ومن ثَمّ فيجتمع خيار الشرط وخيار المجلس من حيث الاشتراط إلى حين التفرق على معلولٍ واحدٍ، وهو الخيار في هذه المدة.

ويترتب على ذلك أن لا تحسب مدة خيار المجلس من حين خيار الشرط على الرأي القائل بأن خيار الشرط من حين التفرق، ولكنها تحسب على الرأي الآخر، وخيار المجلس ثابت بالشرع وخيار الشرط ثابت بالشرط، والعلتان هما المجلس والشرط، والمعلول هو الثلاثة أيام، قال ابن السُّبكي: تشبه هذه القاعدة نذر الفرائض، فإنه لا يصح؛ لأن الفرائض ثابتةٌ بالشرع وورود الالتزام عليها لا يفيد شيئًا، وذلك ممّا يقوي أنه لا يجتمع علتان على معلولٍ واحدٍ.

وهذا إذا كانت العلة بمعنى المؤثر فإن كانت بمعنى المعرف فيصح نذر الفرائض، قال العلماء: وما وجب بالشرع إذا نذره العبد، أو عاهد عليه الله، أو بايع عليه الرسول، أو بايع الإمام، أو تحالف عليه جماعة، فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول؛ فيكون واجبًا من وجهين واجبٌ بالشرع وواجب بالنذر؛ فيجب الوفاء به لعموم قوله: صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)).

error: النص محمي !!