Top
Image Alt

قاعدتا الذرائع

  /  قاعدتا الذرائع

قاعدتا الذرائع

ننتقل الآن إلى طرَف من القواعد، وسنكتفي -إن شاء الله تعالى- بقاعدتيْن ثنتيْن لا ثالثة لهما، هاتان القاعدتان يمكن الاعتماد عليهما في باب السياسة الشرعية على نحوٍ ما.

القاعدة الأولى: سد “الذرائع”:

أولًا: تعريف “الذرائع”:

أ. “الذرائع” في اللغة: جمْع “ذريعة”، وهي الوسيلة إلى الشيء، سواء كان هذا الشيء مفسدة أو مصلحة، قولًا أو فعلًا. يقال: “تذرّع بذريعة” أي: توسّل بوسيلة.

ب. “الذرائع” في الاصطلاح: قد عُرِّفت بتعريفات كثيرة، منها ما هو عامّ لا يكاد يخرج عن المعنى اللغوي, مِن مثْل تعريف ابن القيم لها: الذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء.

على أنّ هذه التعريفات الكثيرة تكاد تنحصر في أحد قسمَي الذرائع، وذلك أنّ كثيرًا من العلماء والباحثين درجوا على إطلاق “الذريعة” على ما يُتوصّل به إلى محظور، مع أنّ هذا أحد قسمَي قاعدة الذرائع. فإن الذرائع منها ما يُتوصّل به إلى محظور، وهذا هو المشهور والمتبادَر عند ذكْرها, ومنها ما يُوصل إلى المشروع، وهذا ما يُعبّر عنه أحيانًا من بعض العلماء بـ”فتْح الذرائع”.

وهذا ما نبّه إليه بعض العلماء, عند ذكْره المعنى الأوّل من “الذرائع”؛ إذ “الذريعة” -من حيث كونها طريقًا من طُرق الاستدلال- تشمل هذيْن القسميْن.

من هنا يمكن تعريف “الذرائع” بمعنى اصطلاحي عامّ، يشمل هذيْن المعنييْن، فيقال: “الذرائع” في الاصطلاح: ما كان وسيلة وطريقًا إلى شيء آخَر، حلالًا كان أو حرامًا.

وهذا التعريف يشمل القسميْن؛ فالشق الأوّل: ما كان وسيلة إلى حرام، هو الذرائع التي تدور على ألْسِنة العلماء كثيرًا، ويناقشونها مع الحِيَل المشروعة وغير المشروعة… إلخ.

أمّا التوصل إلى شيء حلال، وهو ما يسمّى: “فتح الذرائع”، فهذا ما نُضيفه إلى التعريف، حتى تكون الفائدة تامة.

ثانيًا: أقسام الذرائع:

تنقسم الأمور المباحة في الأصل من حيث إفضاؤها إلى المفاسد, إلى أقسام:

القسم الأوّل: ما كان وسيلة موضوعة للمباح، وقد تُفضي إلى المفسدة، لكن مصلحتها أرجح من مفسدتها، كالنظر إلى المخطوبة والمشهود عليها، وككلمة حق عند سلطان جائر؛ وهذا القسم جاءت الشريعة بإباحته، أو استحبابه، أو إيجابه، بحسب درجاته في المصلحة.

القسم الثاني: ما كان وسيلة موضوعة للمباح، لم يُقصد بها التوسل إلى المفسدة؛ لكنها تفضي إلى المفسدة في الغالب، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، كسبِّ آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وكبيع السلاح في أوقات الفتن.

الثالث: ما كان وسيلة موضوعة للمباح، لكن قُصد بها التّوسّل إلى المفسدة؛ كعقد النكاح على المطلّقة ثلاثًا بقصد تحليلها لزوجها الأوّل بما يُسمّى بـ”نكاح التحليل”، وكعقد البيع بقصد الربا مثل: أن يبيع كتابًا بألْف نسيئة أو يشتريه من المشتري بتسعمائة نقدًا؛ وهذا أحد تفسيرات “بيْع العينة”، أو “بيْعتان في بيْعة” ونحو ذلك.

وهذان القسمان الأخيران دلّت على تحريمهما شواهد الشريعة؛ سدًّا للذريعة، وإن حدث نوع من الاختلاف في تفسيرات بعضها.

القسم الرابع: ما كان وسيلة موضوعة للمباح، لكن قويَت التّهمة في إفضائها إلى محظور، سواء قُصد بها التوسل إلى المفسدة أو لم يقصد بها ذلك. وعلى هذا، فالمراد بـ”سدّ الذرائع”: المنع مِن فعْلها؛ لِما تُفضي إليه من الفعل المحرّم, فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة، مُنع من ذلك الفعل.

والذرائع التي تُسدّ وتُحسم, عُرِّفت بتعاريف كثيرة، لعلّ أقربها إلى المعنى المراد في عرف الفقهاء: أنّها أمر غير ممنوع لنفسه، قويَت التهمة في إفضائه إلى فعل محظور.

ثالثًا: حُجِّيّة سدّ الذرائع:

سدّ الذرائع من طُرق الاستدلال التي تضافرت أدلّة الشرع على تأييدها, وشواهده في الشريعة أكثر من أن تُحصر؛ بل هي من أسعد المسائل بالأدلّة الشرعية, ثم إن القواعد المرعيّة في عمل الفقهاء تؤكِّدها؛ ولذلك حُكي الاتفاق عليها من غير واحد من العلماء، منهم الشاطبي في (الموافقات)، ومنهم القرافي في (الفروق)، وفي (الذخيرة) أيضًا.

ومن هنا صرّح العلامة الشاطبي بما تأكّد لديْه باستقراء أحكام الشريعة، فقال: “سدّ الذرائع مطلوب، وهو أصل من الأصول القطعية”.

على أنّ الذين ينظرون لقاعدة “الذرائع”, لا يُجيزون التوسّع في سدِّها؛ لأن التّوسّع في سدِّها يؤدِّي إلى إيقاع الأمة في الحرج؛ وفي هذا إخلال بأصل شرعيّ آخَر مهمّ هو: رفْع الحرج. وعليه، فلا يجوز الإفتاء بناءً على سدِّ الذرائع مطلقًا، بل لا بد من تحقّق مَناطه؛ وهذا ما يمكن أن يكون ضابطًا لقاعدة “سد الذرائع” حتى لا نقع في الحرج؛ فقد رُفع عنّا الحرج كما ورد في كتاب الله الكريم: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78]، إلى غير ذلك من نصوص في الكتاب والسُّنّة.

القاعدة الثانية: فتح “الذرائع”:

المراد بـ”فتح الذرائع”: فعْل ما لا يُتوصّل إلى المأمور إلا به. والمأمور هنا يشمل ما أُمر بفعْله وما أُمِر بترْكه؛ إذ الأمر هو: الطلب والاستدعاء والاقتضاء, وهذا يدخل فيه طلبُ الفعل وطلبُ الترك. ومن جهة أخرى، فإنّ الذرائع والوسائل التي لا يتم المأمور إلا بها نوعان:

النوع الأوّل: ما كان مأمورًا به بالنص الشرعي، كالسّعي إلى صلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وكالطهارة للصلاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] إلخ. وهذا النوع قد اجتمع على دليله وجوبان: النص، وقاعدة: “ما لا يتم الواجب إلا به, فهو واجب”؛ وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان حُكمه.

النوع الثاني: ما كان مباحًا من حيث الأصل، لم يَرِد فيه أمر مستقلّ من الشارع، كإفراز المال لإخراج الزكاة. فهذا ليس بواجب قصدًا؛ إنما وجب بقاعدة: “ما لا يتمّ المأمور إلا به, فهو مأمور به”. وهذا النوع هو الذي يراد بيان حُكم فعْله هنا.

وخلاصته: أن وسيلة المأمور به مأمور بفتحها, فالذرائع هي الوسائل، والأصل في الوسائل أنّ لها أحكام المقاصد.

أولًا: أدلّة حُجِّيّة فتح الذرائع:

استدلّ أهل العلْم على حُجِّيّة فتح الذرائع, بما يلي:

الدليل الأول: اعتبار الشارع للوسائل في قول الله عز وجل: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [التوبة: 120، 121].

ووجه الدلالة: أن هذا يدل على حسن الوسائل الحسَنة. وفيه تنبيه على اعتبار الوسائل، حيث اعتبر أعمال المجاهد في سبيل الله من حين يخرج من محلّه, إلى أن يرجع إلى مقرِّه هو في عبادة؛ لأن هذه الأعمال وسائل إلى هذه العبادة ومتمّمات لها.

الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن سَلَك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة)). رواه مسلم.

ووجه الدلالة: أن هذا الحديث أيضًا يدل على حسن الوسائل الحسَنة.

الدليل الثالث: قولهم: إنّ الذرائع التي لا بدّ منها في فعْل المأمور، من مقتضيات الأمر به، فيكون دليلها ما أفاد الأمر من الأدلّة.

وبهذا يتبيّن أنّ فتح الذرائع مأمور به شرعًا، وأنّ هذا متقرّر لدى العلماء؛ فيكون طريقًا من طُرق الاستدلال الصحيح, بل قد تكون ذريعة المحرّم ووسيلته غير محرّمة فتفتح، وذلك إذا أفضتْ إلى مصلحة شرعية راجحة, وهذا من مستثنيات قاعدة: “للوسائل حُكم المقاصد”.

ثانيًا: مجال العمل في قاعدة “الذرائع”:

إنّ مجال العمل في قاعدة “الذرائع”, وبخاصة في السياسة الشرعية التي هي موضوعنا الأساس، أو شغلنا الشاغل يكون على النحو التالي:

إذا رأى وليّ الأمر شيئًا من المباح يُفضي إلى مفسدة مقطوع بها، أو قد اتّخذه الناس وسيلة إلى مفسدة، أو أصبح إفضاؤه إلى المفسدة أرجح من إفضائه إلى المصلحة، أو كانت المفسدة فيه تتعلّق بمحظور خطير يقتضي الاجتهاد الشرعي ضرورة درْئِه؛ كان له أن يَمنعه ويسُدّ بابه عملًا بالسياسة الشرعية المبنية على قاعدة “سدِّ الذرائع”. وكذلك إذا رأى وسيلة من الوسائل المباحة من حيث الأصل, لا تتمّ سياسة الأمّة على مقتضى الشرع إلا بها، كان عليه أن يفتحها بفعْلها أو إلزام مَن تَعنيه من الرعية بذلك؛ عملًا بالسياسة الشرعية المبنيّة على قاعدة “فتح الذرائع”.

error: النص محمي !!