Top
Image Alt

قصة إبراهيم حين ألقي في النار مع جبريل –عليهما السلام- وبيان الاستغاثة الجائزة والممنوعة

  /  قصة إبراهيم حين ألقي في النار مع جبريل –عليهما السلام- وبيان الاستغاثة الجائزة والممنوعة

قصة إبراهيم حين ألقي في النار مع جبريل –عليهما السلام- وبيان الاستغاثة الجائزة والممنوعة

أولًا: قصة إبراهيم حين ألقي في النار مع جبريل -عليهما السلام-:

مجمل قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع نمرود: أن القوم لما أرادوا الخروج في أحد أعيادهم؛ حلف إبراهيم ليفعلن بأصنام ما يسوؤهم، ثم برَّ بيمينه فكسر أصنامهم إلا صنمهم الكبير علَّق عليه الفأس، فلما سألوه: من فعل هذا بأصنامنا؟ قال: فعله كبيرهم هذا، ثم قالوا له: لقد علمت أن الأصنام لا تسمع ولا تنطق؛ فلما حجهم رجعوا إلى عقولهم، ثم نكصوا وعاندوا وتآمروا على إبراهيم عليه السلام وقالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم، ويقال: إنهم بنوا بنيانًا عظيمًا وألقوه في النار وكانت تلك النار عظيمة بحيث إن الطير كلما طار في الجو سقط فيها. وأن كل حيوان شارك في إطفائها إلا الوزغ.

وبعض المفسرين يذكرون أنهم لما كتّفوه مجردًا ورموه في النار قال له جبريل: ((هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله؛ فنعم)) وأن جبريل عرض على إبراهيم الإغاثة، ثم إن الله تعالى أمر النار بأمره الكوني القدري أن تكون بردًا وسلامًا، فأنجاه الله من تلك النار، قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين} [الأنبياء: 69، 70]، وفي القصة أن الله سلَّط على نمرود وقومه خلقًا من أضعف خلقه -وهو البعوض- فأهلكهم.

ثانيًا: الاستغاثة الجائزة والممنوعة: 

الاستغاثة: هي الالتجاء والاعتصام، وطلب الغوث: وهو إزالة الشدة؛ كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون، وقيل: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب؛ كما قال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، وقال تعالى:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، وقيل: إن الإغاثة هي الإعانة، فعلى هذا تكون الاستغاثة هي الاستعانة، ولا ريب أن من استغاثك فأغثته فقد أعنته، إلا أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة، بخلاف الاستعانة. والفرق بين العياذ واللياذ أن العياذ يكون لدفع الشر واللياذ لطلب الخير قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6].

والاستغاثة أنواع:

أولها: الاستغاثة الواجبة:

وهي التي تطلب من الله تعالى، ودليلها قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]. 

وثانيها: الاستغاثة المحرمة:

وهي التي تطلب من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كقول بعض الغلاة في الاستغاثة بالأموات والغائبين في جلب نفع أو دفع ضر:

نحن الغياث لمن ضاقت مذاهبه

*فاهتف بنا إن تضق أو إن تكن تُضِم

نحن الذين لهذا الكون ذو وتدٍ

*يناله من رآني أو نأى فعمِي

وثالثها: الاستغاثةُ الجائزةُ:

وهي الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، ودليلها قول الله -تبارك وتعالى- عن موسى عليه السلام: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15].

قال الشيخ صنع الله الحلبي –رحمه الله-: “وأما قول الغلاة في الأولياء فيستغاث بهم في الشدائد هذا أقبح مما قبله وأبدع لمصادمته قوله -جل ذكره-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} [النمل: 62]، {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63]، ثم قال: فإنه -جل ذكره- قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير؛ فهو المتفرد بذلك كله، والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو، أو سبع، ونحوه كقولهم: يا لزيد، يا للقوم، يا للمسلمين، كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد؛ كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص الله فلا يطلب فيها غيره، وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية، والجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم؛ فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي، أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، أو قضاء حاجته تأثيرًا؛ فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير، فإن ذِكْر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي أو ولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره ولا خير إلا خيره”. انتهى كلامه.

إذًا؛ فالاستغاثة الواردة في هذه الشبهة هي من نوع الاستغاثة المحرمة، وقد روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: “قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله)).

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ –رحمه الله- في شرحه لهذه الحديث: “فيه التصريح بأنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمور؛ وإنما يستغاث بالله، والظاهر أن مراده صلى الله عليه وسلم إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ؛ لأن استغاثتهم به صلى الله عليه وسلم من المنافق من الأمور التي يقدر عليها، إما بزجره، أو تعزيره، ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ، والحماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، وتعظيم الله -تبارك وتعالى-، فإذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم في الاستغاثة به فيما يقدر عليه فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور المهمة التي لا يقدر عليها أحد إلا الله؟ فإن قلت: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]، فإن ظاهر الحديث المنع من إطلاق لفظ الاستغاثة على المخلوق فيما يقدر عليه، وظاهر الآية جوازه؟!.

قيل: تُحمل الآية على الجواز، والحديث على الأدب، والأولى -والله أعلم، وقد تبيَّن بما ذكر في هذا الباب وشرحه من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء-: أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواع الشرك؛ لأن الدعاء مخ العبادة؛ ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك؛ إذ معنى الإله هو الذي يُعبد لأجل هذه الأمور؛ ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله؛ فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله؛ فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك”. انتهى كلامه.

وأما الاستدلال بقصة إبراهيم عليه السلام لما أُلقي في النار وعرض جبريل الإغاثة عليه؛ فالرد عليه من جهة أن المنكر هو استغاثة العبادة التي تفعل عند القبر وسائر القبور، أو تفعل في غيبة المستغاث به، والتي يطلب بها ما لا يقدر عليه إلا الله وحده من غير الله تعالى، أما استغاثة الناس يوم القيامة بالأنبياء ليدعوا لهم؛ فهذا جائز، يجوز في الدنيا والآخرة أن يطلب الشخص من حي صالح حاضر يسمع قوله، ويقدر أن يدعوا الله له، وكذلك استغاثة إبرهيم بجبريل -عليهما السلام- لو وقعت؛ فهي في أمر يقدر عليه جبريل عليه السلام فهو كما وصفه الله {شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:5]، ففي مقدوره أن يغيث إبراهيم مثل قويٍّ في مقدوره أن يغيث عاجزًًا بقوته؛ كما فعل موسى بالقبطي” إغاثة الذي من شيعته. 

وسؤال المخلوق فيه ثلاث مفاسد:

  • مفسدة: الافتقار إلى غير الله تعالى وهي نوع من الشرك.
  • مفسدة: إيذاء المسئول وهي ظلم للمستغاث به.
  • مفسدة: التذلل والانكسار لغير الله، وهي ظلم للنفس.

ولقد أحسن القائل:

يا سائلًا غير إله السما

*بشراك بالخيبة والرد

إن الذي سواك من نطفة

*يغنيك عن مسألة العبد

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة العدم بالعدم”. انتهى.

وقيل: “استغاثة المخلوق بالمخلوق؛ كاستغاثة الغريق بالغريق”، وقال آخر: “استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون”.

ومن كلام علي السجاد –رحمه الله-: “طلب المحتاج من المحتاج سفه في الرأي وضلة في العقل”.

وبيّن العلامة ابن القيم –رحمه الله- أن المخلوق الذي يسأل مخلوقًا: فقيرٌ يسأل فقيرًا، وشحاذٌ يسأل شحاذًا، وسمى الشوكاني –رحمه الله- الاستغاثة بالأموات وتقديم الذبائح والنذور لهم عند الحاجة أن ذلك رشوة مقدمة للميت المستغاث به، والميت لا يحتاج إلى تلك الرشوة، وشبهه الألوسي –رحمه الله- بضعيف عاذ بقرملة.

وأقول: إن استغاثة الحي بالميت المقبور لقضاء حوائجه؛ كاستغاثة حوت في قاع البحر بباز في جو السماء هذا لا يستطيع مفارقته، وهذا لا يستطيع ملامسته، وما أحسن ما قيل:

بالله أبلغ ما أسعى وأدركه

*لا بي ولا بشفيع لي من الناس

ثم إن الدعوة للتشبث بالوسائط البدعية والاستغاثة بغير الله تعالى يصادم دعوة القرآن الكريم للإيمان بأمور الغيب، ومن ذلك: أن الله تعالى قريب منا يسمع كلامنا ويرى أحوالنا، وكذلك أدبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا استغثنا بربنا وعلقنا به قلوبنا؛ حصلت لنا فوائد عظيمة منها:

  1. امتثالنا لأوامر ربنا عز وجل.
  2. إيماننا بالغيب الذي يميز المؤمنين عن الكافرين.

يقينُنا بأن هذه هي الاستغاثة التي تنفع لقضاء الحاجة وتحقيق الأمنية، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجسيمة.

error: النص محمي !!