Top
Image Alt

قصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في بناء الكعبة، وبيان ملّته.

  /  قصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في بناء الكعبة، وبيان ملّته.

قصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في بناء الكعبة، وبيان ملّته.

1. الآية (124): {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}:

الآثار:

عن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قال: “ابتلاه الله بالطَّهارة: خَمْس في الرأس، وخَمْس في الجَسد؛ في الرأس: قَصّ الشارب، والمَضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وفَرْق الرأس. وفي الجَسد: تقْليم الأظفار، وحَلق العانة، والخِتان، ونَتف الإبط، وغَسل أثر الغائِط والبول بالماء”.

ورُوي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجَلد، نحو ذلك.

وعن ابن عباس، قال: “الكلمات التي ابتلى اللهُ إبراهيم فأتّمهنّ: فِراق قَومه -في الله- حين أمِر بمُفارقَتهم، ومُحاجَّته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خَطر الأمر الذي فيه خِلافهم، وصَبْره على قَذفه إيّاه في النار ليُحرقوه في الله، على هول ذلك من أمرهم، والهِجْرة بعد ذلك من وَطنه وبلاده في الله حين أمره بالخُروج عنهم، وما أمَره به من الضِّيافة والصِّبر عليها، وما ابتُلي به من ذَبح ابنه حين أمَرَه بذَبحه. فلما مَضى على ذلك من الله كلّه وأخلصه للبلاء، قال الله له: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ} على ما كان من خِلاف الناس وفِراقهم”.

عن ابن عباس: أنه كان يقول في تفسير هذه الآية: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ}، قال: “عشْر: سِتّ في الإنسان، وأربع في المَشاعِر. فأمّا التي في الإنسان: حَلق العَانة، ونَتف الإبط، والخِتان -وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة- وتَقْليم الأظفار، وقَص الشارب، والسِّواك، وغُسل يوم الجُمعة. والأربعة التي في المَشاعر: الطَّواف، والسَّعي بين الصفا والمروة، ورمْي الجِمار، والإفاضة”.

وعن ابن عباس، أنه قال: “ما ابتُلي بهذا الدين أحَد فقام به كلّه إلا إبراهيم، قال الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ}. قيل له: وما الكلمات التي ابتلى اللهُ إبراهيم بهن فأتّمهنّ؟ قال: الإسلام ثلاثون سَهمًا، منها عشر آيات في (براءة): {التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة: 112]، وعشر آيات في أول سورة “الْمُؤْمِنُونَ”، و “الواقعة”، وعشر آيات في “الأحزاب”: {إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]؛ فأتمّهن كلّهنّ، فكتب له بَراءة، قال الله: {وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّىَ} [النجم: 37]”.

وعن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ}، قال: “منهنّ مناسك الحج”.

وفي رواية قال: “ابتلاه الله بالمناسك”.

وعن ابن عباس: “{وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ}، فمنهن: {إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً}، ومنهن: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، ومنهن: الآيات في شأن المناسك، والمقام الذي جُعِل لإبراهيم، والرِّزق الذي رُزق ساكنو البيت، وبعْث محمد في ذرِّيّتهما”.

وعن الحسن البصري: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قال: “ابتلاه بالكَوكَب فرضي عنه، وابتلاه بالقَمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالخِتان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه”.

وعن مجاهد، في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ} “قال الله لإبراهيم: إني مُبْتليك بأمْر فما هو؟ قال: تَجعلني للناس إمامًا؟ قال: نعم. {قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي}. {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}. قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: {وَأَمْناً}. قال: نعم. وتجعلنا مُسلمَيْن لك، ومن ذريتنا أمّة مسلمة لك. قال: نعم. قال: وتَرزق أهله من الثَّمرات من آمن بالله. قال: نعم”.

وعن مجاهد: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ}، قال: “ابتُلي بالآيات التي بعْدها: {إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}”.

وعن الربيع بن أنس: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قال: “الكلمات: {إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً}، وقوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً}، وقوله: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، وقوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ}، وقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، قال: فذلك كُلّه من الكلمات التي ابتُلِي بهنّ إبراهيم”.

وقال السدي: “الكلمات التي ابتَلَى بهن إبراهيمَ ربُّه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ}، و{رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ}”.

أقول: هذا الأثر الأخير كأنه على قِراءة من قَرأ برفْع {إِبْرَاهِيمَ}، ونصْب {رَبّهُ}.

وعن ابن عباس في قوله: {فَأَتَمّهُنّ} قال: “فأدّاهنّ”.

وعن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مِن فِطرة إبراهيم: السِّواك)).

وعن مجاهد قال: “من فِطرة إبراهيم: غَسل الذَّكَر والبراجم”.

وعن مجاهد قال: “سِتّ مِن فطرة إبراهيم: قَصّ الشارب، والسِّواك، والفَرْق، وقَصّ الأظفار، والاستنجاء، وحَلْق العَانة. قال: ثلاثة في الرأس، وثلاثة في الجَسد”.

وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الفِطرة خَمْس، أو خَمْسٌ من الفِطرة: الخِتان، والاستحداد، وقَصّ الشارب، وتَقليم الأظفار، ونَتْف الإبط)).

وأخرج البخاري، والنسائي، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مِن الفِطرة: حَلق العانَة، وتَقْليم الأظفار، وقَصّ الشّارب)).

وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَشْرٌ من الفِطرة: قَصّ الشّارب، وإعفاء اللّحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقَصّ الأظفار، وغَسْل البَراجِم، ونَتْف الإبط، وحَلْق العانة، وانتقاص الماء)).

قال مصعب -راوي الحديث-: “ونَسِيت العاشرة إلا أن تكون المَضمضة”.

قال وكيع: “انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء”.

وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أنس بن مالك، قال: “وقَّت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قَصّ الشارب، وتَقْليم الأظفار، وحَلْق العَانة، ونَتْف الإبط، أنْ لا تُتْرك أكثر مِن أربعين يومًا”.

أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقَدَّوم)).

وأخرج ابن عدي، والبيهقي في (شعب الإيمان)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان إبراهيم أوّل مَن اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة، واختتن بالقَدَّوم. ثم عاش بعد ذلك ثمانين سَنة)).

وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والحاكم والبيهقي وصحّحاه، مِن طريق سعيد بن المُسيب، عن أبي هريرة، قال: ((اختتن إبراهيم خَليل الله وهو ابن عشرين ومائة سَنة بالقَدَّوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سَنة)).

قال سعيد: “وكان إبراهيم أوّل مَن اختتن وأوّل من رأى الشَّيب، فقال: يا ربّ ما هذا؟ قال: وقار يا إبراهيم، قال: ربِّ زدني وقارًا، وأوّلَ مَن أضاف الضَّيف، وأوّلَ مَن جَزَّ شاربَه، وأوّلَ مَن قَصّ أظافيره، وأوّلَ مَن استحدّ”.

وعن سفيان بن عينية، قال: “شكا إبراهيم عليه السلام إلى ربّه ما يَلقى من رداءة خُلق سارة، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، أنت أوّل مَن تَسرْول، وأوّل مَن فَرَق، وأوّل مَن استحدّ، وأوّل مَن اختتن، وأوّل مَن قَرى الضَّيف، وأوّل مَن شاب”.

وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنف) واللفظ له، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن ابن عباس، قال: “قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أوّل الخَلائق يُلقَى بثوب -يعني يوم القيامة- إبراهيم عليه السلام)).

ونقل القرطبي: أنه أوّل مَن بَرَدَ البَريد، وأوّل مَن ضَرب بالسيف، وأوّل مَن استاك، وأوّل مَن استنجى بالماء. قال: ورُوي عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنْ أتّخِذ المِنبر فقد اتّخذَه أبي إبراهيم، وإن أتّخِذِ العَصا فقد اتّخذها أبي إبراهيم)).

قال ابن كثير: “هذا حديث لا يَثبت”.

وأخرج ابن جرير وغيره، عن معاذ بن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا أخبركم لِم سَمَّى اللهُ إبراهيمَ خليلَه الَّذِي وَفَّى؟ لأنه كان يقول كلّما أصبح، وكلّما أمسى: سبحان الله {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} حتى يَختم الآية)).

وأخرج أيضًا، هو وآدم بن أبي إياس، وعبد بن حُميد، وغيرهم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (({وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّىَ}، أتدْرون ما وفَّى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: وفَّى عَمل يومِه: أربع ركعات في النهار)).

قال ابن كثير: “ثم شَرع ابن جَرير يُضعِّف هذيْن الحديثيْن، وهو كما قال؛ فإنه لا تَجوز روايتهما إلا ببيان ضَعفهما. وضَعفهما من وجوه عَديدة، فإنّ كُلًا مِن السّنديْن مُشتمل على غير واحد من الضُّعفاء، مع ما في متن الحديث ممّا يَدلّ على ضَعفه”.

وعن ابن عباس، قال: “{إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً} يُقْتَدى بدِينك، وهَدْيك، وسُنّتك، قال: ومِن ذرّيّتي إمامًا لغير ذُرّيّتي. قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ} أن يُقتدى بدِينهم، وهَديهم، وسُنّتهم”.

عن الربيع، في قوله: {إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً}: “يُؤتمّ به ويُقتدَى. قال إبراهيم: {وَمِن ذُرّيّتِي} فاجعل مَن يؤتَمّ به ويُقتدَى به”.

وأخرج وكيع وابن مردويه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}، قال: ((لا طاعة إلا في المَعروف)).

وأخرج أحمد وغيره، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا طاعة لمَخلوق في مَعصية الله عز وجل)).

عن ابن عباس، قال: “{لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}: ليس للظالمين عهْد، وإن عاهدْتَه فانْقضْه”.

ورُوي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك.

عن مجاهد، في قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ} قال: “إنه سيكون في ذُرِّيّتك ظالمون”.

عن مجاهد، قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ} قال: “لا يكون لي إمام ظالِم”. وفي رواية: “لا أجعل إمامًا ظالِمًا يُقتدَى به”.

عن مجاهد في قوله: {وَمِن ذُرّيّتِي}، قال: “أمّا مَن كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يُقتدَى به، وأمّا من كان ظالِمًا فلا -ولا نِعمة عَين”.

وقال سعيد بن جُبير: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}: “المُراد به المُشرِك؛ لا يكون إمام ظالِم”. يقول: لا يكون إمام مُشرك.

عن عطاء قال: “{إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي}، فأبى أن يَجعل من ذُريته إمامًا ظالِمًا. قلت لعطاء: ما عهْده؟ قال: أمْره”.

عن هارون بن عَنترة، عن أبيه، قال: “ليس لظالِم عَهد”.

وعن الضحاك: “لا ينال طاعتي عَدوّ لي يَعصيني، ولا أنحَلها إلا وليًّا لِي يُطيعُني”.

وقال السدي: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ} يقول: “عَهدي نُبوّتي”.

أقوال المفسّرين:

يقول تعالى، مُنبِّهًا على شَرف إبراهيم خليله عليه السلام وأنّ الله تعالى جعَلَه إمامًا للناس يُقتدى به في التوحيد، حين قام بما كلَّفه الله تعالى به مِن الأوامر والنواهي، ولهذا قال: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ} أي: واذكرْ يا محمدُ لهؤلاء المُشركين، وأهل الكتابيْن الذين يَنْتحِلون مِلّة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مُستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين؛ اذكرْ لهؤلاء ابتلاءَ الله إبراهيمَ، أي: اختباره له بما كلَّفه به من الأوامر والنواهي، {فَأَتَمّهُنّ} أي: قام بهنّ كلّهنّ، كما قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّىَ}، أي: وفَّى جَميع ما شُرع له فعَمِل به -صلوات الله عليه- وقال تعالى: {قُلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مّلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، وقال تعالى: {إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِراً لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الْدّنْيَا حَسَنَةً وَإِنّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (122) ثُمّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120- 123].

وقوله تعالى: {بِكَلِمَاتٍ} أي: بشَرائع وأوامر ونواهٍ؛ فإن الكلمات تُطلق ويُراد بها: الكلمات القَدَرية، كقوله تعالى عن مريم -عليها السلام-: {وَصَدّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]، وتُطلق ويُراد بها: الشَّرعية، كقوله تعالى: {وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أي: كلماته الشَّرعية. وهي إمّا خَبر صِدق وإمّا طَلب عَدْل، إن كان أمرًا أو نهيًا؛ ومن ذلك: هذه الآية الكريمة.

قال ابن جرير ما حاصله: أنه يَجوز أن يكون المُراد بالكلمات جَميع ما ذُكِر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يَجوز الجَزم بشيء منها أنه المُراد على التَّعْيين إلا بحديث أو إجماع. قال: “ولم يَصحّ في ذلك خَبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له”.

ثم قال ابن جرير: “ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس، أوْلى بالصواب، كان مذهبًا، لأنّ قوله: {إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً}، وقوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ}، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذَكَر الله أنه ابتلى بهنّ إبراهيم”.

قال ابن كثير: “والذي قاله أوّلًا مِن أنّ الكلمات تَشمل جَميع ما ذُكر، أقوى من هذا الذي جَوَّزه من قول مجاهد ومَن قال مثله، لأن السياق يُعطي غير ما قالوه”.

{فَأَتَمّهُنّ}: الضَّمير لإبراهيم عليه السلام أي: قام بهن، وأتى بهنّ على الوَجه الأتم، وأدَّاهن، أو أتمَّها، بأن راعى شُروط الإجابة فيها ولم يأتِ بعدها بما يُضيِّعها.

وقيل: الضَّمير لله عز وجل والمعنى: يَسَّر الله له العَمل بهنّ، وقوَّاه على إتمامهنّ، أو أتمّ له أجورهنّ، أو أدامهنّ سُنّة فيه وفي عَقِبه إلى يوم القيامة. {قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً} أي: جَزاءً على ما فَعَل، كما قام بالأوامر وتَرَك الزَّواجر، جعله الله للناس قُدوة وإمامًا يُقتدَى به ويُحتذَى حَذوه.

قال الآلوسي: “والإمام بحَسَب المَفهوم، وإن كان شاملًا للنبي، والخَليفة، وإمام الصلاة، بل كلّ مَن يُقتدى به في شَيء ولو باطلًا، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ} [القصص: 41]، إلا أنّ المُراد به ها هنا: النبي المُقتدى به؛ فإنّ مَن عَداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته، وهذه الإمامة إمّا مُؤبّدة، كما هو مُقتضى تَعريف الناس، وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار، ولا يَضرّ مَجيء الأنبياء بعْده، لأنه لم يُبعث نَبي إلا وكان مِن ذُريته ومأمورًا باتّباعه في الجُملة لا في جَميع الأحكام، لعَدم اتفاق الشرائع التي بعْده في الكلّ، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب، وإمّا مُؤقّتة بناء على أنّ ما نُسخ ولو بعْضه لا يُقال له مُؤبّد، وإلا لكانت إمامة كل نَبي مُؤبدة، فالمراد من الناس حينئذٍ أمته الذين اتبعوه، ولك أن تَلتزم القَول بتأبيد إمامة كلّ نَبي ولكن في عقائِد التوحيد، وهي لم تُنسخ، بل لا تُنسخ أصلًا، كما يُشير إليه قوله تعالى: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]”.

وقوله: {قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}، لمَّا جَعل الله إبراهيم إمامًا، سأل أن تكون الأئمة مِن بَعْده من ذُريته، فأجيب إلى ذلك، وأُخبر أنه سيكون من ذُريته ظالمون، وأنه لا يَنالُهم عَهدُ الله ولا يَكونون أئمة، فلا يُقتدى بهم. والدليل على أنه أجيب إلى طُلبته: قول الله تعالى في سورة (العنكبوت): {وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِ النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27]، فكلّ نَبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله -بعد إبراهيم- ففِي ذُرّيّته صلوات الله وسلامه عليه.

وأمّا قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}، فقد اختلفوا في ذلك، كما سَبق في الآثار. وقال ابن كثير، بعد أن ساقها: “فهذه أقوال مُفسّري السَّلف في هذه الآية، على ما نَقله ابن جرير، وابن أبي حاتم -رحمهما الله تعالى- واختار ابن جرير أنّ هذه الآية، وإن كانت ظاهِرة في الخَبر أنه لا يَنال عَهدُ الله بالإمامة ظالِمًا، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل عليه السلام أنه سيُوجد من ذُريتك مَن هو ظالِم لنفسه -كما تقدم عن مجاهد وغيره”.

2. الآيتان (125، 126): {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}:

الآثار:

عن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} قال: “الكعبة”.

عن ابن عباس: قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ} يقول: “لا يَقْضون منه وَطرًا، يأتونه ثم يَرجعون إلى أهليهم، ثم يَعودون إليه”.

عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ} قال: “يَثوبون إليه ثم يَرجعون”.

ورُوي عن أبي العَالية، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، والحسَن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك، نحو ذلك.

عن عبده بن أبي لبابة، في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ}، قال: “لا يَنصرف عنه مُنصرِف وهو يرى أنه قد قَضى منه وَطرًا”.

وعن ابن زيد: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ} قال: “يثوبون إليه من البلدان كلِّها ويأتونه”.

وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخُراساني: {مَثَابَةً لّلنّاسِ} أي: “مَجْمعًا”.

وعن عطاء، في قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ}، قال: “يأتون إليه من كلِّ مكان”.

وعن مجاهد، في قوله: {مَثَابَةً لّلنّاسِ}، قال: “يأتون إليه لا يَقضون منه وَطرًا أبدًا، يَحُجّون ثم يَعودون. {وَأَمْناً} قال: تَحريمه، لا يَخاف مَن دَخَله”.

وعن ابن عباس في قوله: {وَأَمْناً} قال: “أمْنًا للناس”.

وعن أبي العالية: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً} يقول: “أمْنًا من العدوّ، وأن يُحمل فيه السِّلاح، وقد كانوا في الجاهلية يُتَخطّف الناس مِن حَولهم وهم آمنون لا يُسْبَوْن”.

وروي عن عطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا: “مَن دَخَله كان آمنًا”.

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: “كان الرّجل يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه، فلا يَعْرض له”.

وأخرج أبو نعيم، من حديث ابن عمر: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال: يا عمر، هذا مقام إبراهيم. فقال عمر: أفلا نتخذه مُصلَّى؟ فقال: لم أُومَرْ بذلك، فلم تَغِب الشمس حتى نَزلت هذه الآية)).

وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والعَدني، والدارمي، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود في (المصاحف)، وابن المنذر، وابن مردويه، وغيرهم، عن أنس بن مالك، قال: “قال عمر بن الخطاب: وافقْتُ ربّي في ثلاث، أو وافَقني ربِّي في ثلاث. قُلت: يا رسول الله، لو اتخذتَ مِن مَقام إبراهيم مُصلَّى؟ فنزلت: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البََرّ والفاجِر، فلو أمرْتَ أمهاتِ المؤمنين بالحِجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدَخلتُ عليهن فقلت: إنْ انتهيتُنّ أو لَيُبدلنّ الله رسولَه خَيرًا مِنكُنّ، حتى أتيت إحدى نِسائه، فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يَعظ نِساءه، حتى تَعظهُنّ أنت؟! فأنزل الله: {عَسَىَ رَبّهُ إِن طَلّقَكُنّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مّنكُنّ} [التحريم: 5]”.

وفي رواية لمسلم، قال: “وافقتُ ربّي في ثلاث: في الحِجاب، وفي أُسارى بدْر، وفي مَقام إبراهيم”.

وفي رواية لابن أبي حاتم، قال عمر بن الخطاب: ((والثالثة: لمّا مات عبد الله بن أبي، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصلِّي عليه، قلت: يا رسول الله، تصلِّي على هذا الكافر المُنافق؟ فقال: إيهًا عنك، يا بن الخطاب. فنزلت: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مّنْهُم مّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ})).

قال ابن كثير: “وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تَعارُض بين هذا ولا هذا، بلِ الكلّ صحيح، ومَفهوم العَدد إذا عارضه مَنطوق قُدِّم عليه – والله أعلم”.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن جابر، وهو يُحدِّث عن حَجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لمَّا طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم. قال: أفلا نَتّخذه مُصلًّى؟ فأنزل الله عز وجل: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى})).

وأخرج عثمان بن أبي شيبة، عن أبي مَيسرة، قال: ((قال عمر: قلتُ: يا رسول الله! هذا مَقام خليلِ ربِّنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتّخذه مُصلَّى؟ فنزلت: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى})).

وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب: ((أنه مَرّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله! أليس نقوم مقام خليلِ ربِّنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نَتّخذه مُصلَّى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى نزلت: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى})).

وأخرج ابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر، قال: ((لمّا وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوم فتح مكة عند مَقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله! هذا مَقام إبراهيم الذي قال الله: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}؟ قال: نعم)).

قال الوليد: “قلت لمالك: هكذا حدَّثك {وَاتّخِذُواْ}؟ قال: نعم”.

قال ابن كثير: “هكذا وَقع في هذه الرواية. وهو غريب”.

قلت: لعلّه يَقصد بالغَرابة ضبطَ {وَاتّخِذُواْ} بالفتح، وهي قِراءة أهل المدينة كما تقدّم. وقد يَقصد بالغَرابة كأنّ الآية مُتقدِّمة على قول عمر رضي الله عنه والصحيح: أنها نزلت بعد قول عمر رضي الله عنه كما تَقدَّم في النُّصوص الصحيحة الصريحة السابقة.

وأخرج مسلم، وابن أبي داود، وأبو نعيم في (الحِلية)، والبيهقي في (سننه)، عن جابر: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رَمل ثلاثة أشواط، ومَشى أربعة. حتى إذا فَرغ، عَمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خَلْفه رَكعتيْن ثم قَرأ: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى})).

وروى البخاري، عن ابن عمر، قال: ((قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبْعًا، وصلّى خلْف المَقام ركعتيْن)).

وأخرج البيهقي، عن عائشة رضي الله عنها: أنّ المَقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر مُلتَصقًا بالبيت، ثم أخّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال ابن كثير: “هذا إسناد صحيح”.

وعن ابن جريج: حدّثني عطاء وغيره مِن أصحابنا قالوا: “أوّل مَن نَقَله: عُمر بن الخطاب رضي الله عنه”.

وعن مجاهد قال: “أوّل مَن أخّر المَقام إلى مَوضعه الآن: عمر بن الخطاب رضي الله عنه”.

وعن ابن عيينة -وهو إمام المَكِّيِّين في زمانه- قال: “كان المَقام مِن سَقْع البيت على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحَوَّله عمر رضي الله عنه إلى مَكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، قال: ذهب السَّيل به بعد تَحويل عُمر إيّاه مِن موضعه هذا، فردَّه عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كمْ بينه وبين الكعبة قَبل تَحويله؟ وقال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟”.

قال ابن كثير: “فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه – والله أعلم”.

وأخرج ابن أبي داود، وابن مردويه، عن مجاهد، قال: ((قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! لو صلَّيْنا خلْف المقام؟ فأنزل الله: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}. فكان المقام عند البيت، فحَوَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَوضِعه هذا)). قال مجاهد: “قد كان عمر رضي الله عنه يرى الرأي فيَنزل به القرآن”.

قال ابن كثير: “هذا مُرسل عن مجاهد، وهو مُخالف لما تقدّم عنه: أوّل مَن أخّر المَقام إلى مَوضعه الآن: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا أصحّ من طَريق ابن مردويه، مع اعتضاد هذا بما تَقدَّم – والله أعلم.

وعن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، فقال: سَمِعت ابن عباس قال: أمّا مَقام إبراهيم الذي ذُكِر ها هنا، فمَقام إبراهيم هذا الذي في المَسجد. ثم قال: ومَقام إبراهيم بعدُ كَثير، مَقام إبراهيم الحَجّ كُلّه.

ثم فسَّر لي عطاء، فقال: التَّعريف، وصلاتان بعَرفة، والمَشعر، ومِنى، ورَمي الجِمار، والطَّواف بين الصفا والمَروة. فقلت: أفسَّره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مَقام إبراهيم الحَجّ كُلّه. قلت: أسَمِعت ذلك -لهذا أجمَع-؟ قال: نَعم، سَمِعْتُه مِنه.

وعن ابن عباس: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، قال: مَقام إبراهيم: الحَرَم كلّه. ورُوي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك.

وعن الحسن: أنه الحَجَر الذي وضَعتْه زوجة إسماعيل عليه السلام تحت إحدى رجلَيْه وهو راكب، فغَسلتْ أحدَ شِقّي رأسه، ثم رفعته من تحتها وقد غاصت فيه، ووضعتْه تحت رجْله الأخرى، فغَسلت شِقّه الآخر وغاصت رجْلُه الأخرى فيه أيضًا.

وقال السدي: المَقام: الحَجر الذي وضعتْه زوجة إسماعيل تحت قَدَم إبراهيم، حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي وضعَّفه، ورجَّحه غَيره. وحكاه الرازي في تَفسيره، عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس.

وعن سعيد بن جبير: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، قال: الحَجَر: مَقام إبراهيم ليَّنه الله، قد جَعله الله رحمة، فكان يقوم عليه، ويُناوله إسماعيل الحِجارة. ولو غُسِّل رأسُه كما يَقولون لاختلف رجلاه.

وأطنب السيوطي هنا أيضًا بذِكْر آثار في أصْل المقام والحجر الأسود، وأنهما من الجَنة، وفَضل مَسحهما، لا نُطيل بذِكرها. ومنها:

ما أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في (الدلائل)، عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرُّكن والمَقام ياقوتتان مِن يَواقيت الجَنّة. طَمس الله نُورَهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بيْن المَشرق والمَغرب)).

وعن ابن الزبير: أنه رأى قومًا يَمْسحون المقام، فقال: لم تُؤمَروا بهذا، إنّما أُمِرْتم بالصلاة عنده.

عن أنس بن مالك، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه عليه السلام وأخمص قدميْه، غير أنه أذهَبه مَسْحُ الناس بأيديهم.

وعن قتادة: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}: إنما أُمِروا أن يُصلّوا عنده، ولم يُؤمَروا بمَسْحه. وقد تكلَّفت هذه الأمّة شيئًا ما تَكلَّفتْه الأمم قَبْلها. ولقد ذَكَر لنا مَن رأى أثَر عَقبه وأصابعِه فيه، فما زالت هذه الأمّة يَمسحونه حتى اخلَولَق وانمحَى….

وعن الحسن البصري: قوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ}، قال: أمَرهما الله أن يُطهِّراه من الأذى والنَّجس، ولا يُصيبه من ذلك شيء.

وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهْده؟ قال: أمْره.

وعن عطاء: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ} قال: أمَرْناه.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثل ذلك.

وعن ابن عباس: قوله: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ}، قال: من الأوثان.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ}، إنّ ذلك من الأوثان، والرَّيب، وقَول الزُّور، والرِّجس.

ورُوي عن عبيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وقتادة: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ} أي: بـ”لا إله إلا الله” مِن الشِّرك.

وعن عبد الرحمن بن زيد: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ}، قال: من الأصنام التي كان المُشركون يُعظِّمونها.

وعن قتادة، في قوله: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ}، قال: من عِبادة الأوثان، والشِّرك، وقول الزور، وفي قوله: {وَالرّكّعِ السّجُودِ}، قال: هم مِن أهل الصلاة.

وعن ابن عباس، قال: إذا كان قائمًا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مُصلِّيًا فهو من الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

وعن سويد بن غَفلة، قال: مَن قَعد في المَسجد وهو طاهِر، فهو عاكِف حتى يخرج منه.

وعن ثابت، قال: قلتُ لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكلِّم الأمير أنِ امْنعِ الذين ينامون في المَسجد الحَرام، فإنهم يُجنبون ويُحْدِثون. قال: لا تفْعل! فإنّ ابن عمر سُئل عَنهم، فقال: هم العَاكِفون”.

قال ابن كثير: “وقد ثبت في الصحيح: أنّ ابن عمر كان يَنام في مَسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عَزْب.

وعن سعيد بن جبير: أنه قال: في قوله تعالى: {لِلطّائِفِينَ} يعني: مَن أتاه من غُربة، {وَالْعَاكِفِينَ}: المُقيمين فيه.

وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس: أنهما فسّرا {وَالْعَاكِفِينَ} بأهله المقيمِين فيه، كما قال سعيد بن جبير.

وعن عطاء، في قوله: {وَالْعَاكِفِينَ}، قال: مَن انتابه مِن الأمصار، فأقام عِنده. وقال للمُجاورين: أنتم من {وَالْعَاكِفِينَ}.

وقال عطاء وقتادة: إذا كان مُصلِّيًا فهو من {وَالرّكّعِ السّجُودِ}.

وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والأزرقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((إنّ هذا البلد حَرَّمه الله يوْم خَلَق السموات والأرض؛ فهو حَرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يَحِلّ القِتال فيه لأحَد قَبلي، ولم يَحِلّ لي إلا ساعةً مِن نَهار؛ فهو حَرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة: لا يُعْضَد شَوْكُه، ولا يُنَفَّر صَيْدُه، ولا يَلتَقِط لُقطتَه إلا مَن عَرَّفها، ولا يُختلَى خَلاه. فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخِر، فإنه لقَيْنهم، ولبيوتهم. فقال: إلا الإذخر)).

وفي (الصحيحيْن)، وغيرهما عن أبي هريرة نحو من ذلك…..

وروى مسلم، والنسائي، وابن جرير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ إبراهيم حرَّم بيتّ الله وأمَّنه، وإنِّي حرَّمتُ المدينة ما بين لابتيْها؛ فلا يُصاد صَيدُها، ولا يُقطع عَضاهُها)).

وروى ابن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ إبراهيم كان عبدَ الله وخَليلَه، وإنِّي عبد الله ورسوله. وإنّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمتُ المدينة، ما بين لابتيْها عَضاهها وصَيدها. لا يُحمل فيها سِلاح لقتال، ولا يُقطع منها شَجرة إلا لعَلف بَعير))”.

قال ابن كثير: “وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب السِّتّة، وأصل الحديث في صحيح مسلم مِن وجه آخَر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان الناس إذا رأوْا أوّل الثمر، جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهمّ باركْ لنا في ثَمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعِنا، وبارك لنا في مُدِّنا. اللهم إنّ إبراهيم عَبدُك وخَليلُك ونبيُّك، وإني عَبدُك ونبيُّك. وإنه دعاك لمكّة، وإني أدعوك للمدينة بمِثل ما دعاك لمكة ومِثله مَعه. ثم يَدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثَّمر)). وفي لفظ: ((بَركة مع بَركة. ثم يُعطيه أصغرَ مَن يَحضره من الولدان)).

وروى مسلم، وابن جرير، وغيرهما، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((إنّ إبراهيم حرَّم مكة، وإنّي أحرِّم ما بيْن لابَتيْها)).

وفي (الصحيحين)، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: ((التمِسْ لي غُلامًا مِن غِلمانِكم يَخدِمني، فخَرج بي أبو طلحة يُخدِّمني، يُرْدِفني وراءه. فكُنت أخدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّما نَزل…)). وقال في الحديث: ((ثم أقبل حتى إذا بدا له أُحُد قال: هذا جبل يُحبُّنا ونُحبّه. فلما أشرف على المدينة قال: اللهمّ إني أحرِّم ما بيْن جبليْها، مثل ما حرّم به إبراهيم مكة. اللهم باركْ لهم في مُدِّهم وصاعهم)).

وفي لفظ لهما: ((اللّهمّ باركْ لهم في مِكيالِهم، وباركْ لهم في صاعهم، وباركْ لهم في مُدِّهم)).

زاد البخاري: يعني: أهل المدينة.

ولهما أيضًا، عن أنس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللّهمّ اجعَلْ بالمدينة ضعفَي ما جعلْتَ بمكّة مِن البركة)).

وروى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا لأهلها، وإنّي حرّمتُ المدينة كما حرّم إبراهيم مكة، وإني دعَوْتُ في صاعها ومُدِّها بمِثلَي ما دعا إبراهيم لأهل مكة))….

والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنّما أوردنا منها ما هو متعلِّق بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة، لِما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة.

وذكر السيوطي -رحمه الله- جملة كبيرة من الآثار في تحريم الله لمكة، وعظم حرمتها وفضْلها، وفي أنصابها، ومَن نصبها وجدّدها، وبعض الحكايات فيمن انتهك حُرمتها.

أمّا قوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ}.

فأخرج الأزرقي، عن محمد بن المنكدر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لمّا وضع الله الحرَم نقَل له الطائف من فلسطين)).

وعن محمد بن مسلم الطائفي، قال: بلغني أنه لمّا دعا إبراهيم للحرَم: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ} نقَل الله الطائف مِن فلسطين”.

وعن الزهري، قال: إنّ الله نقَل قريةً مِن قُرى الشام فوضعَها بالطائف، لدعوة إبراهيم عليه السلام.

وعن سعيد بن المسيب بن يسار، قال: سمعت بعض ولَد نافع بن جبير بن مطعم وغيره، يذكرون أنهم سمعوا أنه لمّا دعا إبراهيم بمكة أن يرزق أهله من الثمرات، نقل الله أرض الطائف من الشام، فوضعها هنالك رزقًا للحرم.

عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ}، قال ابن عباس: كان إبراهيم يُحجِّرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: {وَمَن كَفَرَ} أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخْلُق خلْقًا لا أرزقهم؟ أمتِّعهم قليلًا، ثم أضطرّهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: {كُلاّ نّمِدّ هَـَؤُلآءِ وَهَـَؤُلآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء: 20]، رواه ابن مردويه.

وعن أبي العالية، قال أبي بن كعب، في قوله: {وَمَن كَفَرَ}: إنّ هذا مِن قول الرّبّ. قال: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً}. وقال ابن عباس: هذا من قول إبراهيم، يسأل ربّه أنّ مَن كفَر فأمْتِعه قليلًا.

وعن محمد بن كعب القرظي، قال: دعا إبراهيم للمؤمنين، وترك الكفّار لمْ يَدْعُ لهم بشيء، فقال: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

وعن مجاهد، في قوله: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ}، قال: استرزق إبراهيم لِمَن آمن بالله وباليوم الآخِر. قال الله: ومَن كفَر فأنا أرزقه.

وهذا قول عكرمة أيضًا”.

أقوال المفسِّرين:

مضمون ما فسّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدَرًا، مِن كوْنه مثابةً للناس، أي: جعله محلًّا تشتاق إليه الأرواح، وتحنّ إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو تردّدت إليه كلّ عام، استجابةً من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]، إلى أن قال: {رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ} [إبراهيم: 40]، ويصِفه تعالى بأنه جعَله أمنًا، مَن دخله أمِن، ولو كان قد فعَل ما فعَل ثم دخَله كان آمِنًا.

كما وصفها بقوله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لّلنّاسِ} [المائدة: 97]، أي: يدفع عنهم بسبب تعظيمها السّوء، كما قال ابن عباس: “لو لم يحجّ الناس هذا البيت، لأطبق الله السماء على الأرض”.

وما هذا الشرف إلا لِشرف بانِيه أوّلًا وهو: خليل الرحمن،كما قال تعالى: {وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} [الحج: 26]، وقال تعالى: {إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96، 97].

وفي هذه الآية الكريمة نبّه على مقام إبراهيم، مع الأمر بالصلاة عنده، فقال: {وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، وقد اختلف المفسِّرون في المراد بالمقام ما هو؟

قال ابن كثير، بعد سَوْق مجموعة من الروايات:

“فهذا كلّه ممّا يدلّ على أنّ المراد بالمقام، إنّما هو الحجَر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة لمّا ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل عليه السلام به، ليقوم فوقه ويُناوله الحجارة فيضعها بيده لرفْع الجدار. وكلّما كمّل ناحية، انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه. كلّما فرغ من جدار، نقله إلى الناحية التي تليها، هكذا حتى تمّ جدارات الكعبة -كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميْه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تَعرِفه العرب في جاهليّتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:

على قدميْه حافيًا غير ناعلِ

*وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة

وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا.

وقد كان المقام مُلصَقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانُه معروف اليوم إلى جانب الباب ممّا يلي الحجَر، يَمْنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلّة هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضَعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتَرَكه هناك؛ ولهذا -والله أعلم- أُمِر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه. وإنّما أخَّره عن جدار الكعبة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديِّين، والخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتّباعهم، وهو أحَد الرّجليْن اللّذيْن قال فيهما رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((اقْتدُوا باللّذيْن مِن بعْدي أبي بكر وعمر))، وهو الذي نزل القرآن بوِفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم يُنكِر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

قال الآلوسي: وذهب النخعي ومجاهد إلى أنّ المراد من مقام إبراهيم: الحرَم كلّه، وابن عباس وعطاء: إلى أنه مَواقف الحجّ كلّها، والشعبي: إلى أنه عرفة ومزدلفة والجِمار، ومعنى اتّخاذها مُصلّى أن يُدعَى فيها ويُتقرّب إلى الله تعالى عندها. والذي عليه الجمهور، وهو ما قدّمناه أوّلًا، وهو الموافق لظاهر اللفظ ولِعُرف الناس اليوم، وظواهر الأخبار تُؤيِّده.

وقال ابن جرير -رحمه الله-: فمعنى الآية: وأَمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتِي للطّائفين. والتطهير الذي أمَرهما به في البيت هو: تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه، ومِن الشِّرك.

ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟

وأجاب بوجهيْن:

أحدهما: أنه أمَرهما بتطهيره ممّا كان يُعبد عنده زمانَ قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سُنّة لمَن بعدهما، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يُقتدى به”.

قال ابن كثير: “وهذا الجواب مُفرّع على أنه كان يُعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم.

قلت: الأصنام كانت موجودة في زمنه عليه السلام بلا شكّ، فما المانع من صحّة هذا الجواب؟ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ (35) رَبّ إِنّهُنّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مّنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّكَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [إبراهيم: 35، 36]. وعطف ذلك على دعائه للبلَد، كالبيان لوجود ذلك عنده. ثم إنه من البدهي أن تكون عبادة قبيلة جُرهم هي السائدة في المنطقة بعد ما أصبحت تحت سلطتهم. فماذا كانوا يعبدون غير الأصنام؟؟؟

الثاني: أنه أمَرهما أن يُخلصا في بنائه لله وحْده لا شريك له، فيَبْنِياه مُطهَّرًا من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: {أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ تَقْوَىَ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مّنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109]، قال: فكذلك قوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ}: على طهر من الشرك بي والريب،كما قال السدي: {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ}: ابنيا بيتي للطائفين.

وملخّص هذا الجواب: أن الله تعالى أمَر إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- أن يَبْنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطّائفين به والعاكفين عنده، والمصلّين إليه من الرُّكّع السّجود، كما قال تعالى: {وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِيَ لِلطّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ} الآيات.

والمراد من ذلك: الرّدّ على المشركين الذين كانوا يُشركون بالله عند بيته المؤسَّس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يَصدُّون أهلَه المؤمنين عنه، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].

ثم ذكَر أنّ البيت إنما أُسِّس لِمَن يعبد الله وحده لا شريك له، إمّا بطواف أو صلاة، فذكر في سورة (الحج) أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدّم {سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}. وفي هذه الآية الكريمة ذكَر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكْر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علِم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك أيضًا ردّ على مَن لا يحجّه من أهل الكتابيْن: اليهود والنصارى، لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظَمته، ويعلمون أنه بنَى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرَع الله له؟

وقد حجّ البيت موسى بن عمران وغيرُه من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 4].

وتقدير الكلام إذًا: {وَعَهِدْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي: تقدّمنا بوحْينا إلى إبراهيم وإسماعيل، {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ} أي: طهِّراه مِن الشِّرك والرّيب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين والعاكفين والرُّكّع السّجود.

وقوله تعالى، إخبارًا عن الخليل، أنه قال: {رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً} أي: مِن الخوف. وقد جعل الله ذلك شرْعًا وقدَرًا، كقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدّمت الأحاديث في تحريم القتال فيه. وفي صحيح مسلم، عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يحلّ لأحد أن يحمل بمكة السّلاح))، وقال في هذه السورة: {رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً}  أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة (إبراهيم): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً}، وناسب هذا هناك لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: {الْحَمْدُ للّهِ الّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنّ رَبّي لَسَمِيعُ الدّعَآءِ} [إبراهيم: 39].

وهل الدعاء بأن يجعله آمنًا من الجبابرة والمتغلِّبين، أو مِن أن يعود حرمه حلالًا، أو من أن يخلو من أهله، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدّجّال، أو من دخول أصحاب الفيل؟ أقوال. والواقع يردّ بعضها؛ فإن الجبابرة دخلتْه وقَتلوا فيه، كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج الثقفي، والقرامطة وغيرهم.

وقوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ} أي: مِن أنواعها بأن تجعل قريبًا منه قرًى يحصل فيها ذلك، أو تجيء إليه من الأقطار الشاسعة. وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. روي أن الله سبحانه لمّا دعا إبراهيم أمَر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين، وقيل من الأردن، وطاف بها حول البيت سبعًا فوضعها حيث وضعها، رزقًا للحرَم، وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف، وسمِّيتْ به لذلك الطواف. قال الآلوسي: وهذا، على تقدير صحّته، غير بعيد عن قدرة الملِك القادر جل جلاله وإن أبيتَ إبقاءه على ظاهره، فباب التأويل واسع.

قوله: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً}.

قال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم عليه السلام الدعوة عمّن أبى الله أن يجعل له الولاية انقطاعًا إلى الله ومحبّته، وفراقًا لمن خالف أمرَه وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده بخبر الله له بذلك -قال الله: ومَن كفَر فإني أرزق البَر والفاجر وأمتّعه قليلًا.

وهذا كقوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدّنْيَا ثُمّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 69، 70]، وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوَاْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ (23) نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمّ نَضْطَرّهُمْ إِلَىَ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24]، وقوله: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً لّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرّحْمَـَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِن كُلّ ذَلِكَ لَمّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَالاَخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتّقِينَ} [الزُّخرُف: 33- 35].

وقوله: {ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسْطنا عليه من ظلّها، إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى يُنظرهم ويُمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48].

وفي (الصحيحيْن): ((لا أحَد أصْبر على أذًى سمِعَه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم)). وفي الصحيح أيضًا: ((إن الله لَيُملي للظّالم حتى إذا أخَذه لم يُفلتْه، ثم قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىَ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ})) [هود: 102]”. 

3. الآية (127): {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}:

الآثار:

عن ابن عباس قال: “{الْقَوَاعِدَ}: أساس البيت”.

وعن ابن عباس: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، قال: “القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك”.

وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في (العظمة)، عن ابن عباس، قال: “وُضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تُخلق الدنيا بألفَي عام. ثم دُحيَت الأرض من تحت البيت”.

وعن وهيب بن الورد، أنه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ}، ثم يبكى ويقول: “يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشفِق أن لا يتقبّل منك؟!”.

وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والجندي، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في (الدلائل)، عن سعيد بن جبير: أنه قال: “سلوني يا معشر الشباب، فإني قد أوشكتُ أن أذهب من بين أظهركم. فأكثر الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت المقام، أهو كما نتحدّث؟ قال: وماذا كنت تتحدّث؟ قال: كنّا نقول: إنّ إبراهيم حين جاء عَرضت عليه امرأة إسماعيل النزول، فأبى أن ينزل. فجاءت بهذا الحجر. فقال: ليس كذلك. فقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: إنّ أوّل مَن اتّخذ المناطق من النساء: أمّ إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرَها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي تُرضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفّى إبراهيم منطلقًا، فتبعتْه أمّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أُنْس ولا شيء؟ قالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليهما. قالت له: آللهُ أمَرَك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يُضيِّعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرَوْنه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدّعوات ورفع يديْه، قال: {رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]. وجعلت أمّ إسماعيل تُرضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها. وجعلت تنظر إليه يتلوّى، أو قال: يتلبّط. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا. فهبطتْ مِن الصّفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعتْ طرف دِرعها، ثم سعتْ سعْي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبْع مرّات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلِذلك سعَى الناس بينهما)). فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه! تريد نفسها. ثم تسمّعت فسمعت صوتًا أيضًا، فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملَك موضع زمزم، فنَحَتَ بعقِبِه -أو قال: بجناحِه- حتى ظهر الماء. فجعلتْ تخوضه بيدِها وتغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَرحم الله أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لمْ تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا مَعينًا)). فشربت وأرضعت ولَدَها. فقال لها الملَك: لا تخافي الضيْعة، فإنّ ها هنا بيتًا لله عز وجل يَبنِيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يُضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله. فكانت كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جُرهُم أو أهل بيت من جُرهُم مُقبِلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة، فرأَوْا طائرًا عائفًا فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على الماء! لَعهْدنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جرِيًّا أو جريَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأمّ إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فألفَى ذلك أمَّ إسماعيل، وهي تحبّ الأنس)). فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم. وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم، وأنفسَهم وأعجبَهم حين شبّ. فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم. وماتت أمّ إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوّج إسماعيل يُطالع ترِكتَه فلم يجدْ إسماعيل. فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيْشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرٍّ في ضيق وشدّة. وشكَتْ إليه، قال: إذا جاء زوجُك فأقرئي عليه السلام، وقولي له يُغيِّر عتبة بابه. فلمّا جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم مِن أحد؟ قالت: نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرتُه، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا في جهد وشدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. أمَرَني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّرْ عتَبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمَرَني أن أفارقك. فالحقي بأهلك. فطلّقها وتزوّج منهم أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجدْه. فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنتْ على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ فقالت: الماء. فقال: اللهم بارك لهم في اللّحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولم يكن لهم يومئذٍ حَبّ، ولو كان لهم حَبّ لدعا لهم فيه)). قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك، فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثبّت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسَن الهيئة، وأثنت عليه. فسألني عنك، فأخبرته. وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا بخير. قال: أما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. وهو يقرأ السلام، ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، فأمرني أن أُمسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبري نبلًا تحت دوحة قريبًا من زمزم. فما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إنّ الله أمرني بأمْر. قال: فاصْنعْ ما أمرك. قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينُك. قال: فإنّ الله أمرني أن أبْني ها هنا بيتًا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضَعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

قال معمر: وسمعت رجلًا يقول: كان إبراهيم يأتيهم على البراق. قال معمر: وسمعت رجلًا يذكر أنهما حين التقيا بكيا حتى أجابتهما الطير”…..

قال ابن كثير: “والحديث -والله أعلم- إنّ ما فيه مرفوع أماكن صرّح بها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه في (مسنده)، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والأزرقي، والحاكم وصحّحه، والبيهقي في (الدلائل)، عن خالد بن عرعرة: أنّ رجلًا قام إلى علي رضي الله عنه فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أوّل بيت وُضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أوّل بيت وُضع في البركة، {مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}، وإن شئتَ أنبأتك كيف بُني. إنّ الله أوحى إلى إبراهيم أنِ ابْنِِ لي بيتًا في الأرض. قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل الله السكينة -وهي ريح خجوج ولها رأسان- فاتّبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، وأمر إبراهيم، فتطوّتْ على موضع البيت كطي الحجَفة، وأُمِر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم، فبقي الحجر، فذهب الغلام سعيًا، فقال إبراهيم: ابغِني حجرًا كما آمُرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجَرًا، فأتاه به، فوجده قد ركّب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت! من أتاك بهذا الحجَر؟ فقال: أتاني به من لمْ يتّكل على بنائك! جاء به جبريل عليه السلام من السماء، فأتمّاه.

وأخرج ابن جرير، عن علي بن أبي طالب، قال: لمّا أُمِر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال: فلمّا قدم مكة، رأى على رأسه في موضع البيت مثْل الغمامة فيه مثل الرأس فكلّمه. قال: يا إبراهيم، ابْنِِ على ظلِّي -أو قال: على قدْري- ولا تزِدْ ولا تُنقص. فلمّا بنى، خرج وخلّف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى مَن تَكِلُنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق فإنه لا يُضيِّعنا… وذكر قصّة هاجر مختصَرة.

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والأزرقي، والحاكم، من طريق سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب: أنّ إبراهيم أقبل من أرمينية، ومعه السكينة تدلّه، حتى تبوّأ البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتًا. قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجَرَ إلا ثلاثون رجُلًا. قيل: يا أبا محمد، فإنّ الله يقول: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، قال: كان ذلك بعْد.

وأخرج الديلمي، عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، قال: ((جاءت سحابة على تربيع البيتِ، لها رأس تتكلّم: ارتفاعُ البيت على تربيعي، فرفعاه على تربيعها)).

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لمّا أهبط الله آدم مِن الجنّة، قال: إنّي مُهبِط معك بيتًا يُطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويُصلَّى عنده كما يُصلَّى عند عرشي. فلمّا كان زمن الطوفان، رفَعه الله إليه، فكانت الأنبياء يحجّونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوّأه الله بعْدُ لإبراهيم، وأعلمه مكانَه، فبناه من خمسة جبال: حراء، ولبنان، وثيبر، وجبل الطّور، وجبل الحمر -وهو جبل ببيت المقدس.

وأخرج ابن سعد في (الطبقات)، عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم، قال: أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وجعل إسماعيل أمامه وهو ابن سنَتيْن، وهاجرُ خلْفَه، ومعه جبريل عليه السلام يدلّه على موضع البيت، حتى قدِم به مكة، فأنزل إسماعيل وأمّه إلى جانب البيت، ثم انصرف إبراهيم إلى الشام. ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن يَبْني البيت وهو يومئذٍ ابن مائة سنة، وإسماعيل يومئذٍ ابن ثلاثين، فبناه معه، وتوفّي إسماعيل بعد أبيه فدُفن داخل الحِجْر ممّا يلي الكعبة مع أمّه هاجر. وولي ثابت بن إسماعيل البيت بعد أبيه مع أخواله جُرهم.

وقال السدي: إن الله عز وجل أمَر إبراهيم أن يَبني البيتَ هو وإسماعيل: ابنِيَا {بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ}، فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها: الريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حيّة، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، وأتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس؛ فذلك حين يقول تعالى: {وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: 26]، فلما بنَيا القواعد فبلغَا مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنيّ! اطلبْ لي حجَرا حسَنًا أضعه ها هنا، قال: يا أبه! إني كسلان لغِب، قال: علي ذلك! فانطلق يطلب له حجَرًا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجَر فوجده عند الرّكن، فقال: يا أبت، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك! فبنَيَا، وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربّه، فقال: {رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وفي لفظ قال: خرج آدم من الجنّة ومعه حجَر في يده وورق في الكفّ الآخَر، فبثّ الورق في الهند، فمنه ما تَرَوْن من الطِّيب، وأما الحجر فكان ياقوتة بيضاء يُستضاء بها، فلمّا بنى إبراهيم البيت، فذكر نحوه.

وعن عطاء بن أبي رباح، قال: لمّا أهبط الله آدم من الجنة، كانت رِجلاه في الأرض، ورأسُه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابت الملائكة حتى شكَتْ إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفّضه الله إلى الأرض. فلما فقَد ما كان يسمع منهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوُجِّه إلى مكة، فكان موضع قدَمه قرية، وخطْوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به، حتى أنزل الله الطوفان، فرُفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم عليه السلام فبَناه، فذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}.

وعن عطاء، قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بِخطيئتك! ولكن اهْبطْ إلى الأرض، فابْنِ لي بيتًا، ثم احفُف به كما رأيتَ الملائكة تحفّ ببيْتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وكان ربَضُه من حراء، فكان هذا بناء آدم، حتى بناه إبراهيم عليه السلام بعْدُ”.

قال ابن كثير: “هذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة.

عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دُحِيت الأرض.

وعن قتادة قال: وضَع الله البيت مع آدم؛ أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستِّين ذراعًا، فحزن آدم، إذ فقَد أصواتَ الملائكة وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى الله عز وجل فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتُصلِّي عنده كما يُصلَّى عند عرشي، فانطلق إليه آدم فخرج، ومدّ له في خطْوه، فكان بيْن كلِّ خطوتيْن مفازة، فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به، ومَن بَعْده من الأنبياء.

وعن مجاهد وغيره من أهل العلْم: إنّ الله لمّا بوّأ إبراهيم مكان البيت، خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وبأمّه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يَرضع، وحُملوا على البراق، ومعه جبريل يدلّه على موضع البيت ومعالِم الحرَم، وخرج معه جبريل فكان لا يمرّ بقرية إلا قال: أبهذه أُمِرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضِهْ! حتى قدم به مكة -وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمُر- وبها أناس يقال لهم: العماليق، خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذٍ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أها هنا أمِرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمَد بهما إلى موضع الحِجْر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أمّ إسماعيل أن تتّخذ فيه عريشًا، فقال: {رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ} إلى قوله: {لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

وعن مجاهد، قال: خلَق الله موضع هذا البيت قبْل أن يخلق شيئًا بألْفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة.

وعن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.

وعن علباء بن أحمر: أنّ ذا القرنيْن قدِم مكّة، فوجد إبراهيم وإسماعيل يَبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقال: نحن عبدان مأموران، أُمِرْنا ببناء هذه الكعبة، قال: فهاتا بالبيّنة على ما تدّعيان! فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد أنّ إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أُمِرا ببناء هذه الكعبة، فقال: قد رضيت وسلّمْت، ثم مضى.

وعن معمر، قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى إذا غرق قوم نوح رفَعَه، وبقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، واستودع الركن أبا قبيس، حتى إذا كان بناء إبراهيم، نادى أبو قبيس إبراهيم فقال: يا إبراهيم، هذا الرّكن، فجاء فحفر عنه، فجعله في البيت حين بناه إبراهيم عليه السلام.

وأخرج البخاري، ومسلم، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألم تَرَي أنّ قومكِ حين بنَوا الكعبة أقصروا عن قواعد إبراهيم؟، فقالت: يا رسول الله! ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدَثَان قومِك بالكفْر))، فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعتْ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترَك استلام الركنيْن اللَّذيْن يلِيان الحَجر، إلا أنّ البيت لم يُتمَّمْ على قواعد إبراهيم عليه السلام.

وله ألفاظ في (الصحيحيْن)، ومنها: ((لولا حداثة عهدِ قومِك بالكفْر، لَنقضْتُ الكعبة ولَجعلْتُها على أساس إبراهيم؛ فإنّ قريشًا حين بَنَتِ البيتَ استقصرَت، ولجعلتُ لها خَلْفًا)).

وفي آخَر: ((يا عائشة، لولا قومك حديثو عهدٍ بشِرْكٍ لهدمْتُ الكعبة فألزقْتُها بالأرض، ولجعلتُ لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وزدتُ فيها ستّة أذرع من الحِجْر؛ فإنّ قريشًا اقتصرتْها حين بنَتِ الكعبة)).

وقد أطنب السيوطي جدًّا في سوْق الروايات المتعلِّقة بأصل بناء البيت قبْل آدم عليه السلام وبَعْده، وما يُقابله في السماء والأرض، وقصّة بناء إبراهيم له، وكم كان طوله وعَرضه، وحجّ الملائكة والأنبياء لهذا البيت، وعِظم حُرمته، وفضْل النّظر إليه، وأصْل الحجَر الأسود وفضْله، ورفْع البيت والحجَر في آخر الزمان، وغير ذلك”.

أقوال المفسِّرين:

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ}: عطف على: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ}، {وَإِذْ} للمضي، وآثَر صيغة المضارع مع أنّ القصة ماضية استحضارًا لهذا الأمر ليقَتدي الناسُ به في إتيان الطاعات الشّاقّة مع الابتهال في قَبولها، ولِيعلموا عَظمة البيت المبني فيُعظِّموه.

والمعنى: واذكُرْ يا محمد لِقومك بناءَ إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: {رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

وحكى القرطبي وغيره، عن أُبَيّ وابن مسعود: أنهما كانا يقرآن: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، ويقولان: {رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّآ إِنّكَ أَنتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

ويدلّ على هذا: قولُهما بَعْده: {رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ}؛ فهُما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبّل منهما.

وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخُلّص في قوله: {وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]، أي: يُعطون ما أعطَوْا مِن الصّدقات، والنّفقات، والقُربات، {وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أي: خائفة أن لا يتقبّل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد من البيت، هو: إبراهيم، والداعي: إسماعيل. والصحيح: أنهما كانا يرفعان ويقولان كما في الآثار.

وقال ابن كثير، معلِّقًا على أثر السدي: “في هذا السياق ما يدلّ على أنّ قواعد البيت كانت مبنيّة قبل إبراهيم، وإنما هُدي إبراهيم إليها، وبُوِّئ لها؛ وقد ذهب إلى ذلك ذاهبون.

وجاء في الصحيح: أنّ قرني الكبش كانا معلّقيْن بالكعبة.

وقد جاء: أنّ إبراهيم عليه السلام كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا، ثم يعود إلى أهله بالبلاد المقدّسة”.

4. الآيات من (128 – 134): {رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ (128) رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129) وَمَن يَرْغَبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدّنْيَا وَإِنّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنّ إَلاّ وَأَنْتُم مّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـَهَكَ وَإِلَـَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}:

عن عبد الكريم: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، قال: “مُخلِصين لك، {وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ}، قال: مُخلِصة”.

وعن سلام بن أبي مطيع، في هذه الآية: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ}، قال: “كانا مسلميْن، ولكنّهما سألاه الثّبات”.

وقال عكرمة: “{رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قال الله: قد فعلْتُ. {وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ}، قال الله: قد فعلتُ”.

وقال السدي: “{وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ} يعنِيان: العرب”.

وعن عطاء: “{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}: أخرِجْها لنا، علِّمْناها”.

وقال مجاهد: “{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}: مذابحنا”.

وعن قتادة في قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}، قال: “أراهما الله مناسكَهما: الموقف بعرفات، والإفاضة مِن جمْع، ورمْي الجِمار، والطّواف بالبيت، والسّعْي بين الصّفا والمرْوة”.

وأخرج ابن خزيمة، والطبراني وصحّحه، والبيهقي في (شُعب الإيمان)، عن ابن عباس، رفَعه، قال: ((لمّا أتى إبراهيم خليل الله المناسكَ، عَرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبْع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبْع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرَض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبْع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان تَرجُمون، وملّة أبيكم إبراهيم تتّبعون)).

وأخرج الطيالسي، والبيهقي، في (الشُعب)، عن ابن عباس، قال: “إن إبراهيم لما أُرِي أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المَسعَى، فسابقه إبراهيم. ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منًى، فقال: مناخ الناس هذا، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرّض له الشيطان، فرماه بسبْع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى جمرة الوسطى، فعَرض له الشيطان، فرماه بسبْع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبْع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمْعًا، فقال: هذا المَشعر. ثم أتى به عرَفة، فقال: هذه عرَفة، فقال له جبريل: أعرفْت؟ قال: نعم؛ ولذلك سمِّيتْ: عرفة، أتَدْري كيف كانت التلبية؟ إنّ إبراهيم لمّا أُمِر أن يُؤذِّن في الناس بالحج، أُمِرت الجبال فخفضتْ رءوسها، ورُفعت له القُرى، فأذّن في الناس بالحج”.

وعن ابن عباس قال: “كان المَقام مِن أصْل الكعبة، فقام عليه إبراهيم، فتفرّجت عنه هذه الجبال: أبو قبيس وصواحبه إلى ما بينه وبين عرفات، فأراه مناسكه حتى انتهى إليه، فقال: عرفْتَ؟ قال: نعم، فسُمِّيت: عرفات”.

وعن علي قال: “لمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال: قد فعلت، أي ربِّ، فأرِنا مناسكَنا، أبْرِزْها لنا. علِّمْنَاها، فبعث الله جبريل فحجّ به”.

وعن مجاهد، قال: “قال إبراهيم: أرِنا مناسكنا، فأتاه جبريل فأتى به البيت، فقال: ارفعِ القواعد، فرفَع القواعد، وأتمّ البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطلق به إلى الصّفا، قال: هذا مِن شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلمّا كان من العقبة، إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبِّرْ وارْمِه، فكبّر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلمّا حاذى به جبريل وإبراهيم، قال له: كبِّرْ وارْمِه، فكبّر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يُدخل في الحجّ شيئًا فلمْ يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيَد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرَفْتَ ما أريتُك؟ -قالَها: ثلاث مرات- قال: نعم، قال: فأذّن في الناس بالحجّ، قال: وكيف أؤذِّن؟ قال: قُل: يا أيها الناس، أجِيبوا ربّكم! -ثلاث مرات- فأجاب العباد: لبّيْك اللهم ربّنا لبّيْك، فمن أجاب إبراهيم يومئذٍ مِن الخلْق فهو حاجّ”.

وعن مجاهد، قال: “حجّ إبراهيم، وإسماعيل، وهما ماشيان”…..

وأخرج ابن سعد في (طبقاته)، وابن عساكر، من طريق جويبر، عن الضحاك: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا دعوة إبراهيم؛ قال وهو يرفع القواعد من البيت: {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} حتى أتمّ الآية)).

وعن أبي العالية، في قوله: {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} “يعني: أمّة محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له: قد استُجيب لك، وهو كائن في آخر الزّمان”.

وعن السدي، في قوله: {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} قال: “هو محمد صلى الله عليه وسلم”.

وكذا قال قتادة.

و عن الحسن رضي الله عنه: {وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ} “يعني: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ} يعني: السُّنّة”.

وقاله مقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم…

وعن قتادة، في قوله: {وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، قال: ” {وَالْحِكْمَةَ} السُّنَّة. قال: ففعل ذلك بهم، فبعث فيهم رسولًا منهم يعرفون اسمه ونَسبه، يُخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم”.

{وَيُزَكّيهِمْ}، عن ابن عباس: “يعني: طاعة الله والإخلاص”.

وعن ابن جريج، في قوله: {وَيُزَكّيهِمْ}، قال: “يُطهِّرهم مِن الشِّرك، ويُخلِّصُهم منه”.

وأخرج أبو داود في مراسيله، عن مكحول، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آتاني الله القرآن، ومِن الحكمة مِثليْه)).

وعن أبي العالية، في قوله: {العَزِيزُ الحَكِيمُ}، قال: “عزيز في نِقمته إذا انتقم، حكيم في أمْره”.

عن أبي العالية، في قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ}، قال: “رغبت اليهود والنصارى عن ملّته، واتخذوا اليهودية والنصرانية بِدْعة ليست من الله، وترَكوا ملّة إبراهيم: الإسلام؛ وبذلك بعث الله نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بملّة إبراهيم”.

وعن قتادة مثله.

وعن ابن زيد، في قوله: {إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}، قال: “إلا مَن أخطأ حظّه”.

وعن أبي مالك، في قوله: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ}، قال: “اخترناه”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}، قال: “وصّاهم بالإسلام، ووصّى يعقوب بنيه مثْل ذلك”.

وعن فضيل بن عياض، في قوله: {فَلاَ تَمُوتُنّ إَلاّ وَأَنْتُم مّسْلِمُونَ} “أي: مُحسنون بربِّكم الظّنّ”.

وعن الكلبي، قال: “وُلد لإبراهيم إسماعيل -وهو أكبر ولَده، وأمّه هاجر، وهي قبطية- وإسحاق -وأمّه سارة- ومدْين وبيشان وزمران وأشبق وشوح -وأمّهم قنطوراء من العرب العاربة- فأمّا بيشان فلحق بنوه بمكة، وأقام مدين بأرض مدين، فسُمِّيتْ به، ومضى سائرهم في البلاد، وقالوا لإبراهيم: يا أبانا، أنزلْتَ إسماعيل وإسحاق معك، وأمَرْتَنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة؟ قال: بذلك أُمِرتُ، فعلّمهم اسمًا من أسماء الله، فكانوا يستسْقون به ويستنصرون”.

عن أبي العالية، في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} “يعني: أهل مكة”.

وعن الحسن، في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ}، قال: “يقول: لمْ تشهد اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق، إذ حضره الموت: ألا تعبدوا إلا إيّاه. فأقرّوا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقرّوا بعبادتهم وأنّهم مسلمون”.

وعن ابن عباس أنه كان يقول: “الجدّ أب، ويتلو: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـَهَكَ وَإِلَـَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}”.

وعن أبي زيد، في الآية، قال: “يقال: بدأ بإسماعيل لأنه أكبر”.

وعن أبي العالية، في الآية، قال: “سمِّي العمّ أبًا”.

وعن محمد بن كعب، قال: “الخال والد، العمّ والد، وتلا: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـَهَكَ وَإِلَـَهَ آبَائِكَ}”.

وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة: “{تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ} يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط”.

أقوال المفسِّرين:

قوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: {رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ}.

قال ابن جرير: “يعنيان بذلك: واجعلنا مُستسلمَيْن لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نُشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك”.

وقال ابن جرير: “قوله: {وَمِن ذُرّيّتِنَآ} الصواب: أنه يعمّ العرب وغيرهم، لأن مِن ذرِّيّة إبراهيم: بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}”.

قال ابن كثير: “وهذا الذي قاله ابن جرير لا يَنفيه السدي، فإنّ تخصيصهم بذلك لا ينفي مَن عداهم، والسياق إنما هو في العَرب؛ ولهذا قال بعْده: {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ}، والمراد بذلك: محمد صلى الله عليه وسلم وقد بُعث فيهم، كما قال تعالى: {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ}، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، وغير ذلك من الأدلّة القاطعة”.

وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- كما أخبر الله تعالى عن عباده المتّقين المؤمنين في قوله: {وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان: 74]، وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا؛ فإنّ مِن تمام محبّة عبادة الله تعالى: أن يُحبّ أن يكون مِن صُلبه مَن يَعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لمّا قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ}، وهو قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ} [إبراهيم: 35]. وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا مات ابن آدم، انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو عِلْم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له)).

ثم يقول تعالى -إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحَرَم-: أنْ يبعث الله فيهم رسولًا منهم أي: مِن ذرِّيّة إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدَر الله السابق في تعْيين محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا في الأمِّيِّين، إليهم وإلى سائر الأعجميِّين، من الإنس والجن، كما سبق ذلك في الحديث المذكور في الآثار. والمراد: أن أوّل مَن نوّه بذِكْره وشهَره في الناس: إبراهيم عليه السلام. ولم يزَل ذكْرُه في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا، حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو: عيسى بن مريم عليه السلام حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا وقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُم مّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]. ولهذا قال في هذا الحديث: ((دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم)).

وقوله: ((ورأتْ أمِّي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام)). قيل: كان منامًا رأتْه حين حمَلتْ به، وقصّتْه على قومها، فشاع فيهم واشتهر بيْنهم، وكان ذلك توطئة.

وتخصيص الشام بظهور نوره: إشارة إلى استقرار دِينه وثبوته ببلاد الشام؛ ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقِلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق، بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في (الصحيحيْن): ((لا تزال طائفة مِن أمّتي ظاهرِين على الحق، لا يضرّهم مَن خذَلهم ولا مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)). وفي صحيح البخاري: ((وهُم بالشّام)).

وقوله: {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}: تقدّم في الآثار: أنّ الحِكمة السُّنَّة، وقيل: الحِكمة: الفهْم في الدِّين، ولا منافاة.

وقال محمد بن إسحاق: {وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، قال: “يُعلِّمهم الخير فيفعَلوه، والشّرّ فيتّقوه، ويُخبرهم بِرضَا الله عنهم إذا أطاعوه، ولِيستكثروا مِن طاعته، ويجتنبوا ما سخِط مِن معصيته”.

وقوله: {إِنّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} أي: العزيز الذي لا يُعجزه شيء، وهو قادر على كلِّ شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضَع الأشياء في محالِّها لعِلْمه وحِكمته وعَدْله.

ثم يقول -تبارك وتعالى-: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} ردًا على الكفّار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرْك بالله، المخالف لملّة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرّد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلمْ يدَعْ معه غيره، ولا أشرك به طرفة عيْن، وتبرّأ من كلّ معبود سواه، وخالف في ذلك سائرَ قومه، حتى تبرّأ من أبيه، فقال: {يَقَوْمِ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ (78) إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنّنِي بَرَآءٌ مّمّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاّ الّذِي فَطَرَنِي فَإِنّهُ سَيَهْدِينِ} [الزُّخرُف: 26، 27]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاّ عَن مّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]، وقال تعالى: {إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِراً لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الْدّنْيَا حَسَنَةً وَإِنّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ} [النحل: 120-122].

ومعنى قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ} أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها، {إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي: ظلَم نفْسَه بسفَهه، وسوءِ تدبيره، بترْكه الحق إلى الضلال؛ حيث خالف طريق مَن اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، مِن حداثة سِنِّه إلى أن اتّخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فترك طريقه هذا ومَسلكَه وملّتَه، واتّبع طُرق الضلالة والغي، فأي سفَه أعظم من هذا؟ أمْ أي ظلْم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: {إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

ويشهد لصحّة هذا القول: قول الله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّبَعُوهُ وَهَـَذَا النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ}، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ} أي: أمره تعالى بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدَرًا.

وقوله: {وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أي: وصّى بهذه الملّة، وهي: الإسلام لله، أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ} لحِرْصهم عليها ومحبّتهم لها، حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصَّوْا أبناءهم بها مِن بعدهم، كقوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزُّخرُف: 28].

وأيضًا، فإنّ وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكْرُها قريبًا؛ وهذا يدلّ على أنه ها هنا من جملة الموصِين.

وقوله: {يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنّ إَلاّ وَأَنْتُم مّسْلِمُونَ} أي: أحْسِنوا في حال الحياة، والزَموا هذا، لِيَرزقكم الله الوفاة عليه؛ فإنّ المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه. وقد أجْرى الله الكريم عادتَه، بأنّ مَن قصَد الخير وُفِّق له ويُسِّر عليه، ومن نَوى صالحًا ثُبِّت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: ((فإنّ الرّجُلَ لَيعمَلُ بعمَل أهلِ الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باعٌ أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعْمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإنّ الرجُل لَيعمل بعمَل أهلِ النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعْمل بعمَل أهل الجنة فيدخلها)). لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: ((فيعمل بعمَل أهل الجنّة فيما يبدو للناس))، و((بعمَل أهل النار فيما يبدو للناس)). وقد قال الله تعالى: {فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ (5) وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ (6) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ (7) وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ (8) وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ (9) فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ} [الليل: 5- 10].

ثم يقول تعالى، مُحتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل -وهو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام- بأنّ يعقوب لمّا حضرتْه الوفاة وصّى بنِيه بعبادة الله وحْده لا شريك له، فقال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـَهَكَ وَإِلَـَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}؛ وهذا من باب التغليب، لأنّ إسماعيل عمّه.

قال النحاس: “والعرب تسمِّى العمّ أبًا”، نقله القرطبي.

وقوله: {إِلَـَهاً وَاحِداً} أي: نُوحِّده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: مُطيعون، خاضعون، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}.

والإسلام: هو ملّة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]. والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث؛ فمنها قوله  صلى الله عليه وسلم: ((نحن معشر الأنبياء أولادُ علات، دينُنا واحد)).

وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي: مَضَتْ. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ} أي: إنّ السّلف الماضين مِن آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابُكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعُه عليكم؛ فإنّ لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم، {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

ولهذا جاء في الأثَر: ((ومَن بَطَّأ به عمَلُه لمْ يُسرِعْ به نسَبُه)).

5. الآية (135): {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}:

الآثار:

أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: “قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنا يا محمّد تَهْتَدِ. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تَهْتَدُواْ}”.

وعن ابن عباس في قوله: {حَنِيفاً}، قال: “حاجًّا”.

وعن السدي، قال: “ما كان في القرآن {حَنِيفاً} مُسلمًا، وما كان في القرآن {حَنِيفاً} مسلمِين حُجاجًا”.

وكذا روي عن الحسن، والضحاك، وعطية.

وعن محمد بن كعب قال: “الحنيف: المستقيم”.

وعن عيسى بن جارية مثله.

وعن مجاهد في قوله: {حَنِيفاً}، قال: “متّبعًا”.

وكذا قال الربيع بن أنس.

وعن خصيف قال: “الحنيف: المخلص”.

و عن أبي قلابة، قال: “الحنيف: الذي يؤمن بالرُّسل كلّهم مِن أوّلهم إلى آخِرهم”.

وقال أبو العالية: “الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أنّ حجّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا”.

وقال قتادة: “الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمّهات، والبنات، والخالات والعمّات، وما حرّم الله عز وجل، والختان”.

وأخرج أحمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُعثتُ بالحنيفيّة السّمْحة)).

وأخرج أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: ((قيل: يا رسول الله، أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: الحنيفيّة السّمْحة)).

وأخرج ابن أبي حاتم، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمنوا بالتوراة والزّبور والإنجيل، ولْيَسعْكم القرآن)).

أقوال المفسِّرين:

{وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تَهْتَدُواْ}: الضمير الغائب لأهل الكتاب، والجملة عطْف على ما قبْلها؛ عطف القصة على القصة. والمراد منها: ردّ دعوتهم إلى دِينهم الباطل إثْر ردّ ادّعائهم اليهودية على يعقوب عليه السلام و{أَوْ} لتنويع المقال لا للتّخيير، بدليل أنّ كل واحد من الفريقيْن يكفِّر الآخَر، أي: قال اليهود للمؤمنين: “كونوا هودًا”، وقالت النصارى لهم: “كونوا نصارى”.

قوله: {قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} أي: لا نريد ما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية. أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصّلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدّمين مُجملًا. ونصّ على أعيان من الرُّسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأنهم لا يفرقون بين أحد منهم، بل يؤمنون بهم كلّهم، ولا يكونون كمن قال الله فيهم: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً} [النساء: 150، 151].

والمقصود: التعريض بأهل الكتاب والعرب الذين يدّعون اتّباعه ويَدينون بشرائع مخصوصة به مِن حج البيت والختان وغيرهما… فإنّ في كلّ طائفة منهم شركاء؛ فاليهود قالوا: “عزير بن الله”، والنصارى: “المسيح بن الله”، والعرب عبدوا الأصنام وقالوا: “الملائكة بنات الله”.

error: النص محمي !!