Top
Image Alt

قصة خلق آدم وحواء

  /  قصة خلق آدم وحواء

قصة خلق آدم وحواء

أولًا: خلق آدم عليه السلام وإعلام الملائكة بأن الله مستخلفه في الأرض:

الآثار: عن أبي مالك قال: “ما كان في القرآن “إِذْ”، فقد كان”.

وعن الحسن، وقتادة، قالوا: “قال الله للملائكة: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}، قال لهم: إني فاعل”.

وقال السدي: “استشار الملائكة في خلْق آدم”، ورُوي عن قتادة نحوه.

قال ابن كثير: “وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة أحسن، والله أعلم”.

وعن ابن عباس، قال: “إن الله أخرج آدم من الجنّة قبل أن يخلقه، ثم قرأ: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}.
وعن ابن عباس، قال: “أول من سكَن الأرض: الجنّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور، وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}”.

وعن عبد الله بن عمرو، قال: “كان الجنّ بني الجانّ في الأرض قبل أن يُخلق آدم بألفيْ سنة، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فبعث الله جندًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ}؟ {قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}”.

وعن ابن عباس، قال: “إيّاكم والرأي! فإن الله تعالى ردّ الرأي على الملائكة، وذلك أن الله قال: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}، قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}؟ {قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}”.

قوله: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ}، أخرج ابن أبي الدنيا، في كتاب (التوبة)، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ أول مَن لبّى: الملائكة، قال الله: {إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ}، قال: فزادوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ستّ سنين يقولون: لبيك! لبيك! اعتذارًا إليك! لبيك! لبيك! نستغفرك ونتوب إليك”.

وعن ابن عباس، قال: “التقديس: التطهير”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَنُقَدّسُ لَكَ}، قال: “نعظِّمك ونُكبِّرك”.

وعن قتادة، قال: “التسبيح: (التسبيح)، والتقديس: الصلاة”.

عن قتادة، قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}، فاستشار الملائكة في خلْق آدم، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ}؟ وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره إلى الله مِن سفْك الدماء، والفساد في الأرض، و {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، قال قتادة: “فكان في علْم الله أنه سيكون مِن تلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة”.

وعن قتادة: {إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، قال: “كان في علْم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة”.

وعن علي، قال: “إن آدم خُلق من أديم الأرض، فيه: الطّيِّب، والصالح، والرديء؛ فكل ذلك أنت راءٍ في ولده”.

وعن سعيد بن جبير، قال: “خلق الله آدم من أرض يقال لها: دحناء”.

وأخرج ابن حبان، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لمّا نَفخ الله في آدم الروح، فبلغ الروح رأسَه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين. فقال له -تبارك وتعالى: يرحمك الله)).

وأخرج مسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير يوم طلعت عليه الشمس: يوم الجمعة، فيه خَلَق الله آدم، وفيه أُدخل الجنّة، وفيه أُهبط منها، وفيه مات، وفيه تِيب عليه، وفيه تقوم الساعة)).

قوله تعالى: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا} الآيات.

أخرج الديلمي عن أبي رافع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مُثِّلتْ لي أمّتي في الماء والطين، وعُلِّمتُ الأسماء كما علِّم آدم الأسماء كلّها)).

وأخرج وكيع في (تاريخه)، وابن عساكر، عن عطية بن بسر، مرفوعًا، في قوله: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا}، قال: ((علّم الله في تلك الأسماء ألْف حِرفة من الحِرف، وقال له: قل لولدك وذرِّيّتك يا آدم: إن لم تصبروا عن الدنيا، فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدِّين! فإنّ الدِّين لي وحدي خالصًا، ويْل لِمن طلَب الدنيا بالدِّين! ويْل له!)).

وعن ابن عباس، في قوله: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا}، قال: “علّم الله آدم الأسماء كلّها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، دابة، وأرض، وبحر، وسهل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم، وغيرها.

{ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} يعني: عرض أسماء جميع الأشياء التي علّمها آدم مِن أصناف الخلْق، و{فَقَالَ أَنْبِئُونِي} يقول: أخبروني، {بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة، و{قَالُواْ سُبْحَانَكَ}: تنزيهًا لله من أن يكون يعلم الغيب أحدٌ غيرُه، “تُبنا إليك، لا علْم لنا”، تبرِّيًا منهم من علْم الغيب، “إلاّ ما علّمتَنا كما علّمت آدم”.

وعن قتادة، قال: “ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة، {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}”.

وعن الحسن، وقتادة، في قوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: “أني لم أخلق خلْقا إلا كنتم أعلم منه؛ فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين!”.

وعن ابن عباس، في قوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: “إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة”.

{قَالُواْ سُبْحَانَكَ}: وعن قتادة، والحسن: “لمّا أخذ الله في خلْق آدم، همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: “لن يخلُق الله خلقًا إلا كنّا أعلم منه، وأكرم عليه منه”، فلما خلقَه أمرَهم أن يسجدوا له لِما قالوا؛ ففضّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلم منه لأنّا كنّا قبْله. {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا} فعلم اسم كلّ شيء، جعَل يُسمِّي كلّ شيء باسمه، وعُرضوا عليه أمّة أمّة، {ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، ففزعوا إلى التوبة فقالوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ}”.

وعن ابن عباس، في قوله: {إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، قال: “العليم الذي قد كمُل في علْمه، الحكيم الذي قد كمُل في حُكمه”.

{أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}: قال زيد بن أسلم: “أنت جبريل، أنت ميكائل، أنت إسرافيل، حتى عدّد الأسماء كلّها، حتى بلغ الغراب”.

وقال مجاهد، في قول الله: {يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}، قال: “اسم الحمامة، والغراب، واسم كلّ شيء”.

عن ابن عباس {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: “أعلمُ السِّرّ كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه مِن الكِبْر والاغترار”.

وعن ابن عباس، قال: “إن الله لمّا أخذ في خلْق آدم، قالت الملائكة: “ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منّا”؛ فابتُلوا بخلْق آدم”.

أقوال المفسِّرين:

يُخبر تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذِكْرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ}، أي: واذكرْ -يا محمد- إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك.

{إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}، أي: قومًا يخلُف بعضهم بعضًا، قرْنًا بعد قرْن، وجيلًا بعد جيل، كما قال تعالى: {وَهُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرْضِ} [الأنعام:165]، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ الأرْضِ} [النمل:62].

وليس المراد ها هنا بالخليفة: آدم عليه السلام فقط، كما يقوله طائفة من المفسِّرين، وعزاه القرطبي، إلى ابن مسعود، وابن عباس، وجميع أهل التأويل؛ وفي ذلك نظر؛ بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه الفخر الرازي في تفسيره، وغيره.

والظاهر، أنه لم يُرد آدم عيْنًا، إذ لو كان ذلك، لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ}، فإنهم إنما أرادوا أنّ مِن هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلْم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية؛ فإن الله أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمأ مسنون، أو فهموا من الخليفة، أنه: الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم؛ قاله القرطبي.

وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهّمه بعض المفسِّرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء:27]، أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه. وها هنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدّمَآءَ}، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربّنا ما الحكمة في خلْق هؤلاء مع أنّ منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟! فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك، أي: نصلّي لك، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلّا وقع الاقتصار علينا؟

قال الله تعالى -مجيبًا لهم عن هذا السؤال-: {إِنّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلْق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، والعبّاد، والزّهّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرَّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون والمحبّون له -تبارك وتعالى- المُتَّبعون رسلَه -صلوات الله وسلامه عليهم.

ثانيًا: أمر الله الملائكة بأن يسجدوا لآدم، واستكبار إبليس عن السجود:

الآثار: عن ابن عباس، قال: “قال الله تعالى للملائكة -الذين كانوا مع إبليس خاصة، دون الملائكة الذين في السموات-: {اسْجُدُواْ لاَدَمَ}، فسجدوا {كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحِجر:30]، {إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ أَن يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ} [الحِجر:31] لما كان حدّث نفسَه من الكبر والاغترار؛ فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلْقًا، خلقتَني من نار، وخلقتَه من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أنْ يسجد، أبلسه الله -آيسه من الخير كلّه- وجعله شيطانًا رجيمًا، عقوبة لمعصيته. ثم “عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا”.

ذكَر هذا الأثرَ ابنُ كثير مطوّلًا. ثم قال: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها؛ وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُروى به تفسير مشهور.

عن ابن عباس، في قوله: {اسْجُدُواْ لاَدَمَ }، قال: “كانت السجدة لآدم، والطاعة لله”.

وعن ابن عباس، قال: “أمَرهم أن يَسجدوا، فسجدوا له، كرامةً من الله أكرم بها آدم”.

وقال السدي: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}: “الذين لم يخلُقْهم الله يومئذ، يكونون بعد”.

وعن ابن عباس، في قوله: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}، قال: “جعله الله كافرًا لا يستطيع أن يؤمن”.

وعن ابن عمر، قال: “لقي إبليس موسى، فقال: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلّمك تكليمًا إذا تبت. وأنا أريد أن أتوب؛ فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي! قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه، فقيل: يا موسى، قُضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس، قال: قد أُمرتَ أن تسجد لقبر آدم، ويُتاب عليك، فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حيًّا، أسجد له ميتًا؟! ثم قال إبليس: يا موسى، إنّ لك علي حقًّا بما شفعتَ لي إلى ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن: اذكرني حين تغضب، فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف، فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف، فأذكِّره ولده وزوجته حتى يُولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم! فإني رسولها إليك، ورسولك إليها”.

أقوال المفسِّرين:

هذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، امتنّ بها على ذرِّيّته، حيث أخبر أنه تعالى أمَر الملائكة بالسجود لآدم. وقد دل على ذلك أيضًا أحاديث كثيرة، منها: حديث الشفاعة المتقدّم، وحديث موسى عليه السلام: ((رب أرني آدم الذي أخرَجَنا ونفْسَه من الجنة. فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته…)) الحديث.

فقال بعض الناس: كان هذا سجود تحيّة وسلام وإكرام، كما قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّواْ لَهُ سُجّدَاً وَقَالَ يَأَبَتِ هَـَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً} [يوسف:100].

وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نُسخ في ملّتنا، قال معاذ: ((قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يُسجد لك؛ فقال: لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشَر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظيم حقِّه عليها))، ورجّحه الرازي.

قال ابن كثير: “وقد ثبت في الصحيح: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ حبّة خردل من كِبْر))، وقد كان في قلب إبليس من الكِبْر والكفر والعناد، ما اقتضى طرده، وإبعاده عن جناب الرحمة، وحظيرة القدس”.

قال: “والغرض: أنّ الله تعالى لمّا أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه وإن لم يكن من عنصرهم، إلا أنه كان قد تشبّه بهم وتوسم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر”.

قال ابن كثير: “وقد حكى الرازي وغيره، قوليْن للعلماء: هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام في ملائكة السموات والأرض؟ وقد رجّح كلًا من الفريقين طائفة، وظاهر الآية الكريمة، العموم: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاّ إِبْلِيسَ} [الحِجر:30، 31]؛ فهذه أربعة أوجه مقوّية للعموم، والله أعلم”.

ثالثًا: آدم يسكن الجنة، ويأكل من الشجرة، فيأمره الله بالهبوط إلى الأرض، بعد توبته عليه:

1. آدم يسكن الجنة، ويأكل من الشجرة:

الآثار: قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ}.

أخرج البخاري، في (تاريخه)، والبيهقي، في (الشُّعب)، عن أبي ذر، قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أوّل؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله ونبيّ كان؟ قال: نعم نبيٌّ مكلَّم، قلت: كم كان المرسلون يا رسول الله؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا)).

وعن مجاهد، قال: “نام آدم فخُلقت حواء من قصيراه، فاستيقظ، فرآها، فقال: مَن أنت؟ فقالت: أنا أسا -يعني: امرأة بالسريانية-“.

وأخرج البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استوصُوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خُلقت مِن ضلع، وإن أعوج شيء من الضلع: رأسه، وإن ذهبت تقيمه كسرتَه، وإن تركتَه تركتَه وفيه عوَج؛ فاستوصوا بالنساء خيرًا)).

وعن ابن عباس، قال: “إنما سُمِّيت: “حواء”؛ لأنها أمّ كلِّ حيّ”.

أمّا قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}.

عن ابن مسعود، قال: “الرّغد: الهني”.

وقال ابن عباس: “الرغد: سعة العيشة”.

وعن مجاهد، في قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}، قال: “لا حساب عليكم”.

وعن ابن عباس: “الشجرة التي نُهي عنها آدم عليه السلام هي: الكرْم”.

وقال السدي، بأسانيده: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ}، “هي: الكرم، وتزعم يهود، أنها: الحنطة”.

وعن أبي مالك الغفاري، في قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ}، قال: “هي السنبلة”.

وعن مجاهد {وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ} قال: “تينَة”.

وبه قال قتادة، وابن جريج.

وعن قتادة، في قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ}، قال: “ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبْله، وكلّ شيء خُلق مبتلًى، ولم يدَع الله شيئًا مِن خلْقه إلا ابتلاه بالطاعة؛ فما زال البلاء بآدم حتى وقع فيما نُهي عنه”.

عن ابن عباس، في قوله: {فَأَزَلّهُمَا}، قال: “فأغواهما”.

وعن الأعمش، قال: “في قراءتنا في “البقرة”، مكان {فَأَزَلّهُمَا}: فوسوس”.

قوله تعالى: {فَأَزَلّهُمَا الشّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمّا كَانَا فِيهِ}.

روى السدي، بأسانيده، قال: “لمّا قال الله لآدم: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ}، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فأتى الحيّة، -هي: دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب- فكلّمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرّت الحيّة على الْخَزَنة فدخلت ولا يعلمون، لما أراد الله من الأمر، فكلّمه من فمها، فلم يبال بكلامه، فخرج إليه، فقال: {يَآدَمُ هَلْ أَدُلّكَ عَلَىَ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاّ يَبْلَىَ} [طه:120]، وحلف لهما بالله: {إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ} [الأعراف:21]، فأبى آدم أن يأكل منها، فقعدت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم، كُلْ، فإني قد أكلتُ فلم يضرّ بي. فلما أكَل {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنّةِ} [الأعراف:22]”.

أما قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ}.

عن ابن عباس، في قوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ}، قال: “آدم، وحواء، وإبليس، والحيّة”.

{وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ}، قال: “القبور”، {وَمَتَاعٌ إِلَىَ حِينٍ}، قال: “الحياة”.

وعن ابن مسعود، في قوله: {وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ}: “فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض”.

قال: {وَمَتَاعٌ إِلَىَ حِينٍ}، “حتى يصير إلى الجنة، أو إلى النار”.

وفي نزول آدم، وصورته، وبكائه، وما حصل له بعد نزوله، روايات كثيرة؛ أكثرها ضعيف، أو من الإسرائيليات.

أقوال المفسِّرين:          

يقول الله تعالى، إخبارًا عمّا أكرم به آدم، بعد أن أمَر الملائكة بالسجود له: {فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ}: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيِّبًا.

وسياق الآية يقتضي: أنّ حواء خُلقت قبل دخول آدم إلى الجنة؛ وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق، حيث قال: “لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: {يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} إلى قوله: {إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. قال: ثم أُلقيت السِّنة على آدم -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقِّه الأيسر، ولأَمَ مكانه لحمًا -وآدم نائم لم يهبّ من نومه- حتى خلَق الله مِن ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها. فلما كشف عنه السِّنة وهبّ من نومه، رآها إلى جنبه فقال -فيما يزعمون، والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له قِبلا: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظّالِمِينَ}”.

وأمّا قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـَذِهِ الشّجَرَةَ}، فهو اختبار من الله تعالى، وامتحان لآدم. وقد اختُلف في هذه الشجرة ما هي؟ على أقوال ستة، وقد تزيد.

وقوله تعالى: {فَأَزَلّهُمَا الشّيْطَانُ عَنْهَا} يصحّ أن يكون الضمير في قوله: {عَنْهَا} عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام -كما قال عاصم بن بهدلة، وهو: ابن أبي النجود-: {فَأَزَلّهُمَا} “أي: فنحّاهما”. ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين وهو: الشجرة؛ فيكون معنى الكلام -كما قال الحسن وقتادة-: {فَأَزَلّهُمَا الشّيْطَانُ} “أي:من قِبل الزلل”؛ فعلى هذا يكون تقدير الكلام: {فَأَزَلّهُمَا الشّيْطَانُ عَنْهَا}، أي: بسببها. كما قال: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}، أي: يُصرف بسببه من هو مأفوك. ولهذا قال تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمّا كَانَا فِيهِ}، أي: من اللباس، والمنزل الرحب، والرزق الهنيء، والراحة.

فإن قيل: كيف توصّل إبليس إلى إزلالهما، ووسوسته لهما بعدما قيل له: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيمٌ}؟

قلت: يجوز أن يُمنع دخولها على جهة التقريب، والتّكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة، ابتلاء لآدم وحواء.

وقيل: كان يدنو من السماء فيكلّمهما.

{وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ وَمَتَاعٌ} أي: قرار، وأرزاق، وآجال، و{إِلَىَ حِينٍ} أي: إلى وقت مؤقّت، ومقدار معيّن، ثم تقوم القيامة.

قلت: ليس في الآية ذكْر للحيّة حتى تكون مرادة، في قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ}؛ فالضمير راجع لمن ذُكر قبْل، وهم: آدم، وزوجه، وإبليس.

وأمّا الحيّة، فليست بالعدوّ الأوحد من الدواب لابن آدم؛ بل هناك ما هو أخطر منها، مع العلم بأن هناك حيّات يحصل التعايش معها من بعض بني آدم، وبعضها غير سامّ لا يضر.

قال ابن كثير: “وقد أورد القرطبي، ها هنا أحاديث في الحيّات وقتلهنّ، وبيان حُكم ذلك، فأجاد وأفاد”.

2- أمر الله آدم بالهبوط إلى الأرض بعد توبته عليه:

أقوال المفسِّرين:

{فَتَلَقّىَ آدَمُ مِن رّبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ}.

قيل: إنّ هذه الكلمات مفسَّرة بقوله تعالى: {قَالاَ رَبّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

وقوله تعالى: {إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ}، أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب، كقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة:104]، وقوله: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنّهُ يَتُوبُ إِلَى اللّهِ مَتاباً} [الفرقان:71]، وغير ذلك من الآيات الدّالّة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على مَن يتوب؛ وهذا مِن لطْفه بخلْقه، ورحمته بعبيده.

{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم مّنّي هُدًى}.

يقول تعالى، مُخبِرًا عمّا أنذر به آدم، وزوجتَه، وإبليس، حين أهبطهم من الجنة -والمراد: الذّرِّيّة-: أنه سيُنزل الكتب، ويبعث الأنبياء، والرسل.

{فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل، و{فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، أي: فيما يستقبلون مِن أمْر الآخرة، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَىَ} [طه:123]، قال ابن عباس: “فلا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة”. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} [طه:124]، كما قال ها هنا: {وَالّذِينَ كَفَرواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، أي: مُخلَّدون فيها، لا محيد لهم عنها ولا محيص.

error: النص محمي !!