Top
Image Alt

قصة صاحب الجنتين

  /  قصة صاحب الجنتين

قصة صاحب الجنتين

من هو صاحب الجنتين؟ ومن هو صاحبه؟ وأين كان ذلك؟ وماذا حدث؟

صاحب الجنتين رجلٌ كان في بني إسرائيل اسمه “باراطوس” وكان كافرًا, وله أخ مؤمن اسمه “يهوذا”، وقيل: إن الأخوين هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين} [الصافات: 51] الآيات، ويقال بأن الأخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما النصف، فاشترى الكافر أرضًا وبنى دارًا وتزوج، وكان له خدم ونخيل وأعناب، أما المؤمن فتصدق بماله وأصابته فاقة، فجاء إلى أخيه يطلب منه أن يساعده، فطرده ووبّخه, ودار بينهما الحوار الذي ذكرته الآيات.

وقيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم؛ الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل وكان كافرًا، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الأسود وكان مؤمنًا.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل، أنفق أحدهما ماله في سبيل الله، وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله.

أما مكان ما حدث, فقد ذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه (في عجائب البلاد)؛ أن بحيرة “تنيس” كانت موضع هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه إلى الآخر، وأنفقه في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة؛ قال: “فأغرقها الله في ليلة، وإياهما عنى الله بهذه الآيات”.

ولا يعني هذا أن القرآن يحث على أن يتصدق المسلم بكل ماله، ويبقى فقيرًا يمد يده للناس، بل ويترك ورثته فقراء يستجدون الصدقة من الآخرين، ولا يفهم من ذلك أن الإسلام ينفر من الحصول على الأموال وتنميتها، ويريد من أتباعه الخروج من الدنيا لا مال لهم ولا زوجة ولا أبناء، فإن هذا معناه خراب الدنيا وهدم حضارتها، والقضاء على رونقها وبهجتها، وما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ضد ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص حين أراد -وهو على فراش مرضه- أن يتصدق بماله، فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وما زال به حتى وافقه على الثلث، ومع ذلك قال له: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)).

ولو لم يكن للمؤمن مال, فكيف يطالَب بزكاة وصدقات؟ وكيف يجهز جند الله؟ ومن الذي يبني ويعمر؟ ومن الذي تكون له الأرض, يخرج منها ما يقيت الناس وينفعهم؟ ومن الذي يبني المصانع والمتاجر والبيوت ويعمر الأرض؟ إنما يريد ربنا أن يعمرها, من يعمرها باسمه ومن أجله, وأن يؤدي فيها حق الله، وألا يستطيل بما ملك على عباد الله، وألا يدعوه ماله إلى التخلق بالأخلاق الذميمة؛ كالكبر والبطر والبخل والشح، وما إلى ذلك من أخلاق فاسدة، فإن امتلك الدنيا فأدى فيها حق مولاه، فهو جدير بها، ونعم المال الصالح للرجل الصالح.

والقصة التي معنا تعبر عن هذه الحقيقة، وتبين ما أدى إليه المال في حياة واحد من الناس، مِن الكفر بالله والتعالي على خلق الله، وقياس الأمور بمقياس غير صحيح، وهذا مَثَلٌ ضربه الله لكفار قريش الذين أَنِفوا أن يجلسوا مع فقراء المسلمين وضعفائهم، واشترطوا للدخول في الإسلام أن يطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه هؤلاء الضعفاء؛ ليجلسوا معه وليستمعوا إلى قوله، وكأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مال إلى ذلك؛ وربما رأى أن يذكر لهؤلاء الفقراء أن مصلحة الدعوة في ذلك، وأن يطلب منهم أن يتنحوا عن المجلس ليخلوا للسادة من قريش، فإن دخلوا في الإسلام كانوا قوة له وسندًا لدعوته، وحينذاك سوف يعرفون ويؤمنون بمبادئ الإسلام، ومنها أنه دين المساواة، فيعود هؤلاء الضعاف ليجلسوا مع هؤلاء السادة الأغنياء في مجلس، يضمهم فيه أخوة الإيمان والإسلام، ولكن الله ثبت رسوله وقال له: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] الآية، وقال له: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] الآية.

فكان حال هؤلاء الكفار من مشركي قريش شبيهًا بحال صاحب الجنتين، وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين شبيهًا بحال الرجل المؤمن، الذي اجتهد في نصيحة هذا الرجل الكافر، وكان هذا المؤمن معتزًّا بدينه، ويرى أن ما معه من الإيمان لا يعدله شيء من متاع الحياة الدنيا.

وهذه هي الكلمات التي تصور ما حاز الرجل الكافر من متاع، بعد أن يقول الله لرسوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} [الكهف: 32], فتشوفت النفس لمعرفة ما كان من أمر الرجلين، فبدأ بأولهما فبين ما منحه الله من خيرات فقال: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 32- 34], فتأملوا معي في رسم كلمات القرآن لهاتين الجنتين:

فالله سبحانه وتعالى قال: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} [الكهف: 32], حيث أسند الجعل إلى قدرته القادرة، وبين بذلك أن هذا رزق منه سبحانه وتعالى؛ ليكون من البداية هذا سببًا في أنه يستحق أن يشكر لا أن يكفر، وذكر أنه لم يعطه -لم يعطِ هذا الرجل- جنة واحدة، إنما أعطاه جنتين، أي: حديقتين من أعناب.

وسمى الحديقة جنة؛ ليدلنا على أن هذه الحديقة، أو كل حديقة من الحديقتين، فيها من الأشجار والنخيل ما يستر من يكون بداخلها، مما يدل على أنها جنة عظيمة، وبين هذا أيضًا في قوله: {مِنْ أَعْنَابٍ} فهي جنة فيها هذا الثمر العظيم وهو العنب، وذكر أن الجنتين على حوافهما نخيل: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32]، وجعل بين الجنتين زرعًا، فبين بذلك أنهما أرض متصلة لا يوجد بينهما فراغ غير مزروع، وفي قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32] في تنكير قوله: {زَرْعًا} ما يدلك على تنوع هذا الزرع، وأنه كان زرعًا كثيرًا، بخلاف ما هنالك من أعناب ونخيل.

ثم قال جل من قائل: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33], فبين بذلك أن كل جنة من الجنتين قد أعطت غاية ما يمكن أن يكون من ثمر في مثل هذه الحدائق الغناء، وفي قوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] معناه: أنها أعطت ثمارها كاملة غير منقوصة، ولعلنا نشاهد أن كثيرًا من الحدائق يعتريها ما يعتريها من ظروف مناخية أو ما إلى ذلك، فلا تعطي الثمرة الكاملة، لكنّ هاتين الجنتين كل جنة منهما آتت أكلها، ولم تظلم منه شيئًا.

ومما يزيدهما بهجة ورواء أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33], ففجر الله سبحانه وتعالى خلال الجنتين -أي: بين الجنتين- نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين الجنتين تؤتيان أكلهما كاملتين، وكان لهذا الرجل أيضًا بالإضافة إلى ذلك ثمر، قال المفسرون بأن الثمر هو المال والمتاع، أي: كان له ثمر كثير ومال وفير، يضاف إلى ما هناك من هاتين الجنتين.

إلى هنا رأينا عظمة هاتين الجنتين وما فيهما من رزق الله الوفير، ولعلنا مرة أخرى نشير إلى نون المعظم لنفسه في قوله: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا} [الكهف: 32], و{وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف: 32], و{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32], و{وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33]؛ مما يدلك على أن هذا من الله سبحانه وتعالى، وهو مظهر لقدرته وعظمته.

أما المشهد الثاني, فتراه في هذا الحوار الذي أشار له القرآن في مطلع ما كان بين الرجلين: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34], ثم ما كان من قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف: 35، 36] إلى آخر ما قال.

ولعلنا نلمح من قوله: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34], أن صاحبه كان معه منذ البداية قبل أن يدخل إلى جنته، وأنه حين طلب منه المساعدة قال: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، فافتخر واعتز بما أعطاه الله من مال، وما أعطاه من أبناء، وما أعطاه من قوة ومن أتباع.

ويبدو من القصة ومن سياق الآيات أن صاحبه لم يتركه ليقول هذا القول، إنما سار معه حتى وصل إلى جنة من جنتيه، وأن هذا الرجل المتغطرس دخل جنته وهو ظالم لنفسه حين تنكر لفضل الله عليه، وتنكر لأخيه وقطع رحمه، وقال له متعجرفًا مفتخرًا: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، لكن هذا الرجل حين دخل بستانه أو بستانًا من بستانيه، نظر يمينًا ويسارًا قائلًا: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} [الكهف: 35].

فظن لجهله أن هذه الحديقة الأنيقة الرائعة, الممتدة على مد البصر، وفيها النهر يجري والمياه العذبة والأشجار الباسقة والثمار اليانعة -لا تبيد أبدًا، وما علم أن الأيام دول، وأن الأمر أولًا وآخرًا بيد الله عز وجل، ثم جاهر بكفره فقال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف: 36] فأنكر قيام الساعة، ثم قال مرة أخرى: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف: 36], وكأنه ظن أن من أعطاه الله مالًا في الدنيا ومتاعًا وأولادًا وخدمًا وحشمًا ومكانة عالية، سوف يكون هكذا في الآخرة، وهو ظن خاطئ وفهم رديء، وما هكذا يكون الإنسان الواعي والإنسان المؤمن؛ فإن الإنسان إنما ينال الخير كل الخير بإيمانه بالله رب العالمين، وبما يقتضيه هذا الإيمان من عمل صالح، أما ما يمتلكه الإنسان في هذه الدنيا، فإنما هو عند العاقل وسيلة يتقرب بها إلى الله، ويؤدي فيها حق الله.

استمع صاحبه إلى هذا الإنكار للساعة، وإلى هذا الفهم السيئ للأمور، فقال له وهو يحاوره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 37، 38], إلى آخر ما ذكر هذا الرجل الصالح.

وعلينا أن نتوقف عند هذا الحوار؛ حيث نلحظ أن الله سبحانه وتعالى سمى هذا الرجل صاحبًا، ومعنى ذلك: أنه ملازم له يريد إصلاحه والأخذ بيده، وهذا شأن الدعاة الناصحين؛ ألا يتخلوا عن العصاة والمذنبين والمنحرفين، فعليهم أن يكونوا معهم وبجانبهم، يأخذون بأيديهم إلى طريق الصواب.

ثم هذه المحاورة التي أشار إليها القرآن في قوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُه} [الكهف: 34], يبدو أنها كانت بين الرجلين محاورة القصد منها الوصول إلى الحقيقة، وإن كان الرجل الكافر ما زال معتزًّا بماله ونفره وحشمه وخدمه، لكن الرجل المؤمن وهو يحاور هذا الكافر يقول له متسائلًا: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37]؟

فأشار بقوله: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ}؟ إلى ما كان من أمر آدم عليه السلام ونحن قد ذكرنا أن الرجلين كانا من بني إسرائيل، وهما يعلمان أن الله خلق آدم من تراب، فلم يكن آدم موجودًا فالذي أوجده هو الله، وأوجده لغاية نبيلة عظيمة، هي أن يكون خليفة في هذه الأرض، وليكون أبناؤه من بعده خلفاء، يحكمون بشرع الله وهدي الله، ويعبدون الله سبحانه وتعالى، كما قال -عز من قائل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} [الذاريات: 56-58].

فرد هذا الرجل إلى حقيقته الأولى وأنه خُلق من تراب، ثم ذكّره بحقيقته هو في خلقه في بطن أمه، إذ لم يكن موجودًا قبل أن يخرج لهذه الحياة، خلقه الله عز وجل من نطفة، فتدرج في مراحل الخلق إلى أن صار رجلًا، بمعنى أن النطفة انتقلت إلى أن تكون علقة، ثم كانت مضغة، ثم ما كان بعد ذلك من مراحل، إلى أن تمت الولادة، وكان هذا الصبي إلى أن وصل إلى مرحلة الرجولة، فاختصر الرجل كل هذه المراحل وذكره بالبداية وهي النطفة، والنطفة دليل على بداية الإنسان من شيء تافه حقير بسيط، قد يتقزز منه الإنسان، ومع ذلك نماه الله ووصل به إلى هذه المرحلة.

فوُلد هذا الإنسان, فتدرج في مراحل الخلق إلى أن وصل إلى هذه المرحلة، وهو أنه أصبح رجلًا ينكر أن الله سبحانه وتعالى قد خلقه، أو ينكر البعث بعد الموت، ويعتقد أنه لو رجع إلى ربه -ولو كان القول بأن الساعة حق- فهناك لا بد أن يجد الخير الكثير؛ لأنه يعيش في خير كثير في الدنيا، ففهم أنه سيعيش في هذا الخير هناك في الآخرة، وما أعظمها من موعظة بليغة في هذا الموقف!

ثم يعلن لصاحبه عقيدته, فيقول: {لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38], فيعلن أنه عبد موحد لله رب العالمين، موحد لربه في ربوبيته وألوهيته، وأنه لا يشرك بربه أحدًا، ثم يتوجه بالنصيحة لصاحبه، وما زال به يحاول أن يرده إلى الطريق الصحيح، فيقول: {وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} [الكهف: 39], فإنه لو فعل ذلك لحفظ الله عليه ماله، ولأبقى له هذا المال، ولزاده بركات من بركاته، لكنه لم يفعل؛ ثم بين له حقيقة المقاييس التي يجب أن يفهمها هذا الرجل، فيقول: {إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ} [الكهف: 39، 40].

نعم؛ إن كان في الدنيا لم ينل مالًا ولا ولدًا، بالقدر الذي يكون عليه هذا الإنسان الغني المتغطرس، فليفهم أن الله هو الرزاق، وأنه -جل وعلا- ربما يمنّ عليه بخير من جنته هذه، يعطيه هذا في الدنيا، أو يعطيه هذا في الآخرة، أما جنته فإن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، فتصبح صعيدًا زلقًا، وانظروا إلى تعبير القرآن: {حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء} [الكهف: 40].

{حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء} أي: أمطارًا غزيرة مدمرة من السماء، يترتب عليها أن هذه الحديقة، وهذه الجنة المثمرة العامرة, المليئة بالأشجار العالية التي تستر الأنظار، تصبح في لحظات أرضًا خالية, لا نبات فيها ولا ثمر ولا شجر، إنما هي زَلَق، لا تستطيع أن تسير فيها لكثرة الماء في أرضها.

أو هناك أمر آخر, وهو أن يصبح ماء هاتين الجنتين غائرًا، فلن يستطيع له طلبًا، فهذا النهر الذي يسقي هذه الزروع وهذه الثمار، الله سبحانه وتعالى هو الذي أجراه، وهو القادر أيضًا أن يجعل ماء هذا النهر يغور وينقص بل ويجفّ، وحينذاك لا يستطيع هذا الرجل -مهما بذل- أن يستخرج هذا الماء مرة أخرى، وعليه سوف يكون مصير الجنتين إلى الذبول ثم إلى النهاية.

ولم يمضِ وقت طويل حتى تحقق ما ذكره هذا الرجل الصالح، فإذا بثمر هذا الإنسان الكافر وجنتيه تنزل عليهما المياه الغزيرة، فتدمر هاتين الحديقتين.

نظر هذا الرجل نظرة الآسف الحزين: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42], لقد انتهت قصة هاتين الجنتين، وكل جنة منهما خاوية على عروشها، والرجل واقف يندم على ما كان منه، ويقول: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42]. ولعلنا نرى أنه لم تكن له فئة ولا جماعة ولا أحد ينصرونه من دون الله، وما كان هذا الرجل لينتصر بنفسه؛ لأن الله هو القوي القادر.

وتختم القصة بقوله: {هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 44], فالثواب الحقيقي من عند الله، والعاقبة الحميدة من عند الله، ثم يأتي قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 45، 46].

فيأتي هذا الختام ليبين حقيقة من حقائق هذا الدين، وهي أن الدنيا إلى زوال، وأنها ملك لله، وأن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، ولكن يجب على الإنسان الواعي أن يعلم أن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا؛ لأن الباقيات الصالحات سبب للنجاة في الآخرة، والنجاة في الآخرة مطلب لأهل الإيمان.

error: النص محمي !!