Top
Image Alt

قضية الحاكمية

  /  قضية الحاكمية

قضية الحاكمية

إن قضية الحاكمية من القضايا التي لها جذورها في تاريخ الفكر الإسلامي، منذ عهد الخوارج، ولعلها أول قضية فكرية شغلت المسلمين، وكان لها آثارها العسكرية والسياسية لعدة أجيال، حيث أطلت علينا هذه البدعة برأسها لأول مرة، حيث تولى كبرها صبية أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، انشقوا على الإمام علي رضي الله عنه حين طلب أصحاب معاوية تحكيم كتاب الله، وفي أول الأمر كما علمت طلبوا منه الخضوع لهذا الأمر، فلما انعقد التحكيم تمردوا عليه مرة أخرى، وقالوا: كيف نُحكم الرجال في كتاب الله، لا حكم إلا لله، فرد الإمام علي رضي الله عنه عليهم بقوله: “كلمة حق أريد بها باطل”.

وهو العالم بكتاب الله، الذي يعرف جيدًا أنه لم يحد عنه بقبوله التحكيم، وإنما تحكيمه الرجال كان من كتاب الله عز وجل، فإن الله حكّم في أرنب يباع بربع درهم قوله تعالى في صيد الحرم: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} [المائدة: 95] وقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ} [النساء: 35] فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فهل حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل، أو في حكم أرنب ثمنه ربع درهم، وفي بضع امرأة.

وعلي رضي الله عنه لم يُحكم قط رجلًا في دين الله وحاشاه من ذلك، وإنما هو قد حكم كلام الله عز وجل، بعد أن اتفق الفريقان على الدعوة إلى حكم القرآن الكريم، وقد قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} [النساء: 59] كما قال تعالى: {وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء: 83].

ولما كان من المستحيل أن يتناظر الفريقان بكامل أفرادهما، فقد تم اختيار كل منهم عن الفريق الذي يمثله، مدليًا بحجج المعسكر الذي ينوب عنه، أبو موسى الأشعري عن أهل العراق، وعمرو بن العاص عن أهل الشام، فلم يخطئ علي رضي الله عنه إذًا في قبول التحكيم للرجوع إلى ما أوجبه القرآن، فجماعة الخوارج أول من ابتدع التكفير لمن خالفهم في الرأي، بزعم لا حكم إلا لله، أو أن من صرف الحكم لغير الله فقد كفر.

كما أن هذه القضية شغلت حيزًا كبيرًا في واقع الناس باسم الحاكمية، وهو تعبير عن معاني وأحكام تضمنتها آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ثم أسندت اللفظة إلى الله عز وجل باسم حاكمية الله، ثم تفرعت عنها أحكام، ومضمون هذه القضية من وجهة نظر الخوارج قديمًا وحديثًا: أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وجاهلية، كفر يناقض الإسلام وجاهلية تضاد الإسلام.

ولقد أجمع أصحاب هذا الفكر على رأي واحد، وهو أن حكام المسلمين قد كفروا بتركهم الحكم بما أنزل الله، وتنحيتهم الشريعة عن التطبيق، فاستحقوا أن يتصفوا بالصفات الثلاث الواردة في سورة المائدة: الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن المحكومين الذين لم يعملوا على تغيير هذا الحكم، وذلك بالانضمام إلى أصحاب الفكر الصحيح للإسلام -يريدون أنفسهم الخوارج وأذنابهم- فإنه يعد كافرًا لطاعته لهذا الحكم أن الله تعالى يقول: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65]. وكذلك من لم يعلن عن كفر الحاكم فهو كافر؛ لأنه من لم يكفر الكافر فهو كافر، كذا زعموا الخوارج قديمًا والتكفير حديثًا والإباضية ومن نحا نحوهم.

فنقول في الرد على ما ذهبوا إليه: إن الحكم إلا لله، عقيدة السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، ويقيننا الذي لا شك فيه أن الحكم لله وحده، وأنه سبحانه وتعالى وحده صاحب الأمر والنهي دون سواه، وهو جل وعلا دون غيره الذي جعل الحلال حلالًا والحرام حرامًا، فهذا يقين جازم لا شك فيه، ونؤمن إيمانًا كاملًا بأن شريعة الله هي الحق، وأن ما دونها باطل وظلم، فماذا بعد الحق إلا الضلال، ولا شك أن شريعة الله هي التي تلزم دون غيرها، وهي تلزم مقتضى أمره تعالى سواء ارتضاها حاكم أم لم يرتضها.

ونحن نؤمن إيمانًا كاملًا بأن شريعة الله هي الواجبة النفاذ، وأن واجب كل فرد مسلم العمل بمقتضاها وإنفاذها فعلًا، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، سواء أنفذها الحاكم أم عمل على تعطيلها. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً} [الأحزاب: 36] ومقتضى الإيمان بالله تعالى ومقتضى توحيده تعالى، ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، الاعتقاد الجازم بأنه تعالى دون غيره صاحب الأمر المطلق، الذي لا يحده حد يأمر بما شاء، ويقضي بما شاء ويحكم بما شاء وقت ما يشاء، لا لعلة تلزمه أن يقضي أو يأمر أو يحكم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولا يسأل لم قضى أو لم أمر أو لم حكم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

هذا ومن اعتقد أن كائنًا من كان في إمكانه أو من حقه بغير إذن من الله، أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، فقد جعل ذلك الكائن شريكًا لله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وحاكمية الله وشريعته التي نعتقد، لا مجال لمقارنتها بأي نظام سياسي وضعي، مما عرفته البشرية.

فالأسس التي تقوم عليها الخلافة؛ هي أن المشرع هو الله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه، وأن حق التشريع غير ممنوح لأحد، لا للخليفة ولا أهل مشورته ولا لحزب ولا لمجموع الأمة، أو من يمثلها كمجلس الشعب أو البرلمان، بل هو خالص حق الله تعالى، أما الاجتهاد لمعرفة حكم الله فيما يعرض من وقائع، وفيما يجد من نوازل وقضايا، فهذا ليس تشريعًا، بل هو البحث عن حكم الله في هذه الواقعة بالطريق الذي شرعه الله لذلك {وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهذا موكول بأهله من العلماء، وهم بذلك لا يشرعون للأمة، بل يستنبطون للأمة حكم الله في هذه الوقائع، ويجتهدون في ذلك، ملتزمين في اجتهادهم بالشرع وقواعده وحدوده وضوابطه وقيوده، لا يحيدون عن ذلك قيد أنملة.

ومقتضى الحكم ألا نقدم بين يدي الله ورسوله، لا بقول ولا بفعل ولا بأمر ولا بنهي ولا تشريع، ولا نرفع صوتنا فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من ذلك أبدًا، ونرد الأمر كله لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ونرد أي نزاع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّهِ} [الشورى: 10] {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ} [النساء: 59] الخليفة أو الحاكم أو الإمام ما هو إلا منفذ لأمر الله ورسوله، فمهمته حفظ الدين ونشره، وسياسة الدنيا بالدين، والإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين.

والشورى من سمات حكمه والعدل كذلك، مع العلم أيضًا، وسلامة الأعضاء والحواس وقوة الرأي، مع الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية الأمة، وجهاد العدو، وطاعة الحاكم واجبة وهي من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيجب طاعته في كل أوامره، ما لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية وجبت مخالفته وحرمت طاعته في هذا الأمر.

فإذا ظلم الخليفة أو فسق لم يجب الخروج عليه لخلعه، لكن إذا تتابع منه ذلك فيجوز إن كانت مفسدة خلعه أقل من المفسدة المترتبة على الإبقاء عليه، مع ما هو عليه من ظلم أو فسق، أما إذا طرأ على الخليفة والعياذ بالله كفر، بعد انعقاد بيعته فيجب عزله وخلعه بنصب إمام مسلم عادل، وإن أدى الأمر إلى نصب القتال لخلعه، أي: وذلك بعد إقامة الحجة عليه.

هذا وبالنسبة لقوله تعالى: {وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] والتي بعدها الظالمون والفاسقون، فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وابن طاوس وبعض السلف وأنهم قالوا: أنه كفر دون كفر، أو كفر لا ينقل عن الملة، أو أنه ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ونحو هذا، فإن هذا يتنزل على ما كان معروفًا أو سائدًا في حينه عند الصحابة رضي الله عنهم من أن مخالفة الشرع فيما لو حدثت، تكون في واقعة أو مسألة واحدة أو عدة مسائل، ويفعل ذلك وهو معتقد أنه فعل معصية، كترك واجب أو فعل محرم، ولا تتجاوز هذا الحد، وما كان يدور بخلد صحابي أن حاكمًا يمكن أن يخالف الشرع جملة وتفصيلًا، وأن يضع منهجًا متكاملًا حسب هواه، يخالف كله شريعة الله.

فكلام السلف هنا إذا حكم، أي: بغير ما أنزل الله، بسبب الهوى أو الرشوة أو لقرابة أو شفاعة أو ما أشبه ذلك، فلا شك أن ذلك كفر دون كفر، وليس هذا في تنحية شريعة الله جملة عن الحكم، ورميها بالرجعية والتخلف، فقول السلف: كفر دون كفر، ينطبق على الحاكم الملتزم بالإسلام وشرائعه، فهو إذا خالف النص أو حاد عنه، فهو الذي ينطبق عليه هذا الحكم، وليس الأمر ساريًا على من يحل القانون محل شرع الله.

وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد ذكر الأقوال في قضية الحكم: “والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله أخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين”.

وهذا الذي ذكره ابن القيم -رحمه الله- يعد فيصلًا في تلك الجزئية، ونعلم أن الحق الذي لا مراء فيه في هذه الآيات، أنها عامة في أهل الكتاب وغيرهم، شاملة لليهود والنصارى والمسلمين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما إذا دعم ذلك أدلة أخرى، كمجيء مَن التي أفادت العموم {وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}ومن. ورحم الله الحسن بن علي قال: “نزلت في أهل الكتاب وهي علينا واجبة”. وكما قال النخعي: “نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها”. كما نرجح قول ابن عباس أيضًا في المسألة: “من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق”. وقول عكرمة: “إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه”.

أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله، ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، كما صح القول بأن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وأن الكفر فيها هو الكفر المخرج عن الملة، ويضاف إليها صفة الظلم لحكمهم بخلافه، والفسق لخروجهم عنه، فيجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حاله، انضمت إلى الامتناع عن الحكم بها ملائمة لها، أو لطائفة، غير أن هذا الحكم يكون على سبيل العموم.

أما كفر المعين فإنه يحتاط له، حتى تقام الحجة على من أريد الحكم عليه بذلك، وما ذُكر في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، إنما هو على سبيل الترجيح، وليس على سبيل القطع، خلاف ما ذهبت إليه فرق الخوارج، من التكفير القطعي المخرج من الملة، سواء أكان على سبيل التعميم أم الخصوص، وما ذلك إلا لأنه اتفقت كلمة أئمة السلف، على أن المسلم لا يجوز أن يحكم بكفره، بمجرد حكمه بغير ما أنزل الله، دون إقامة الحجة وإظهار البينة.

وإذا كان السلف قد اختلفوا، فلا يجوز القطع فيها برأي واحد، إذا كانت الأدلة ظنية وليست قطعية، هكذا نرد على الخوارج نقول والله أعلم بالصواب.

وأما بالنسبة للمحكومين فكيف نكفرهم تبعًا للحاكم إذا كفر، حتى إنهم كفروا من زعم أن هذه الشعوب في البلاد الإسلامية، تؤمن بالله وتدين بالإسلام؛ لأنه شهد بالإيمان لأقوام هم كفار، أو لأنه لم يكفر الكافر، هذا ونحن نفرق بين الاعتقاد والعمل، فزعمهم أن من أطاع من لم يحكم بما أنزل الله واتبعه فقد كفر بذلك العمل، دون النظر إلى النية والاعتقاد، وهذا خلط وخطأ؛ لأن الاعتقاد فعل النفس منفردة لا شركة للجسد معها فيه، والعمل فعل النفس بتحريك الجسد فهي شيء آخر غير الاعتقاد.

وقد فرق الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) بين النية والعمل، وجعل النية وهي الاعتقاد غير العمل، والاتباع في اللغة هو الامتثال والطاعة، الطاعة في اللغة هي العمل بالأمر، الطاعة في الشرع العمل تنفيذًا للأمر مع النية والاعتقاد، وهذا صريح ما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

وطبقًا لنص هذا الحديث فإن الأعمال المأمورة بها والمنهي عنها في الشرع، إذا ما أتاها العبد، فإن المدار في حكمها يتوقف على نيته، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن قصد طاعة الله تعالى وتنفيذ حكمه، فإنه لا يكون أبدًا متبعًا ولا مطيعًا لمن نقل إليه ذلك الحكم، أو أمره به أو أفتاه به، ولا يغير من ذلك شيئًا أبدًا أن يكون الناقل أو الآمر أو المفتي قد أصاب حكم الله في الحقيقة، أو أخطأه، والذي قصد طاعة شخص ما، وتنفيذ أمره فيما يدين به، ولو خالف أمر الله فهو متبع له في المعنى الشرعي، ولا يغير من ذلك شيئًا أن يكون ذلك الشخص قد أمره بما وافق حكم الله، أو خالفه، فالمدار إذًا على النية والاعتقاد لا على العمل المجرد عن النية والاعتقاد.

كما يجب التفرفة بين المتبع في الحكم وغير المتبع، وبين اتباع واتباع، فليس المحب لذلك الشيء المتبع له كمن كره ذلك أو اضطر له؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم قال: لا ما صلوا)).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين إنسان كره ظلم وجور الأمراء، وأنكر فعلهم، فهو بذلك قد سلم من اتباعهم على ظلمهم، أو الركون إليهم وطاعتهم في معصية الله، وإن كان مكرهًا في كونه تابعًا لهم، وتحت سيطرتهم، وبين إنسان آخر تابع لهم وتحت سيطرتهم أيضًا، إلا أنه محب لهم راض بأفعالهم وموال لهم ومتابع، فهذا لا شك أنه يختلف موقفه عن الأول تمامًا؛ فالأول: كره وأنكر فسَلِم، أما الثاني: فهو قد ركن إلى الذين ظلموا، فله نصيبه مما سينالون من جزاء.

كما يجب أن نفرق تفرقة واضحة في نوعية الاتباع؛ إذ لا يستوي من أطاع في معصية الله، كمن أطاع في أمر مباح، ومن هنا نفرق بين من أطاع هؤلاء في أمر ليس فيه معصية، كقوانين الصحة وقوانين المرور، وبين من أطاع في تشريعات وقوانين تخالف حكم الله، فالأول: لم يطع في معصية ولا شيء عليه، وأما الثاني: فالأمر يحتاج إلى تفصيل في معرفة حكمه، وقد أشرنا إليه سابقًا.

ودليلنا في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف)) فقد توهم البعض استحالة أن يأذن الله تعالى للناس، من منطلق أن له الحكم والأمر والتشريع، أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات التي تنظم جانبًا من شئون حياتهم، وهذا فهم خاطئ؛ إذ إن هذه التنظيمات الدنيوية لا تحد من سلطان الله، ولا تضاد حاكميته، الله سبحانه وتعالى صاحب التشريع هو الذي ترك لنا كثيرًا من أمور دنيانا، ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا، في إطار مقاصد عامة وغايات حددها لنا سبحانه وتعالى، وأمرنا بتحقيقها بشرط ألا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا.

هذا كما يجب التفريق بين أمر مجمع عليه وآخر مختلف فيه، فلقد ابتدع أهل التكفير قاعدة تكفير من لم يكفر الكافر، وأرادوا بها تكفير من خالفهم في الرأي، وكانت حجتهم أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وبعض شيوخه، يرون كفر من لم يكفر الكافر المعين، وهذا حق أريد به باطل، والكافر المعين المجمع على كفره لا يحل ادعاء أنه مؤمن؛ لأن في هذا إنكارًا لحكم الله عليه بالكفر، ومثاله اليهود والنصارى ومن على غير ملة الإسلام، أما إن كان الحكم بكفر شخص ليس محل إجماع، كما هو الحال في كفر تارك الصلاة، فلا يجوز استخدام هذه القاعدة في هذا الموضع، وكذا كل مسألة اختلف في صاحبها، هل هو مسلم أم كافر أو كان ممن شهد الشهادتين، ثم خالفهما بناقض من نواقضهما، ولم تقم عليه الحجة، فإنه لا تنطبق عليه هذه القاعدة، حتى يجمع على الأمر بكفره.

والذي لا خلاف عليه بين الأئمة، أنه لا يجوز تكفير من خالفنا في الرأي، كما لا يجوز تكفير شخص بعينه أي باسمه، إنما يكون الحكم بالكفر على الأعمال فيقال: من شرع مع الله فقد كفر، ولا يقال: إن فلانًا بعينه قد كفر؛ لأن سلطة الحكم على الأشخاص ليست للأفراد، بل للحاكم المسلم أو القاضي الذي يصدر حكمًا في قضية أمامه، كما أن الأمر يستلزم إقامة حجة، لا بد فيها من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

وأما استيفاء الشروط فيكون بنصب الأدلة ورد الشبهات، وأما انتفاء الموانع؛ فيكون برفع الأعذار عنه، من خطأ ونسيان وإكراه وتأويل وجهل وجنون، أو كأن يكون حديث عهد بإسلام، أو ممن نشأ في بادية، فيجب عدم الخلط بين القضايا مع وضوح الرؤية، والله الهادي إلى سواء السبيل.

error: النص محمي !!