Top
Image Alt

قضية الطبع والصنعة

  /  قضية الطبع والصنعة

قضية الطبع والصنعة

نتحدث عن بعض القضايا النقدية، وتحديدًا نتحدث عن قضية الطبع والصنعة في العمل الأدبي، وعن قضية عُرفت في النقد الأدبي باسم السرقات الأدبية.

القضية الأولى: قضية الطبع والصنعة:

ثنائية هذين اللفظين تدل على شيئين كأنهما متناقضان، فالطبع المراد به الإلهام، ومعروف أن الموهبة شرط للإبداع، فأي إبداع أدبي لا بد أن يكون ناتجًا عن موهبة، عن طبع، عن إلهام، وكلمة الصنعة تأتي في مقابل الطبع؛ لتدل على التكلف والتعمل، ومحاولة التعبير الأدبي من غير استناد إلى فيض الطبع والموهبة.

وفي النقد القديم استخدموا هذا المصطلح، وتحدثوا عن الطبع، وفضلوه عن الصنعة بمعنى التكلف والافتعال، لكننا في البداية لا بد أن نُنبِّه إلى إشكالية لا بد أن نوضحها؛ لأن الأديب يكون مطبوعًا وموهوبًا، ثم بعد أن يأتيه فيض الموهبة بالقصيدة، أو المقال، أو الخطبة، أو غير ذلك من ألوان الأدب يُعيد النظر في هذا العمل، فيصححه، ويجوده ويهذِّبه.

هذا مفهوم أيضًا للصنعة التي فيها تجويد، وتثقيف، ومراجعة، لكن هذه الصنعة موجودة في حضن الموهبة، تأتي بعد الطبع وبعد فيض الإلهام تجويدًا وتثقيفًا، وليس تكلفًا ولا افتعالًا.

إذًا: نحن أمام موهبة وعمل صادر عن هذه الموهبة، وأدب ناتج عن فيض الإلهام، وسلامة الطبع، مع مراجعة وتجويد وتثقيف، وهذا يجعل العمل الأدبي في أعلى درجات الكمال، وعندنا أيضًا عمل أدبي صادر عن الموهبة وفيض الإلهام، وصادر عن الطبع، وصاحبه يخرجه للناس للوهلة الأولى فيما يسمى ارتجالًا أو بديهة، ولا يراجعه، أو يثقفه، أو يهذبه، وقد يكون فيه بعض العيوب أو المآخذ الناتجة عن عدم المراجعة، فهذا أدب الطبع.

وللأدب درجات أو أنواع، هي: 

الأول: أدب الطبع مع المراجعة والتثقيف.

الثاني: أدب الطبع مع عدم المراجعة والتثقيف.

الثالث: الذي يكون نتاج كد القريحة، وإتعاب العقل، وتصيد الخواطر، وافتعال العواطف، ثم البحث عن لغة للتعبير عن هذه التجربة المفتعلة، أو الإحساس المتكلَّف؛ فهذا هو الأدب المتكلف أو المصنوع، وهو يأتي في أقل درجة، وفي أضعف درجات الأدب.

وعندما نقرأ كيف عالج النقد القديم قضية الطبع والصنعة، نرى أن الجاحظ وكثيرًا غيره من النقاد القدماء يفضل الأدب الناتج عن الطبع، يقول الجاحظ مثلًا: “الذي تجود به الطبيعة، وتعطيه النفس سهلًا رهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه -أحمدُ أمرًا من كثير خرج بالكد والعلاج” ومعنى كلام الجاحظ: أن الأدب الصادر عن الطبع، الذي هو وحي الموهبة والإلهام، الذي تعطيه النفس بسهولة حتى لو كان قليلًا -أفضلُ وأحسنُ من أدب كثير خرج بالكد والافتعال والمعاناة؛ لأن صاحبه غير مطبوع وغير موهوب، ولأن هذا الأدب المفتعل جاء بالكد ولم يأتِ من فيض الطبع.

وفي كلام للمرزوقي يربط فيه بين الأدب الجيد والرديء، أو المطبوع والمتكلف، وبين مصدره مع التعليل لهذا الترابط، يقول: “متى رُفض التكلف والتعمل، وخُلِّي الطبع المهذب بالرواية، المدرّب في الدراسة لاختياره، فاسترسل غير محمول عليه، ولا ممنوع مما هو يميل إليه؛ أدى من لطافة المعنى وحلاوة اللفظ ما يكون صفوًا بلا كدر، وعفوًا بلا جهد، وذلك هو الذي يسمى المطبوع، ومتى جُعل زمام الاختيار بيد التعمل والتكلف؛ عاد الطبع مستخدمًا متملكًا، وأقبلت الأفكار تستحمله أثقالها، وتردده في قبول ما يؤديه إليها؛ مطالبة له بالإغراب في الصنعة، وتجاوز المألوف إلى البدعة، فجاء مؤداه وأثر التكلف على صفحاته، وذلك هو المصنوع” والمرزوقي يعني بكلمة المصنوع هنا: المتكلف، الذي لا يكون صادرًا عن طبع ولا عن موهبة، ويكون مفتعلًا.

ويوضح أبو هلال العسكري التكلف الممقوت في الأدب فيقول: “طلب الشيء بصعوبة؛ للجهل بطرائق طلبه بالسهولة، فالكلام إذا جُمع وطُلب بتعب وجهد، وتُنُووِلت ألفاظه من بُعد فهو متكلف”، فجهل الأديب إذًا بموضوعه الذي يتناوله وعدم إحاطته به يشعِّب أمامه الطرق، ولا يدري أيها أيسر في الوصول إلى الهدف، ومن ثمَّ يتخبط، ويمد يده حيث يظن أنه قد وصل إلى ما يريد، فإذا هو دون ذلك ثم يُعيد الكَرّة في تعب وجهد، ثم لا يحصل من وراء المعاودة بطائل.

إذًا: الجهل بالموضوع يؤدي إلى غموض الأفكار، وإذا غمضت الأفكار ولم تتضح بعدت الألفاظ المؤدية لها عن متناول الأديب، ولم تصبح قريبة منه، وهنا يبدو التكلف لانقطاع الصلة بين العبارة والفكرة، أو بين اللفظ والمعنى، كما يقول الدكتور طه أبو كريشة في كتابه (أصول النقد الأدبي).

فهناك ارتباط إذًا بين الشعور والتعبير، وهذا الارتباط أظهر ما يكون عندما يُعبر الأديب عن عواطفه الذاتية، فإن كانت العواطف صادقة جاء التعبير صادقًا مطبوعًا، وإلا كان متكلفًا.

وفي النقد الحديث يُعرف العقاد الكلام المطبوع بأنه: ما يرسل عن وحي البديهة الصادقة، والذوق السليم، أما المتكلف فهو ما ليس كذلك، ويسمي الشعر المطبوع باسم الشعر الصحيح، والشعر المتكلف باسم الشعر الزائف، ويرى العقاد أن التفرقة بين الصحيح والزائف، أو بين المطبوع والمتكلف لا ترجع إلى قاعدة مرسومة، ومعرفة كالمعرفة الرياضية لا تختلف بين عارف وعارف، وإنما هذا التمييز يرجع إلى شخص المميز، وملكاته، وأطواره.

وفي تحديده لمعالم الشعر المطبوع وصفاته، يرى العقاد أن المطبوع هو ما تظهر فيه شخصية الشاعر؛ بحيث تدل عليه وتشير إليه، ولو لم يذكر اسمه بجانب شعره، كما أنه -أي: المطبوع- هو الذي تبدو فيه ملامح الشاعر، ولو ترك الموضوعات التي يشترك فيها جميع الناس، وهذه الشخصية والملامح في الشعر إنما تكون عندما يعبر الشاعر عن إحساسه وشعوره هو، لا كما يحس ويشعر غيره؛ لأنه عندما يُعبر عما يحس ويشعر غيره، يكون ناقلًا صانعًا ومقلدًا، بعيدًا عن الحس الصادق والذوق السليم.

فالعقاد إذًا يربط بين الشعور الصادق والشعر المطبوع، ويربط بين الشعور الكاذب والشعر المتكلف، وهذا قريب مما قاله النقاد القدماء.

ونبقى أيضًا مع العقاد في شرحه وبيانه للمطبوع والمتكلف من الشعر، فيقول عن الشاعر المطبوع: “معانيه بناته فهنَّ من لحمه ودمه، وأما الشاعر المقلد فمعانيه ربيباته فهنَّ غريبات عنه، وإن دعاهنَّ باسمه، وشعر هذا الشاعر المتكلف كالوردة المصنوعة التي يبالغ الصانع في تنميقها، ويصبغها أحسن صبغة، ثم يرشّها بعطر الورد، فيشم فيها عَبَق الوردة، لكنها عقيمة لا تنبت شجرًا ولا تخبز شهدًا، وشتان بين كلام هو قطعة من نفس، وكلام هو رقعة من ترس”.

ففرق كبير بين أدب صادر عن النفس، صادر عن الطبع، صادر عن شعور صحيح صادق، وأدب متكلف صادر عن شعور مزيف، يفتعل صاحبه التعبير عنه افتعالًا، فالفرق بين الاثنين كالفرق بين الوردة الطبيعية الجميلة ذات الرائحة الفواحة وهي حية، فيها ماء العطر يجري في عروقها، والوردة المصنوعة من البلاستيك مصنوعة ومدهونة، وهي تشبه الوردة الحقيقية، وقد يرش عليها عطرًا يجعلها ذات رائحة زكية، لكنها لا تمت إلى الحياة بسبب، فليس تجري في عروقها طبيعة الحياة، هذا هو الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف، كما يبينه العقاد -رحمه الله.

والطبع الصحيح يستجيب للأدب المطبوع، ويتأثر به، ويتفاعل معه، ولا يستجيب للأدب المتكلف، ولا يتأثر به، ولا يميل إليه. ولا يضر الأدب المطبوع ما يُدخله الأديب عليه من المراجعة والتثقيف والتهذيب، وهو ما نسميه بالصنعة التي تزيد هذا الأدب المطبوع جمالًا، وجودة، وإتقانًا، وهذه الصنعة هي التي كان يمارسها زهير بن أبي سلمى، والشعراء الذين ساروا على مذهبه، وهم أصحاب التثقيف والتجويد، وهو أمر افتخر به عدد منهم، كما نجد في قول الحطيئة: “خير الشعر الحَوْلِي المنقَّح”، وما روي عن البعيث الشاعر وكان أخطب الناس إذ يقول: “إني والله ما أرسل الكلام قضيبًا خشيبًا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك” أي: المراجع والمنقح.

وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات؛ لأنه كان يعمل القصيدة ثم يكرر نظره فيها؛ خوفًا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، فهذا العمل لا يتناقض مع الطبع، ولا ينال منه.

والجاحظ من النقاد القدماء كان يرى ضرورة مراجعة العمل الأدبي، فيطلب من الأديب ألا يرضى بالرأي الفطير، أي: الرأي غير الناضج. وابن خلدون يقول: “إن على الشاعر أن يراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد، ولا يضنُّ به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة، فإن الإنسان مفتون بشعره؛ إذ هو بنات فكره، واختراع قريحته”.

والنقد الحديث لا يرى عيبًا في هذه المراجعة والتثقيف للعمل الأدبي الناتج عن الطبع الجيد، والموهبة الأصيلة؛ لأن هذه المراجعة وهذا التهذيب والتثقيف يزيد العمل الأدبي الصادر عن الطبع جمالًا إلى جماله.

وعلى أية حال هناك سمات للأدب المطبوع أشار إليها النُّقاد، بعض هذه السمات راجع إلى ما يُسمى وحي الأدب نفسه، فالنفس المتذوقة تستدل على الكلام المطبوع منه وتميل إليه، هذا الأثر النفسي الذي يؤثره الأدب المطبوع في قارئه، أو سامعه من أهم علامات هذا الأدب الصادر عن الطبع، والصادر عن الموهبة الصحيحة.

وقد مثلوا لذلك من الشعر القديم -كما ورد في كلام القاضي الجرجاني صاحب (الوساطة بين المتنبي وخصومه) عندما يفرق بين الكلام المطبوع والكلام المتكلف، ويستشهد للكلام المطبوع بسبب تأثيره في النفس- بنموذج من شعر البحتري يقول فيه:

ألام على هواك وليس عدلًا
 
* إذا أحببت مثلك أن ألاما

أعيدي فيَّ نظرة مستثيب

*توخَّى الأجر أو كره الأثاما

تريْ كبدًا محرقة وعينًا
 
*مؤرقة وقلبًا مستهاما

تناءت دار علوة بعد قرب

*فهل ركب يبلِّغها السلاما؟

وجدَّد طيفُها عتبًا علينا
 
*فما يعتادنا إلا لماما

وربَّتْ ليلة قد بتُّ أُسقَى
 
*بعينيها، وكفيها المُداما

قطعنا الليل لثمًا واعتناقًا
 
*وأفنيناه ضمًّا والتزامًا

ويقول القاضي الجرجاني معلقًا على هذه الأبيات: “ثم تأمل: كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقد ما يتداخلك من الاجتياح ويستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إن كانت لك تراها ممثلة لضميرك، ومصورة تلقاء ناظرك”.

فالأثر النفسي الذي ينبعث في النفس -وهو الارتياح من قراءة هذه الأبيات- يدل على أنها من الأدب المطبوع غير المتكلف، وقد يأتي دليل الطبع من خلال التعبير، فاللفظ المقبول، والصياغة السهلة المستقيمة التي تُعبر عن المعنى تعبيرًا خاليًا من التعقيد، موافقًا لمقتضى الحال، هذا دليل على أن الأدب صادر عن طبع، وصادر عن موهبة، وبعيد عن التكلف.

فمن أمارات الشعر المتكلف كما قالوا: كثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه، وزيادة ما بالمعاني غنًى عنه، والإتيان بالألفاظ الغريبة المستوحشة والأساليب المعوجّة الغامضة.

إذًا: التعبير يمكن أن يدلنا على أن الأدب مطبوع أو متكلف، والمعاني كذلك وسيلة من وسائل التعرف على المطبوع والمتكلف من التعبير الأدبي؛ فالأدب المطبوع تكون معانيه واضحة قريبة لا غموض فيها ولا إحالة، ولا بعد ولا ابتذال، وتكون موافقة لما يقتضيه المقام.

وقد ورد في نصيحة بشر بن المعتمر للأديب: “ينبغي أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا”.

ويرى الآمدي أن من سمات الشعر الجيد المطبوع: حسن التأتّي وقرب المأخذ، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استُعيرت له، وغير منافرة لمعناه؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة وعذبة، مستعملة، سليمة من التكلف. ومن هنا، فإنهم يمثّلون للأدب المطبوع الذي تدل صياغته على جودته، وعلى صدوره عن موهبة صحيحة وطبع سليم، بقول أبي تمام:

وما اشتبهت طريق المجد إل
ا
*هداك لقبلة المعروف هاد

وما سافرت في الآفاق إلا

*ومن جدواك راحلتي، وزادي

مقيم الظن عندك والأماني

*وإن قلقتْ رِكَابي في البلاد

وجعلوا من الشعر المتكلف قول أبي تمام مثلًا:

شكوت إلى الزمان نُحُول جسمي
 
*فأرشدني إلى عبد الحميد

لأن الذي يستشار في نحول الجسم إنما هو الطبيب، أما الرؤساء والممدوحون فإنما يُلتمس عندهم صلاح الأحوال؛ فهذا خطأ في المعنى سببُهُ تكلف أبي تمام في هذا الموضع، فإذا بعُد المعنى كان ذلك دليلًا على التكلف.

وكذلك إذا كان الكلام متلاحم الأجزاء دون تعقيد؛ كان ذلك دليلًا على الطبع، ومثلوا له بقول البحتري:

إِذا ما نَهى الناهي فَلَجَّ بِيَ الهَوى

*أَصاخَت إِلى الواشي، فَلَجَّ بِها الهَجرُ

ومنه أيضًا قول كثير:

وإني وتهيامي بعزة بعدما

*تخليت مما بيننا، وتخلت


لكالمرتجي ظِلَّ الغَمَامة كلما
 
*تبوَّأ منها للمقيل اضمحلت

ومنه أيضًا قول حسان:

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم

*أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك فيهم غير محدثة

*إن الخلائق، فاعلم شرها البدع

فهذا شعر واضح المعنى، جيد الأسلوب، حسن الصياغة، متلاحم الأجزاء، ويدل كل ذلك على أنه مطبوع.

ومن المتكلف الذي تدل صياغته وما فيها من التعقيد على تكلفه، وبُعده عن الطبع الصحيح والذوق السليم -قول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكًا
 
*أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه

وقول المتنبي:

ولذا اسم أغطية العيون جفونُها
 
*من أنها عمل السيوف عوامل

وقوله أيضًا:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
 
*بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه

ويعلق عبد القاهر الجرجاني على هذه الأبيات وأمثالها، فيقول: “إن الخلل والفساد كان من تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم، أو تأخير، أو حذف، وإضمار، أو غير ذلك ما ليس له أن يصنعه؛ فالتعقيد هنا أذرى بالصياغة ووصمها بالتكلف”.

ومن أمارات التكلف أيضًا: الإكثار من المحسنات البديعية، وتعمد حشو الكلام بها حشوًا؛ كالجناس، والطباق، والمقابلة، وغير ذلك من ألوان البديع؛ فالحسن من هذه المحسنات ما جاء عفوًا من غير تكلف، ولا تعمل، ولا قصد، ولا إكثار، فالمبالغة والإلحاح في تزيين الكلام دليل على أن الكلام متكلف، ليس صادرًا عن طبع صحيح وذوق سليم، ونستطيع أن نتذوق جمال المحسنات البديعية كالجناس مثلًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الظلم ظلمات يوم القيامة))، وقوله: ((لا تزال أمتي بخير ما لم ترَ الغنى مغنمًا، والصدقة مغرمًا))، وقوله: ((أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام)).

ومن البديع المتكلف قول أبي تمام مثلًا:

إن من عق والديه لملعون
 
*ومن عق منزلًا بالعقيق

فهو هنا يجانس بين عق وعق والعقيق، والبيت ثقيل تبدو عليه أمارات التكلف على ما يهدي إليه الذوق السليم.

ومنها أيضًا قول أبي تمام وهو معروف بالإكثار من البديع، ومن هنا اختلف النقاد حول شعره:

فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت

*سلام سلمى، ومهما أورق السلم

فالألفاظ: اسلم، وسلمت، وسلمت، وسلام، وسلمى، والسلم، كلها أصابت البيت بالثقل، ودلَّت على تكلف أبي تمام فيه.

إذًا: هناك فرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف، ولكلٍّ علاماتٌ تدل عليه ويستطيع الذوق المدرب المثقف الاهتداء إلى هذه العلامات.

error: النص محمي !!