Top
Image Alt

قضية العموم والخصوص بين اللفظ وسببه، والصحيح من أسباب النزول

  /  قضية العموم والخصوص بين اللفظ وسببه، والصحيح من أسباب النزول

قضية العموم والخصوص بين اللفظ وسببه، والصحيح من أسباب النزول

1. قضيّة العموم، والخصوص بين اللفظ وسببه: قد تنزل آيةٌ من القرآن الكريم، في سبب خاص، وتكون صيغتها عامّةً، فهل يُقصر الحكم على هذه الحادثة التي نزلت فيها الآية، ويكون خاصًّا، أو يتعدّى هذا الحكم إلى كلّ حادثةٍ مثلِهَا؟ أو بعبارة أخرى: هل العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب؟ والجواب: ذَهَبَ الجمهور إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا المبحث أفرده الأصوليين بالكلام؛ لأن مهمتهم الاستدلال بالألفاظ ودلالتها على الأحكام… إلخ. ذكر العلامة الزرقاني -في ورود لفظ الشارع جوابًا لسؤال، أو سببًا- صورًا ستة، ملخصها: أن اللفظ قد يكون مستقلًّا، أو مفيدًا وحدَه بقطع النظر عن السبب الوارد فيه، وقد يكون غير مستقلّ، أي: لا يفيد إلا إذا لوحظ معه السبب، أو السؤال، فأما الجواب غير المستقل فتحته صورتان، وأما الجواب المستقلّ فتحته أربع صور، وإليك التفصيل: أولًا: الجواب غير المستقل، وتحته صورتان: العموم، والخصوص: ‌أ. إذا كان السؤال عامًّا، فحكم اللفظ الوارد جوابًا له -وهو غير مستقل- أنّه يساويه في العموم باتّفاق الأصوليين، ومُثِّل له بقول القائل: لو سأل سائل: هل يجوز الوضوء بماء البحر؟ فأجيب بلفظ: “نعم”، أو “يجوز”، فالسؤال عام، والجواب، والمعنى: يجوز الوضوء بماء البحر لكلّ من أراد من الناس. ‌ب. وإذا كان السؤال خاصًّا، فالجواب يساويه أيضًا في خصوصه، على الرأي السائد عند الأصوليين، مثال ذلك: لو قال السائل: توضأت بماء البحر، السؤال خاص، فأجيب بلفظ “يجزئك”، والجواب أيضًا خاص، فمعناه: أن الوضوء بماء البحر يجزئ السائل وحده؛ لأن السؤال خاصّ بالمتكلم، وكذلك جوابه غير المستقل خاصّ به، أما غير المتكلم، فلا يعلم حكمه من هذا الجواب؛ بل يعلم من دليل آخر، كالقياس مثلًا. ثانيًا: الجواب المستقلّ، وتحته أربع صور: الصورة الأولى: أن يكون الجواب المستقل عامًّا وسببه عام، وحكمه أنه يساويه، ومثاله: ما نزل في غزوة بدر، وغزوة أحد، كقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، و{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ} [آل عمران: 139، 140]، الأسباب عامة، والأجوبة عامة. الصورة الثانية: أن يكون كلّ من الجواب والسؤال، أو السبب خاصًّا، وحكمه أنه يساويه في الحكم، مثال ذلك: قوله تعالى: {وَسَيُجَنّبُهَا الأتْقَى (17) الّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكّىَ (18) وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىَ (19) إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبّهِ الأعْلَىَ (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَىَ} [الليل: 17- 21]، هذا النّصّ نزل في الصّدّيق رضي الله عنه لما اشترى بلالًا رضي الله عنه فأعتقه، قال الكفار عند ذلك: إنما فعل ذلك لِيَدٍ كانت له عنده، فنزلت الآية. الصورة الثالثة: السبب عام، واللفظ خاص، وبعض العلماء أجازها بلا شرط، ومَثّلَ الشوكاني لها: بأنه يمكن أن يسأل سائل عن أحكام المياه، سؤال عام، ويأتي اللفظ قاصرًا، أو في إجابة خاصة، يقول الشارع: ماء البحر طهور، والسؤال عن أحكام المياه، فيكون الجواب ماء البحر طهور، فيختص ذلك بماء البحر ولا يعم غيره. هذا الجواب أورده العلامة الشوكاني، في (إرشاد الفحول). الصورة الرابعة: أن يكون السبب خاصًّا، واللفظ عامًّا، وهو ما يُعرف في علم الأصول بعموم اللفظ، وخصوص السبب. واختلف العلماء في هذه الصورة: هل العبرة بعموم اللفظ، فيبقى اللفظ على عمومه، متناولًا جميع أفراده غير مقصورٍ على سببه الخاص، أو العبرة بخصوص السبب، فلا يكون اللفظ باقيًا على عمومه ولا يتعداه؛ بل يكون مقصورًا على ما كان سببًًا في وروده، ويكون من العام الذي أريد به الخاص؟ ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب فريقٌ منهم إلى الثاني، مثال ذلك: قوله تعالى: {وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ} [النور: 6]. نزلت في هلال بن أمية، حين قذف زوجته، فالسبب خاص، ولكن الآية وردت بلفظ عام؛ وهو {وَالّذِينَ}، الذين اسم موصول، وهو من صيغ العموم، وحكم الملاعنة الوارد في الآيات، محمولٌ عليه من غير تخصيص، فيتناول بعمومه أفراد القاذفين لزوجاتهم ولم يجدوا شهداء إلا أنفسهم -سواء منهم هذا وغيره- ولا نحتاج إلى تطبيق هذا الحكم على غير هلال، إلى دليلٍ آخر من قياس أو ما سواه؛ بل هو ثابت بعموم هذا النص، ولا اجتهاد ولا قياس مع النص؛وهذا مذهب الجمهور. وقال غير الجمهور: إن العبرة بخصوص السبب، ومعناه: أن لفظ الآية، يكون مقصورًا على الحادثة التي نزل لأجلها، أما أشباهها من الحوادث الأخرى التي تجد وتأتي بعد ذلك، فلا يعلم حكمها من نص الآية؛ وإنما يُعلم من دليلٍ آخر، وهو القياس، يقاس هذا في علته. ثم يؤخذ ويقاس عليه في الحكم إذا استوفى الشروط، نقول: حكمنا على الواحد، حكمنا على الجماعة، فتكون الآية السابقة خاصة بهلال فقط على هذا الرأي، أما حكم غيره ممّا يشبهه؛ فإنما يعرف قياسًا، أو عملًًا بالحديث الآخر المذكور. وهذا الخلاف القائم بين الجمهور وغيرهم، محله إذا لم تقم قرينة على تخصيص لفظ الآية العامة بسبب نزوله، أما إذا قامت تلك القرينة، فإن الحكم يكون مقصورًا على سببه لا محالة بإجماع العلماء. ما أن حكم النص العام الوارد على سبب يتعدى هؤلاء إلى أفراد غير السبب، بيد أن الجمهور يقولون: إنه يتناولهم بهذا النص نفسه، وغيرهم يقول: لا يتناولهم إلا قياسًا، أو بنصٍّ آخر. ما ثمرة هذا الخلاف: العبرة بعموم اللفظ، أم بخصوص السبب؟ ثمرة الخلاف بين الجمهور وغيرهم، تتمخض عن شيئين: الأول: أن أفراد غير السبب يتناولها النص العام الوارد على السبب عند الجمهور، ما دام اللفظ قد تناولها، أما غير الجمهور فلا يسحبون الحكم إلا على ما استوفى شروط القياس منها دون سواها؛ إذ اللفظ العام الوارد على سببٍ خاصٍّ لا يبقى عندهم على عمومه؛ بل يتخصص بسببه فيقصر عليه. الثاني: أن الحكم على أفراد غير السبب مدلول عليه بالنص النازل فيه عند الجمهور، وذلك النّصّ قطعي المتن اتفاقًا، وقد يكون مع ذلك قطعي الدلالة، أما غير الجمهور فالحكم عندهم على غير أفراد السبب، ليس مدللًا عليه بذلك النص؛ بل قياسًا، أو للحديث الذي مضى، وفيه الحكم على الواحد كالحكم على الجماعة، وكلاهما غير قطعي. 2. الصحيح من أسباب النزول، وصلته بكتب التفسير: الصحيح من أسباب النزول: كُتِبَ في أسباب النزول على وجه الاستقلال والاستيعاب كتبٌ غير قليلة، إلا أنها قد جمعت بين الصحيح، والضعيف، ومن ثَمّ لا بد على الباحث أن يميز الصحيح منها، وأن ينقي، وهذا يحتاج إلى جهد العلماء في ذلك، ولعل من أكثر الكتب ذكرًًا للأسباب؛ هو كتب التفسير بالمأثور، وأيضًا كتب تفسير الأحكام، كتفسير القرطبي؛ فإنه يورد في الآية الواحدة العديد من الأسباب، وربما كانت الآية ممّا نزل ابتداءً، ولم يصحّ فيها من أسباب النزول شيئًًا؛ ولذلك لا تعجب إذ وجدت تفسيرًا كالقرطبي، أو كالدر المنثور، تستطيع أن تأخذ منه أكثرَ من ألف سببٍ نزول. ومعلوم: أن الآيات التي صحّ فيها أسباب نزول، لا تتجاوز المائتين، كما جمعها صاحب (الصحيح المسند من أسباب النزول)، الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- فهو كتابٌ جيدٌ، وجمع الصحيح، وما عداه لم يرق إلى درجة الصحة، وإن كان فاته أحاديث فردية قليلة، لكن على كلّ حالٍ، الكثرة الكاثرة من الأسباب التي أوردها المفسرون، تحتاج إلى تدقيق، فما أحوجنا إلى أن نمحص الروايات، وأن نفرد الصحيح منها بالجمع والتأنيث، وأن يكون لنا في ذلك تأملٌ ونقضٌ خاصٌّ، نميز فيه بين الصحيح، والضعيف، ونميز فيه المراد من نزول الآيات. فالحقيقة: أن أكثر آيات القرآن الكريم نزلت ابتداءً؛ لتأسيس العقيدة، وبناء الأخلاق، وتأصيل القيم والمثل العظمى، واحتاجت بعض الأحداث، أو الوقائع القليلة إلى أن توجد، وينزل بشأنها آيات، وأسبابها ليست بالكثرة الكاثرة؛ فآيات القرآن الكريم، التي ربما هي (ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثون) آية، على العدد المعتمد عند الكوفيين، ومائتان، أو أقل، هي التي صحّ فيها أسباب النزول.

error: النص محمي !!