Top
Image Alt

قواعد أهل السنة في مسألة القدر، وأفعال العباد وتقسيم الإرادة

  /  قواعد أهل السنة في مسألة القدر، وأفعال العباد وتقسيم الإرادة

قواعد أهل السنة في مسألة القدر، وأفعال العباد وتقسيم الإرادة

أولًا: قواعد أهل السنة في مسألة القدر:

أ. بيان اعتمادهم على الكتاب والسنة, دون العقل والقياس:

اعتمد أهل السنة والجماعة في هذا الباب على الكتاب والسنة لا غير، وقد ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- عن أبي المظفر السمعاني -رحمه الله- أنه قال: “سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة, دون محض القياس والع قل. فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لِمَا علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب”.

ويقول الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى: “وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه, لم يطلع على ذلك مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان وسُلّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23], فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد ردّ حكم الكتاب”.

هذا كلام الإمام الطحاوي -رحمه الله- وهو واضح في الاقتصار على الكتاب والسنة، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة؛ ولذلك قال شارح (الطحاوية) -رحمه الله- معلقًا على كلام الطحاوي: “أصل القدر سر الله في خلقه” بقوله: أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، قال علي رضي الله عنه: “القدر سر الله، فلا تكشفه”.

ب. قواعد مهمة عند أهل السنة والجماعة, في مسألة القدر:

خرّج أهل السنة والجماعة -بناء على ما قرروه في هذا الباب- قواعد مهمة, هي:

القاعدة الأولى: وجوب الإيمان بالقدر.

القاعدة الثانية: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة, وترك الاعتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس؛ فالعقل الإنساني لا يستطيع بنفسه أن يضع المعالم والركائز التي تنقذه في هذا الباب من الانحراف والضلال، والذين خاضوا في هذه المسألة بعقولهم ضلوا وتاهوا؛ فمنهم من كذب بالقدر، ومنهم من ظن أن الإيمان بالقدر يلزم القول بالجبر، ومنهم من ناقض الشرع بالقدر، وكل انحراف من هذه الانحرافات سبّب مشكلات في واقع البشر وحياتهم ومجتمعاتهم؛ لأن الانحراف العقائدي لا شك أنه يسبب انحرافًا في السلوك وواقع الحياة.

القاعدة الثالثة: ترك التعمق في البحث في القدر:

وذلك لأن بعض جوانبه لا يمكن للعقل الإنساني -مهما كان نبوغه- أن يستوعبها، وبعضها الآخر لا يستوعبها إلا بصعوبة كبيرة, وقد يقال: أليس في هذا النهج حَجْر على العقل الإنساني؟

والجواب: أن هذا ليس بحجر على الفكر الإنساني, بل هو صيانة لهذا العقل من أن تتبدّد قواه في غير المجال الذي يحصل التفكر فيه، إنه صيانة للعقل الإنساني من العمل في غير المجال الذي يحسنه ويبدع فيه؛ لأن العقل له درجة استيعاب، وله مجاله في النظر لا يتعداه، والإسلام قد وضع بين يدي الإنسان معالمَ الإيمان بالقدر، فلا نحتاج إلى عقل أو قياس أو بحث، أو خوض أو تعمق أو نظر؛ لأن الإيمان بالقدر يقوم على أن الله علم ما هو كائن وكتبه وشاءه وخلقه، واستيعاب العقل الإنساني لهذه الحقائق سهل ميسور، ليس فيه صعوبة ولا غموض أو تعقيد؛ أما البحث في سر القدر والغوص في أعماقه, فإنه يبدد الطاقة العقلية ويهدرها.

إن البحث في كيفية العلم والكتابة والمشيئة والخلق بَحْث في كيفية صفات الله، وكيف تعمل هذه الصفات، وهذا أمر محجوب علمه عن البشر، وهو غَيْب يجب الإيمان به ولا يجوز السؤال عن كُنْهه.

فالباحث في القدر كالباحث عن كيفية استواء الله  عز وجل على عرشه، ونحن نقول له: صفات الله  عز وجل كما تليق بجلاله وكماله، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة، كذلك الكلام في القدر؛ فالصفات التي يقوم عليها القدر معناها معلوم وكيفيتها مجهولة.

إن السؤال عن الكيفية هو الذي أتعب الباحثين في القدر وغيره، وجعل البحث فيه من أعقد الأمور وأصعبها، وأظهر أن الإيمان به صعب المنال، وهو سبب الحيرة التي وقع فيها كثير من الباحثين؛ لذلك فقد نص جمع من أهل العلم على المساحة المحظورة, التي لا يجوز دخولها في باب القدر.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذَّرَ أمته من أن تسلك هذا المسار، أي: البحث والخوض, وضرب كتاب الله بعضه ببعض.

ففي (سنن الترمذي) بإسناد حسن, عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرّ وجهه صلى الله عليه وسلم حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)) وهذا منهج سليم واضح, يقرره أهل السنة والجماعة في كل مسائل الاعتقاد.

جـ. بيان مدى إدراك العقل للعلل والأوامر والأفعال:

ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف, إلى أن لأوامر الله ومخلوقاته عللًا وحكمًا، فإنه لا يأمر إلا لحكمة، وكذلك لا يخلق إلا لحكمة، وبعض هذه الحكم تعود إلى العباد وبعضها يعود إلى الله تعالى، فما يعود إلى العباد هو ما فيه خير لهم وصلاح في العاجل والآجل، وما يعود إلى الله -تبارك وتعالى- هو محبته وأن يُعبد ويطاع، ويتاب ويرجع إليه, ويخاف منه، ويُتوكل عليه، ويجاهد في سبيله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56], وقال سبحانه: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36], وقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115], والنصوص الدالة على أن لله حكمًا في خلقه وأمره كثيرة وافرة يصعب حصرها، والعقول البشرية تستطيع أن تدرك شيئًا من هذه الحكم.

وذهب جمهور أهل العلم, إلى أن العقل يستطيع أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، فالعقول تدرك أن الظلم والكذب والسرقة وقتل النفوس قبيح، وأن العدل والصدق وإصلاح ذات البين وإنقاذ الغرقى حسن وجميل.

والحِكَم الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة ومفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فساد العالم، فهذا النوع حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع حسن ذلك وقبحه، لكن لا يلزم في العقول أن الإنسان معاقب على فعل قبيح من هذا النوع في الآخرة إن لم يرد الشرع بذلك، فمن ادعى أن الله يمكن أن يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة من الشرك والكفر, ونحو ذلك من غير إرسال رسول؛ فقد أخطأ.

النوع الثاني: أن الله  عز وجل إذا أمر بشيء صار حسنًا, وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.

النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء امتحانًا واختبارًا، كما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ولده إسماعيل؛ فالشارع ليس له قصد في ذبح الابن, ولكنه ابتلاء واختبارٌ.

والمعتزلة أقرت بالنوع الأول دون الثاني والثالث, والنوع الأول هو الذي فيه أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها؛ أما أنَّ الشارع يحسن ويقبح ويأمر بشيء من باب الابتلاء والاختبار، فهذا ما أنكرته المعتزلة.

والأشعرية ذهبت إلى أن جميع الأوامر والنواهي الشرعية هي من قسم الامتحان، والأفعال ليست لها صفة, لا قبل الشرع ولا بالشرع.

أما الحكماء وجمهور أهل العلم, فأثبتوا الأقسام الثلاثة المذكورة سابقًا، وهذا ما عليه جمهور أهل السنة من أن أفعال العباد معللة، وأن العقل بإمكانه أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، فيفتح الباب أمام العقول الإنسانية لتبحث في الحِكَم الباهرة التي خلق الله من أجلها المخلوقات، وشرع من أجلها ما شرعه من أحكام، وهو باب كبير يحصل العباد منه على علم عظيم، يثبت الإيمان ويزيد اليقين، ويعرف العباد بإبداع الخالق العظيم, الذي أحسن كل شيء خلقه، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد وعد الحق -تبارك وتعالى- أن يري عباده من آياته العظيمة ما يظهر صدقَ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأنزله في الكتاب، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ} [فصلت: 53]؟

د. نماذج من أقوال السلف في الإيمان بالقدر:

نذكر هنا نماذج من أقوال أئمة السلف في الإيمان بالقدر؛ ليعلم كل إنسان أن سلف هذه الأمة كانوا يعتقدون الحق, الذي جاء في كل باب من أبواب الاعتقاد وغيره.

1. عقيدة الإمام ابن قتيبة -رحمه الله-:

يقول -رحمه الله-: “وعَدْل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور: كيف خلق، وكيف قدر، وكيف أعطى وكيف منع؟ وأنه لا يخرج من قدرته شيء، ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دَيْن لأحد عليه ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل وإن منع فبعدل، وأن العباد يستطيعون ويعملون ويُجزون بما يكسبون، وأن لله لطيفة يبتدئ بها مَن أراد، ويتفضل بها على من أحبّ، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها مَن حقت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهى إليه في مسائل القدر، وما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله  عز وجل , وما سوى ذلك مخزون عنه”.

2. قول الإمام ابن تيمية:

ابن تيمية -رحمه الله- شيخ الإسلام وعَلَم من الأعلام، لخص في كلمات يسيرة -ولكنها محكمة دقيقة- مذهبَ أهل السنة والجماعة, وبيّنه ووضحه؛ فقال -رحمه الله تعالى-: “مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم؛ قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فأهل السنة يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون.

وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العبادَ مأمورون بما أمرهم الله به، منهيّون عما نهاهم الله عنه، وهم متفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة، ومتفقون على أنه لا حُجَّة لأحد على الله في واجبٍ تركه ولا محرمٍ فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده.

ومما اتفق عليه سلفُ الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل مَن يشاء ويهدي من يشاء؛ أن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله”.

ثانيًا: بيان مذهب السلف في أفعال العباد:

إن سلف هذه الأمة يعتقدون أن الله خالق أفعال العباد؛ لأنه الخالق وحدَه دون سواه، والنقول التي سيقت قبل ذلك هي إشارة وتوضيح لذلك، ونزيد هنا هذا الأمر وضوحًا بما نذكره أيضًا من نصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقوال لأهل العلم في ذلك.

ومن هذا ما أخرجه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتابه (خلق أفعال العباد)؛ حيث قال عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يصنع كل صانع وصنعته)) قال البخاري -رحمه الله: وتلا بعضهم عند ذلك: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96], فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- معقبًا على كلام الإمام البخاري, بعد نقله له:

“وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} بحمل “ما” على المصدر, أي: خلقكم وأعمالكم، فالظاهر خلاف هذا وأنها موصولة، أي: خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم؛ فإن الصنم اسم للآلهة التي حل فيها العمل المخصوص. فإذا كان مخلوقًا لله, كان خلقه متناولًا لمادته وصورته”.

وروى مسلم أيضا عن طاوس, قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل شيء بقدر, حتى العجز والكيس))؛ قال البخاري: وقال ليث عن طاوس, عن ابن عباس: {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] قال: “حتى العجز والكيس”.

وقال البخاري -رحمه الله-: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة؛ قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم, واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. يريد أن يؤكد ويبين أن أفعال العباد مخلوقة، خلقها رب العزة والجلال سبحانه وتعالى, وهذا ما نود التأكيد عليه وتقريره في هذا المقام.

كما عقد الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بابًا, قال فيه: باب قول الله تعالى: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}, وقد ذكر ابن بطال -رحمه الله تعالى- عن المهلب -رحمه الله- أن غرض البخاري -رحمه الله- بهذه الترجمة: إثبات أن أفعال العباد, وأقوالهم مخلوقة لله -تبارك وتعالى.

وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله تعالى- في شرحه لكتاب التوحيد من (صحيح البخاري), بعد أن ذكر هذا الباب: يريد -رحمه الله- بهذا الباب بيان أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء وحده, لا شريك له في ذلك، فيدخل فيه أعمال العباد وأفعالهم، والآية نص فيه: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} سواء كانت “ما” موصولة أو مصدريةً، فعلى التقديرين الآية دالة على أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأن آلهتهم التي يعبدونها صارت على شكل معين وهيئة خاصة بعملهم وصنعهم، والله  عز وجل أخبرهم في هذه الآية أنه خلقهم وخلق أعمالهم، وقد أطال العلماء الكلامَ في إعراب “ما” في قوله -تبارك وتعالى-: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.

وادعى بعضهم إجماع أهل السنة على أنها مصدرية، وشنعوا على المعتزلة في دعواهم أنها موصولة, ظانين أنها إذا كانت موصولة صارت دليلًا على أن العباد يخلقون أفعالهم، والصواب: أنها موصولة، وأنها لا تدل على أن العباد يخلقون أفعالهم كما زعم القدرية المعتزلة؛ لأن القدرية المعتزلة يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد.

ثالثًا: بيان سبب ضلال المخالفين:

ذكرنا فيما مضى أن الله خالق أفعال العباد، وأن القدرية المعتزلة والجبرية, كلاهما خرج عن الحق في هذا الباب، ونود هنا أن نبين سبب ضلال هؤلاء في هذه المسألة فنقول:

إن سبب ضلال هؤلاء, هو عدم التفريق بين خلق الله ومخلوقاته، فخلق الله صفته التي يخلق بها الخلق, وأما مخلوقه فهو أثر الصفة وهو مفعوله، وخلق الله تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته؛ بل خلقه فعله المتصف به، ومخلوقاته هي مفعولاته التي يفعلها ويوجدها إذا شاء، وأفعال العباد مخلوقة له تعالى كسائر المخلوقات ومن جملة مفعولاته، وليست هي نفس فعل الرب؛ بل هي نفس فعل العبد.

فالكذب مثلًا والظلم, ونحوهما من القبائح يتصف بها مَن كانت فعلًا له قائمة به، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له؛ فالعبد هو الذي يتصف بالكذب والظلم، ولا يتصف بذلك رب العباد خالقها سبحانه وتعالى؛ لأنه تعالى جعلها صفة لغيره.

كما أنه تعالى لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان، والروائح والأشكال, وغير ذلك، والقدرية لم يفهموا هذا، ولم يفرقوا بين الفعل والمفعول، وبين الخلق والمخلوق، وظنوا أن كل ذلك سواء, فلما اعتقدوا هذا المعتقد وذهبوا إلى هذا الظن نفَوْا خلق الله سبحانه وتعالى لأفعال العباد؛ لِمَا فيها من كذب وظلم وزور، وما إلى ذلك.

ونحن نقول لهم: إذا خلق الله الإنسان أبيضَ أو أسودَ مثلًا, لم يكن ذلك اللون الذي خلق الله الإنسان عليه وصفًا لله سبحانه وتعالى, وكذلك إذا خلق هذا الشيء مُرًّا أو حلوًا أو على صورة قبيحة أو مذمومة، لم يكن الله تعالى متصفًا بذلك، بل المتصف بها مَن قامت به وفعلها.

وبهذا يتبين سبب ضلال هؤلاء, ويثبت أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد حتمًا.

رابعًا: إيضاح الحق في الهداية والإضلال، وبيان مراتب الهدى:

أ. ذِكْر مراتب الهدى:

الكلام في الهداية والإضلال -وهو مبحث من مباحث القدر- من أهم المسائل التي يجب أن يعتني بها العبد المؤمن؛ لأن أفضل ما يقدم الله لعبده وأجلّ ما يقسمه له هو الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه هو الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال.

وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم, وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضالُّ أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعلُه سبحانه وتعالى وقدرُه، والاهتداء والضلال فعلُ العبد وكسبُه.

أما مراتب الهدى؛ فهي أربع مراتب:

المرتبة الأولى: الهدى العام، وهو هداية الله  عز وجل كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مراتبه؛ لأن هذه المرتبة تشمل كلَّ مخلوق، فقد هدى الله  عز وجل ما خلقه من كائنات إلى ما تقوم به حياته، وما يتمكن به من الحصول على معاشه.

والمرتبة الأولى هي أعم المراتب، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه، فقال: {سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ (1) الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ (2) وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ} [الأعلى: 1- 3]. فهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر بعضَ أمور عامة؛ وهي: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، وهذه هي الهداية العامة لكل الكائنات.

المرتبة الثانية: هي بمعنى الهدى والدلالة والتعليم، والدعوة إلى مصالح العبد في ميعاده، وهذا خاص بالمكلَّفين.

فالمرتبة الأولى أو القسم الأول الهداية بالمعنى العام، وهذه أخص من الأمر الأول؛ لأن الأمر الأول يشمل كل كائن، أما هذا فهو يتعلق بالمكلفين الذين بُيِّن لهم الحق، ونزلت عليهم الكتب، وأُرسلت لهم الرسل.

المرتبة الثالثة: هي الهداية المستلزمة للاهتداء، وهذه هي هداية التوفيق والمشيئة، أي: مشيئة الله بعبده الهداية، وخلق دواعي الهدى، وإرادة الهدى له، وما إلى ذلك.

المرتبة الرابعة: هي هداية المؤمنين إلى الجنة والكافرين إلى النار؛ هذه هي مراتب الهدى.

ب. تفصيل القول في مرتبتي الهداية والإرشاد والبيان، وهداية التوفيق والإلهام:

هاتان المرتبتان هما صلب الحديث في هذه المسألة، فمرتبة الهداية والإرشاد والبيان للمكلفين لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق, وإن كانت شرطًا فيها أو جزءَ سبب، وذلك لا يستلزم حصول المشروط المسبب، بل قد يتخلف عنه المقتضي؛ إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع، وهذا واضح من بعثة الأنبياء والمرسلين، وإنزال الكتب من عند الله رب العالمين.

فكل هذا لكي تحصل وتقع هذه الهداية -هداية الإرشاد والبيان- للمكلفين، ولا يشترط عندما يبين النبي أو الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتبع الناس الحقَّ ويسلكوا طريق الرشاد، بل قد يتخلف ذلك وإن كان البيان شرطًا لا بد منه؛ كي تقوم الحجة على العباد، ولكي يكون الكلام سليمًا حينما نقول: وإن كان البيان شرطًا في حصول وتحقيق هذا التوفيق واتباع الحق، ولذلك قال الحق -تبارك وتعالى- في بيان هذا النوع من الهداية: {وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبّواْ الْعَمَىَ عَلَى الْهُدَىَ} [فصلت: 17] وقال -جل ذكره-: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتّىَ يُبَيّنَ لَهُم مّا يَتّقُونَ} [التوبة: 115] فهداهم هدى البيان والدلالة، فلم يهتدوا فأضلهم؛ عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه.

وهذا فعله سبحانه في كل مَن أنعم عليه بنعمة فكفرها؛ فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىَ قَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] وقال -جل ذكره-: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [آل عمران: 86].

وهذه الهداية التي ذكرناها وذكرنا الأدلة عليها الآن -هداية الإرشاد والبيان للمكلفين, والدلالة إلى طريق الحق والصواب- هي التي أثبتها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم, فقال: {وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ونَفَى عنه تلك الهداية الموجبة -هداية التوفيق والإلهام- وذلك كما جاء في قوله: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وهذه المرتبة أخص من التي قبلها؛ لأن التي قبلها هداية عامة، وهذه هداية تخص المكلفين، وهي حُجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه، قال تعالى: وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] وقال -جل ذكره-: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ} [النساء: 165].

فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى، وحال بينهم وبينه؟

قيل في الجواب على ذلك: حجته سبحانه وتعالى قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، وقد أقام لهم أسباب الهداية ظاهرة وباطنة، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب. ومَن حال بينه وبينها بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله؛ فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته، فلم يمنعهم من هذا الهُدى ولم يحل بينهم وبينه.

نعم، يقال: قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم، والإقبال بقلوبهم إليه، ولم يحل مع ذلك بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه -وهو فعله ومشيئته وتوفيقه- فهذا غير مقدور لهم، وهو الذي منعوه وحِيل بينهم وبينه، وهذا الموضع يحل إشكالات كثيرة متعددة.

إذًا: هذه الهداية -هداية البيان والإرشاد, والدلالة إلى طريق الحق والخير والصواب- خاصة بالمكلفين، ثابتة للأنبياء والمرسلين كما أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه لأنبيائه ورسله، وآخرهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله له في كتابه: {وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}.

المرتبة الأخرى هي: مرتبة هداية التوفيق والإلهام، وخلق المشيئة المستلزمة للفعل.

فالهداية التي بمعنى الدلالة لا تستلزم حصول المراد، فالناس جميعًا قد يسر الله لهم هذه الهداية ببعثة أنبيائه ومرسليه، ولكنهم لم يوفّقوا جميعًا لاتباعهم؛ لأنها لا تستلزم حصول الهداية لجميع الناس.

أما هداية التوفيق والإلهام وخَلْق المشيئة في القلب -أي: خلق الإيمان في القلب ومشيئته- فهذه تستلزم وجودَ الفعل المراد، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها؛ لأن هداية البيان والإرشاد والدلالة عامة للمكلفين جميعًا، أما هداية التوفيق والإلهام وخلق الإيمان في القلب، فهذه خاصة بصفوة من الناس رضي الله عنهم؛ ولذلك فهذه المرتبة أخص من المرتبة التي سبق ذكرها.

وهذه المرتبة هي التي ضَلّ جُهال القدرية بإنكارها، وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم, من نواحي الأرض عصرًا بعد عصر إلى وقتنا هذا, ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم, كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى الجبرية، وهم مبتدعة أيضًا ظلموا القدرية وما أنصفوهم.

وهؤلاء الجبرية أنكروا فعل العبد وقدرته، وأن يكون له تأثير في الفعل ألبتة، بخلاف القدرية المعتزلة، ولما ردّ الجبرية على القدرية ردوا بمنكرٍ وضلال، وهذا شأن مبطل إذا دعا مبطلًا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل، فإنه يقع أيضًا في ضلال؛ فإن القدرية والجبرية في طرفي نقيض, فالقدرية تقول بأن العبد يخلق فعل نفسه، ولا دخلَ لإرادة الله فيه ولا لمشيئته، بينما الجبرية تقول: العبد مجبور على فعله، فكلاهما في طرفي نقيض، والحق وسط بينهما, شهدوا أن هذه المرتبة -وهي مرتبة الهداية والتوفيق والإلهام، وخلق الإيمان في القلب- تستلزم أمرين؛ أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى، والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه وتعالى, فالله  عز وجل هو الهادي والعبد هو المهتدي، قال تعالى: {مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي} [الأعراف: 178], ولا سبيلَ إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل -لا شك- فعل العبد؛ ولهذا قال تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَىَ هُدَاهُمْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلّ} [النحل: 37], وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه.

فالهداية التي بمعنى خلق الإيمان في القلب والتوفيق, خاصة برب العزة والجلال، ومنتفية عن غير الله  عز وجل ؛ فهي منتفية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليها كما قال الله له، ولا تكون لأحد غير الله -تبارك وتعالى- فالله  عز وجل إذا أضل عبدًا لم يكن لأحد سبيل بحال من الأحوال إلى هدايته، كما قال تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186], وقال تعالى: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوَءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8].

والقدرية ترد هذا كلَّه وتجعله من متشابه القرآن، وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له، وتأويلهم في الحقيقة لهذا النوع من الهداية تأويل باطل، ولا يتم عن فكر أو عقل أو اتباع.

ماذا قالت القدرية في معنى: أن الله يهدي من يشاء ويضل مَن يشاء؟ وبأي شيء أوَّلوا هذه الآيةَ؟ وماذا قالوا في الهدى والضلال؟

قال بعضهم: المراد بقوله: {يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تسمية الله العبد مهتديًا وضالًّا, فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعًا أنه لا يصح حمل هذه الآية عليه، وعند تأملها نجدها لا تحتمل ما ذكروه ألبتة، وليس في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها، أن جاءت كلمة “هداه” بمعنى سماه مهتديًا، أو أضله بمعنى سماه ضالًّا، وهل يصح أن يقال: عِلمه إذا سماه علمًا، وفهمه إذا سماه فَهمًا؟ وكيف يصح هذا في مثل قول الله تعالى: {لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272]؟

فهل فَهِمَ أحدٌ غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا: ليس عليك تسميتهم مهتدين، ولكن الله يسمي من يشاء مهتديًا؟ وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تسميته مهتديًا, ولكن الله يسميه بهذا الاسم؟ وهل فهم أحد من قول الداعي: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] أو اللهم اهدنِي من عندك، ونحو ذلك أن معناه: اللهم سمنِي مهتديًا؟

وتأول بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف, لا خلق الهدى في القلب، وهكذا تأول بعضهم معنى: {يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}, فصرَفَ هذا النوع من الهداية -وهو هداية التوفيق وخلق الإيمان في القلب- للمرتبة الأخرى وهي هداية البيان والدلالة، وقالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على ذلك، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن الله  عز وجل أخبر أنه قسَّم هدايته للعبد قسمين: قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعبد، وقال في القسم المقدور للغير: {وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ} وقال في غير المقدور للغير: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}, وقال سبحانه: {مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}.

خامسًا: تقسيم الإرادة, وموقف القدرية من هذا التقسيم:

أ. تقسيم الإرادة عند أهل السنة والجماعة:

أهل السنة والجماعة يقولون: الإرادةُ في كتاب الله تعالى نوعان: إرادة قدرية خلقية أو كونية، وإرادة دينية شرعية.

فالإرادة الشرعية الدينية هي المتضمنة للمحبة والرضا، وأما الإرادة القدرية الكونية فهي المشيئة العامة الشاملة لجميع الموجودات، وهذه لا بد أن يقع مرادها، ولا يشترط فيها أن تتضمن المحبة والرضا.

– الأدلة على ذلك من كتاب الله -تبارك وتعالى- وتوضيح ذلك:

الإرادة الشرعية الدليل عليها من القرآن الكريم، قول الحق -تبارك وتعالى-: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185], وهنا عند التأمل في هذه الآية نجد أن الله أراد اليسر ولم يرد العسر، ومع ذلك وقع العسر عند بعض الناس ولم يكن للجميع يسر، فهذا النوع من الإرادة -الإرادة الدينية الشرعية- لا يستلزم وقوع المراد, إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة -الإرادة الكونية القدرية.

وهذه الإرادة -الدينية الشرعية- تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى لا يحب الذنوب والمعاصي، والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءَها خلقًا وإيجادًا، وأنه سبحانه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية ويرضاها، ويثيب عليها أصحابها ويدخلهم الجنةَ، وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين, وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

أما الإرادة الكونية القدرية -وهي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات- التي يقال فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ فما شاء الله كان بمعنى: أنه إذا وقع شيء وأراده ربّ العزة والجلال وشاءه؛ وقع لا محالة، وما لم يرده وما لم يشأه سبحانه لا يكون، فلا يقع في ملك الله ما لا يريده رب العزة والجلال.

وهذه الإرادة هي ما جاءت في مثل قول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125], وأيضًا كما جاء في قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيَ إِنْ أَرَدْتّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34].

وهذه الإرادة إرادة شاملة لَكل ما يقع في الكون, لا يخرج عنها أحد من الكائنات بحال، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأهل الجنة وأهل النار، وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث منها.

والمخلوقات مع كلٍّ من الإرادتين, أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله سبحانه وتعالى أراده إرادة دين وشرع وأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

ومثال هذا القسم الأول: إيمان أبي بكر رضي الله عنه ؛ فأبو بكر الصديق رضي الله عنه رضي الله منه الإيمان وأحبه وأمره به، كما أراده كونًا وقدرًا، فاجتمعت فيه الإرادتان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة, فعصى ذلك الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أم لم تقع، وهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث, التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي، فإنه سبحانه وتعالى لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضَى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لَمَا كانت ولما وُجدت، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وذلك مثل كفر أبي جهل، فكفر أبي جهل أراده الله كونًا وقدرًا, وإن لم يرده دينًا وشرعًا.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا تلك، أي: لم تتعلق به الإرادة الكونية ولا الإرادة الشرعية، وهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي، فالسعيد من عباد الله من أراد الله به تقديرًا ما أراد به تشريعًا، والعبد الشقي مَن أراد به تقديرًا ما لم يرد به تشريعًا. وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه, ولم يضربوا كتاب الله بعضَه ببعض، علموا أن أحكام الله في خلقه تجري وفق هاتين الإرادتين.

ب. موقف القدرية -المعتزلة والجبرية- من التقسيم:

لقد ضلت القدرية عن هذا التقسيم، وأسبابُ ضلال هؤلاء -القدرية والجبرية- أن كل واحد من الفريقين رأى جزءًا من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرَى أحد جانبي الشيء ولا يرى الجانب الآخر؛ فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي، ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول: إنه خلق أفعال العباد, وفيها الكفر والذنوب والمعاصي؟ قالوا ذلك؛ لأنهم لم يفقهوا الإرادتين, ولم يقسموا هذا التقسيم الذي ذهب إليه المحققون من أهل السنة والجماعة.

أما الجبرية فقد آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبه ورضيه، وهذا أيضًا ضلال منهم حيث لم يفقهوا مراد الله في كتابه، ويقسمون الإرادة إلى كونية قدرية؛ ليقع كل ما أراده الله سواء أحبه أو رضيه، وإلى إرادة دينية يحبها الله ويرضاها، ولكنها قد تتخلف. ولو نظر هؤلاء إلى التقسيم الذي نظر إليه أهل السنة والجماعة، وفقهوا ما فقهه أهل السنة والجماعة؛ ما وقعوا في هذا الضلال.

error: النص محمي !!