Top
Image Alt

قوانين علم العروض، وسبب التأليف فيه

  /  قوانين علم العروض، وسبب التأليف فيه

قوانين علم العروض، وسبب التأليف فيه

هذا؛ وقوانين العروض علمية تكتسب بالتعلم.

إن كلمة الميزان تعني: الدقة في الوزن، ومن ثم فإن العروض القديم جاء من الدقة بحيث يفرق في البحر الواحد الأنواع التي تُولِّدها اختلاف الأعاريض والأضرب، ومن ثَمَّ جاء يحمل ستة عشر بحرًا متفقًا عليها، ويضم ما يصل إلى ست وثلاثين عروضًا وستة وستين ضربًا، وهو تنوع فرضته الدقة التي اعتمد عليها الخليل في استنباطه لهذه الأوزان مما نظم العرب عليه.

وحتى التفاعيل التي ترد في سائر البيت من غير العروض والضرب تعتريها الزحافات والعلل إلى غير ذلك مما أوضحه الخليل.

وأكثر من هذا ذهب الخليل إلى ابتكار الدوائر التي تتركز أهميتها في الدلالة على طبيعة البحث الرياضي عند الخليل، وطريقة الاستنتاج للأوزان، وهي طريقة قامت على الحجز والافتراض، وواضح أن العروض كميزان للشعر يعتمد في المقام الأول على الوزن بالنغم الصوتي الذي يقوم على الحركة والسكون.

واضح أن العروض كميزان للشعر يعتمد في المقام الأول على الوزن بالنغم الصوتي الذي يقوم على الحركة والسكون…

– وهنا يمكن أن يرد السؤال علام يعتمد العروض كميزان للشعر في المقام الأول؟

– وتأتي الإجابة: العروض كميزان للشعر يعتمد في المقام الأول على الوزن بالنغم الصوتي الذي يقوم على الحركة والسكون، ومن ثَمَّ يُهمل كل ما يكتب ولا ينطق، فلا يُجعل المقياس عدد حروف البيت الشعري في مقابلة عدد حروف البحر العروضي، وإنما يجعل المقياس عدد حركات وسكنات البيت الشعري أي: ما يُظهره النطق بعدد حركات وسكنات البحر العروضي متمثلًا في تفاعيل البحر؛ لذلك أصبح التنوين حرفًا في العروض، ولذلك أُهمل ألف الوصل مثلًا، وهذا يفسر لنا قدرة العربية في الجاهلية على الوزن بهذه المقاييس؛ لأنها تعتمد على الترنم والنغم الصوتي لا على الكتابة الإملائية، وما تشتمل عليه من الحروف.

ولأنها كانت تعتمد على الأذن الموسيقية لمتابعة الانسياب النغمي والصوت النشاز إن طرأ في القصيدة، ثم لأن الرواية كانت هي الأساس في نقل أشعار العرب، فتمثلت النماذج التي ينظم عليها صورًا عروضية في أذهانهم.

والخليل بن أحمد الفراهيدي الذي اخترع العروض المتوفى سنة سبعين ومائة من الهجرة كان أستاذًا نابهًا في اللغة والنحو وعلوم العربية، إلى جانب تمكنه من علم الموسيقى والإيقاع، وعليه تتلمذ سيبويه والخليل صاحب كتاب (العين)، وهو أول معجم عربي أيضًا.

سبب تأليف العروض:

وجد الخليل الملكات العربية تتضاءل، والشعراء المحدثين ينظمون على أوزان لم تُسمع عن العرب، ولا يعرفون الصحيح من غيره بعد أن خانهم الطبع، وضعفت الملكات، وكان الخليل صاحب ذوق موسيقي أخاذ، فاستقرأ أشعار العرب وتتبعها واستقصاها، وحصرها في خمسة عشر بحرًا، ووجدها لا تخرج عنها، ثم زاد الأخفش الأوسط عمرو بن مسعدة عليها بحرًا آخر وهو المتدارك.

ثم ألف في العروض بعد الخليل كثير من العلماء؛ أشهرهم المفضل الضبي المتوفى في سنة تسع وثمانين ومائة للهجرة، والأخفش الذي استدرك البحر السادس عشر، والمتوفى في سنة مائتين وست عشرة للهجرة، والمازني المتوفى في سنة سبع وأربعين ومائتين للهجرة، والسيرافي المتوفى في سنة تسع وستين وثلاثمائة للهجرة.

لقد كثر المؤلفون وتوالت المؤلفات على امتداد الأجيال، ولكن لا بد من كلمة عرفان واعتراف فعلم العروض منذ أن وضع قوانينه ومعاييره الخليل بن أحمد لم يطرأ عليها تغيير جوهري حتى الآن، فلا زالت أجزاء البحور التفعيلات، ولازالت الوحدات الأولى للتفعيلات هي الأسباب والأوتاد، ولا زال عدد البحور ثابتًا، ستة عشر بحرًا شاملًا البحور الخمسة عشرة الخليلية، وبحر المتدارك الذي زاده الأخفش تلميذه، وهذا إنما يدل على أصالة العلم الذي ابتكرته عبقرية الخليل الفذة.

أريد أن أؤكد أن الشعر منذ وجد وجدت معه الأوزان، وكأنه يلبي فينا غريزتنا أو فطرتنا الأولى، وأول صورة راقية لأنغام شعرنا العربي وألحانه هي صورة العصر الجاهلي، وهي خاتمة صور كثيرة سبقتها من فجر الإنسانية الذي انبثق في صحراء العرب إلى أوائل القرن السادس للميلاد، وقد وارت كثيرًا عن عيوننا رمال الصحراء.

وقد كثرت صور أوزان الشعر العربي كثرة أغنتها غنًى واسعًا لا نعرفه لأي شعر من أشعار اللغات غير العربية، ولكن مع ذلك لا تبدأ القصيدة بصورة معينة من صور الوزن، حتى تستقر فيها، وتصبح أساسًا لجميع النغم الذي يتلوها.

ومن ثم تظفر القصيدة العربية بالتوازن النغمي الدقيق، المطرد إلى نهاية يستقر فيها النغم هي القافية التي هي قرار البيت، فعندها يصل اهتزاز اللحن إلى غايته إذ يتم إيقاعه، وذلك حتى لا يحدث اختلال في انفعالات السامع فلا نشاز ولا تشويش، وإنما موسيقى ينتظم فيها الإيقاع، فهي دائمًا عدد منتظم من الاهتزازات الصوتية، والموجات الموسيقية لا نقص فيه ولا زيادة في شكل قانون صارم، فيه تكمن القوى الخفية للشعر العربي حتى كانوا لا يميزون بينه وبين السحر؛ نتيجة ما يحمله من إيقاعات منتظمة، ولا غرو.

وما فتئ الشعر العربي يرفل في واحاته الجديدة باتحاد أوزانه وقوافيه برغم اختلاف الحياة والثقافة، فقد كانت الأذن الموسيقية شديدة الحساسية والإرهاف، فلم يتسامحوا أن يصيب الوزن انكسار يحطم موسيقاه، وجعلوا اضطراب الوزن وكثرة الزحاف مما يُهجن الشعر ويخرجه عن حد القبول، وإن بلغ الغاية في جودة المعنى؛ ولذلك عدوا من عيوب الشعر التخلع: وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط في استخدام الزحاف، وبنى على ذلك القصيدة كلها حتى بدت منكسرة الوزن، وخرجت من باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة إلى ما ينكره، حتى ينعم ذوقه أو يعرضه على العروض فإنما جرى هذا المجرى من الشعر ناقص الطلاوة قليل الحلاوة.

وهذا أمر ألفته العرب وحافظت على ذوقه واطراده، وراعت هذا الانسجام في الصور الوزنية العروضية، وما أراد العرب للشعر إلَّا أن يكون صورة مشرفة للعرب، فالشعر هو لهم بمثابة العلم الذي لا علم لهم أصح منه.

وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وكذلك كانوا يعرفون صعوبة الشعر.

الشعر صعب وطويل سلمه

إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

هذا قول الحطيئة، وما أجمل قول الزهاوي:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه

*فليس جديرًا أن يقال له شعر

error: النص محمي !!