Top
Image Alt

التعريف بالفلسفة

  /  التعريف بالفلسفة

التعريف بالفلسفة

“الفلسفة” كلمة يونانية مركبة من كلمتين، “فيلا” بمعنى الإيثار، وقد جعلها فيثاغورث بمعنى محبة، و”سوفيا” ومعناها الحكمة، والفيلسوف مشتق من الفلسفة بمعنى مؤثِر الحكمة، إلا أن هذا المصطلح قد تطور وأصبح يعني الحكمة، ومن ثَمَّ أصبح يطلق على الفيلسوف الحكيم، وقد أطلقت الفلسفة قديمًا على دراسة المبادئ الأولى، وتفسير المعرفة عقليًّا، وكانت الغاية منها عند أصحابها البحث عن الحقيقة، والفلسفة عند أنصارها كما يعرفها الدكتور توفيق الطويل هي: “النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تُفرض عليه من الخارج، وقدرته على مسايرة منطقه إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغًا ما بلغ في ذلك من وجوه التباين عنده، وحتى لو كانت متباينة مع عقائد الدين وأوضاع العرف ومقتضيات التقليد، والفيلسوف عند أرسطو أعلى درجةً من النبي؛ لأن النبي يدرك الأمور كما يزعم الفلاسفة عن طريق التخيل، بينما الفيلسوف يدرك الأمور عن طريق العقل”.

والفلسفة بهذا التعريف تصادم الحكمة التي نعني بها في الاصطلاح الإسلامي السُّنة، كما هو تعريف أكثر المحدّثين والفقهاء، فالحكمة في كتاب الله عز وجل يراد بها السنة، فقوله تعالى مثلًا: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113].

ذكر كثير من المحدثين والفقهاء أن المراد بالحكمة: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك يصبح المعنى الفلسفي الذي ذهب إليه هؤلاء معتبرِين أن الفلسفة التي هم عليها، والتي تخالف عقائد الدين ومقتضياته وغير ذلك، عندما يزعمون أن الفلسفة هي الحكمة يكون هذا الأمر في غاية الخطورة، بل يعد حربًا على الأديان، ومحاولة للتلبيس على الناس باسم العقل والتأويل والمجاز الذي حرّف به هؤلاء الفلاسفة النصوص.

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: “ما جهل الناس واختلفوا إلا بتركهم مصطلح العرب، وأخذهم بمصطلح أرسطو”. وعلى الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية والهندية والفارسية القديمة لكنها اشتهرت في بلاد اليونان، وما ذاك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية، وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام- بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي، وبما استفادوه من دين لقمان الحكيم، فجاءت أقوال هؤلاء الفلاسفة خليطًا من نزعات التأليه وإثبات ربوبية الخالق جل وعلا مشوبةً بالوثنية”.

وعلى ذلك، فإن الفلسفة اليونانية إحياء الأكثر منها اختراعًا، وقد مرت الفلسفة اليونانية بثلاث مراحل رئيسة بالنظر إلى موضوعات بحثها، وهذه المراحل هي كالتالي:

المرحلة الأولى: مرحلة البحث في عالم الطبيعة؛ لمعرفة الأساس الذي عليه يطرأ تغير الأشياء إلى أضدادها، ويعبِّر عن هذه المرحلة طاليس وغيره من الفلاسفة، وكان جميع هؤلاء قبل ميلاد المسيح -عليه السلام.

المرحلة الثانية: اهتمت الفلسفة فيها بالنظر والتأمل في جانبَيِ التفكير والإرادة في الإنسان، مما سبَّب ظهور القضايا الأخلاقية، والمنطقية، والنفسية على يد سقراط.

المرحلة الثالثة: فكانت على يد رجل يقال له “ديمقراطيس” وكذلك أفلاطون وأرسطو، كل هؤلاء يدخلون في المرحلة الثالثة، وفيها استخدموا معارف من قبلهم، ونظموها ووسعوا نطاقها، وفي ظل هذه الفلسفة نشأت أيضًا ثلاث مدارس فلسفية رئيسية تختلف فيما بينها في الأصول، وهي:

الدهرية: وهؤلاء هم الذين جحدوا الخالق، المدبِّر، العالم، القدير، وهم زنادقة بلا شك.

الطبيعيون: وهؤلاء هم الذين أكثروا من البحث في عالم الطبيعة وعجائب الحيوان والنباتات واهتموا بعلم التشريح، فآمنوا بأن هناك إلهًا خالقًا حكيمًا مطلعًا على غايات الأمور ومقاصدها، ولكنهم مع ذلك كانوا زنادقة، أنكروا الحشر واليوم الآخر وأحواله، وانهمكوا في الملذات كالأنعام.

الإلهيون: وهم الذين تصدوا للرد على تلك المدرستين السابقتين، وأفاضوا في كشف فضائحهم، لكنه كان تألهًا مشوبًا بوثنية مما استدعى كفرهم.

وقد سبق العرب فلاسفة الغرب في الاتصال بالفلسفة اليونانية، وقد تم ذلك في عهد الخليفة المأمون العباسي في القرن التاسع الميلادي، بينما بدء هذا الاتصال عند الغرب في القرن الثاني عشر، والثالث عشر الميلادي، وقديمًا حاول فلاسفة النصارى التوفيق بين النصرانية والفلسفة، فجاءت النصرانية دينًا محرَّفًا، وقد ظهرت فيها بعض العقائد والأفكار الوثنية الفلسفية، كفكرة اللغو في أقنوم الابن وغيرها، وتعتبر رسائل بولس خير مثال على ذلك، ومن بين المنتسبين للإسلام من الفلاسفة من اقتفى أثره محاولًا التوفيق بين الإسلام والفلسفة مما زاد من الفتن والفرقة بين المسلمين، ولا شك أنه لا يمكن التوفيق بينهما.

معتقداتهم في أصول الدين:

وقد لخصها ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية -رحمه الله تبارك وتعالى، وذكر أن الفلاسفة لهم أقوال خمسة في أصول الدين، منها: أن الله سبحانه وتعالى موجود لا حقيقة له، ولا ماهية، ولا يعلم الجزئيات بأعيانها، ولكنه يعلمها إجماليًّا، وبالتالي أنكروا خلق أفعال العباد، كما أنهم لا يؤمنون بكتبه؛ حيث إن الله عندهم لا يتكلم، ولا يكلم، وأن القرآن الكريم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زكي النفس طاهر، تعالى عن وصفهم علوًّا كبيرًا.

أما معتقدهم في الملائكة، فهم يرون أن الملائكة ليست ذواتًا منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، وإنما هي عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، والفلاسفة أشد الناس إنكارًا لليوم الآخر وأحداثه، وما الجنة والنار عندهم إلا أمثال مضروبة؛ لتفهيم الناس العوام ولا حقيقة لها في الخارج، وما زالت الفلسفة اليونانية روافد في كافة الفلسفات، والدعوات الغربية القديمة والحديثة، بل وتأثرت بها معظم الفرق الإسلامية الكلامية.

فإن الفلسفة جسم غريب داخل كيان الإسلام، فليس في الإسلام فلسفة، ولا بين المسلمين فلاسفة لهذا المعنى المنحرف، وإنما في الإسلام علم محقق، وعلماء محققون، ومن أشهر الفلاسفة المنتسبين للإسلام: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، ومما يؤكد ذلك ما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى، عندما أذكر هذه العوامل التي أدت إلى دخول الفلسفة وظهورها بين المسلمين سيجد الباحث بلا شك أن هذه الفلسفة ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأنها أتت من أعداء دين الإسلام.

فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وقفوا عند حدود القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد أدرك المسلمون في بداية عهدهم أنه لا بد لهم أن يكتفوا بالوحي المنزل من عند الله عز وجل ولذلك لم يكن لهم شغل بما عرف بعد ذلك عند الفلاسفة والمتكلمين بالجوهر أو بالماهية، أو بالكنه أو غير ذلك، وإنما كان الصحابة رضي الله عنهم وسلف هذه الأمة الصالحين يشغلون أنفسهم فقط بتعاليم القرآن والسنة في نسق منهجي متكامل، وقد كان هذا شُغل الروح الإسلامي الجديد ووسمه، فلما أتى فيما بعدُ منطق أرسطو أكبر معبر عن روح اليونان لُفِظ حتمًا، ووصل الأمر إلى إعلان تكفير من يشتغل به.

ولم يكن هذا الإعلان ناشئًا عن ضيق أفق أو تزمت مذهبي، وإنما كان إعلانًا صادرًا عن روح الحياة والحضارة الإسلامية، وروح القرآن الكريم الإلهي الذي دعا إلى وضع منهج مختلف في كل خصائصه عن منطق أرسطو الذي كان متفشيًا عند الحضارة اليونانية، ولكن وللأسف الشديد بعد أن وقف الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك مسلكهم هذا الموقف في نبذ الكلام فيما تكلم فيه هؤلاء الفلاسفة بعد ذلك نجد أنه بدأت محاولات لإدخال هذه الفلسفة إلى المسلمين، وهذه المحاولات ولا شك تمَّت ووُجدت عن طريق أعداء الإسلام.

ويمكنني أن أقول بأن العوامل التي ساعدت إلى وجود الفلسفة وانتشارها بين المسلمين تنقسم إلى عاملين:

العامل الأول: عوامل خارجية

1. اليهود:

يعني: ليست من صلب المسلمين، وهنا ستظهر لنا حقيقة الفلسفة الوافدة على أهل الإيمان، العوامل الخارجية التي أدت إلى ظهور، وانتشار الفلسفة بين أهل الإيمان اليهود:

فاليهود قابلوا الإسلام في أول نشأته في المدينة النبوية، واشتبكوا مع الإسلام اشتباكات عقلية عنيفة، وقد جادل الوحي اليهود في المدينة النبوية، وناقشهم مناقشة واضحةً أيضًا، وذكر لهم أنهم غيَّروا وبدلوا، وحرفوا، وذكَّرهم بأنهم كانوا يستفتحون على المشركين العرب بمجيء نبي جديد، فلما أتى أنكروه، قال الله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِين} [البقرة: 89].

وحين اعتنق الإسلامَ بعضُ اليهود، فبعض اليهود اعتنق الإسلام، وآمنوا بالكتاب الإلهي عندئذٍ نادى القرآن في المشركين: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} [الأحقاف: 10] ثم مع مرور الأيام بدأ هؤلاء اليهود يلعبون بعقائد أهل الإيمان، ولا ننسى أن اليهود قد ساعدوا في تأليب الفتنة على عثمان، ولما بويع علي رضي الله عنه بالخلافة بدأ اليهود يلقون بعض الأفكار، كفكرة الإمام المعصوم، وخاتم الأوصياء، ودور ابن سبأ في هذا معروف، فقد دعا إلى تقديس علي رضي الله عنه، ونشأت أفكار الشيعة الرافضة، كما ظهرت الباطنية واليهودية المحرّفة تحمل أصول الباطنية، وقد تأثرت الإسماعيلية بالباطنية، وقالوا بالظاهر والباطن وأتوا بفلسفات اليهود، وأدخلوها على المسلمين.

والحاصل أن اليهود أقاموا بدء الفتنة بين المسلمين في موضوعات الإمامة، كما تكلموا في الذات الإلهية، ووضعوا أحاديث في التشبيه والتجسيم، واكتوى المسلمون بنارهم، فقام بعض المسلمين بالرد عليهم من خلال منظور كلامي عقلي على مقتضى قواعدهم، فظهر بسببهم ما يعرف بالفلسفة الإسلامية؛ إذًا العامل الأول من العوامل الخارجية اليهود.

2. النصارى:

بدأ الجدال أيضًا بين الإسلام والنصرانية في هضبة الحبشة في حقيقة المسيح، وفي الكلمة وغيرها، وهذا معلوم في التاريخ، بل إن بعض النصارى وفد إلى المدينة النبوية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حينما أتى وفد نصراني من نصارى نجران إلى المدينة، وجادل النبيصلى الله عليه وسلم، وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، وصاح القرآن في النصارى صيحته القوية، قائلًا رب العالمين: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِين} [آل عمران: 61].

واستمر النزاع بين النصرانية وبين الإسلام، وكان النزاع الفكري شديدًا، وهنا بدأ تفكير فلسفي، ذلك أن الموضوعات التي ناقشها المسلمون مع النصارى تُعد أساسًا لظهور الفلسفة في الإسلام؛ لأن النصارى ذهبوا إلى أن الله جوهر، كما ذهبوا إلى تقسيم الموجودات إلى جوهر وعرض، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك، وهذه المناقشة أنتجت تفكيرًا فلسفيًّا في الإسلام، ولا شك أن ما ذهب إليه اليهود والنصارى باطل وضلال، ولكن كان له تأثير كبير على أصول الإسلام وقواعده، وساهم في تكوين القواعد الفلسفية الكلامية.

3. الفلسفة اليونانية:

الفلسفة اليونانية إحدى العوامل التي دعت إلى نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام، ومن المعلوم والمقرر أن جوهر الإسلام وعقيدة الإسلام تختلف تمامًا عن الفلسفة اليونانية، ولكن لما دخلت هذه الفلسفة على المسلمين، وبدأ بعض أمراء المسلمين يترجمون كتب هؤلاء الفلاسفة من اليونان أعجب بها بعض علماء المسلمين، واطلعوا عليها ومزجوها بالعقائد الإسلامية.

4. هو المذاهب الغنوصية الشرقية:

ومعنى الغنوصية: أنها عَلَم على المذاهب الباطنية، والإسلام لما دخل في بلاد كثيرة في الشرق وفي الغرب، وقابل بعض المخالفين له من المجوس والفرس في العراق، وفي إيران، وقابل أيضًا في مصر الأفلاطونية الحديثة وغير هؤلاء، بدأ أصحاب المذاهب الباطنية يهدمون في بناء الإسلام، ويحاربونه بالسيف والقلم، ويهاجمونه مهاجمة عنيفة، فقام بعض المسلمين للرد على هؤلاء الطوائف، فتأثر بهؤلاء الذين كانت لهم آثار موغلة في الباطنية.

العامل الثاني: العوامل الداخلية:

1. العوامل السياسية:

لا شك أننا نسلم أن المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا اختلافًا سياسيًّا يسيرًا، ولكن سرعان ما انتهى هذا الخلاف بحصول البيعة للصديق رضي الله عنه، ولكن بعد مقتل الخليفة الراشد الزاهد عثمان بن عفان رضي الله عنه انفجرت الخلافات السياسية، وفي أثرها تكونت المذاهب.

فالشيعة بفرَقها المختلفة وبفلسفة هذه الفرق العارمة التي قد تعددت نواحيها في صور مختلفة بين الإثنا عشرية، والإسماعيلية، والزيدية وغير ذلك، نشأت وتطورت نتيجة لموضوع الإمامة، وقد نذهب ونقول بأن هذه المسائل تتعلق بالسياسة، والبعض يذهب أيضًا إلى أن أصل نشأة المعتزلة كانت سياسية، وأن تطورها أيضًا كان بدافع السياسة.

2. العوامل الاقتصادية:

حيث يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار العامل الاقتصادي سببًا في نشأة الفرق الإسلامية، وبالتالي ظهر التفكير الفلسفي في الإسلام، وأرى أن هذا العامل إن كان صحيحًا فلا شك أنه ضعيف.

ولكن هناك عامل داخلي مهم للغاية، وهو العامل الثالث الذي أدى إلى انتشار ونشأة الفلسفة في البيئة الإسلامية، وهذا العامل هو:

3. حركة العلوم: التي شملت الطب، والنجوم، والخوض في المسائل الإلهية، واستخدام العقل فيها، وفي هذا أقول: كانت حركة العلوم الفلسفية التي تشمل الطب والنجوم والإلهيات وما إليها، هي بقية من بقايا مدرسة الإسكندرية التي تأثرت بالأفلاطونية، وقد كانت لا تزال باقية في مصر، وإن ضعفت بالفتح الإسلامي، ولكن الناس قد أقبلوا على هذه الثقافات كما أقبلوا في البداية على الثقافة العربية، يتعلمون لغتها ويبحثون فيما أتت به من دين، فاتجهت أكثر الثقافة في بداية الأمر إلى الاشتغال بالدين الإسلامي وعلومه، واللغة العربية وعلومها، ومع ذلك بقيت بقية قليلة تميل إلى الفلسفة وتتطلع عليها، وكان أكثر هؤلاء من رجال الدين النصراني؛ لامتزاج النصرانية بالأفلاطونية الحديثة.

وعندما اختلف النصارى في عقائدهم، وتجادلوا في مذاهبهم، والتجأ كل مذهب إلى الاستعانة بالفلسفة اليونانية في تأييد رأيه زاد نفوذ الفلسفة عندئذ، وكان أمراء مصر وولاتها يحتاجون إلى الأطباء والمنجمين، وقلَّ أن يجدوهم إلا في النصارى، ومن هنا كان هذا العامل الداخلي، يعني: أن النصرانية امتزجت -كما ذكرت- بالأفلاطونية، وبالفلسفة امتزاجًا وثيقًا، وكان الولاة في البلاد العربية في مصر بحاجة إلى أطباء ومنجمين، وعلماء في الفلك وغير ذلك، وكان معظم هؤلاء العلماء من النصارى، وهؤلاء كانوا يشتغلون بالفلسفة، ويذكر البعض بأن الطب والتنجيم، فرعان من فروع الفلسفة اليونانية.

وقد اشتهر في هذه الفلسفة رجال ورجال، وبدأ المسلمون الذين أصبحوا بحاجة إلى أن يتعلموا هذه العلوم، يلجئون إلى هؤلاء النصارى من الفلاسفة، وقد اشتهر من هؤلاء سعيد بن نوفل، وكان هذا الرجل نصرانيًّا، ولكنه كان طبيبًا لابن طولون، كما اشتهر سعيد بن البطريق، وكان طبيبًا نصرانيًّا من أطباء فسطاط مصر، وكانت له دراية بعلوم النصارى ومذاهبهم، وقد عُيّن بطريقًا على الإسكندرية، ومات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكانت له كتب في الطب والجدل، كما ترجم كتابي (الحيوان)، و(السماء والعالم) لأرسطو.

ولا شك أن بعض العلماء المصريين كانوا يتصلون بهذه الحركة الفلسفية، وبهؤلاء العلماء، ويتصلون برجالها، ويقرءون كتبهم، فابن الداية مثلًا كان -كما يقول ياقوت- أحد وجوه الكتّاب الفصحاء، والحُسّاب والمنجمين، ونجده ينقل في كتابه (المكافأة) عن أفلاطون، ونجد ذا النون المصري الصوفي المشهور يتحدث عن الرهبان، ويروون في ترجمته أنه كان يعرف السحر والطلسمات، والكيمياء.

ومن هذا، نفهم أنه كانت هناك حركة فلسفية في مصر من أثر مدرسة الإسكندرية، ومن أثر الوافدين من العراق بما ترجموا من كتب، وأن بعض العلماء المصريين اشتغل بهذه الفلسفة، وتأثر بها وتثقف، وأدى هذا أيضًا إلى ظهور الفلسفة بين المسلمين، وكانت الشام كمصر في هذا الجانب.

فالحركة العلمية في الشام في العهد الطولوني والإخشيدي، كانت صورة للحركة في مصر، وربما كانت أصغر منها، ولكن كان في الشام طائفة كبيرة من المحدثين والفقهاء، والصوفية والقراء، وكان في مصر كذلك، ولكن انتشار حركة التصوف في مصر أيضًا، والشام عن طريق ذي النون المصري وأصحابه، وظهر في الشام طاهر المقدسي، وقد أخذ التصوف عن ذي النون المصري وغيره، هؤلاء دخلوا في الفلسفة.

وكان في بلاط سيف الدولة الفيلسوف الكبير الفارابي، وهذا الرجل قد درس في بغداد، ثم جذبته شهرة بلاط سيف الدولة في حلب، فرحل إليه وأقام عنده، وكان متعففًا، فكان لا يأخذ منه من المال إلا ما يسد رمقه، قيل: كان يأخذ أربعة دراهم في اليوم فحسب، ويعيش عيشة التصوف، وكان يعلّم طلابه في الحدائق التي حول حلب، وكان يكتب كتبه في المنطق والإلهيات والسياسة، والرياضيات، والكيمياء، وكان حوله أطباء يعنون بالطب وبالفلسفة.

ويذكر ابن أبي أُصَيْبِعَة في (طبقات الأطباء) أن سيف الدولة كان له أربعة وعشرون طبيبًا، منهم عيسى الرقي، وكان سيف الدولة يعطي عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرقي يأخذ أربعة أرزاق: رزقًا بسبب الطب، ورزقًا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب علمين آخرين.

وهذا بلاط سيف الدولة يزخر بالشعر والمناظرات اللغوية والنحوية، ويزينه الفارابي بفلسفته، ويشع هذا النتاج كله في المملكة الإسلامية، ومنه يستنشق أبو العلاء المعري عهده بالدراسة، فقد ولد بالمعرة، وهي بلدة تابعة لحلب، وكانت الحركة العلمية والأدبية ظاهرة في عهده، وكانت حركة الأدب واللغة والفلسفة التي أحياها سيف الدولة لها فضل على أبي العلاء وغيره من العلماء والأدباء، وهؤلاء لما تثقفوا، وكتبوا مزجوا العلوم التي كانت عندهم والتي تعلموها بعلوم الفلاسفة.

ثم جاءت الدولة الفاطمية، فبسطت سلطانها على مصر والشام، ولا شك أنها أتت بحركة نشيطة علمية، وقدمت العلم والأدب، والفن في مصر والشام، وهذا يرجع إلى أمور، منها: أن الفاطميين جاءوا بمذهب شيعي له أسس ودعائم تخالف ما كان عليه أهل السنة في مصر والعراق، كعصمة الأئمة ونحو ذلك، كما أتوا بشعائر ظاهرة مخالفة لشعائر أهل السنة والجماعة، كالأذان بحي على خير العمل، والاحتفاء بعاشوراء وعيد الغدير، وهذا في الحقيقة جذب بعض الناس إليهم، كما أنه أوجد حركة عنيفة للتأييد من جهة، والتفنيد من جهة أخرى، وهنا هب علماء من مصر يفندون هذه الآراء، وكانوا العراقيون غير خاضعين لسلطان الفاطميين كالمصريين والشاميين، وبالتالي بدءوا يردون أكثر على الفاطميين ويبينون فساد النسب الفاطمي، وقد كتب ووقف ضدهم الإمام الغزالي -رحمه الله تبارك وتعالى.

وهذا الاحتكاك في الحقيقة بين المؤيدين والمعارضين أنتج حركة علمية، ولكن كان لها من الآثار السلبية الشيء الكثير، ذلك أن الفاطميين لجئوا إلى الفلسفة اليونانية، يستعينون بها على تأييد الدعوة الشيعية، ويستمدون الآراء من أقوال أفلاطون وأرسطو، وسائر من أطلقوا عليهم حكماء في اليونان، وعندئذ كان دخول الفلسفة قويًّا على المسلمين.

كما أن من سلبيات الفاطميين أثناء وجودهم في مصر أنهم تسامحوا تسامحًا شديدًا مع اليهود والنصارى، بل إنهم استخدموا اليهود والنصارى في أدق شئون الدولة، وسلّطوهم على كثير من أمورها، ولعل أس دعوتهم كان يحتاج إلى توحيد العالَم الإسلامي تحت سلطانهم من غير مراعاة للدين الحق الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه.

وهؤلاء الناس حاولوا القضاء على الدولة الإسلامية بأسرها بما أدخلوا على المسلمين من فلسفات بعيدة غاية البعد عن دين رب العالمين سبحانه، وعظم الأمر عندما شاركوا وأدخلوا عناصر من اليهود والنصارى، وشجعوهم على الاشتغال بالحركة العلمية، والمشاركة في إدارة البلاد.

ومما يؤسَف له أن زوجة العزيز كانت نصرانية، وكان لها أخوان أحدهما اسمه أرميس، وقد صيره بطريقًا على بيت المقدس، والآخر أرسانيس وقد صيره بطريقًا على القاهرة ومصر، وكان لهذه السيدة النصرانية نفوذ عظيم على العزيز في تسامحه مع النصارى، والسماح بإعادة بعض الكنائس، وقد ولدت هذه الزوجة النصرانية من العزيز بنتا هي المسماة بـ”ست المُلك” وكانت قوية العزم بصيرة بالأمور، وكان لها أثر كبير في أبيها وفي توجيهه نحو سياسية التسامح مع النصارى، كما كانت في عهد أخيها الحاكم بأمر الله ذات أثر فعال فيما وقع من أحداث.

وفي السنتين الأخيرتين لحكم العزيز، تولى الوزارة بعد يعقوب بن كلّس عيسى بن نسطور النصراني، وهذا شجع اشتغال الفاطميين بالفلسفة، مما كان له أثر عظيم في أن يقسم الدين عند هؤلاء إلى ظاهر وباطن، وأن يذكر بأن هناك معاني صريحة ومعاني يجب أن تؤول وأن يترك للخيال المجال، ويجعل من الخيال فكرًا يسبح في الفلسفة، ويأخذ منها ويُلصق ما يأخذ بالدين، كما نرى ذلك بوضوح في (رسائل إخوان الصفا)، وهم شيعيون باطنيون؛ ولذلك كانت الفلسفة ألصق بالتشيع منها بالتسنن، وقد نرى ذلك، ونشاهده تمامًا عند دراستنا للعهد الفاطمي، والعهد البويهي.

يقول المقريزي -رحمه الله-: “كان الفاطميون يتدرجون في دعوتهم، فإذا تمكن المدعو من التعاليم الأولى أحالوه على ما تقرر في كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات، وما بعد الطبيعة والعلم الإلهي، وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية، تأمل كيف أن هؤلاء إذًا -أعني الفاطميين- عندما احتاجوا إلى هذه العلوم المختلفة، وأرادوا أن يقرروا مبادئ شيعية فاسدة لجئوا إلى الفلسفة، وكانوا في الحقيقة يخدعون الناس”.

وفي ذلك أيضًا يقول المقريزي: “إذا تمكن المدعو من معرفة ذلك –يعني: أن المدعو أصبح قابلًا لعلوم الفلاسفة- كشف له الداعي قناعه، وقال له: إن ما ذُكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادئ، وبدأ يطعن له على دين النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا اعتنى الفاطميون كثيرًا بهؤلاء الفلاسفة، ومجدوهم وأخذوا منهم”.

ومن هنا روى الإمام البغدادي -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (الفَرق بين الفِرق) أن عبيد الله بن الحسن القيرواني وهو أحد زعماء الإسماعيلية كتب إلى أحد دعاة المذهب، وهو سليمان بن الحسن أبي سعيد الجنابي، يقول: “وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا”.

ويقول الشهرستاني -رحمه الله-: “إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنَّفوا كتبهم على هذا المنهاج”. ويفيض في بيان ذلك، ويقول جوزي: “إن ابن ميمون وهو واضع الأساس للتعاليم الباطنية والإسماعيلية لم يكن يبحث في أنصاره المخلصين بين الشيعة الخلص، إنما كان يبحث عنهم بين الثنوية والوثنيين، وتلاميذ الفلسفة اليونانية، وخاصة الأخيرين، فإليهم وحدهم أفض بسره وكنه عقيدته، وهو أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالًا وهزوا، وأن العامة ليسوا أهلًا لفهم هذه المبادئ، إلا أنه كان يستعين بهم، ولا يصدمهم، وكان دعاته يظهرون لهم في أول الأمر عدم المخالفة للعامة فيما هم عليه”.

الشاهد من كل ذلك أن هذا الأمر الثالث والأخير، وهو حاجة بعض البلاد الإسلامية خاصة مصر والشام إلى ما أُطلق عليهم الحكماء، أو إلى الطب، وعلم التنجيم وغير ذلك، جعلهم يستعينون بالنصارى، وقد بيَّنت كيف أن النصارى أفسدوا أنفسهم، وأفسدوا دينهم واشتبكوا بعد ذلك مع المسلمين في قضايا عقدية أدخلوا من خلالها ما عندهم من ضلال إلى المسلمين، وكانت لهذا آثار سلبية في ظهور الفلسفة بين المسلمين. وأؤكد أن الفاطميين، والشيعة باختلاطهم، وامتزاجهم بالثنوية وعباد المجوس، وغير هؤلاء وإتيانهم بشعائر تخالف شريعة الإسلام، وفلسفات بعيدة عن روح الإسلام كان لهم نصيب كبير في ظهور وشيوع هذه الفلسفة بين المسلمين.

error: النص محمي !!