Top
Image Alt

كتابا) :الغارة على العالم الإسلامي (و) العالم الإسلامي اليوم(

  /  كتابا) :الغارة على العالم الإسلامي (و) العالم الإسلامي اليوم(

كتابا) :الغارة على العالم الإسلامي (و) العالم الإسلامي اليوم(

من الأمور التي وضعوها في مؤتمراتهم وتواصَوْا بها: أنهم قسّموا العالم الإسلامي إلى مناطق جغرافية. هناك منهجان لهذا التقسيم: منهج يقسم العالم الإسلامي إلى قلب وأطراف: قلب العالم الإسلامي يشمل: منطقة الحرميْن الشريفيْن ومصر. وأطراف العالم الإسلامي تشمل: شرق وجنوب شرق آسيا، وشرق وجنوب شرق إفريقيا، والبلاد التي تقع فيما نسمِّيه نحن الآن: أوربا الشرقية، والتي كانت خاضعة لبلاد الاتحاد السوفيتي قبل أن ينفرط عقد روسيا فيما بعد. وهذان المنهجان كلّ منهما وسيلة في التعامل.

فهناك من كان يرى أنّ أصلح وسيلة لنشر تعاليم الإنجيل بغية تنصير المسلمين: أن نركِّز أولًا على الأطراف؛ فيموتَ القلب من تلقاء نفسه. ويشبِّهون هذه الحركة بالطائر؛ فأنت إذا قصصت أطراف الطائر لا يستطيع أن يطير، وقد يموت تلقائيًّا بدون حرب.

المنهج الثاني يقول: لا، بل الأوْلى: أن نبدأ بضربات سريعة موجّهة إلى القلب، فإذا مات القلب ينقطع ضخّ الدم عن الأطراف؛ فتموت تلقائيًّا.

وبعد الحربيْن العالميّتيْن الأولى والثانية ظهر مَن ينادي بالأخذ بالمنهجيْن معًا: منهج الضغط على الأطراف، والضرب في القلب. والذين لهم دراية وخبرة ويستطيعون تحليل الواقع الذي نعيشه الآن، يجدون مصداق ما نقول منفّذًا وواقعًا عمليًّا على الأرض وفي العالم الإسلامي.

أودّ أن أضع أمام حضراتكم: أن هذه القضية لم تَغِب عن أعْيُن النصارى حُكّامًا ومحكومين. وهناك كتابان مهمّان جدًّا أشير إليهما لِمن أراد أن يرجع إلى شيء من التفصيل: كتاب اسمه: (الغارة على العالم الإسلامي) لأحد المستشرقين الفرنسيِّين اسمه “إ.ل. شاتيليه”، تُرجم إلى اللغة العربية بعنوان: (الغارة على العالم الإسلامي) بواسطة الشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله.

في هذا الكتاب يُبيِّن هذا المستشرق الخُطط والمناهج العملية للاستشراق، ويبيِّن لنا تاريخ تأسيس الاستشراق جيلًا بعد جيل. فابتداءً يضع أمام أيدينا التقسيم الجغرافي للعالم الإسلامي، ثم يبدأ يبيِّن لنا تاريخ تأسيس الجمعيات والمؤسسات والمعاهد التبشيرية في هذه المناطق. فعلى سبيل المثال نجد أنه في سنة 1664م في القرن السابع عشر، تأسست مدرسة تسمى: “قاعدة علمية لتخريج المبشِّرين”. يتعلمون في هذه الكلية أصول التبشير ووسائله، ثم ينطلقون إلى أنحاء العالم. أين تأسّست هذه الكلية؟ تأسّست في قلب أوربا.

ننتقل من 1664م نجد بعدها وقبل أن يمضي قرن من الزمن تأسّست جمعية أخرى أيضًا في قلب أوربا -في لندن بالذات- تسمّى: “الجمعية اللندنية التبشيرية”. وتأسس نظيرها في اسكتلندا. ثم انتقلت القضية إلى نيويورك، تأسست جمعية بنفس الاسم “جمعية أمريكا التبشيرية”. وفي نفس الوقت تأسّس في ألمانيا، والدنمارك، وهولندا، والسويد، والنرويج، وسويسرا، جمعيات مماثلة لنشر المسيحية 1795م. يعني: في أواخر القرن الثامن عشر- كلّ جمعية في أية دولة من هذه الدول بدأت تنتشر لها فروعٌ في أنحاء العالم؛ فتأسَّست جمعيات فرعية لكل واحدة من هذه البلاد فيما يسمّونه: “جمعيات التَّبشير في أرض التَّوراة العثمانية” التي هي أملاك الدولة العثمانية. وحدثتكم -وأنا أتكلم عن الاستشراق- أنّ هناك مائة مشروع لتقسيم الخلافة العثمانية، نستطيع أن نعرف من الآن: أنّ هذه الجميعات التبشيرية التي انتشرت في أنحاء أوربا كيف تعاونت فيما بينها على وضع هذه المائة مشروع لإسقاط الخلافة العثمانية.

سنة 1855م تألّفت جمعية الشبان المتطوِّعين للتبشير بالمسيحية في البلاد العربية. في 1902م تأسست جمعية “تبشير الشبان”، ومهمّتها الخاصة استمالة المرأة، بنتًا، أو زوجة، أو مطلّقة، أو أرملة، طالبة، أو عاملة، أو ربّة بيت.

في 1907م تأسّست جمعية لتبشير الكهول من النساء والرجال، واحتضانهم في بيوت تسمّى: بيوت كبار السن. وهذه منتشرة في أنحاء العالم.

ولا يفوتنا هنا أن نتكلم عن نشاطهم في إفريقيا أيضًا؛ ففي 1804م تأسّست جمعية كنسية بروتستانتية تحت حماية الاستعمار الفرنسي في إفريقيا الغربية. في 1804م هذه الجمعية بالذات بدأت تنتشر لها فروع في شرق وجنوب ووسط إفريقيا. في 1819م اتفقت الجمعية الكنسية البروتستانتية مع الأقباط في مصر، وألّفت في مصر إرسالية عهدت إليها بالتبشير في إفريقيا الشرقية وفي وسط إفريقيا. وركزت هذه الجمعية بالذات على منطقتيْن مهمّتيْن: جنوب السودان، والحبشة. ثم عززت ألمانيا هذه الإرسالية بالذات، وفتحت لها فروعًا في المنطقة التي يدور فيها الصراع في جنوب السودان الآن.

ثم توافد المبشِّرون على إفريقيا الوسطى بالذات عقب بعثة (استانلي) سنة 1878م. وقسّموا إفريقيا مناطق مناطق فيما بينهم؛ بحيث إن كلّ إرسالية تابعة لدولة معيّنة تضع يدها على منطقة جغرافية من إفريقيا لنشر تعاليم الإنجيل. وسوف نعلم فيما بعد ما هي الوسائل التي كانوا يخاطبون بها أهل إفريقيا، أو يتعاملون بها مع أهل إفريقيا، لنشر تعاليم المسيح فيما بينهم، خاصة إذا علمنا أنّ معظم بلاد إفريقيا كانت في هذا الوقت لا تعرف شيئًا لا عن الإسلام ولا عن المسيحية، وإنما كانت ديانتها أقرب إلى الوثنية منها إلى أي دين سماوي.

هذا فيما يتعلق بالكتاب الأوّل وهو كتاب: (الغارة على العالم الإسلامي).

أمّا الكتاب الثاني الذي أودّ أن أشير إلى أهمّيته في هذا المقام؛ لأنني قلت في بداية الدرس: أنني سأعتمد على كتابات المبشِّرين في لقائي معكم حول هذا الموضوع. الكتاب الثاني يسمَّى: (العالم الإسلامي اليوم)، كتبه أحد كبار المبشِّرين في الخليج العربي، وهو القسيس “زويمر”، كان رئيسًا لإرسالية التبشير في البحرين، وكان يعمل تحت حماية أمريكا في هذه المنطقة، وكتب هذا الكتاب وهو: (العالم الإسلامي اليوم). والكتاب عبارة عن مجموعة تقارير عن أعمال المبشرين في الجزيرة العربية، في سوريا، ولبنان، والشام، في مصر، في البصرة، في البحرين، في الكوفة، في وسط إفريقيا.

وجاء في مقدمة هذا الكتاب أمور مهمّة جدًّا، أودّ أن أضعها أمام حضراتكم. فإن مقدّمة هذا الكتاب كلّها عبارة عن إلحاح على ضرورة التبشير بين المسلمين. ويوجِّه نقْده الشديد إلى المؤسسات التبشيرية، ويصِفها بالكسل والتواني أو التخاذل عن نشر تعاليم الإنجيل بين المسلمين؛ بل إنه يعتبر المؤسسات التبشيرية ارتكبت خطأ كبيرًا بتركها المسلمين وشأنهم؛ إذ ظهر لها أنّ أهمية الإسلام في هذه الدرجة الثانية حوالي ثمانمائة مليون وثني -هكذا يعتبرهم “زويمر”.

وُضع هذا الكتاب في النصف الأول من القرن العشرين، وكان تعداد المسلمين وقتها لم يتجاوز أو لم يصل إلى المليار الذي نتحدث به الآن، فكان يحكم عليهم بأنهم وثنيون. ويطلب “زويمر” في هذا الكتاب الإلحاح على ضرورة الإسراع بالتبشير بهمّة ونشاط، ويقول: “إنّ أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في جميع الممالك الإسلامية، مثل: الهند -وركّز على الهند وإندونيسيا بالذات- والصين الجنوبية، ومصر، وتونس والجزائر”. ثم يقدّم نصائحه إلى المبشرين قائلًا: “يجب أن يكون تبشير المسلمين بوساطة رسول من أنفسهم، ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها، أو أحد أعضائها. وكيف يكون المبشِّر بالمسيحية مسلمًا؟ عن طريق نشر الانحلال، والتجرد من الشعائر والطقوس الدينية، ومحاولة تشويه الإسلام وتزيين المسيحية؛ فينشأ جيل لا علاقة له بالإسلام، ولا صلة له بالإسلام، ولا يريد أن يعرف شيئًا عن الإسلام. هذا اللون من الأجيال يسهل اقتيادها إلى ما يراه المستشرقون”.

ثم يقول: “ينبغي للمبشرين ألا ييأسوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة؛ إذ من المحقّق: أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيِّين، وإلى ما طرحناه عليهم من تحرير المرأة”. وانتبه يا أخي لهذه العبارة: “قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيِّين وإلى ما طرحناه عليهم من قضية تحرير المرأة”.

ويشير إلى أن أهمّ معاهد التبشير التي أنشئت في مصر هو: المعهد الذي أسسته جمعية اتحاد مبشري أمريكا الشمالية سنة 1854م. وقد استطاع المبشرون منذ هذه الحقبة حتى سنة 1904م أن يحتكُّوا بالمسلمين في مصر، عن طريق مؤلفاتهم ومدارسهم، وعن طريق المحاضرات العامة وبقية ألوان النشاطات المختلفة التي استخدموا فيها كلّ ما هو متاح ثقافيًّا واجتماعيًّا.

error: النص محمي !!