Top
Image Alt

كتاب “الأباطيل” للجَوْزَقَاني

  /  كتاب “الأباطيل” للجَوْزَقَاني

كتاب “الأباطيل” للجَوْزَقَاني

مقدمة عن الكتب المؤلفة في الموضوعات:

بتوفيق من الله -تبارك وتعالى- وعون منه سبحانه نبدأ دراسة الكتب التي ألفت في الموضوعات، ونحن نعلم أن تأليف هذه الكتب يعتبر أحد أهم جهود العلماء في مقاومة الوضع و الوضاعين، لقد قاوموا الوضع والوضاعين بأساليب كثيرة متنوعة عرضنا لها في المستوى الرابع، وكان تأليف الكتب في الموضوعات من أهم الأسلحة التي شهرها علماء الحديث في وجه الوضع والوضاعين ألفوها؛ ليميزوا من خلالها بين الأحاديث الصحيحة وبين الموضوعة خصوصا أننا عندنا بفضل من الله -تبارك وتعالى- مؤلفات ألفت في الأحاديث الصحيحة مثل (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) وكثير من الكتب حتى وإن لم تمحَّض المؤلف للصحيح خاصة، فإن كثيرًا منها قد وجدت فيها الأحاديث الصحيحة هذا المستوى سيتناول دراسة هذه الكتب سنعرف بالمؤلف في كل كتاب، ونعرف بالكتاب، ونتكلم عن نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وعن منهجه فيه، وعن موضوع الكتاب، وعن تقويم العلماء لهذا الكتاب، ودوره في مقاومة الوضع إلى آخر هذه النقاط الهامة التي تتعلق بدراسة كل كتاب من كتب العلم عامة، وكتب المنهج خاصة.

التعريف بالجَوْزَقَاني، وكتابه:

ونبدأ بإذن الله -تبارك وتعالى- مع كتاب الجَوْزَقَاني، وبدأنا به؛ لأنه كما قيل: هو الأصل لكتاب ابن الجوزي، وكتاب ابن الجوزي يعتبره العلماء من أهم كتب الموضوعات إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

وقالوا: إنه أخذ كتاب الجَوْزَقَاني، ووضعه في كتابه، وبنى عليه؛ من أجل ذلك بدأنا بكتاب الجَوْزَقَاني بالإضافة إلى أن كتاب الجَوْزَقَاني من الكتب السابقة في هذا الفن أيضًا؛ لذلك بدأنا به.

أ. الجَوْزَقَاني: نعرف به أولًا، فنقول كما قال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): الإمام الحافظ الناقد أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الهمذاني الجورقاني بالراء هكذا بالراء: الجورقاني إذا هو اسمه: الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الهمذاني الجورقاني هكذا نسبه الذهبي في (السير) إلى جورقان، وأيضا الذهبي قال عنها في (السير): وجورقان من قرى همذان.

وفي (تذكرة الحفاظ) للذهبي جعلها بالزاي، وقال عنها -أي: جَوْزَقَاني-: إنها من ناحية من همذان، وضبطها ابن حجر في (اللسان) وهو يترجم لصاحب الكتاب فقال: وجوزقان حتى ضبطها بالحروف، وليس بالحركات، قال: وجوزقان بضم الجيم وسكون الواو بعدها زاي، ثم قاف بلدة من نواحي همذان.

إذن هي جورقان أو جوزقان، وفي كلتا الحالتين هي قرية من قرى همذان، وهناك من الكتب الأنساب من رجحت هذه النسبة ومنها من رجحت هذه النسبة.

كنيته أبو عبد الله، لم تتعرض الكتب كثيرا لسنة مولده، وقد توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة.

لكن المحقق الدكتور عبد الرحمن يجتهد في سنة مولده فيقول: إلا أن أقدم شيخ له وفاة هو أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني توفي سنة 506، وكذلك أبو البدر شجاع بن عمر بن أبي البدر النهاوندي الجوهري توفي بعد سنة 500 هجرية، وهناك غير واحد من شيوخه قد توفوا في آخر العقد الأول، وأوائل العقد الثاني من القرن السادس؛ فيؤخذ من تواريخ وفيات شيوخه أنه ولد في أواخر العقد السابع أو أوائل العقد الثامن من القرن الخامس الهجري، حيث تمكن من الرواية عن هؤلاء المشايخ وعمره ما بين خمسة عشرة سنة وعشرين سنة.

إذا يتوقع الشيخ أن يكون مولده مثلًا في أواخر 479 ، 478 أو أوائل العقد الثامن 480 ، 481 إلى آخره، المسألة قريبة في هذا.

الجَوْزَقَاني لم تكن له رحلات كثيرة؛ لأن مدينة همذان من أهم مراكز العلم والثقافة في ذاك الزمان، وكان بها عدد من كبير العلماء، ويرد إليها كثير من أهل العلم من غير أهلها، ومن طلابه من البلدان الإسلامية؛ ولذلك يقولون: إن سكان همذان كانوا يتمتعون بفوائد الرحلة، وهم في بلدهم؛ لأن علماء البلاد الأخرى يأتون إليها، هذا شأن كل المراكز الهامة في البلاد الإسلامية التي تكون مركزًا ومعلمًا طيبًا للعلم والعلماء، فيأتي إليها العلماء من كل البلاد.

وقد رحل إلى بغداد يقينًا، وابن النجار قد استدركه في ذيله لـ(تاريخ بغداد) وترجم له في أنه من الذين دخلوا بغداد، فهو رحل إليها، لكن يتوقع أن تكون له رحلات إلى بلاد أخرى لكن على كل حال كتب التراجم التي عنيت بالترجمة له لم تكثر كثيرًا من الكلام عن رحلاته.

شيوخ الجَوْزَقَاني ذكرهم الذهبي في السير ثمانية لكن محقق الكتاب من خلال استخراجه، واستنباطه لهم من رواية الجَوْزَقَاني عنهم في كتابه (الأباطيل) الذي نحن بصدد دراسته الآن وصل بهم إلى ستة وثمانين شيخًا.

هناك من هؤلاء الشيوخ من أكثر عنهم كعبد الرحمن بن حمد الدوني يوجد له ستة وثمانون نصًّا، وابن طاهر المقدسي اثنان وستون نصًّا، وحمد بن نصر الأعمش ثمانية وخمسون نصًّا إلى آخره، ومنهم من لم يرو عنه إلا نصًّا أو نصين فقط.

أما تلاميذه فليسوا كثيرين، والكتب التي ترجمت له لم تذكر له تلامذة كثيرين؛ ربما لأنه لم يشتغل بالتدريس والإملاء. والله أعلم.

لكن على كل حال كتابه هذا ورد عنه من روايات بعض تلاميذه منهم نجيب بن عالم الطيان ابن أخت المؤلف، روى عنه (الأباطيل) وحدث به عنه في سنة 582 هـ.

وهذا موجود في (تذكرة الحفاظ) ومنهم عبد الرزاق الجيلي قال ابن النجار: روى لنا عنه عبد الرزاق الجيلي أي: روى له كتاب (الأباطيل) وعبد الرزاق هذا هو ابن الشيخ القدوة أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيني الإمام المحدث الحافظ الكبير أبو بكر الحنبلي، وهو محدث بغداد.

ومن الذين رووا عنه كتاب (أهل الأباطيل) أيضًا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد الطيبي الفقيه، روى عنه ابن الجوزي في (الموضوعات) ومنهم ابن شافع الجيلي.  هؤلاء هم أهم التلاميذ الذين رووا لنا كتاب (الأباطيل) عن الجَوْزَقَاني صاحب الكتاب.

ب. اسم الكتاب: الكتاب طبع بهذا الاسم: (الأباطيل، والمناكير، والصحاح، والمشاهير) هذا الاسم سماه ابن حجر في كتاب (لسان الميزان) في ترجمة “الجَوْزَقَاني أبي عبد الله الحسين إبراهيم الجَوْزَقَاني الهمذاني”.

وهناك من سماه بـ(الأباطيل) فقط مثل الذهبي في (تذكرة الحفاظ).

وقال ابن النجار: كتب وحصل وصنف وأجاد تصنيف كتاب (الموضوعات) فسماه (الموضوعات) في (السير) للذهبي يقول: له مصنف في الموضوعات يسوقها بأسانيده، وعلى كتابه بنى أبو الفرج ابن الجوزي كتاب (الموضوعات) له.

إذن نحن أمام تسميات ثلاث لكتاب الجَوْزَقَاني: كتاب (الموضوعات) كتاب (الأباطيل) كتاب (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير).

وورد أيضا في بعض المصادر (الموضوعات من المرفوعات)، وسماه ابن حجر أيضًا في (التلخيص الحبير) بـ(الأحاديث الضعيفة).

وقد سمى المؤلف كتابه كما ذكر ذلك المحقق بـ(الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير).

ولذلك أثبته المحقق، ويقول: وقد أثبت الاسم الأول أعني (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير)؛ لأنه تسمية المؤلف كما أشار إليه في المقدمة، وكما صرح به الحافظ ابن حجر؛ ولأنه أولى وأشمل على موضوع الكتاب حيث خرّج المؤلف فيه هذه الأصناف الأربعة من الصحاح والمشاهير، وعارض بهما الأباطيل والمناكير يعني: حين نتكلم عن منهج الجَوْزَقَاني في كتابه سنبين أن الاسم يلتقي مع منهجه في الكتاب.

إذن نحن أمام تسميات متعددة، وأحيانا أصحاب الكتب يعمدون إلى الاختصار في تسمية الكتب، وعلى كل نصطلح بأن اسمه كما سماه مؤلفه (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير) ومن الممكن أن نختصر فنقول كتاب (الأباطيل) للجَوْزَقَاني كما هو مشهور بين أهل العلم أحيانا.

جـ. نسبة الكتاب إلى مؤلفه: كثير من الكتب نسبت كتاب (الأباطيل) لمؤلفه الحافظ الحسين بن إبراهيم الجَوْزَقَاني، ونحن قد ذكرنا بعض أقوال أهل العلم في ذلك، وأصبح مشهورًا بين أهل العلم بذلك؛ مما يجعلنا نقطع بصدق نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه التي اشتهر بها بين أهل العلم.

د. موضوع الكتاب: قد جمع المؤلف الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وحكم بضعفها أو بوضعها في ضوء الأحاديث الصحيحة والمشهورة، بمعنى أنه يرى أن هذه الأحاديث تعارض الأحاديث الصحيحة؛ فمن ثم يحكم عليها بالوضع أو الضعف.

منهج الجَوْزَقَاني في كتابه:

منهجه في الكتاب: نستطيع أن نحدد منهج الجَوْزَقَاني في كتابه في هذه النقاط:

أولًا: هو وضع لكتابه مقدمة بين فيها منهجه وشرحه، وبيّن أيضا أنه يجمع في هذا الكتاب الأحاديث الضعيفة والموضوعة من الأباطيل والمناكير، ويبين عللها، ثم يذكر ما يقابلها من الأحاديث الصحيحة، والمشهورة؛ لبيان بطلانها.

ثانيًا: هو قسمه إلى كتب وأبواب، فذكر بعد المقدمة سبعة عشر كتابًا، وتحت كل كتاب مجموعة من الأبواب، وعدد الأبواب لا يتساوى بين الكتب المختلفة في الكتاب الكبير هذا، وجملتها أربعون ومائة باب.

يحتوي الكتاب كما عرض المحقق له على واحد وسبعين وسبعمائة نص.

ثالثًا: هو يحكم بضعف الحديث أو بوضعه؛ لمعارضتها الأحاديث الصحيحة.

رابعًا: أن المعيار الذي يحكم من خلاله على الأحاديث بأنها ضعيفة أو موضوعة أن يتم ذلك في ضوء أحاديث أخرى صحيح ومشهورة، يرى أن هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة تعارضها معارضة لا يمكن الجمع بينها من وجهة نظره؛ لذلك يحكم بضعفها أو بوضعها.

خامسًا: هو يخرج الأحاديث بأسانيدها هذا في المعظم، يعني: يذكر الأحاديث بأسانيده إلى من رواه، وأحيانًا يختصر في الإسناد يقول: وبهذا الإسناد.

وأحيانًا يسوق الروايات بدون أي سند؛ يقول مثلا: قد “روى فلان” أو “روي عن فلان” أو “رواه جماعة عن فلان” فلا يذكر أسانيد لهذه الأحاديث.

لكن الأعم الأغلب من أحاديثه أنه يرويها بإسناده هو، ثم يعقب عليها بما يراه مناسبًا للحكم عليها.

سادسًا: هو يضيف بعض المعلومات الهامة أثناء كلامه عن الأحاديث فيضيف مثلًا بعض المعلومات التاريخية، فحين تكلم عن كتاب الفضائل ذكر موجزًا لتاريخ خلفاء بني أمية، وترجم أيضا لعدد من الصحابة  رضي الله  عنهم وترجم لبعض الأئمة كالشافعي.

وأحيانا يتكلم عن بعض الفرق وأفكارها، فحين تعرض بذكر محمد بن كرَّام ذكر نبذة عنه، وعن الكَرَّامية، ويتكلم أحيانا عن بعض الأماكن، يعني: لا يتكلم عن أشخاص فقط، وإنما يتكلم عن الأماكن بكلام موجز لكنه مفيد.

أيضًا يتكلم عن العلل، وينقل أقوال أهل العلم من مؤلفاتهم في الجرح والتعديل لا يسوق إسناده إليهم لكنه ينقل أقوالهم ويحكم بها على ما يراه مناسبًا.

سابعًا: ينقل أيضًا أحكام أهل العلم مثل أحكام النسائي والترمذي والدارقطني، وفي الأعم الأغلب لا يصرح بذكر أسمائهم، وأحيانا يصرح باسم القائل، وهذا في القليل النادر.

ثامنًا: المؤلف له صيغ، ومصطلحات استعملها في التصحيح، وفي التضعيف مثلًا يقول: “صحيح” وهذا “استعمله في الأعم الأغلب” في الأحاديث التي صرّح أنها مخرَّجة في الصحيحين أو أحدهما يقول: “صحيح ثابت مشهور” يقول: “مشهور صحيح” يقول: “مشهور رواته ثقات” “صحيح رجاله كلهم ثقات أثبات” وأحيانًا يقول: “بدور وأقمار” يعني: “رجاله بدور وأقمار”، يقول: “مشهور حسن عزيز” يقول: “حسن مشهور” يقول: “مشهور” يقول: “حسن” يقول: “حسن غريب” يقول: “حسن تفرد به فلان” “عزيز كبير” “غريب جدًّا” “أشبه بالصواب” تقريبا هذه هي المصطلحات التي استعملها في منهجه أو في حكمه على الأحاديث.

إذن هو له مصطلحات استعملها على وجه يقصده هو، ومن الممكن أن يناقش فيها كما قلنا مثلًا: “مشهور فقط”، وأحيانًا يقول: “مشهور صحيح” “مشهور رواته ثقات”، وأحيانًا يقول: “صحيح ثابت مشهور”، وأحيانًا يقول: “حسن مشهور”، وأحيانًا يقول: “مشهور حسن عزيز” يجمع بين صفات لم يجمع بينها أهل الحديث على هذا النحو، لكنها كلها تدور عنده في دائرة القبول لهذا الحديث، بل وصف أحيانًا بأنه “غريب جدًّا” كلمة “غريب جدًّا” قد تستعمل في مجال النكارة والتضعيف، لكنه يستعملها من بين صيغ التصحيح.

أما صيغ التضعيف التي استعملها فكثيرة أحيانًا يقول: “موضوع”، وأحيانًا يقول: “موضوع باطل ليس له أصل”، وأيضا يقول: “موضوع لا شك فيه” “باطل” يقول هكذا، وأحيانًا يقول: “باطل لا شك فيه لا أصل له”، وأحيانًا يقول: “كذب موضوع باطل مركب لا أصل له”، وأحيانًا يقول: “باطل إسناده منقطع، في إسناده اضطراب، في إسناده ظلمات، في إسناده جماعة من الضعفاء إلى آخره، وأيضًا يقول: “مضطرب الإسناد والمتن”، يقول هذه الروايات “مضطربة مختلفة منكرة” “إسناده ضعيف مضطرب” يقول: “منكر مضطرب”، ويقول: “منكر باطل” ويقول: “منكر إسناده مرسل” في إسناده وهم، “منكر شبيه بالباطل” “لا يثبت”.

ألفاظه أحيانا يكون فيها مجازفات أو مبالغات في الأحكام.

نعود إلى أهم نقطة في منهجه التي تكلمنا عنها، قلنا: إنه يحكم على الأحاديث في ضوء النصوص الصحيحة من وجهة نظره، يراها أحاديث تخالف الأحاديث الصحيحة؛ فيحكم عليها بالوضع أو بالضعف؛ إذن معياره الذي يحكم يحكم من خلاله أنه يحكم في ضوء الأحاديث الصحيحة.

هذا المنهج انتقده كثير من العلماء، منهم ابن حجر انتقده أكثر من مرة في الحقيقة، وفي أكثر من كتاب يقول -أثناء ترجمته له في (الميزان): قد بين بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح لها.

قال الحافظ قال -تعقيبا على ذلك-: وهذا موضوع كتابه؛ لأنه سماه (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير) وهذا هو الكتاب الذي ذكره يعني: اسم الذي ذكره ابن حجر، ويذكر الحديث الواهي، ويبين علته، ثم يقول: “باب في خلاف ذلك”؛ فيذكر حديثًا صحيحًا ظاهره يعارض الذي قبله، وعليه في كثير منه مناقشات. هذا كلام ابن حجر في (اللسان).

أيضًا قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام في كتاب: (النكت على ابن الصلاح) لابن حجر، قال: ما يعرف صحته، وما يعلم فساده، وما يتردد بينهما.

وذكر أمثلة للثاني الذي هو يعلم منها فساده، وقال: ومنها أن يكون مناقضًا لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، وكما نبهنا ونحن نتكلم عن مادة الوضع والوضاعين في المستوى الرابع ينبغي أن نلاحظ دقة العلماء في اختيار ألفاظهم يقول: “ومنها” يعني: من أسباب فساد الحديث، وعدم صحته منها أن يكون مناقضًا لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي.

ومنها أيضا أن يكون في ما يلزم المكلفين أن يعملوا به، وقطع عذرهم فيه؛ فينفرد به واحد.

إذن قد أخطأ -هذا كلام ابن حجر- من حكم بالوضع بمجرد مخالفة السنة مطلقًا، وأكثر من ذلك الجَوْزَقَاني في كتاب (الأباطيل) له، وهذا لا يتأتى إلا حيث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه، أما مع إمكان الجمع فلا.

قال السخاوي -أيضا في (فتح المغيث): وللجَوْزَقَاني أو للجورقاني أيضًا كتاب (الأباطيل) أكثر فيه من الحكم بالوضع بمجرد مخالفته للسنة.

قال شيخنا: وهو خطأ إلا أن تعذر الجمع، ويقصد السخاوي بقوله: قال شيخنا يقصد ابن حجر -رحمه الله تعالى.

محقق الكتاب يقول: الأمر الذي جرّه إلى هذه المبالغات أو المجازفات في إصدار الأحكام في الراوي والمروي هو منهجه الذي اتبعه بشدة، ومذهبه الذي أبان عنه في كتابه هذا المذهب كل حديث يكون بخلاف السنة فهو متروك، وقائله مهجور.

هذا -كما ذكرنا- منهج لم يتفق عليه معه كثير من العلماء، وقد قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) حين عرَّف به فقال: مصنف كتاب (الأباطيل) وهو محتوٍ على أحاديث موضوعة وواهية، وطالعته واستفدت منه مع أوهام فيه، وقد بين بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح لها هذا يعقب على منهجه، ويعلق ويقول: على أوهام له فيه.

الجَوْزَقَاني في كتابه (الأباطيل) له موارد، خرّج مادة هذا الكتاب عن عدد كبير من أهل العلم يروي بالأسانيد إليهم هذا سبيل اتبعه يروي بالأسانيد إلى أهل العلم في أقوالهم.

أيضا نقل من كثير من كتب أهل العلم خصوصا في الحكم على رواة الحديث نقولا من غير أن يذكر إسناده، هو استفاد من بعض الكتب بالنقل عنها بواسطة كتب أخرى، وذكر المحقق بعض مصادره التي اعتمد عليها مما لا نطيل بذكره.

كتاب (الأباطيل) في نظر أهل العلم:

نأتي إلى أقوال أو كتاب (الأباطيل) في نظر أهل العلم:

معروف أنه من أوائل الكتب التي ألفت في هذا الفن، ويقينًا استفاد منه اللاحقون، كما ذكر الذهبي وابن حجر أن ابن الجوزي قد اعتمد على معظم مادة كتاب الجَوْزَقَاني (الأباطيل) في كتابه الذي صار مشهورًا عند العلماء في هذا الأمر.

ممن استفاد منه أيضًا ابن الملقن في كتابه (البدر المنير تخريج أحاديث رافع الكبير) نقل أقوالا كثيرة عنه.

أيضًا ابن النجار يقول: كتب وحصل وصنف عدة كتب في علم الحديث منها كتاب (الموضوعات) أجاد تصنيفه، وروى لنا عنه أي: استفاد بالكتاب.

أيضًا الذهبي يقول عن كتابه هذا في (تذكرة الحفاظ): وطالعته، واستفدت منه مع أوهام فيه، وقد بين بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح له، ونقل عنه في (ميزان الاعتدال) في الحكم على بعض العلماء، وقد لخص كتاب (الأباطيل) هذا.

ابن حجر أيضا رغم أنه انتقد منهجه إلا أنه استفاد منه، وأيضًا عقب عليه عقب على أحاديثه، وعلى أحكامه، واستفاد منه، ونقل عنه ابن حجر في (اللسان) ونقل عنه في (تلخيص الحبير) مرتين، وابن عماد بن ناصر الدين أثنى على الكتاب.  وأيضًا السخاوي ذكر الكتاب، وعلق عليه بما ذكرناه قبل قليل.

واستعمله السيوطي ، واستفاد منه في (اللآلئ المصنوعة) وجعله من مصادر كتابه، ونص على ذلك في المقدمة أنه من بين المصادر التي اعتمد عليها، ورمز له برمز، وأيضًا نقل عنه في (تحذير الخواص من أحاديث القصاص) ونقل عنه في (ذيل الأحاديث الموضوعة).

إذن كتاب الجورقاني كتاب مهم في بابه بصرف النظر عن الاتفاق، أو الاختلاف مع المنهج الذي اتبعه فالعلماء قد ناقشوه، وبينوا ما له، وما عليه، ولعل أشد ما أخذوه عليه أنه في قاعدة من قواعد المنهج أنه يحكم على الحديث بالبطلان أو بالوضع أو بالضعف لمجرد أنه يعارض أحاديث صحيحة، ولم يعمل مناهج المحدثين في ذلك، وهي أنهم يجمعون بين النصوص أولًا؛ ولذلك هو وابن الجوزي -كما سيأتي- حكموا على بعض الأحاديث بالوضع أو بالضعف، ويمكن مناقشتهم في هذه الأحكام التي قالوها؛ لأن المنهج الذي اتبعوه يحتاج إلى مراجعة، وإلى تدقيق.

أمثلة من كتاب (الأباطيل):

في كتاب “الوضوء” روى بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: “رأيت عليًّا توضأ، فأفرغ على يديه، وغسل وجهه ثلاث مرات، واستنشق واستنثر يعني: امتخط، ثم غسل ساعده ثلاثًا، ثم مسح رأسه، ثم مسح قدميه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يتوضأ”.

يقول الجَوْزَقَاني: هذا حديث منكر مداره على عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن يزيد بن أبي زياد.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي -رحمه الله-: “عبد الرحمن بن مالك بن مغول ليس بشيء حرقنا حديثه منذ دهر من الدهر”.

وقال العباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن مالك قد رأيته، وليس هو بثقة، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عن يزيد بن أبي زياد فقال: ضعيف كأن حديثه موضوع، وهذه أيضًا موجودة في الجرح والتعديل إلى آخره، هذه الكلمات.

هذا مجرد نموذج للأحاديث التي ذكرها الجورقاني، واستعان فيها بأقوال العلماء، يعني: هو هنا أعل السند بعلتين بعبد الرحمن بن مالك بن مغول، وبيزيد بن أبي زياد، ونقل أقوال العلماء في هذا الأمر.

أيضًا روى أحاديث أخرى كثيرة لا نطيل في ذكرها، وإنما نحيل على الكتاب؛ لنقرأه ونتبصره ونستفيد منه في ضوء القواعد أو ملامح التي ذكرناها، وفي ضوء ما وجه إليه من نقد.

error: النص محمي !!