Top
Image Alt

كتاب الأدب، باب: في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

  /  كتاب الأدب، باب: في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

كتاب الأدب، باب: في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

قال الإمام أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد الشعيري قال: حدثنا يونس، قال: أخبرنا عكرمة -يعني: ابن عمار- قال: حدثني إسحاق -يعني: ابن عبد الله بن أبي طلحة- قال: قال أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجةٍ، فقلتُ: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجتُ حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، اذهب حيث أمرتك قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين -أو تسع سنين- ما علمتُ قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركت: هلَّا فعلت كذا وكذا؟)).

الأدب:

استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف على المستحسنات، وقيل: هو تعظيم مَن فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمي بذلك؛ لأنه يدَعى إليه.

باب: في الحلم وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم:

قال فيه: “فقلت: والله لا أذهب”: ظاهره أن أنسًا قال له صلى الله عليه وسلم وعليه حمله شُراح الحديث، ويرد عليه أنه كيف خالف أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا؟ وكيف حلِف بالله كاذبًا؟ وكيف حمله النبي صلى الله عليه وسلم على الذهاب بعد الحلف؟

وأجاب في بعض الشروح عن بعض هذه الإيرادات بجواب يصلح جوابًا عن الكل فقال: “إن هذا القول صدر عن أنس في صغره، وهو غير مكلَّف”. وأقول: ربما قال أنس رضي الله عنه ذلك في نفسه، ولم يصرِّح به أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأقرب للصواب.

“فخرجت حتى أمر على صبيان” أي: فخرجت أذهب إلى أن مررت على صبيان، وجاء بصيغة المضارع استحضارًا لتلك الحالة، “وهم يلعبون في السوق” أي: حال من الصبيان حالة كونهم يلعبون في السوق؛ يعني: حتى يلعب معهم.

((فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قابض بقفاي)) “إذا” للمفاجأة، فوجئت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبض ويأخذ بقفاي، والقفا مؤخر العنق، فنظرت إليه؛ أي: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة كونه يضحك، فقال: ((يا أنيس -تصغير أنس- اذهب))، وفي رواية مسلم: ((أذهبتَ)).

“قال: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين” هذا شك من الراوي، في رواية مسلم تسع سنين بغير شك، قال: “ولا لشيء تركت هلا فعلت كذا وكذا؟”، “هلا فعلت” بتشديد اللام ؛ ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ أو اللوم على ترك الفعل، فهو يوبخه إذا لم يفعل كذا أو كذا، هو يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التسع سنين لم يوبخه على شيء تركه، وقال: “هلا فعلت كذا وكذا”، والمعنى لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء صنعته: “لِمَ صنعته؟”، ولا لشيء لم أصنعه وكنت مأمورًا به: لم لَمْ تصنع؟ وهذا يدل على محسن معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه.

قال المنذري: وأخرجه مسلم، وكما قلنا: وفيه تسع سنين من غير شك.

والحديث الذي بعده في هذا المعنى، يقول الإمام أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة -أي: القعنبي- قال: أخبرنا سليمان -يعني: ابن المغيرة- عن ثابت عن أنس قال: “خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه، ما قال لي فيها أف قط، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ أم: ألا فعلتَ هذا؟”.

“خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين”، وفي الرواية المتقدمة: “تسع سنين”، فمعناه أنها تسع سنين وأشهر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين، وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى وما بعدها، ففي رواية التسع لم يحسب الكسر، وفي رواية العشر حسبها سنة كاملةً، وكلاهما صحيح، كذا قال النووي، وربما تعدد هذا القول من أنس، فقاله مرة بعد تسع سنين، وقاله مرة بعد عشر سنين، وربما كان هذا هو الأقرب.

يقول أنس رضي الله عنه: “ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي” يعني: ليس كل خدمة من خدماتي التي خدمت بها النبي صلى الله عليه وسلم كما يشتهي صاحبي أي: النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أمري عليه؛ أي: على ما يشتهي مما يكون موافقًا لما يشتهيه صاحبي، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم بل كان منها ما يكون مخالفًا لما يشتهيه النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يؤنبه ولم يعاقبه ولم يحاسبه، ولم يقل في شيء مما خالف ما يشتهيه في مدة الخدمة، وهي عشر سنين كلمة أف قط، وهي كلمة تدل على الضجر أو غير ذلك، وهذا من كمال خُلقِه صلى الله عليه وسلم الجميل.

“ما قال لي فيها أف” يعني: في مدة خدمتي، وهي عشر سنين، قال الحافظ: الأف كل مستقذر من وسخ كقلامة الظفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكل مستخف به، ويقال أيضًا عند تكره الشيء، وعند التضجر من الشيء، وهذا هو المراد هنا، وفي “أف” عدة لغات، الحركات الثلاث يعني: الفتح والكسر والضم بغير تنوين على الفاء وبالتنوين، وهذا كله مع ضم الهمزة والتشديد، “أفََّ وأفِّ وأفُّ” قال: وفيها لغات كثيرة، “أم” بفتح الهمزة وسكون الميم بمعنى أو، “أم ألا فعلت” يعني: أو ألا فعلت؟، و”ألا” بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلّا، هلّا فعلت كذا؛ يعني: كنوع من التوبيخ له، لَمْ يفعل ذلك في هذه العشر سنوات ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسن خلقه.

والحديث سكت عنه المنذري كما سكت عنه أبو داود.

وننتقل إلى حديث آخر في هذا الباب، قال أبو داود: رحمه الله تعالى-: حدثنا هارون بن عبد الله قال: أخبرنا أبو عامر، قال: أخبرنا محمد بن هلال أنه سمع أباه يحدث قال: قال أبو هريرة -وهو يحدثنا-: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا في المسجد، يحدثنا، فإذا قام قُمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدثنا يومًا فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجبذه بردائِه، فحمَّر رقبتَه، قال أبو هريرة: وكان رداءً خشنًا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الأعرابي: احمل لي على بعيري هذين، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني مِن جبذتك التي جبذتني فكل ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أقيدكها -فذكر الحديث ثم قال-: قال: ثم دعا رجلًا فقال له: احمل له على بعيريه هذين، على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا، ثم التفت إلينا فقال: انصرفوا على بركة الله)).

قوله: ((فإذا قام قمنا)) أي: لانفضاض المجلس، لا للتعظيم؛ لأنهم ما كانوا يقومون له مقبلًا، فكيف يقومون له مدبرًا؟ ((قيامًا)) أي: وقوفًا ممتدًّا، ((حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه))، ولعلهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجة إلى أحد منهم أو يعرض له رجوع إلى الجلوس معهم، فإذا أيسوا تفرقوا، ولم يقعدوا لعدم حلاوة الجلوس بعده صلى الله عليه وسلم.

“فجبذه الأعرابي بردائه صلى الله عليه وسلم فحمر رقبته” يعني: هذه الجبذة أثَّرت في رقبته صلى الله عليه وسلم من شدتها، وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم، وعدم تهذيب أخلاقهم، وقيل: لعله كان من المؤلفة؛ ولهذا قال ما قال.

((فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأعرابي فقال له: لا)) أي: لا أحمل لك من مالي ولا مال أبي، ((وأستغفر الله)): إن كان الأمر على خلاف ذلك، أو ((أستغفر الله)) لأنه لا يمكن أن يكون هذا، يعني: أن أعتقد أنني أعطي من مالي أو مال أبي!! قال السيوطي في (مرقاة الصعود): “وهذا من حسن العبارة؛ لأن حذف الواو يوهم نفي الاستغفار لو قال: لا أستغفر الله، إنما قال: ((لا وأستغفر الله))”.

قال الفخر الرازي: رُوي عن أبي بكر الصديق أنه دخل السوق فقال لبياع: “أتبيع هذا الثوب؟ قال: لا، عافاك الله. فقال له أبو بكر: لو علمتم، قل: لا، وعافاك الله”. وهذا من لطائف النحو؛ لأنه عند حذفها يوهم كون ذلك دعاءً عليه، وعند ذكر الواو لا يبقى ذلك الاحتمال.

قال صلى الله عليه وسلم: ((لا أحمل لك حتى تقيدني من جبذتك)) من الإقادة وهو القصاص، يعني: أصنع بك مثلما صنعت بي، وكل ذلك يقول له الأعرابي: “والله لا أقيدكها” أي: الجبذة، وكأنه أراد لكمال كرمه صلى الله عليه وسلم أن يعفو البتة، أو كأنه لجلافته يرى أن ذلك لا يستحق القصاص.

وفي رواية النسائي بعد قوله: “ولا من مال أبيك”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تقيدني مما جبذتَ برقبتي)) فقال الأعرابي: “لا والله، لا أقيدك”. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول: “والله لا أقيدك” فذكر الحديث، وقد ذكر النسائي ما حذفه المؤلف بقوله، فذكر الحديث.

ففيه -يعني: يقول أبو هريرة-: “فلما سمعت قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((عزمت على مَن سمع كلامي ألا يبرح مقامَه حتى آذَنَ له))، ((ثم دعا)) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: دعا رجلًا فقال له: ((احمل له…)) إلى آخره.

ففي هذا الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه.

قال المنذري: “وأخرجه النسائي” وهذا معروف لأننا أشرنا إلى رواية النسائي أكثر من مرة.

error: النص محمي !!