Top
Image Alt

كتاب التيمم: باب تيمم الجُنب للصلاة، وباب اشتراط دخول الوقت للتيمم، وباب صفة التيمم

  /  كتاب التيمم: باب تيمم الجُنب للصلاة، وباب اشتراط دخول الوقت للتيمم، وباب صفة التيمم

كتاب التيمم: باب تيمم الجُنب للصلاة، وباب اشتراط دخول الوقت للتيمم، وباب صفة التيمم

. باب: تيمم الجُنُب للصلاة:

حديث عمران بن حصيْن:

التَّيمّم في اللغة: القَصد، قال الأزهري: التَّيمّم في كلام العرب: القَصد، يقال: تيمّمت فلانًا وتأمّمته، أي: قَصدته، وفي الشرع معْروف.

واعلم أن التَّيمْم ثابت بالكتاب والسُّنة والإجماع. وهي خِصيصة خَصّ الله تعالى بها هذه الأمة. قال في (الفتح): واختلف: هل التَّيمّم عزيمة أو رخصة؟ وفصّل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عَزيمة -لأنه ليس هناك إلاّ هو- وللعُذر رخصة. والحديث الذي نقرؤه في كتاب التَّيمّم، هو في باب: تيمّم الجُنُب للصلاة إذا لم يجد الماء.

قال مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: عن عِمران بن حصين، قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم في سَفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معْتزل، فقال: ما مَنعك أنْ تُصلّي؟، قال: أصابتْني جَنابة ولا ماء. قال: عليك بالصَّعيد! فإنه يكْفيك!))، متفق عليه.

قال الشوكاني: قوله: “فإذا هو برجل”، وقَع في (شرح العُمدة) للشيخ سراج الدين بن النَّحوي -المعروف بابن المُلقِّن- أنَّ هذا الرجل هو: جلاّد بن رافع بن مالك الأنصاري، أخو رِفاعة، شهد بَدرًا. قال ابن الكَلبي: وقُتل يومئذٍ، وقال غيره: له رواية؛ وهذا يدلُّ على أنه عاش بعد النبي صلى الله عليه  وسلم.

قال الحافظ: أما على قول الكَلبي، فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصة، لتقدّم وقعة بدرٍ على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف. وأما على قول غيره، فيحتمل أن يكون هو؛ لكن لا يلزم من كون له رواية أن يكون عاش بعد النبي صلى الله عليه  وسلم لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة أو متّصلة، لكن نقلها عنه صحابي آخر؛ وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبيْن مَن قال: قُتل ببدر.

وقوله: “أصابتني جَنابة ولا ماء” -بفتح الهمزة-: أي: لا ماء معي موجود، وهو أبلغ في إقامة عُذره؛ لِمَا فيه مِن عُموم النفي، كأنه نفى وجود الماء بالكلية.

وقوله: ((عليك بالصعيد!))، اللام: للعْهد المَذكور في الآية الكريمة، ودلّ قوله: ((يكفيك)) على أنّ المُتيمِّم في مثل هذه الحال لا يلزمه القضاء. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((يكفيك))، أي: للأداء؛ فلا يدلُّ على ترك القضاء -يعني: يؤدي الفَريضة، ولكنه بعد ذلك عليه أن يقضي. والأول: وهو أنه لا يلزمه القضاء أظهر.

والحديث يدلُّ على مشروعية التَّيمُّم للصلاة عند عَدم الماء، من غير فرق بين الجُنُب وغيره؛ وقد أجمع على ذلك العلماء، ولم يخالف فيه أحدٌ من الخَلف ولا من السَّلف. وإذا صلى الجُنُب بالتَّيمُّم ثم وجد الماء، وجَب عليه الاغتسال، بإجماع العلماء، إلاّ ما يُحكى عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن  التابعي: أنه قال: لا يلزمه؛ وهو مذهب متروك بإجماع مَن بعدَه ومَن قبله، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره صلى الله عليه  وسلم للجُنب بغَسل بدنه إذا وجد الماء.

ب. باب: تيمّم الجُنُب للجرح:

حديث جابر في قصة الرجل الذي مات:

قال مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: عن جابر، قال: خرجنا في سَفر فأصاب رجلًا منا حَجر فشجّه في رأسه. ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رُخْصة في التَّيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رُخْصة وأنت تقدر على المَاء. فاغتَسَل فمات. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم أُخبِر بذلك، فقال: ((قَتلوه؛ قَتلهم الله! ألاّ سألوا إذ لم يعْلموا؟ فإنما شِفاء العِيّ السؤال. إنما كان يكفيه أنْ يتَيمَّم، ويعْصِر أو يعْصِب على جُرحه. ثم يمْسح عليه، ويغْسِل سائر جَسده))، رواه أبو داود، والدارقطني.

وقوله: ((العِيّ)) -بكسر العين- هو: التّحيّر في الكلام. قيل: هو ضد البيان.

والحديث يدلُّ على جَواز العدول إلى التَّيمُّم لخشية الضرر. وقد ذهب إلى ذلك: العِترة، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليْه. وذهب أحمد بن حنبل، والشافعي في أحد قولَيْه، إلى عدم جواز التَّيمُّم لخَشية الضرر؛ قالوا: لأنه واجد؛ والحديث وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} [النساء:43] الآية، يرُدَّان عليهما.

ويدلُّ الحديث أيضًا على وجوب المَسح على الجَبائر، ومثله حديث عليٍّ رضي الله  عنه قال: “أمرني رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن أمسح على الجَبائر”.  {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى }

جـ. باب: تيمّم الجُنُب لخَوف البَرد.

حديث عمرو بن العاص:

عن عمرو بن العاص: أنه لما بُعث في غزوة ذات السلاسل، قال: ((احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلِك، فتَيمّمت ثم صلّيتُ بأصحابي صلاة الصبح. فلمّا قدمنا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو، صلَّيتَ بأصحابك وأنتَ جُنُب؟ فقلت: ذكرتُ قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}  [النساء:29]، فتَيمّمتُ ثم صَلّيتُ. فضَحِك رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ولم يقل شيئًا))، رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني.

قوله: ((فأشفقت))، أي: خفتُ وحَذرت.

وقوله: ((فضحك رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولم يقل شيئًا)): فيه دليلان على جَواز التَّيمُّم عند شِدّة البرد، ومَخافة الهَلاك:

الأوّل: التبسّم والاستبشار.

الثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم لا يُقرُّ على باطل، والتبسم والاستبشار أقوى دلالةً مِن السكوت على الجواز؛ فإن الاستبشار دلالته على الجَواز بطريق الأوْلى.

ويدل الحديث على أنَّ مَن تيمّم لشدّة البرد وصلّى لا تجب عليه الإعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم لم يأمره بالإعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها.

قال المصنف -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث، ما لفظه: “مِن العِلْم: إثبات التَّيمُّم لخوف البَرد، وسقوط الفرض به، وصحة اقتداء المتوضئ بالمُتَيمِّم، وأن التَّيمُّم لا يَرفَع الحَدث، وأن التّمسّك بالعمومات حُجّة صحيحة”. انتهى.

د. باب: اشتراط دخول الوقت للتَّيمُّم.

حديث عمرو بن شعيب:

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((جُعلَتْ لي الأرض مَسجدًا وطَهورًا، أينما أدركتْني الصلاة تَمسّحت وصلّيتُ)). وعن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((جُعلَتْ الأرض كلها لي ولأمّتي مَسجدًا وطَهورًا، فأينما أدركتْ رجلًا مِن أمّتي الصلاةُ، فعِنده مسجده، وعنده طَهوره))، رواهما أحمد.

أما الحديث الأول، وهو حديث عمرو بن شعيب، فأصله في الصحيحين. وأما الحديث الثاني، إسناده في (مسند أحمد).

قوله: ((جُعلت لي الأرض مَسجدًا))، أي: موضع سُجود لا يخْتص السُجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة من إطلاق الكل وإرادة الجزء. قال الحافظ: وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لمّا جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمَسجد في ذلك. قوله: ((وطهورًا)) -بفتح الطاء- أي: مُطهّرة؛ وفيه دليل أنَّ التُّراب يرفع الحَدث كالماء، لاشتراكهما في الطَّهورية، قال الحافظ: وفيه نظر، وعلى أن التَّيمُّم جائز بجميع أجزاء الأرض، لعموم لفظ الأرض لجميعها.

وقوله: ((أينما أدركتْني الصلاة))، في الرواية: ((فأينما أدركتْ رجلًا مِن أمّتي الصلاةُ))، وفي الصحيحين: ((فأيّما رجل مِن أمّتي أدركتْه الصلاة فلْيصلِّ)). وقد استُدل به على عموم التَّيمُّم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله: ((فأينما أدركتْ رجلًا))، ((وأيّما رجل)): صيغة عُموم؛ فيدخل تحته مَن لم يجد ترابًا ووجد غيره من أجزاء الأرض. {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ}

وقد استدل المصنف بالحديث على اشتراط دخول الوقت للتَّيمُّم لتقييد الأمر بالتَّيمُّم بإدراك الصلاة، وإدراكها لا يكون إلاّ بعد دُخول الوَقت قطعًا. وقد ذهب إلى ذلك الاشتراط: العِترة، والشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وداود. واستدلوا بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة:6]، ولا قيام قبله. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجزئ قَبل الوقت كالوضوء، وهذا هو الظاهر، ولم يرد ما يدل على عَدم الإجزاء. والمراد بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ}: إذا أردتم القِيام. وإرادة القيام تكون في الوقت وتكون قَبله، فلم يدلَّ دليل على اشتراط الوقت.

هـ. باب: صفة التَّيمُّم.

1. حديث عمار بن ياسر: ((في التَّيمُّم ضَربة…)):

عن عمّار بن ياسر: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((في التَّيمُّم ضَربة للوجْه واليديْن))، رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم أمَره بالتَّيمُّم للوجه والكفين))، رواه الترمذي وصحّحه.

قال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضَربة واحدة، وما روي عنه من ضَربتيْن فكلها مضطربة. وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمّار فأبلغ. وقد روى الطبراني في (الأوسط) و(الكبير): أنه صلى الله عليه  وسلم قال لعمّار بن ياسر: “يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفّيْن”، وفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن يحيى الأسلمي، وهو ضعيف، وإن كان الشافعي قد وثّقه وهو حُجة عنده.

والحديث يدلُّ على أنّ التَّيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفيّن؛ وقد ذهب إلى ذلك: عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والصادق، وية. قال في (الفتح): ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث. وذهب الهادي، والناصر، والمؤيد بالله، وأبو طالب، و يحيى، والفقهاء إلى أنّ الواجب ضربتان: ضربة للوجه، وأخرى لليديْن. وذهب ابن المسيب، وابن سيرين، إلى أن الواجب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفيْن، وضربة للذراعين.

وقد احتجّ الأولون بحديث الباب، وبالرواية الأخرى المتفق عليها من حديث عمّار، وأجابوا عن الأحاديث القاضية بالضربتيْن بما فيها من المقال المشهور. واحتجّ أهل القول الثاني بحديث ابن عمر، مرفوعًا: “التَّيمُّم ضَربتان: ضربة للوجه، وضربة لليديْن إلى المرفقيْن”، أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي؛ وفي إسناده عليّ بن ظَبيان، قال الدارقطني: وثّقه يحيى القطان، وهُشيم وغيرهما. قال الحافظ: هو ضعيف، ضعّفه القطان وابن معين وغير واحد. وقد رُوي أيضًا من طريق ابن عمر، مرفوعًا بلفظ: “تيمّمنا مع النبي صلى الله عليه  وسلم. ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا. ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا مِن المرافق إلى الكف”، وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك. وروي أيضًا عن ابن عمر، مرفوعًا، من وجه آخر بلفظ حديث ابن ظَبيان. قال أبو زرعة حديث باطل.

error: النص محمي !!