Top
Image Alt

كتاب (القُصَّاص والمُذَكِّرين) لابن الجوزي

  /  كتاب (القُصَّاص والمُذَكِّرين) لابن الجوزي

كتاب (القُصَّاص والمُذَكِّرين) لابن الجوزي

نبدأ الحديث عن كتبٍ تتعلق بفن الوضع, لكن ليس بشكلٍ مباشر, بمعنى أنها لا تجمع الأحاديث الموضوعة, إنما تتكلم عن سببٍ من أسباب الوضع خطيرٍ جدًّا كنا قد تكلمنا عنه حين تعرضنا لأسباب الوضع, منها طائفة من الناس كانوا يقصُّون على الناس بقصد التكسب والارتزاق, هذا القصد أفرز نوعًا من الوضَّاعين عُرِفوا بالقُصَّاص, القُصَّاصُ من أخطر الأنواع الذين ابتُليت بهم السُّنة وكان لهم دور خطير في وضع الحديث؛ ليجذبوا انتباه الناس وليثيروا عواطفهم وليستدِرُّوا دموعهم, وبالتالي ليستخرجوا ما في جيوبهم بعد ذلك تأثُّرًا بما قالوه لهم.

اليوم نتكلم عن كتاب (القُصَّاص والمُذَكِّرين) للإمام ابن الجوزي -رحمه الله- هو يتكلم عن الدوافع للقصص, وعن من الذي يقص, والقصص -كما ذكرنا- من أقوى الأسباب التي أدت إلى الوضع في السُّنة, وابتُليت السُّنة بهذا النوع من الناس الذين ارتزقوا من وراء هذه المهنة وخالفوا المنهج الشرعي السليم وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

سنتكلم عن كتابين تناولا هذا الأمر, وهما كتاب (القصاص والمذكرين) للإمام ابن الجوزي, وكتاب (تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص) للإمام السيوطي -رحمهما الله تعالى.

نبدأ بالكلام عن كتاب (القصاص والمذكرين) للإمام ابن الجوزي، نحن لن نترجم للإمام ابن الجوزي والإمام السيوطي؛ نظرًا لأننا قد ترجمنا لهما قبل ذلك حين تكلمنا عن كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي, وحين تكلمنا عن كتاب (اللآلئ المصنوعة) ومجموعة من كتب السيوطي مثل (التعقبات) و(النكت البديعات) إلى آخره. ترجمنا للإمامين الجليلين بما لا نحتاج إلى الترجمة له الآن.

اسم الكتاب (القُصَّاص والمُذَكِّرين) نسبته لمؤلفه من خلال عدة أمور منها وعلى رأسها تنصيص الإمام ابن الجوزي نفسه, على أنه ألَّف كتابًا في أحاديث القصاص والمذكرين, وذلك في كتابه (الموضوعات) وفي كتابه (تلبيس إبليس).

إذن هو أشار إلى كتابه هذا, ومعروفٌ أن ذكر المؤلف لكتابه من أقوى الأدلة على نسبته إليه.

ثانيًا. تنصيص العلماء في مؤلفاتهم سواء التي تتحدث عن تراجم العلماء, أو الكتب الخاصة بالموضوعات وأحاديث القصاص, كلها تكلمت على أن للإمام ابن الجوزي كتابًا سماه (القصاص والمذكرين) من هؤلاء الذين نصُّوا على ذلك ابن رجب الحنبلي في (ذيل طبقات الحنابلة) ونص على ذلك أيضًا سبط ابن الجوزي وهو الإمام يوسف بن الكُزغُلي في كتابه (مرآة الزمان), ونص على ذلك الإمام السيوطي في كتابه (تحذير الخواص) وكما سنتكلم عنه بعد ذلك, هو أشار إليه كثيرًا ولَخَّص بعض فوائده ونصَّ على هذا, إذن نسبة الكتاب للإمام ابن الجوزي -رحمه الله تبارك وتعالى- نسبة متحققة.

الباعث على تأليف الكتاب:

الباعث على تأليف الكتاب هو أن الإمام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- رأى الأقوال في القصص والقُصَّاص متعددةً, هناك مدحٌ لهم, وهناك ذمٌّ لهم, وهناك تجاوزٌ منهم فأين الصواب والخطأ من كل ذلك؟

إذن أراد الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- أن يتصدَّى لهذه القضية -قضية الفصل في أمر القصص- ليبيَّن المذموم منه والممدوح, والمقبول والمردود؛ لنفهم الكلام الوارد عن السلف الصالح -رحمهم الله- في هذا الأمر.

هو يقول في ذلك: سأل سائل فقال: نرى كلام السلف يختلف في مدح القُصَّاص وذمهم, فبعضهم يحرص على الحضور عندهم, وبعضهم ينهى عن ذلك, ونحن نسأل أن تذكر لنا فصلًا يكون فصلًا لهذا الأمر, يعني يريد كتابًا أو فصلًا يكون فيه الجواب الفصل الحاسم لهذا الأمر, يقول: فأجبت -والله الموفق- أنه لا بد من كشف حقيقة هذا الأمر؛ ليبيَّن لهم المحمود منه والمذموم.

هذا في كتاب (القُصَّاص والمذكرين) في مقدمته، وهو ينص على سبب تأليفه للكتاب.

موضوع الكتاب:

موضوع الكتاب عبارة عن مباحث هامة تتعلق بفن القصص والتذكير, قسَّم ابن الجوزي الكلام عنها إلى اثنى عشر بابًا؛ ليسهل الفهم والاستيعاب.

الباب الأول جعله في مدح القصص والوعظ، الباب الثاني جعله في ذكر أول من قصَّ، الباب الثالث جعله في ذكر من ينبغي أن يَقُص، الباب الرابع جعله في أنه لا يَقُصُّ إلا بإذن الأمير، الباب الخامس جعله في التعاهد بالمواعظ وقت النشاط لها، الباب السادس جعله في ذكر من كان يحضر من الأكابر عند القصاص، الباب السابع جعله في ذكر ما يحذر منه على القصاص، الباب الثامن جعله في ذمِّ من يأمر بالمعروف ولا يأتمر، والباب التاسع جعله في ذكر سادات القصاص والمذكرين، الباب العاشر جعله في التحذير من أقوامٍ تشبهوا بالمُذَكِّرين فأحدثوا وابتدعوا؛ لأنهم لا يمتلكون أدوات القصص ولا يمتلكون القدرة عليه ولا يقدرون على التذكير؛ لأن التذكير ليس أمرًا سهلًا ولايستطيعه كل إنسان, هذا جزء مهمة الأنبياء كما سنبيِّن بعد قليل. والباب الحادي عشر جعله في ذكر ما ورد عن السلف من ذمِّ القصاص وبيان وجوه ذلك. الباب الثاني عشر -وهو الأخير- جعله في ذكر تعليم القاصِّ كيف يقص.

سنتكلم عن بعض هذه الأبواب؛ لأن استعراض الكتاب بكامله يطول, وهو حقيقة جدير بأن يُقرأ, وابن الجوزي موفَّق فيه جدًّا في عرضه وفي موضوعه, وهو أول من تكلم في هذا الفن, وابن الجوزي معروف حين ترجمنا له, من كبار وعاظ هذه الأمة لدرجة أنهم كانوا قالوا: يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون, ربما كان الرقم فيه مبالغة, لكن الرجل كان مقبولًا ومحبوبًا وله رغبة عند الناس أن يستمعوه وأن يفهموا عنه, وهو كان موفقًا في ذلك, ولله الحمد والمنَّة.

منهج ابن الجوزي في كتابه:

هو قدَّم للكتاب بمقدمةٍ تحدث فيها عن الباعث على تأليف هذا الكتاب, وقد أشرنا إليها منذ قليل.

ثم انتقل في المقدمة إلى مسمَّيات هذا الفن وأنها ثلاثة أسماء: قصص, وتذكير, ووعظ, والتعريف بكل مسمَّى.

حين تكلم عن التعريف بالقصص تعرض لمسألة كُرْه بعض السلف للقصص والأسباب في ذلك, وهذه سنعود إليها بالتفصيل؛ لأنها أسباب مهمة جدًّا, وكنا أيضًا قد تكلمنا عنها ونحن نتكلم عن كتاب (الموضوعات), لكن التذكير بها لا بأس به في عُجالة.

ثم بعد هذه المقدمة تكلَّم عن أبواب الكتاب التي ذكرناها, وقسَّمها إلى اثني عشر بابًا ذكرناها.

أيضًا جاءت تراجم الأبواب -في الحقيقة- دالةً على ما اشتملت عليه هذه الأبواب من مسائل تخص القصص.

يعني -مثلًا- تكلم عن مدح القصص والوعظ وتكلم عن أول من قَصَّ, وتكلم في ذكر من ينبغي أن يَقُصَّ, بمعنى ما هي المواصفات التي ينبغي أن تكون في القاصّ…إلى آخره, والقص ممكن أن نُدخِل فيه الوعظ والتذكير والقصص كما هو تكلم في هذا الأمر, وكما سنوضحه بشيء من التفصيل بعد قليل.

من منهجه أيضًا أنه يدلِّل على ما كل ما يقول من الكتاب والسُّنة, وسنضرب أمثلة أيضًا لذلك, وبعد أن يدلل من الكتاب والسنة -يعني هو يدلل يسوق الأحاديث بأسانيدها إلى من رواها من الصحابة  رضي الله  عنهم، وهذا شأن ابن الجوزي في كل كتبه التي أشرنا إليها, يذكر مروياته بالإسناد.

هذه معالم منهجه قسَّمه إلى أبوابٍ, ووضع تحت كل بابٍ ترجمة تناسب مضمون ما ساقه, ثم في بعض الأبواب وضع تحتها فصولًا تتفرع عن تلك الأبواب, فمثلًا في الباب العاشر والذي ترجم له بعنوان “التحذير من أقوامٍ تشبَّهوا بالمُذَكِّرين فأحدثوا وابتدعوا” حتى أوجب فعلهم إطلاق الذمِّ للقُصَّاص, مع أن منهم طائفة ربما تكون مقبولة وعندها ورع وتقوى وتخاف الله ولا تقول إلا بالأدلة الشرعية.

بعد أن شرح ترجمة الباب ذكر أربعة عشر فصلًا تتعلق بهذه المسألة, منها مثلًا الفصل الأول: تحدث فيه عما يفعله المستمعون من أفعالٍ منكَرة حين يسمعون القصص تتنافى مع فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم حينما كانوا يسمعون القصص على الرغم من أنهم كانوا أصفى قلوبًا وأصلح أعمالًا منهم. هو هنا يشير إلى ما يحدث من الذين يستمعون من تواجدٍ وإطلاق آهاتٍ وأصواتٍ وتمايلٍ وإظهار الاستغراق وكذا, هذا كله لم يرد عن الصحابة مع أن الصحابة كانوا أصفى قلوبًا وأصلح أعمالًا منهم, ومن كلام ابن الجوزي في ذلك يقول: وأما ما يجري من المستمعين فمن ذلك التخبيط الذي يسمُّونه الوجد وتخريق الثياب واللطم على الرأس والوجه, فترى الواجد بزعمه يستغيث ويخرِِق ثيابه ويقع على الناس, وما جرى مثلُ هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقد كانوا أصفى قلوبًا وأصلح أعمالًا, ثم ذكر نصوصا تبيِّن أحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم حينما كانوا يسمعون القرآن يُتلى عليهم من البكاء ومن الخشوع ومن التدبر إلى آخره.

الفصل الثاني: تحدث فيه عما يقع من القُصَّاص من الأقوال وأن غالب حال الكثير منهم الكذب, وهذا أيضًا سنعود إليه بشيءٍ من التفصيل, لكن فقط أردت أن نتكلم عن ملامح المنهج, أنه أحيانًا يضع تحت الأبواب فصولًا يتكلم فيها عن نقاطٍ تتعلق بمضمون الباب الذي وضع له ترجمة تشمل الأفكار المتعلقة بهذا الباب.

أنتقل الآن إلى أمثلةٍ تطبيقيةٍ لبعض هذه الأبواب التي أشرنا إليها.

هو بيَّن أن لهذا الفن ثلاثة أسماء: قصص, وتذكير, ووعظ, فيقال: قاص, ومُذَكِّر, وواعظ, وحاول أن يضع تعريفات محددة تميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة عن غيره.

قال: فالقاصُّ هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها وذلك هو القصص, وهذا في الغالب عبارة عن من يروي أخبار الماضين, وهو لا يُذَمُّ لنفسه, يعني هذا النوع من الفن إذا قلنا إن القصص مقصود به حكاية قصص السابقين وما فيها من عظات وعبر هذا لا يُذَمُّ لنفسه؛ لأن في إيراد أخبار السالفين عبرة لمعتبر وعظة لمزدجر واقتداء بصواب لمتبع.

وقد قال الله عز وجل -هنا ابتدأ يذكر الأدلة على أن القصص في حد ذاته ليس مذمومًا إذا كان في إطار هذه الأغراض المطلوبة شرعًا- قال الله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3] وقال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 63] إذن هذه أدلة, والله عز وجل سمى ما ذكره في القرآن قصصًا, التسمية ليست خطأ وليست عيبًا؛ لأنها في إطار القصص الحق وفي إطار أحسن القصص وعندنا سورة في القرآن الكريم تسمى: “سورة القصص” كما نعلم جميعًا.

أما التذكير، ولاحظوا الدقة في تحديد المفاهيم الثلاثة بشيءٍ دقيق جدًّا وعظيم ويبيِّن لنا روعة علمائنا وأن الفكر الإسلامي فكر منضبط، كل معنى له مفهوم محدد، لا تختلط المعاني ولا تتداخل المفاهيم، أما التذكير: فهو تعريف الخلق بنعم الله عز وجل عليهم وحثِّهم على شكره وتحذيرهم من مخالفته.

وأما الوعظ: فهو تخويفٌ يرقُّ له القلب, تخويف القلب بتذكيره بالنار, بالجنة, بعذاب الله, بجلال الله, بعظمة الله, بيوم الحساب والميزان… إلى آخره.

يقول عن التذكير والوعظ: وهذان محمودان, وقد صار كثير من الناس يطلقون على الواعظ اسم القاصّ وعلى القاصّ اسم المُذَكَِّر, يعني الناس أصبحت تخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة يقول: والتحقيق ما ذكرنا أي من التفرقة بينهم, ثم بيَّن بعد ذلك أن هناك أدلة وردت في مدح القصّ والوعظ ذكرنا بعض الأدلة في القصص وفي الوعظ -هو هنا يحاول أن يستعمل الألفاظ التي وردت بنصها في القرآن الكريم- منها قوله تعالى: { يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} [النور:17] ومنها {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] ومنها قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21] ومنها: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].

إذا انتقلنا إلى السُّنة وجدنا فيها أحاديث كثيرة ذكرها ابن الجوزي بسنده فيها التذكير والوعظ والتخويف.

منها حديث العرباض بن سارية رضي الله  عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم الصُّبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب, فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة -أو كأن هذه موعظة مودع- فما تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا؛ فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا, فعليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهدِيِّين من بعدي تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) هذا رواه الترمذي في “كتاب العلم” “باب ما جاء في الأخذ بالسُّنة” وقال عنه: حسن صحيح, ورواه أبو داود في “كتاب السُّنة” في باب “في لزوم السنة والجماعة” ورواه الإمام أحمد وغيرهم.

من الأدلة التي ذكرها حديثُ جابر بن عبد الله رضي الله  عنهما قال: ((شهدتُ العيد مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم فوعظ الناس وذكَّرهم ثم أتى النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة)) هذه أحاديث كلها مستعمل فيها الموعظة “كأنها موعظة مودع” “وعظ الناس ثم أتى النساء فوعظهن” بالإضافة إلى استعمالات القرآن الكريم, وهذا الحديث رواه البخاري في “كتاب العيدين” “باب موعظة الإمام النساء يوم العيد” ورواه الإمام مسلم في “كتاب صلاة العيدين” في أوله.

إذن النفوس محتاجة إلى الوعظ والتذكير؛ لأن النفوس البشرية مجبولة على الميل إلى الشهوات والانقياد إلى الهوى واستثقال الواجبات الشرعية, والشيطان قد يسيطر على وجدان المؤمن فيحبسه عن الخير ويُرَغِّبه في المعاصي, قد تتعاون النفس مع الشيطان في ذلك؛ فيحتاج المسلم إلى من يتعرض له بالتذكير والوعظ ويرده إلى جادة الصواب ويعينه على قهر الشيطان والنفس ومخالفتهما ومعصيتهما؛ حتى ينجو -بإذن الله تبارك وتعالى.

إذن القصص والوعظ والتذكير ليس مذمومًا في ذاته بل هو أمر مطلوب شرعًا داخل القيود التي ذُكرت.

ثم ساق بعضَ الأقوال عن الصحابة والتابعين وبقية السلف, ساق أقوالًا في مدح القصص, منها ما رواه بسنده إلى أبي الدرداء رضي الله  عنه قال: “ما تصدق مؤمن بصدقةٍ هي أحب إلى الله عز وجل من موعظةٍ يعظ بها قومًا فيفترقون قد نفعهم الله بها” هذه رواها بسنده إلى أبي الدرداء, يعني اعتبر أبو الدرداء رضي الله  عنه هذا الوعظ صدقة عظيمة يقدمها المؤمن هي من أحب الصدقات إلى الله عز وجل؛ لأنها ربما تصادف قلبًا يحتاج إليها فيفترق السامعون وقد نفعهم الله بها.

روى بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله  عنه أنه قال لزياد النميري: قُص فقال زياد: كيف والناس يزعمون أنه بدعة, فقال: لو كان بدعة ما أمرناك بها, فقصصت وهو يؤمن.

أيضًا روى بسنده إلى مجاهد قال: أتيت سعيد بن المسيَّب لأنظر ما علمه؟ فإذا قاصٌّ قلت: ما هذا؟ قال: هؤلاء في صلاة. يعني: اعتبر ابن المسيِّب -رحمه الله- هذا القصص صلاة؛ لأنه عبادة وذكر لله رب العالمين.

هذا كله ساقه ابن الجوزي -رحمه الله- وهو يتكلم عن مدح القصِّ والقصَّاصين, وأنه من الممكن أن يكون عملًا شرعيًّا طيبًا جدًّا هو مطلوب, وقامت عليه الأدلة من القرآن الكريم ومن السُّنة المطهرة ومن فعل الصحابة والتابعين بعدهم  رضي الله  عنهم.

أسباب كره بعض السلف للقصص:

ننتقل الآن إلى عنصر جديد ذكره ابن الجوزي وأجاد فيه: أسباب كره بعض السلف للقصص:

من هذه الأسباب أن السلف -رحمهم الله ورضي عنهم- كانوا حريصين على الاتباع للقرآن الكريم والسنة المطهرة, وعلى الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه  وسلم فإذا رأوا شيئًا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه  وسلم أنكروه حتى يتبيَّن لهم وجه مشروعيته.

يذكر مثالًا لهذا: أن أبا بكر وعمر رضي الله  عنهما لما أرادا جمع القرآن توقف معهم بعض الصحابة في ذلك, وقال لهما زيد: أتفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه  وسلم؛ لأننا أمة متبعة ولسنا أمة مبتدعة, فكل شيء لا بد أن نحرص على وجود الدليل عليه من القرآن الكريم والسنة المطهرة, فالقَصُّ أمر جديد فهل هو مقبول شرعًا؟ من الممكن هنا أن يحدث بعض التوقف حتى تستقيم الأدلة على مشروعيته.

إذن هذا هو السبب الأول الذي جعل السلف في أول الأمر يتوقف في قبول القصص حتى تتبيَّن لهم مشروعيته, وقد تبينت والأدلة قد ذكرناها قبل.

منها أيضًا -أي من أسباب كُره السلف للقصص-: أن ذكر أحوال الأمم السابقة من الأمور التي لم تطَّلع عليها أمة الإسلام؛ لأنهم لم يعايشوها, والأصل أن نعتمد في التاريخ -وليس في التاريخ فحسب في الحقيقة بل في كل العلوم- على المصادر اليقينية الصحيحة المقطوع بصحة وصدق نسبتها إلى قائلها, هذا منهجٌ علَّمنا إياه القرآن الكريم, وعلمتنا إياه السُّنة المطهرة { اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف: 4] { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] لا يحق لأحدٍ من الناس أبدًا أن يدَّعي دعوى أو أن يقول قولًا بدون أن يقدم الأدلة عليه.

إذا لم نجد مصادر نعتمد عليها في حكاية التاريخ فإلى أين سنتجه؟ إلى مصادر غير يقنية مثل الإسرائيليَّات وكتب الأساطير, إذن هذا أمر خطير, نتكلم عن التاريخ ونستنطق عظته وعبره, دروسه المستفادة وكأننا عشناه وكأننا عشنا التاريخ كله, إذن لا بد أن نسوق الحوادث صحيحة حتى نتمكن من استنباط الدروس منها؛ ولذلك حينما يقصُّ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه  وسلم بعض قصص الأنبياء الصادقين ويبيِّن ما فيها من عظاتٍ وعبرٍ فإنه كان يبيِّن للنبي صلى الله عليه  وسلم منَّة الله عليه بإعلامه تلك الأمور التي لم يكن النبي صلى الله عليه  وسلم يعلمها قبل هذا هو ولا قومه, حدث ذلك أكثر من مرَّة في القرآن الكريم عقب قصة نوح عليه السلام في “سورة هود” حيث قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه  وسلم بعد القصة: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] وذكرها عقب قصة ذكريا عليه السلام في “سورة آل عمران” {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] وفي قصة يوسف عليه السلام بعد أن ذكرها الله تعالى في سورة كاملة في “سورة يوسف” قال في نهاية السورة: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

في الحقيقة غابت المصادر الصحيحة عن كثيرٍ من القُصَّاص؛ فالتجئوا إلى المصادر الضعيفة أو الموضوعة, بل ربما اخترعوا من عند أنفسهم قصصًا ليؤثرِّوا به على وجدان الناس وعلى أحاسيسهم ومشاعرهم, وهذا -كما قلت- من أسباب الوضع الذي ابتُليت به السُّنة, وهذا الذي جعل بعض العلماء كابن الجوزي والسُّيوطي يفردون مصنفات خاصة لبيان هذا الخطر الذي وقع فيه بعض الناس من أمة الإسلام, وهذه هي الصلة التي أشرنا إليها بين كلامنا عن الوضع والوضاعين, وبين كلامنا على القصص؛ لأن القصص كان من الأسباب التي تسلل الوضع من خلالها إلى السُّنة المطهرة.

وكيف تسلل؟ ها نحن نتكلم الآن, ونحن نذكر الأسباب التي من أجلها كره السلف القصص؛ لأنه من الأبواب التي تسلل إليها الوضع.

القاصُّ يريد أن يؤثر في الناس, ولا يملك مصادر يقينية مقطوعًا بها على القصص الذي يقوله, فإما هو يعتمد على مصادر ضعيفة أو يخترع من عند نفسه, ولا بأس -في نظره وعلى زعمه- أن ينسب الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وإلى الصحابة الكرام, ويتصور أن هذا أمر مشروع ليؤثروا على الناس.

إذن هذا باب خطير دخل منه الوضع في السُّنة؛ لذلك كره السلفُ القصصَ لهذا المعنى, وإلا فإن القاصَّ لو اقتصر على ما ورد في المصادر الصحيحة, فلا بأس به, ويدخل تحت الأدلة التي مدحت القصص ولم تنه عنه.

أيضًا من الأسباب التي جعلت السلف  رضي الله  عنهم يمقتون القصص ويكرهونه أنه يؤدي إلى التشاغل عن المهم من قراءة القرآن وتدبُّره وفهم أحكامه والعمل بما فيها, وعن العلم ورواية الحديث والفقه والعمل بأحكامه إلى آخره، أيُّ عمل يشغل عن الأمور الرئيسة في الحياة يعتبر أمرًا مذمومًا؛ نحن نحتاج إلى علماء الأمة ليذكروا الأمة وليبصروها وليأخذوا بيدها إلى النجاة وإلى العودة إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه  وسلم هذا أصلًا لكي ينجح فيه يحتاج إلى إتقان مهمته, فلا بد أن يقرأ وأن يتعلم, فهما صنوان: القصص والعلم؛ لأن العلم أداة من الأدوات التي يحتاجها القاصُّ؛ ليمتلك مواضيع يحدث فيها الأمم.

من الأسباب التي أدت بالسلف  رضي الله  عنهم أن يكرهوا القصص أنه يشغل عن التفقه في الدين، وكما نعلم جميعًا فإن الفقه في الدين من أهم الأدلة على خيريَّة الأمة وعلى الخيريَّة في المؤمن بشكل خاص ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) هكذا قال النبي صلى الله عليه  وسلم، ففهم الدين وأحكامه والدعوة إليه والدفاع عنه من ألزم اللوزام على أُمَّة الإسلام, وعلى أهل العلم منهم خاصَّة، فإذا انشغلوا بالقصص المُسَلِّي وبالتافه من الأمور فهذا سيعيقهم -قطعًا- عن القيام بتلك المهمة الكبيرة, يعني نرى الناس الآن الذين ينشغلون بمتابعة الكرة وبمتابعة المسلسلات وغير ذلك, قد يقصِّرُون أحيانًا في مهامهم الأخرى, كأن المسلسلات والأفلام من ذلك القصص الذي يعتمد على الخيال, ليس هو من مصادر صحيحة, فهو يشغل صاحبه، وفي نفس الوقت لا يعتمد على مصادر يقينية, والذي يهتم بهذا أين يجد الوقت لقراءة القرآن الكريم ودراسته وفهمه والسُّنة وسائر علوم الشرع؟.

أيضًا من الأسباب التي أدت بالسلف  رضي الله  عنهم إلى كراهية القصص أن في القرآن الكريم من القصص الصادق والصحيح الكفاية ومن الدروس ومن العظات والعبر بما يجب أن يشتغل به المسلمون وأن لا ينصرفوا عنه.

الله عز وجل ذكر في أكثر من آية من القرآن الكريم أهمية القصص القرآني وأننا يجب أن نلتفت إليه والدروس التي فيه, يقول سبحانه: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] وقال في مطلع “سورة يوسف”: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] وقال في آخر “يوسف” {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] إلى آخر الآية.

لم يكن الله عز وجل يسوق القصص للتسلية ولقطع الوقت وللتفكه, والحمد لله- عندنا مؤلفات في القصص القرآني وفي الدروس و العظات والعبر المستفادة منها, وأيضا أنزل الله عز وجل سورة كاملة سميت بـ”سورة القصص” فيها قَصَص كثير مليء بالدروس وبالعظات وبالعبر.

والسُّنة أيضًا مليئة بالقَصَص: قصة الثلاثة الذين انحطت عليهم صخرة, قصة جريج, قصة حديث أم زرع, كلام عن الجَسَّاسَة, كلام عن الشاب صاحِب الأخدود وتضحيته بنفسه من أجل عقيدته… إلى آخره قصَصٌ كثير في السُّنة المطهرة, وعلماؤنا الأجلاء  رضي الله  عنهم وبارك في علمهم وجعله في ميزان حسناتهم- حينما كانوا يتعرضون لشرح ذلك كانوا يستعرضون ما فيه من دروسٍ وعظاتٍ وعبر.

أيضًا نتمم هذا العنصر بذكر الأسباب التي أدَّت بالسلف إلى بُغض القصص -كما ذكر ذلك ابن الجوزي في كتابه- أنَّ أقوامًا ممن كان يُدخل في الدين ما ليس منه قَصُّوا فأدخلوا في قصصهم ما يفسد قلوب العوام, هذه نص كلمات ابن الجوزي, وهي -سبحان الله- بتمامها وبمعناها ومغزاها موجودة في زماننا هذا وبصورةٍ أفحش بعد أن استطاع مثل هؤلاء القصَّاصِين وغيرهم أن يستعينوا بالأدوات الحديثة وبالتقنيات التي وفَّق الله الناسَ إلى ابتكارها من إذاعاتٍ مسموعةٍ ومرئيةٍ ومسجلةٍ وغيرها زيَّنوا الفواحش وجَمَّلوا الكبائر وشغلوا شباب الأمة ونساءها بما لا ينفع ولا يفيد لا في دينٍ ولا في دنيا, مع أنه كان في صورة مخففة في عصر السلف, يعني لم يكن هناك عري للنساء, ولم يكن هناك تمجيد للقبلات والصداقات بين الرجال والنساء إلى آخر المعاني الخاطئة التي نراها في هذا, فهذا صورة مُكَبَّرة لما كره السلفُ القصَّ من أجله, فما بالنا لو رأوا ما يحدث في زماننا هذا.

وأيضًا من الأسباب: أن كثيرًا من القُصَّاص ليسوا من أهل العلم أصلًا إنما هم فقط شغلتهم المهنة أو اشتغلوا بها بقصد التكسُّب, لم يهتموا بمتابعة الصحيح ودراسته وتمييزه عن الضعيف والذي يجب توقيه, فضلًا عن غياب التقوى والخوف من الله, هذا عند بعضهم، لا نقول إن جميعهم كانوا كذلك, فأدَّى ذلك بالكثير منهم إلى الوقوع في الخطأ والأخذ بالضعيف, بل اجترأ البعض منهم فوضع القصص وزاد فيها ما ليس منها, بل زادت جرأة بعضهم واشتد فحشهم وعدم خشيتهم لله رب العالمين فوضعوا الأحاديث, وكما قلنا كان ذلك سببًا من أهم وأشد أسباب الوضع في الحديث, كما أنه كان أيضًا سببًا لبغض العلماء الصالحين لما يفعله القُصَّاص في هذا المضمار.

لعل هذا هو أهم أسباب البغض للقصاص بسبب الوضع في الحديث الذي هو أخطر ما يمكن، ومن أشد ما تعرضت له السُّنة المطهرة.

كنا قد تكلمنا عن أثر القصاص في الوضع وذكرنا أقوالًا للعلماء في ذم فعلهم الذي أدى إلى الوضع, من ذلك أيضا قول ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) والوجه الثاني -أي: وهو هنا يتكلم عن أسباب الوضع- القصاص فإنهم يُميلون وجه العوام إليه ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث, ومن شأن العوام القعود عند القاصِّ ما كان حديثه عجيبًا خارجًا عن نظر العقول, أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستفرز العيون, فإذا ذكر الجنة قال فيها: الحوارء من مسك وزعفران وعجزيتها ميل في ميل, ويبوء الله وليه قصرًا من لؤلؤة بيضاء, فيها سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قُبة في كل قُبة سبعون ألف فراش, فلا يزال هكذا في السبعين ألف لا يتحول عنه, وذكرنا أيضًا قصة الإمام الجليل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين حين صلَّيا في مسجد الرصافة فقام بين أيديهم قاصٌّ فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين, قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس, إذن هو يسوق هنا إسنادًا من أسانيد سلاسل الذهب, أحمد بن حنبل وما أدراك من هو أحمد بن حنبل؟ ويحيى بن معين ومن هو؟ عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم “من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرًا منقاره من ذهب, وريشه من مرجان…” إلى آخره, أخذ يقص في قصةٍ نحو من عشرين ورقة فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين, وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد بن حنبل, فقال له: أنت حدثتَه بهذا؟ قال: والله ما سمعت هذا إلا الساعة, فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيَّتها, قال له يحيى بن معين بيده: تعال. قال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين, قال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققت إلا الساعة, كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما, وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين, يعني هنا كذب على النبي صلى الله عليه  وسلم هنا وقاحة وجرأة على العلماء وسبٌّ لهم.

هذه أخلاقٌ جعلت سلف الأمة يكرهون القصص والقصاص، رغم أن الفن في حد ذاته وردت عليه أدلة قوية جدًّا في القرآن الكريم وفي السُّنة المطهرة.

نتوقف عند بعض فصول الكتاب لأهميتها, وذلك لن يغني عن قراءة الكتاب, إنما نريد أن ننَبِّه إلى موضوعه وأهميته.

أول من قص، وأعلام القصاص:

ننتقل الآن إلى عنصرٍ جديدٍ -بإذن الله تبارك وتعالى- تكلم فيه الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- عن أول من قصَّ على الإطلاق فقال -رحمه الله تعالى- بسنده إلى السائب بن يزيد أنه لم يكن يُقَصُّ على عهد رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولا أبي بكر, وكان أول من قَصَّ تميم الداري, واستأذن عمرَ بن الخطاب أن يقصَّ على الناس قائمًا فأذن له عمر.

هذا رواه الإمام أحمد -رحمه الله- في المسند، وقد حكم عليه محققوا مُسند أحمد في نسخة طبعة “الرسالة” في خمسين مجلدًا للشيخ شعيب الأرناؤوط ورفاقه -بارك الله فيهم- في جزء 24 صـ489 وما بعدها بضعف سنده.

روى ابن الجوزي أيضًا بسنده إلى ثابت قال: أول من قصَّ عُبيد بن عُمير على عهد عمر بن الخطاب رضي الله  عنه صححها محققوا مُسند أحمد أيضًا, وجمعوا بينها وبين الرواية السابقة بأن أول من قَصَّ من الصحابة تميم, ومن التابعين عُبيد بن عُمير.

عند مسلم في “كتاب التوبة” في “باب قبول التوبة من الذنوب” التوبة من الذنوب وإن تكررت والحديث رقم 30 في “كتاب التوبة” باب “قبول التوبة” يتكلم أثناء الإسناد، يقول مسلم: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: كان بالمدينة قاصٌّ يُقال له: عبد الرحمن بن أبي عَمرة فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهناك قصة أخرى لقاصٍّ أيضًا في حديثٍ عند مسلم في “كتاب صفات المنافقين” “باب الدخان” وهو أيضًا موجود عند ابن حبان من حديث رقم 6261 قد أورده ابن الجوزي في (القصاص والمذكرين) عن ابن عمر رضي الله  عنه أنه لم يكن هناك قصص في زمن أبي بكر وعمر وعثمان, إنما كان بعد الفتنة, ولعله يقصد انتشار القصص واشتهاره وإلا فقد بدأ قبل ذلك كما ذكرنا.

ثم عقد ابن الجوزي بعد ذلك بابًا ذكر فيه سادات القُصَّاص والمُذَكّرين حسب طبقاتهم وبلدانهم, ذكر فيه أسماء كثيرة, ذكر من الصحابة: أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن غزوان، ومعاذ بن جبل، وسلمان الفارسي، وأبا موسى الأشعري، وأبا ذر، وحذيفة، وأبا الدرداء، وأبا هريرة، وشداد بن أوس، وتميم الداري، والأسد بن سارية.

ثم ذكر أعيان المُذكرين من أهل مكة, فذكر منهم: عبيد بن عمر، ومجاهد، ووُهيب بن الورد, والفضيل بن عياض.

وذكر أعيان المُذكرين من أهل المدينة فذكر منهم: محمد بن كعب القرظي, والأغر, ومحمد بن المنكدر, وأبو حازم الأعرج, وعبد الله بن عبد العزيز العمري, وأبو عمرو النباتي، ثم ذكر أعيان المذكرين من أهل اليمن فذكر منهم وهب بن منبه، ثم أعيان المذكرين من أهل الكوفة فذكر منهم: علقمة بن قيس النخعي, وإبراهيم التيمي, وسعيد بن جبير, وعون بن عبد الله, وعمر بن ذر، وداود الطائي, ومحمد بن صبيح السماك، ثم أعيان المذكرين من أهل البصرة فذكر منهم: مطرف بن عبد الله, والحسن البصري, وبكرة بن عبد الله المزني, وقتادة, وثابت البناني, وأبو عمران الجنوني, ومحمد بن واسع وفرقد السبقي, ومالك بن دينار, ويزيد الرقاشي, وأيوب السختياني, وسليمان التيمي وغيرهم، ثم ذكر أعيان بلخ ذكر إبراهيم بن أدهم, ويحيى بن معاذ الرازي, ويوسف بن الحسين, وكثير بلاد البلخي, وحاتم الأصم, وشقيق البلخي. وبنيسابور أبو حفص النيسابوري. ومن أهل الشام ذكر منهم كعب الأحبار, وخالد بن معدان, وبلال بن سعد, وهكذا.

ذكر أعيان المذكرين من أهل مصر والمغرب والقسطنطينية وبغداد وكل ذلك؛ ليبيِّن أن القص أمر وارد شرعًا ولا غضاضة فيه, وقد قام به كثير من الصحابة ومن بعدهم من طبقات الأمة. وهو في كل هذا يذكر الأدلة على أن هؤلاء قد قَصُّوا, ويذكر بعض قصصهم, أو يذكر تنصيص العلماء على أنهم كانوا من أهل القصص.

الصفات التي وضعها ابن الجوزي للواعظ:

ذكر ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله تعالى- الصفات التي لا بدّ من توافرها في الواعظ أو القاصّ المُذَكِّر، ومن ذلك:

يقول ابن الْجَوْزِيِّ: لا ينبغي أن يَقُصّ على الناس إلا العالمُ المتقنُ لفنون العلم؛ لأنه يُسْأَل عن كلّ فنٍّ؛ فإن الفقيه إذا تصدّر لم يَكَدْ يُسْأَلُ عن الحديث، والمحدِّث لا يكاد يُسْأَل عن الفقه، والواعظ يُسْأَلُ عن كلِّ علمٍ.

حقيقةً -والله- ما أروع هذا الفَهم لابن الجوزي -رحمه الله- لأنه حتى يوجد في زماننا هذا الواعظ الداعية، الذي يتعرض للدعوة والوعظ في المساجد، وفي الفضائيات، والإذاعات… إلى آخره، وينتشر أمره بفضل الله عز وجل بين الناس يُسْأَل فعلًا في كلِّ علمٍ وفي كل فنٍّ، يُسْأَل في الحديث، ويُسْأَل في التفسير، ويُسْأَل في الفقه، ويُسْأَل في السيرة، ويُسْأَل في النحو، والناس تنظر إلى العالم على أنه ينبغي أن يكون موسوعيًّا يعرف كل ذلك، وييستثقلون ولا يكادون يقبلون أن يتأخّر أو أن يتراخى عن إجابة أيِّ سؤالٍ، إذن ما دام قد هيأه الله عز وجل للقيام بهذا الدور؛ عليه أن يمتلك أسبابَه وأدواتِه العلمية؛ إذ لا بدّ أن يكون عالمًا متقنًا لكل العلوم، بعكس المتخصص في علمٍ ما، أو حتى متخصص في علمين، فإنه لا يُسْأَل إلا في تخصصه فقط، فالناس -مثلًا- لا يسألون طبيبًا في الحديث، ولا يسألون مهندسًا في الفقه، إنما يَسْأَلُون في مجال تخصصهم فقط، إذن على الذي صدّره اللهُ وبوأه للتصدي للإرشاد وللدعوة والوعظ أن يكون عالمًا متقنًا لكثير من فنون العلم؛ لأنه يسأل في كلِّ فنٍّ.

رَوَى ابنُ الْجَوْزِيّ بسنده أن عليًّا رضي الله  عنه مرّ على قاصٍّ فقال: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكتَ وأهلكتَ، أي: تسبّب في هلاك نفسه وفي إهلاك غيره؛ لأنه تصدى لما لا يقدر عليه.

أيضًا ينبغي للواعظ أن يكون حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم عارفًا بصحيحه وسقيمه، ومسنده ومقطوعه، ومعضله، عالمًا بالتواريخ، يعني علم الحديث، علم التاريخ، سير السلف، حافظًا لأخبار الزهّاد، فقيهًا في دين الله، عالمًا بالعربية واللغة، فصيح اللسان، ينبغي أن يكون الواعظ موسوعيًّا، يُسأل في كل فن؛ فلا بد أن يمتلك هذه العلوم.

ثم يتكلم عن صفات علميّة، وصفات خُلُقيّة وورعيّة، يقول: مَدَارُ ذلك كله على تقوى الله عز وجل وأنه بقدر تقواه يقع كلامه في القلوب، وقد قال بعض السلف: إن الموعظة إذا خرجتْ من القلب وقعت في القلب، ثم يُصَحِّح قصدَه، فإذا صحَّ قصدُه صَرَفَ الله القلوبَ إليه، ثم يُخْرِجُ الطمعَ في أموال الناس، وينبغي له أن يقصد وجه الله تعالى بوعظه، وينبغي للواعظ أن يعتزل العوامّ؛ ليكون لكلامه وقْعُ هيبةٍ، لا على وجه التصنع، ولا على سبيل الافتعال.

خلاصة هذا الكلام:

أن ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله- يضع هنا مواصفاتٍ هامة جدًّا للقاصِّ المُذَكِّر:

-أن يكون عالمًا متقنًا لكل فنونِ العلم؛ لأنه يُسْأَل في كلِّ علمٍ، بينما المتخصص -كالفقيه أو المحدِّث مثلًا- لا يُسْأَل إلا في مجال تخصصه فقط.

– ينبغي أن يكون حافظًا للسنة.

– حافظًا للقرآن الكريم.

– أن يكون عالمًا بالعربية واللغة، فصيحَ اللسان.

– أن يكون تقيًّا لله عز وجل حتى يصل كلامُه إلى القلوب.

– أن يصحِّح قصدَه وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

– أن يعتزل العوام؛ حتى لا تضيع هيبته بينهم.

ونود أن نوضح هذا:

إن اعتزال العوامّ لا يعني الترفع والاستكبار عليهم، إنما يعني أنه لا يختلط بهم اختلاطًا واسعًا، فيعتبرونه واحدًا منهم، صديقًا لهم يمزحون معه… إلى آخره؛ فذلك قد يؤدي إلى إسقاط الهَيبة.

وأن يتوقّى الطمعَ في أموال الناس، لا يكون همُّه المال، إذا ساقه الله إليه فضلًا منه ونعمة فذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، أما وعظه فلا ينبغي أن يكون مبتغاه هو طلب المال من أيدي الناس؛ لأن ذلك يُهِينُ العلماء، ويجعلهم يقولون ما لا يرضِي اللهَ عز وجل.

لقد كان لا يَعِظُ في أول أمر الإسلام إلا العلماء، والزهّاد، والمخلصون، ثم تسلّل إلى ممارسة هذا الأمر قومٌ اتخذوا ذلك وسيلةً للتكسب، والارتزاق، وجمع الأموال، وأصبح كلُّ همهم استمالةَ العامّة، واستثارةَ عواطفهم، وإرضاءَ أهوائهم؛ حتى يزيدوا لهم العطاءَ، ولو كان ذلك بالقصص المكذوب، بل بالأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أثر القصاص في الوضع:

ننتقل إلى عنصر جديد يبين فيه ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله- أثر القُصّاص الخطير في الوضع؛ لأنهم لكي يستميلوا قلوبَ العامة ويستجيشوا عواطفهم، لم يتركوا مَيدانًا يمكن أن يحرِّك مشاعرَهم إلا ووضعوا فيه الأحاديث، وضعوا في الجنة، ووضعوا في النار وفي عذابها وهولها، وفي الفضائل، ووضعوا في حُسْنِ العشرة.

أفاض ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله- في ذكر شناعاتٍ لهم، نورد بعضًا منها، وهذا ما جعلنا نتكلم في هذا الأمر باهتمام؛ لأنه -كما قلنا- من أسباب البلاء الذي جر هؤلاء إلى الوضع في السُّنّة، وابتليت بهم السُّنَة -والعياذ بالله-:

فنهم -مثلًا- من يسمع الحديث فيخلط إذا رواه، ويزيد فيه.

وفي هذا يستدل ابن الْجَوْزِيّ برواية رواها بسنده إلى أبي داود الطيالسي -رحمه الله- قال: كنتُ مع شعبةَ، فدنا منه شابٌّ فسأل عن حديثٍ، فقال له: أقاصٌّ أنت؟ قال: نعم. قال: اذهب؛ فإنّا لا نحدِّث القُّصَاصَ. فقلت له: لم يا أبا بسطام؟ قال: يأخذون الحديث منا شبرًا فيجعلونه ذراعًا.

كلمةُ شعبةَ -رحمه الله- تبيّن أنهم يزيدون في الكلام وفي الحديث، ويأخذون منه ويضيفون إليه، عندهم الجرأة على حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم لأنهم يريدون أن يُرَوِّجوا لبضاعتهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

منهم أيضًا من يسمع الأحاديث الموضوعة، فيرويها ولا يعلم أنها كذب؛ فيؤذي بها الناس، وربما سمعها من أفواه العوام فرواها.

وأيضًا ذكر ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله- أمثلة على ذلك، وهذا من أهم الأبواب أو الفصول في كتاب ابن الْجَوْزِيّ؛ لأن هذه العلاقة بين القصص وبين الوضع في السنة أنه إما أنه يزيد في الحديث، وإما أنه لا يعرف ولا يميِّز أنها كذب؛ فيؤذي بها الناس، وربما تلقاها من أفواه العوام وليس من أهل العلم فرواها، وذكرها يُزَيِّلُ بها قصته.

منهم مغفّلون ذَكَرَ منهم ابنُ الْجَوْزِيّ: سيفويه كان يُضْرَب به المثل في التغفيل، وقد رَوَى ابن الْجَوْزِيّ قال: قيل لسيفويه القاصّ: قد أدركتَ الناسَ فَلِمَ لا تُحَدِّث؟ قال: اكتبوا حديثًا: حدّثنا شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، مثله سواء، قالوا: مثل إيش؟ قال: كذا سمعنا وكذا نحدث. يعني لا يدري ما يقول.

ونحن نعلم جميعًا أن المغفّل حتى ولو كان صالحًا لا يصلح للرواية، وذكرنا مرارًا -ونحن نذكر مرّةً أخرى- أن الثقة عند علماء الحديث هو مَن جَمَعَ بين العدالة وبين الضبط، وواحدٌ من الأمرين لا يكفي، قد يكون الرجل عدلًا ولكنه ليس ضابطًا، عدالته لنفسه، وغفلته على الحديث وعلى الرواية، ومن هنا تكرّرت عباراتُ العلماء التي أشرنا إليها، أنهم يطعنون على رجالٍ ربما حطُّوا رواحلَهم في الجنة لصلاحهم، لكنهم ليسوا من أهل الرواية لغفلتهم، وإنا لنطعن على رجالٍ ونرجو شفاعتهم أمام الله عز وجل أيضًا لصلاحهم، وهذا موجودٌ، كثير حتى بين العلماء، رجلٌ صالحٌ، تقيٌّ، ورعٌ، يصلي، ويقرأ القرآن، ويتصدّق، وعفيفُ اللسان، وطيّبٌ… لكنه ليس من أهل الرواية، ماذا نفعل؟! للرواية أدواتها العلمية التي ينبغي أن يمتلكها الراوي؛ لأنه ينقل لنا حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أيضًا مما فعله القصاص مما يتصل بالسنة، يقول ابن الْجَوْزِيّ: ومنهم من يملئون المجالس بالأحاديث التي لا أصل لها، كصلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وذَكَر رواية في هذا، ومنهم من يروي أحاديث التخويف الموضوعة إلى أن يُقَنِّط الناسَ من الرحمة، ومنهم من يذِّكر في مجلسه بالدنى ويكثر من ذمِّ الدنيا -يعني يذكر ويقول: فَعَلَت، وفَعَلَت…، ويبالغ في ذم الدهر وما يفعله بأهله- كأنه ما سمع أن الرسول صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر هو الله)) وهذا حديث صحيح متفق على صحته، موجود في كتاب (الرقاق) عن البخاري وغيره.

إن هناك خطباء يصعدون المنبر ولا هم لهم إلا أن يذمّوا الدنيا وكل ما فيها، ويستدلون ببعض الأحاديث أو بعض الآيات التي وردت إلى عدم الرقود في الدنيا، مع أن هذا حفظ شيئا وغابت عنه أشياء.

ببساطة شديدة، الذي يذم الدنيا، ولا يريد أن يعيش فيها، عليه أن يبحث لنفسه عن مكان آخر يعبد فيه الله عز وجل على الوجه الذي يريد.

إن الدنيا دار عملٍ، ليست مسئولةً، هي ظرف زمان لما نعمله نحن من أفعالٍ، هي محلٌّ لعملنا، اللهُ عز وجل جعلها خضرةً حلوةً، وهو مستخلفنا فيها لينظر كيف نعمل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] والمال الصالح نعمة للرجل الصالح ونقمة في يد الذي يسيء استخدامه… وهكذا، فالدنيا ليست في ذاتها مذمومةً إلا بمقدار استثمارها لنا في موازين حسناتنا، أو العكس -والعياذ بالله- فإذا وجدنا واعظًا لا همَّ له إلا سبّ الدنيا وذمّها، وتبغيض الناس فيها، فما العمل؟ أين نذهب؟ وأين نعبد الله؟ إنما التوجيه الصحيح أن نعلم الناس أن العمر نعمةٌ، وأن العمل إنما يقع في هذه الدنيا، وأن الدنيا دار اختبارٍ وابتلاءٍ، فيها الصالح وفيها الطيب، ومن الممكن أن يستثمرها المؤمن في ميزان حسناته، أو بالعكس -والعياذ بالله- وكل ذلك إذا طبّق شرع الله عز وجل المأخوذ من كتاب ربنا عز وجل ومن سنّة نبينا صلى الله عليه  وسلم.

أيضًا يقول ابن الْجَوْزِيّ: منهم من يذكر بكلامه على النساء، يعني يتكلم عن الموت والفراق، وعما يكون بعد الموت من فراقٍ للأحبة، وتركٍ للأولاد، وترميلٍ للزوجة… إلى آخره، فيجدّد مصائبَ النساء وضعاف القلوب، ويحرّكهم إلى التسخُّط بالأقدار، وهذا جمهور ما يقولونه في الأعزية، وهو من المنكرات، وإنما ينبغي أن يأمر أهل المصائب بالصبر، وهم يحثُّون على الجزع، هكذا يفعل القُّصّاص، يحملون الناس على مخالفة الشرع، ويسخِّطونهم على قدر الله، بدل أن يدفعوهم إلى الصبر والرضا والاحتساب فينال الأجر من الله عز وجل.

أيضًا منهم من يَخْرُجُ بالكلام في المحبة. يعني: يتكلم عن المحبة إلى أمرٍ آخر، ينزّل كلامَ الحق عز وجل على حديثه، كما يقول ابن الْجَوْزِيّ: “سَعْدَى وَلُبْنَى” ممكن مثلًا في مجال ورع وتقوى -كما ذكرنا- أيضًا يدخل أغنيةً من الأغنيات في زماننا هذا يستدل بها على قصّةٍ، وهو يتكلم مثلًا عن الصحابة وحبهم لبعض… إلى آخر هذا، هذا خَبَلٌ، لا يجوز أبدًا، وقد يقع من قلوب العامّة موقعَ الرّضا والاستحسان، ويطلقون أصواتهم تصايحًا فرحًا بهذا الأمر، لكنّ في الحقيقة هذا أمرٌ خطيرٌ جدَّا؛ لأنه يصرف الناسَ إلى التدبّر، وعن الاستدلال الصحيح… إلى آخره، من أجل هذه المعاني ودور القصاصين الخطير في الوضع كان الذم للقصاص، وهذه أمثلة لما فعلوه.

كيفيّة وعظِ القاصِّ أو المُذَكِّر، وآداب ذلك:

من الفصول الممتعة في كتاب ابن الْجَوْزِيّ -خَتَمَ بها كتابه- أنه تكلّم عن كيفيّة وعظِ القاصِّ أو المُذَكِّر، فقال -رحمه الله-: وأما كيفية وعظه، فليعلم أن أصحاب النبي عليه السلام كانوا إذا أرادوا الموعظة أَمَرُوا رجلًا أن يقرأ عليهم سورة، ثم صار المتكلم منهم يضمّ إلى القراءة أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وكلماتٍ من المواعظ، أما المنبر فلا بأس بارتقائه؛ فقد ارتقاه رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأما الفراش عليه فلا بأس به؛ فإنه يوجب نوعَ احترامٍ في النفوس، أما إلباسُ المنبر الخرقَ الملوَّنة فإني أكرهها.

وأيضًا جعل فصلًا في حال المذكر أو القاصّ على المنبر، قال: فإذا ارتقى المنبر سلَّم عليهم، ولا بأس أن يقرأ من القرآن آياتٍ على وجه الترتيل والتحزين، لا على طريق الألحان، ويعقد فصلًا أيضًا فيه آداب الواعظ، يقول: فإذا فرغ القراء حَمَدَ الواعظُ اللهَ عز وجل وأثنى عليه، وعلى رسوله صلى الله عليه  وسلم وترضّى على أصحابه، ودعا للإمام والرعية، فإن كانت له صناعة في إنشاء الخطبة، أو كان يحفظ خطبة فيذكرها، ولا بأس؛ فإن الكلام المستحسن له وقع في النفوس، ولا يُلْتَفَت إلى متزهِّد جاهلٍ يقول هذا تصنُّعًا؛ فإن التصنُّع لا يفيد، لكنْ إذا تصنّع ترقيقًا للقلوب فإن التصنع المباح لاستجلاب القلوب لا يُذَمّ.

يتكلم أيضًا عن آداب الواعظ، يقول: وليجتنبِ السجع في الدعاء. واستدل على ذلك بنقولٍ من أقوالِ الصحابة والسلف الصالح.

وفي فصلٍ آخرَ يقول: إذا أنهى الخطبة والدعاء ذكر تفسير الآيات التي قرئت، وأدرج في تفسيرها ما يليق به من ذكر الوجوه والنظائر، والأخبار المسندة، والحكايات اللائقة بذلك.

وأيضًا من الآداب للواعظ أنه لا بأس أن يرفع صوته، ويظهر الجدّ في تحذيره ووعظه، وذكر في ذلك نقولًا عن السنة، منها النبي صلى الله عليه  وسلم كان إذا خطب احمرّت عيناه، وبرزت عروقه… إلى آخره، وكأنه منذر جيش إلى ما ورد في هذا.

وأيضًا يقول: ليكن ميله إلى المخوفات أكثر؛ فإن الطبيب يقاوم المرض بضده، وقد غلب الطمع على القلوب، وقوي الرجاء، وضعف الخوف، ولا بأس أن ينشد الأبيات الزهديّات؛ فإن من الشعر حكمة.

أيضًا من فصل خاصٍّ من آداب الوعظ يقول: إذا رأى مُدّعيًا للوجد يصيح حذَّره؛ فإن الحسن البصري رأى رجلًا في مجلسه يبكي، فقال: “ليسألنك الله ما أردتَ بهذا” وإن رأى متواجدًا قد مَزّقَ ثوبَه أعلمه أن هذا من الشيطان؛ فإن الحقَّ لا يُفْسِدُ.

وأيضًا من المواعظ أنه قال: إذا حضر مجلسه نسوة ضرب بينهن وبين الرجال حجابًا، وأشار إلى وعظهن وتخويفهن من تضييع حق الزوج، والتفريط في الصلاة، ونهاهن عن التبرج وعن الخروج من غير حاجة… إلى آخره.

هنا يحدد الموضوعات التي تناسب النساء، انظر إلى العظمة وإلى الفَهم الجيّد، أولًا يضرب بين النساء والرجال حجابًا، ثم يعظ النساء بما يناسب حالهن ومقامهن، فيكلمهم عن حقّ الزوج، وينهاهن عن التقصير في الصلاة، وعن التبرج، وعن الخروج من غير حاجة… إلى آخره، أيضًا يشير إلى قضية هامة أن الواعظ لا يتكلم في الأصول إلا بالقدر الذي لا يشقّ الصفوف، ولا يحدث خلافًا، يتكلم عن أن كلام الله غير مخلوقٍ، وأن أخبار الصفات تمرُّ كما جاءت، ومهما خَطَرَ على البال من صفات الحق عز وجل فهو بخلافه؛ لأنه ليس كمثله شيءٌ… إلى آخره. يعني يعلِّم الواعظ أن يأخذ بمذهب السلف، وأن يتحاشى الخلافيات؛ حتى لا يشق الصفوف ويفرق الأمة، وهو يعظ لكي يجمع الأمة على وعظ وتفكير وفَهم؛ فالأَولى به أن يجمع لا أن يُفَرِّقَ.

أيضًا يقول: ينبغي أن يترحّم على الصحابة، وأن يأمر بالكف عما شجر بينهم، ويورد الأحاديث في فضائلهم، ويلفت السائل إلى ما يلزمه من الفروض والواجبات.

أيضًا من الآداب -وكل ذلك في الفصل- إن وَعَظَ سلطانًا تلطّف غايةَ ما يمكن، ولم يواجه بالخطاب؛ فإن الملوك إنما اعتزلوا الناس ليبقى جاهُهم، فإذا ووجهوا بالخطاب رأوا ذلك نقصًا، فليذكر الوعظَ عامًّا ليأخذ السلطان منه نصيبًا، وقد كان في السلاطين من يواجَه بالإنكار فيصبر، وليس ذلك يَحْرُم في الرأي، بل التلطّف هو أولى، يعني لو فُرِضَ أنّ السلطان لا يقبل سيحدث فتنة، وربما عاقبه فأدى إلى مفسدةٍ أشدَّ، ومواجهة السلطان بالوعظ ليس محرمًا، لكن التلطُّف أولى.

أيضًا ينبغي للواعظ ألا يطيل المجلس؛ فقد قال أحمد بن حنبل: لا أحب للقاصّ أن يُمِلّ الناس؛ فلا يطيل الموعظة إذا وعظ. وقد كان عبد الله بن مسعود يعظ أصحابه كل يوم خميس، وحينما طلبوا منه أكثر من ذلك لم يرضَ بهذا؛ والنبي صلى الله عليه  وسلم كان يتخوّلهم بالموعظة مخافةَ السآمة والملل.

أيضًا من الآداب التي أشار إليها ابن الْجَوْزِيّ -رحمه الله- يقتصر على مجلسٍ واحدٍ في الأسبوع، فإن رأى الهمم متشوِّقةً إلى الزيادة جعلها مجلسين، ولا يزيد.

أيضًا من الآداب أنه متى كان الواعظ عالمًا بتفسير القرآن، والحديث، وسير السلف، وعلم بالفقه؛ عَرَفَ الجدّة، ولم تَخْفَ عليه البدعة، ويستطيع أن يميّز البدعة من السنة، ودلّه علمه على حسن القصد، وصحة النِّيّة، ومتى كان قاصر العلم طالبًا للدنيا لم ينفع غيرَه وضرّ نفسَه.

ثم قال في الفصل بعد ذلك: لا ينبغي للواعظ أن يحتقر أمره؛ فإنه إذا كان كامل العلم صادق القصد عمَّ نفعه، واجتلب إلى باب الله -سبحانه- عددًا زائدًا على الحد، ما لا يقدر على اجتلاب عُشْرِه فقيهٌ ولا محدِّثٌ ولا قارئٌ؛ لأن خطابه ببعض العام للعام وللخاص، وخصوصًا العوامّ الذين لا يلقون فقيهًا إلا في كل مدّة فيسألونه عن حكمٍ أو نحو ذلك، وهذا الواعظ كالرائد لهم، يروِّضهم، يثقِّفهم، ويقوِّمهم، ويؤدِّبهم، فلا يلتفتُ إلى مَن أطلق ذمّ الوعظ.

ختام الكتاب:

في النهاية ذكر الأدوات، والعلوم التي جمعها، والمؤلفات التي ألفها فيه، قال: وقد جمعتُ في آيات الوعظ كتبًا لم أسبق إلى مثلها، من تفاسير للقرآن، المهذبة من الزلل، السليمة من الأحاديث المصنوعة، منها كتاب (زاد المسير في علم التفسير) وأكبر منه (المغني) وكتاب (المتوسط) وسميته بـ(إيضاح البيان في تفسير القرآن) وكتاب (ناسخ القرآن ومنسوخه ومختصره) وكتاب (ناسخ الحديث ومنسوخه ومختصره) وكتاب (جامع المسانيد) جمعت فيه مسند أحمد وصحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتاب (الترمذي) وهذه الكتب الأربعة تكون قريبة من ثلاثين مجلدًا، فاختصرتها في خمسة مجلداتٍ مع ذكر الأسانيد… إلى آخر ما ذكره، وصنفت كتبًا في أخبار الأخيار، فمنها كتاب (فضائل عمر بن الخطاب) وكتاب (فضائل عمر بن عبد العزيز)… إلى آخره، ويقول: كتب الوعظ كثيرة جدًّا (تبصرة المبتدأ) و(كنز المذكر) و(اللؤلؤ)… إلى آخره، وبعض هذه الكتب تُغني الواعظَ وتكفيه طولَ عمره، ولا يحتاج معه إلى زخارفَ قد ألّفها الأعاجمُ أكثرُها كذبٌ وهذيان.

وختم الكتاب، والكتاب طُبِعَ أكثرَ من طبعة، وهو جديرٌ بأن يكون في مكتبة كل مسلم، وخصوصًا الذين تخصّصوا في دراسة الحديث وعلومه.

والآن قد انتهينا من دراسة كتاب ابن الْجَوْزِيّ.

error: النص محمي !!