Top
Image Alt

كتاب (الكامل) لابن عدي

  /  كتاب (الكامل) لابن عدي

كتاب (الكامل) لابن عدي

ننتقل إلى الكلام عن نوعٍ آخرَ من الكتب تتصل بمادة الوضع والوضاعين، معظم الكتب التي مرّت كانت متصلة بالأحاديث الموضوعة، فتكلمنا عن طائفةٍ كثيرةٍ جدًّا منها، ذكّرنا بها مرارًا، وعلى رأسها كتبٌ مشهورةٌ في هذا الأمر، تكلمنا عن كتابي ابن الجوزي (الموضوعات) و(العلل المتناهية) وعن تخليصهم للذهبي، وتكلمنا عن الكتب التي تفرّعت عنه، مثل كتاب السيوطي في (العلل المصنوعة)، وتكلمنا عن كتاب الجوزقاني، وكتاب الفتني.

ثم انتقلنا إلى كتابين متصلين بهذا، هذان الكتابان المتصلان بفن القصص الذي هو من أهم الأسباب في الوضع، وهما: كتاب (القصاص والمذكرين) لابن الجوزي، وكتاب (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص) للسيوطي -رحمه الله تعالى- وقلنا إن العلاقة بين هذين الكتابين وبين مادة الوضع والوضاعين -التي نحن بصددها ونتكلم عنها- علاقة وثيقة جدًّا وواضحةٌ؛ وهي أن الكتابين يتكلمان في نوعٍ من أنواع الوضع الخطير، أدى إلى التزايد على النبي صلى الله عليه  وسلم وكنا أيضًا قد تكلمنا عن القصص ونحن نتكلم عن الوضع وأسبابه.

اليوم نتكلم عن كتابين من كتب الرجال، قد يقول قائل: هذان كتابان في كتب الرجال، فما العلاقة بينهما وبين كتب الوضع؟!

في الحقيقة أن هذين الكتابين هما من أكبر وأهم الكتب في الضعفاء من الرجال، وهما كتاب (الكامل) لابن عدي -رحمه الله تعالى- وكتاب (المجروحين) لابن حبان، وكثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة قد أوردها هذان الإمامان أثناء تراجمهما للرواة الذين كتبوا عنهم؛ لأن كتاب (الكامل) في الضعفاء، وكتاب (المجروحين) أيضًا في المجروحين، والمجروحون أنواع، منهم الوضاعون، وهناك كتب كان كل همها إخراج الأحاديث الضعيفة والموضوعة من هذين الكتابين، ومما درسناه من كتب ابن طاهر المقدسي -رحمه الله- كتاب جمع فيه الأحاديث المجروحة، أو الضعيفة والموضوعة، من كتاب (الكامل) لابن عدي، وكتاب آخر جمع فيه الأحاديث المجروحة والضعيفة من كتاب (المجروحين) لابن حبان.

إذن هذان الكتابان من أهم المصادر في معرفة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأيضًا من أهم المصادر في معرفة الوضاعين والكذابين؛ لهذا الأمر كانت دراسة هذين الكتابين المهمين جدًّا؛ لأنهما من المصادر التي اعتمد عليها العلماء في تحديد الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

ترجمة ابن عدي:

ونبدأ بعون الله -تبارك وتعالى- فنتكلم عن الإمام ابن عدي -رحمه الله- وعن كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال)، نعرف ونترجم فيه للإمام ابن عديّ، نقول عنه -رحمه الله- معرفين باسمه وبنسبه:

هو أبو أحمد -هذه كنيته- عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن المبارك، المعروف بابن القطان الجُرْجَانِيّ، بضم الجيم، وسكون الراء المهملة، والجيم، والنون بعد الألف، فتحها يزيد بن المهلب أيام سليمان بن عبد الملك، تقع الآن في دولة إيران.

ولد ابن عدي -رحمه الله تعالى- بجُرْجَان، في يوم السبت غرة ذي القعدة، سنة سبع وسبعين ومائتين.

ابن عدي نشأ نشأته الأولى وترعرع بجُرْجَان، ولقد ذكر السهمي في تاريخه أن دار ابن عدي بها، ومسجده أيضًا بها، وفيها تلقى تعليمه، وكان مما درسه فيها علم الحديث، الذي أخذه عن علماء بلده، وكان عمره لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة، يعني بدأ الطلب في سنة 290 هجرية تقريبًا.

في كتاب (الكامل) أنه أخذ الحديث سنة 288، يعني كان عمره أحد عشر عامًا، يعني هذا يفيد أنه نشأ في جُرْجَان، وتلقى أو طلب العلم -وخصوصًا علم الحديث- منذ مرحلة مبكرة من حياته.

في الحقيقة لم تحدثنا المراجع كثيرًا عن أسرة ابن عدي، إلا أنها ذكرت أن أبا أحمد: الخليل بن أحمد بن الخليل الهمذاني -من ساكني جُرْجَان- هو جَدُّ عبد الله بن عدي، والد أمه، وروَى الخليل عن أبيه أحمد، وروَى عنه ابنه أحمد، وتوفي سنة 289.

أيضًا جاء أن والده كان من تلاميذ أبي زُرْعَة الرازي، وهذا ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، كما ذكرت المراجعُ خالَه، وهو أبو الحسن علي بن الخليل بن أحمد بن الخليل بن سليمان بن زياد، المعروف بالشاعر القطاني الجُرْجَاني، الذي روى عنه الفضل بن محمد البيهقي، وروى عنه جماعة، وهذا في (تاريخ جُرْجَان).

أيضًا ورد ذكر لأخيه أبي عبد الله: محمد بن عدي، سمع من السجستاني، ومات قبل عبد الله بن عدي.

وأما أولاده فهم: عدي، ومنصور، وأبو زُرعة، وقد تتلمذوا على أبيهم وأخذوا الحديث عنه.

هذا مجمل أسرته ونشأته الأولى، يعني هو نشأ في جُرْجَان، وطلب العلم منذ مرحلة مبكرة.

والآن ننتقل إلى رحلاته، هو لم يكتفِ بطلب العلم في جُرْجَان فقط، بعد أن أخذ عن علمائها، ارتحل في طلب الحديث، لم يكد عمره يتجاوز العشرين سنة إلا بدأ عصر الرحلات، فكانت أولى رحلاته سنة سبع وتسعين ومائتين، يعني وهو ابن عشرين سنة طاف البلاد في طلب العلم، كما في (شذرات الذهب)، واستمرّ على هذا الحال حتى عُرف بالجوّال النقّال الرحال، كما وصفه ابن عساكر في (تاريخ دمشق).

يقول ابن عساكر عنه: أحد أئمة أصحاب الحديث والمكثرين فيه، والجامعين له، والرحالين له.

وقال السبكي في ترجمته ابن عدي -وما أجمل هذا القول فعلًا: أحد الجهابذة الذين طافوا البلاد، وهجروا الوساد، وواصلوا السهاد، وقطعوا المعتاد، طالبين العلم، لا يعتري همتهم قصور، ولا يثنى عزمهم عوارض الأمور، ولا يدع سيرهم في ليالي الرحلة مدلهم الديجور. هذا ذكره السبكي -رحمه الله- في (طبقات الشافعية).

ذكرت المراجع أن ابن عدي رحل إلى الشام ومصر مرتين، أولاهما سنة 297، والأخرى سنة 304، وأنه كان بالعراق سنة 297.

ابن عدي رحل إلى بلد كثيرة: مصر، والشام، والعراق، وإلى أيلة، وإخميم، وإصفاريين، والإسكندرية، وأنطاكية، وبخارى، والبصرة، وبعلبك، وبغداد -فك الله أسرها، وأعادها للإسلام وأهله- وبيت المقدس، وحران، وحلب، وخرسان، ودمشق، ودمياط، والرملة، وسمرقند، وطرابلس، وعسقلان، والكوفة، والمدينة، ومرو، ومنى، ومكة، والموصل، ونيسابور، وواسط… وغيرها، تقريبًا لم يترك بلدًا من بلاد المسلمين إلا رحل إليها طلبًا للعلم.

إذا انتقلت إلى شيوخ ابن عدي فهم شيوخ كثيرون -رحمهم الله- يعني هو نفسه ذكر شيوخه، وذُكر أنه روَى عن أكثر من ألف شيخ، ذكر ذلك الخليلي في (الإرشاد)، وذكره أيضًا في (تذكرة الحفاظ) للذهبي.

نذكر الآن بعض هؤلاء الشيوخ: على رأسهم الحافظ الكبير النسائي: أحمد بن شعيب بن علي بن سند بن بحر دينار، أبو عبد الرحمن، أحد علماء السنة، وأحد كبار علماء الجرح والتعديل، والمتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة من الهجرة -رحمه الله.

وأيضًا أخذ ابن عدي عن ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيره بن صالح ابن بكر، أبو بكر السلمي الشافعي، المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

وأخذ عن البغوي ذلك الحافظ الكبير: عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن مرزبان بن سابور أبو القاسم بن بنت أحمد بن منيع، توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

وأخذ عن أبي يعلى الموصلي، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة.

وأخذ عن الساجي زكريا بن يحيي بن عبد الرحمن بن بحر بن عدي، المتوفى أيضًا سنة سبعة وثلاثمائة.

وأخذ عن ابن صاعد يحيي بن محمد بن الصاعد، ومات ابن صاعد سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. وغيرهم كثيرٌ وكثيرٌ، لا نطيل بذكرهم.

أما تلاميذه فقد تتلمذ على ابن عدي عدد كثير من طلاب العلم، أخذوا عنه واستفادوا منه، حتى صاروا علماء أجلاء يشار إليهم بالبنان. وسمع أيضًا منه كبار من أقرانه. ونذكر الآن من تتلمذوا على يديه: منهم إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم المؤدب المقري الخفاف المتوفى سنة 401، ومنهم أحمد بن أحمد بن يوسف أبو صادق البيع 415، ومنهم أحمد بن جعفر بن محمد بن إبراهيم أو صادق الجُرْجَاني العطار المتوفى401، ومنهم أحمد بن خالد أبو بكر العطار المتوفى 401، ومنهم أحمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الإسفراييني المتوفى سنة 406، ومنهم أحمد بن محمد بن عبد الله بن حفص ابن خليل أبو سعد الماليني المتوفى سنة 412، ومنهم حمزة بن يوسف السهمي المتوفى 428، وغيرهم كثيرٌ وكثيرٌ.

ثناء العلماء عليه:

وثناء العلماء -كما نعلم- هو الشهادة التي من خلالها يتبوأ العالم مكانته:

ابن عدي -رحمه الله- تبوأ مكانة عظيمة بين العلماء في حياته، وخلف ثناءً عطرًا بعد وفاته، يعني هو لم ينتشر أمره بعد وفاته فقط، بل كان مطلوبًا ويرحل إليه وهو حي، هو حافظٌ ثقةٌ، وهو ناقدٌ بصيرٌ، أفاض العلماء في مدحه، وفي الثناء عليه، وفي تقديمه على أقرانه، وهذه بعض الأقوال في بيان مكانته العلمية.

قال عنه تلميذه السهمي حمزة بن يوسف: كان أبو أحمد بن عدي حافظًا متقنًا، لم يكن في زمانه مثله. هذا في (تاريخ جُرْجَان).

وقال الخليلي: عديمُ النظر حفظًا وجلالةً. في (الإرشاد).

وقال الذهبي: الإمام الحافظ الكبير. في (تذكرة الحفاظ).

وقال ابن كثير: أبو أحمد بن عدي الحافظ الكبير، المفيد، الإمام، العالم، الجوال، الرحّال. هذا في (البداية والنهاية).

وقال ابن القاضي شهبة في طبقاته: أحد الأئمة الأعلام وأركان الإسلام، طوف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار.

هذه بعض شهادات العلماء له ولمكانته العلمية.

إذا انتقلنا إلى مؤلفات ابن عدي نجد أنه أثرى المكتبة الإسلامية بكتب كثيرة، وترك وراءه مكتبة طيبة انتفع الناس بها قديمًا وحديثًا، وهي في أغلبها تدور بين علم الحديث دراية ورواية، وأيضًا له مؤلفات في الفقه الشافعي.

بعض مؤلفاته التي ذكرها العلماء أثناء تراجمهم له: منها (الكامل في ضعفاء الرجال) وهو أشهر مصنفاته على الإطلاق، وبها انتشر، وهو كتاب عظيم جدًّا في بابه، وكل من كتب عن الضعفاء بعد ذلك أخذ منه، وكان أثره كبيرًا.

وأيضًا له كتاب (أسامي من روى عنهم البخاري في الصحيح) وهذا طبعه دار البشائر الإسلامية بتحقيق الشيخ عامر حسن صبري -جزاه الله خيرا- سنة 1414 هذه الطبعة الأولى.

وله أيضًا (أسامي الصحابة) ذكره بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي)، وأشار لوجوده مخطوطًا بمكتبة مدينة إسطانبول تحت رقم 270، وأيضًا ذكره الأستاذ فؤاد سزكين في (تاريخ التراث العربي)، وأفاد أن الحافظ ابن حجر نقل عنه في مواضع من (الإصابة).

وأيضًا لابن عدي مسند لحديث مالك بن أنس، جمع فيه ابن عدي أحاديث مالك بن أنس المسندة إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عزاه لابن عدي كل من السهمي، والقاضي عياض في (ترتيب المدارك)، والسمعاني في (الأنساب)، (ومعجم البلدان)، وفي (سير أعلام النبلاء). ونصّ أبو سعد الماليني على سماعه له من ابن عدي.

أيضًا جمع أحاديث الأوزاعي، وسفيان الثوري، وشعبة، وإسماعيل بن خلف، وجماعة من المقلين الذين ليست روايتهم كثيرة، أيضًا ذكره السهمي في (تاريخ جُرْجَان).

وله (المعجم) وهو كتاب جمع فيه ابن عدي أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وذكر فيه بعض أحاديثهم التي رووها، وهم زادوا على الألف شيخ، وهذا ذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ).

أيضًا له كتاب (الانتصار على مختصر المزني) هو كتاب في فقه الشافعية، السبكي في ترجمته ابن عدي في (طبقات الشافعية الكبرى) قال: ألف على مختصر المزني كتابًا سماه (الانتصار) لوددت لو وقفت عليه.

هذه بعض المؤلفات التي تركها ابن عدي -رحمه الله- ومعظمها -كما نرى- تتعلق بالحديث وعلومه.

هذا الإمام الجليل: أبو أحمد بن عدي -رحمه الله- بلغ من العمر ثمانٍ وثمانين سنة، انتقل إلى الرفيق الأعلى في غرة جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، ليلة السبت، صلّى عليه أبو بكر الإسماعيلي.

رحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه عن الإسلام وأهله وعن سنة النبيّ صلى الله عليه  وسلم خيرًا.

وصف كتاب “الكامل” لابن عدي:

الآن ننتقل إلى عنصر جديد، نتكلم عن كتاب (الكامل) لابن عدي، وهذا العنصر هو وصف الكتاب، وصف الكتاب يتعلق بعدة نقاط:

سمّى ابن عدي كتابه في الجرح والتعديل باسم (الكامل في ضعفاء الرجال) جاء ذلك في مقدمة الكتاب نفسه، إلا أن بعض العلماء سمّى الكتاب بغير هذا الاسم، فقد سماه الذهبي -رحمه الله- في (السير) وفي (التذكرة)، وسماه أيضًا ابن كثير في (البداية والنهاية)، وسماه العيني في (عقد الجمان)، والسيوطي في (طبقات الحفاظ)، وابن شاكر القطبي في (عيون التواريخ)، كلهم سموه باسم: (الكامل في الجرح والتعديل) في حين سماه السبكي في (طبقات الشافعية) بـ(الكامل في معرفة الضعفاء) والذهبي في (التاريخ الإسلامي)، وابن قاضي شهبة، وابن العماد في (شذرات الذهب) وحاجي خليفة في (كشف الظنون)، وخير الدين الزركشي في (الأعلام)، ذكروا أن اسم الكتاب (الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة).

وزاد إسماعيل باشا البغدادي على هذا الاسم زيادة فقال: (الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة وعلل الحديث) ولعلنا ننتبه إلى هذه التسمية؛ لأنها تبين لنا العلاقة بين كتاب ابن عدي -رحمه الله- وبين الوضع وما يتعلق به.

وجاء في بعض مخطوطات الكتاب مكتوب عليها (الكامل في معرفة الضعفاء المحدثين والحديث) وهكذا سماه الأستاذ رضا كحالة في (معجم المؤلفين)، ودرج كثير من العلماء في زماننا هذا على إطلاق (الكامل) اختصارًا، حتى من القدامى ليس المحدثين فقط، يعني السمعاني في (الأنساب)، والذهبي في (ميزان الاعتدال) والزبيدي في (تاج العروس) والذهبي في (ميزان الاعتدال) في أول الكتاب تكلم عن أنه وضع (الميزان) في الأسماء التي كتب فيها ابن عدي، والسخاوي في (فتح المغيث)، والسيوطي في (تدريب الراوي)، وفي (اللآلئ المصنوعة)، والصنعاني في (توضيح الأفكار) كلهم يطلقون عليه (الكامل) اختصارًا.

من هذا العرض يتبين أن هؤلاء العلماء قد اتفقوا على أول اسم الكتاب وهو (الكامل) واختلفوا في بقية الاسم، وهو اختلاف ليس خطيرًا، البعض من نظر إلى الاختصار، ومنهم من نظر إلى مضمون الكتاب وأن فيه علل الحديث فأضافها إلى تسميته… إلى آخره، مع اتفاقهم جميعًا في مضمون الكتاب ومعناه، وهو أنه كتاب في ضعفاء الرجال وفي ذكر علل الحديث.

على كلٍّ نعتبر تسمية المؤلف لكتابه في النهاية، وذلك هو المتداول الآن في طبعاته، وهو (الكامل في ضعفاء الرجال).

ننتقل إلى موضوع الكتاب: ترجم فيه ابن عدي لضعفاء المحدثين، ولمجاهيلهم، وللمتكلَّم فيه منهم، مع بيان الوجه الذي استحقوا به الجرح، وهو أيضًا تكلم في غيرهم من الثقات، لكن ليس ليجرحهم، رغم أن اسم الكتاب: (الكامل في ضعفاء الرجال) إلا أنه أحيانًا -وهذا أمر سنتكلم عنه بعد قليل حين ندخل في الكتاب ومنهج المؤلف فيه- تكلم عن الثقات؛ لأن البعض قد تكلم فيه؛ لكي يردّ عنهم، لكن على كل حال ضمنه بعض الثقات ليس من قيل القدح فيهم، وإنما من قبيل الذّبّ عنهم.

أما أصل الكتاب فهو في الضعفاء من الرجال.

عدد تراجم الكتاب زادت على ألفين بتسعة ومائتين، يعني 2209 تقريبًا، هذا العدد أيضًا يشمل التراجم الساقطة من النسخة المطبوعة، ويشمل التراجم المقررة؛ لأن هناك بعض التراجم كررها ابن عدي مرتين، مرة في الأسماء ومرة في الكنى، وكمثال لذلك صبيح بن عبد الله أبي جهم الأيادي ذكره مرتين، مرة في الأسماء في اسم صبيح، ومرة في الكنى في أبي الجهم.

نسبة الكتاب إلى صاحبه: كل الذين ترجموا لابن عدي -رحمه الله- ووردت أسماء كتبهم والأجزاء والصفحات -فيما ذكرنا- كلهم ذكروا هذا الكتاب، بما لا نعود لذكرهم مرة ثانية، فهم قد أجمعوا تقريبًَا على نسبة الكتاب لابن عدي -رحمه الله- حتى مع الاختلاف على تسميته التي اختلفوا حولها، فهذا أمرا ليس خطيرًا على كل حال.

ننتقل إلى مقدمة الكتاب:

قدّم ابن عدي -رحمه الله- لكتابه بمقدمة نفيسة جدًّا، ذكر فيها مجموعة من النقاط:

أولا: بيّن منهجه الذي التزمه في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال) ونحن سنأتي إلى ذلك أيضًا.

ثم تكلم عن سوء الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وعقوبته، وإثم من فعله، وذكر الأحاديث في ذلك.

وعقد بابًا في تحري الصحابة والتابعين لهم بإحسان في تحمل الحديث وأدائه؛ خوفًا من الخطأ في نقل أحاديث النبي صلى الله عليه  وسلم.

وبين ما كان من تحفظ الصحابة وإقلالهم في رواية الحديث، وما دار حولهم من نقاش في أمر كتابته. وذكر من اختار قلة الرواية فلم يكثر من الحديث.

وذكر من كان لا يرى كتابة الحديث من الأئمة، ومن كان يكتب منهم. ثم ذكر من تكلم في لرجال من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى زمانه.

يعني ذكر أعلام الأئمة الذين تكلموا في علم الرجال، ونقدوا الرواة، وبينوا المقبولين منهم وغير المقبولين، ومن الصحابة، ومن التابعين، ومن بعدهم، وقسمهم إلى أجيال. تكلم عن أنس بن مالك والصحابة.

لا نريد أن نستعرض؛ لأن الكتاب موجود ومطبوع، وكتاب ابن عدي الكلام حوله كثير، يحتاج إلى عدم الوقوف إلى بعض هذه التفصيلات التي من الممكن الرجوع إليها في الكتاب نفسه.

وأيضًا أورد كثيرًا ممن تكلم في الرجال من التابعين، وأورد كثيرًا من الرواة في فضائلهم، ومع ذكر كثير من أقوالهم في نقد الرواة، وفي تثبتهم وتحريهم، وعَقَدَ فصلًا ذكر فيه من استجاز تكذيب من تبين كذبه من الصحابة والتابعين، يعني لم يعتبروا ذلك من الغيبة المحرمة شرعًا، بل استجازوا أن يكذب الكاذبون؛ صيانةً لحديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم بيّن من قالوا بذلك من الصحابة والتابعين، ومن تابعي التابعين إلى أن يرويه رجل عن رجل.

ثم ذكر في آخر المقدمة صفةَ مَن يُقبل حديثه ومن يُرد، من بعض ما جاء في مقدمة كتابه هذا أنه قال -رحمه الله-: وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيه، فجرحه البعض وعدَّله البعض.

يعني أستطيع أن آخذ منهج ابن عدي -رحمه الله- بإيجاز من خلال هذه السطور القليلة في المقدمة، إذن هو ليس في الضعفاء فحسب، بل من اختلف فيه.

“ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي” لن يكتفي بصد الأقوال، إنما سيصل في شأنها بمبلغ علمه، من غير محاباة، فلعل من قبح عمله أو حسنه تحمل عليه أو مال إليه، ننظر إلى الإنصاف هنا هو يجتهد في مبلغ علمه في الفصل في شأن الرواة، ثم يفصل بميزان العدالة الذي يميل مع الهوى، فربما من قبّح أمره أو حتى من حسنه تحامل عليه، أو مال إليه إذا كان محسن النقل.

وذاكر لكل رجل منهم مما رواه ما يضعَّف من أجله.

يعني شيء عظيم، كأنه يقول: وأذكر الأدلة عل سبب ذكري له، قد لا يستوعب مروياته، لكنه يذكرها كأدلة على صدق الاتهام له، أو على نفي الاتهام عنه، كما سنرى بتفصيل عند عمله.

وذاكر لكل رجلٍ منهم مما رواه ما يضعف من ِِأجله أو يلحقه بروايتنا واسم الضعف، إلى حاجة الناس إليها؛ لأقرّبه على الناظر فيه، وصنفته على حروف المعجم؛ ليكون أسهل على من طلب روايًا منهم، ولا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق.

هل هو استوعب كل الرواة الضعفاء، ثم من لم يذكرهم بعد ذلك إما من الثقات أو من الصادقين؟

هذا كلام تأثر به بعض العلماء، وحكم على رواة لم يجدهم في (الكامل) لابن عدي بأنهم ثقات أو صادقون؛ بناء على هذا التقسيم الذي ذكره ابن عدي -رحمه الله تعالى- وسنقف مع ذلك.

لا يبقى من الرواة الذين لم يذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوى، وهو فيه متأول، ومضمّن ما لم يذكره ممن صنف في هذا المعنى شيئًا، يعني يضمّن كتابه أسماء لم يسبق أحد إليهم.

ثم قال: وسميته كتاب (الكامل في ضعفاء الرجال) ملتمسًا في كل ذلك رضا الله عز وجل وجزيل ثوابه، وبه أستعين، وعليه توكلي، وبه توفيقي، وهو حسبي ونعم الوكيل.

طريقة ترتيب الكتاب:

ذكر ابن عدي -رحمه الله- في كتابه أسماء الضعفاء، والمجاهيل، والمتكلم فيهم، مرتبًا إياهم على حروف المعجم، هذا ترتيبه للكتاب أو للتراجم.

يبدأ بمن يبدأ اسمه بحرف الألف، ثم من يبدأ بالباء، وهكذا إلى أن انتهى بمن يبدأ اسمه بالياء، وقدّم من يبدأ اسمه بالواو على من ابتدأ اسمه بالهاء، وجعل حرف اللام ألف قبل الهاء وقبل الياء، ولم يراعِ في هذا الترتيب إلا الحرف الأول من أسماء الرواة؛ لذلك ربما أخر راويًا كان من حقه التقديم، وأيضًا عكس ذلك، مثال ذلك:

أن ابن عدي -مثلًا- قدم من اسمه “زُهير” على من اسمه “زبير”. وكان عدد التراجم في كل منهما متساويًا، وهو أربع تراجم.

كما أنه يقدم الاسم الذي يتكرر كثيرًا على الاسم الذي لا يتكرر كثيرًا، وهذا وقع منه -مثلًا- مع من اسمه “حفص” قدمه على من اسمه “حرب” مع أننا لو راعينا الترتيب الأبجدي فيتقدم “حرب” على “حفص” وهذا هو في (تهذيب الكمال) -مثلًَا- وفي (تهذيب التهذيب) إلى آخره؛ لأن المعنى الذي لحظه ابن عدي هو أن الرواة الذين سموا بحفص أكثر من الذين سموا بحرب.

ويبدأ ابن عدي كل حرف بعنوان عام:

مثلًا: “من ابتداء أسمائهم شين” يشمل كل من أول اسم منهم شين، كان هذا يعني عنوان للباب، ثم يجعل الرواة المشتركين في الاسم بعد ذلك في مكان واحد.

يعني هو بدأ بمنحى حرف الشين بشكل عام، ثم يقول: “من اسمه شعيب” “من اسمه شريك”… إلى آخره، “من اسمه شرحبيل” راعى التصنيف المتخصص في الأسماء، فنحن من الممكن أن نعتبر أن العنوان الرئيسي “من ابتداء أسمائهم شين” كأنه باب، ثم كل اسم بعد ذلك يعتبر فصلًا تحت هذا العنوان العام.

وفي نهاية كتابه -بعد أن فرغ من الأسماء-: ترجم لمن غلبت عليهم الكنية، ولم يسمَّ، ثم مَن نُسِبَ إلى قبيلة، أو من نُسِبَ إلى مولًى ولم يُذكر باسمٍ ولا بكنيةٍ.

هذا بإجمال طريقة ترتيبه للتراجم، خلاصتها أنه رتبه على حروف المعجم، لكنه لم يراع إلا الحرف الأول فقط من الترتيب، وقد حاول في كتابه هذا أن يستوعب الضعفاء والمتكلم فيهم، كما ذكر أو كما نص؛ بدليل أنه قال: “ولا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوىً، وهو فيه متأوِّل”.

بنى بعض العلماء على ذلك أن من لم يذكره ابن عدي فهو ثقة أو صدوق: نقل الزيلعي ابن دقيق العيد -رحمه الله- في كتابه (الإلمام بأحاديث الأحكام) قوله وهو يتحدث عن أسد بن موسى الثاني: أن أسدًا ثقة، ولم يُرَ في كتب الضعفاء له ذكر، وقد شرط ابن عدي أن يذكر في كتابه كل من تكلم فيه، وذكر جماعةً من الأكابر والحفاظ، ولم يذكر أسدًا؛ وهذا يقتضي توثيقه.

إذن ابن دقيق العيد اعتبر أن عدم ذكر ابن عدي للراوي في كتابه إنما هو توثيق له.

على كل حال هذا كل لا يسلَّم؛ لأن هناك من الضعفاء من لم يذكرهم؛ لأننا نسجل هنا أن ابن عدي -رحمه الله- لم يتمكن من إدراك هذه الغاية، وما كان ينبغي له أن يحولها؛ لأن إدراك نهاية في أي فنٍّ، أو في أي تخصص، أو في أمر، شيءٌ صعبٌ يستحيل جدًّا؛ لأنه فاته عدد كبير من الرواة؛ وذلك لصعوبة حصر الضعفاء والمتكلم فيهم جميعًا لكثرتهم، ولاختلاف بلدانهم وأعصارهم التي عاشوا فيها.

على كل حال جزاه الله خيرًا أنه استوعب بقدر طاقته، بعد أن بَذَلَ جهده وأفرغ وسعه.

ذكر ما يسره الله له -فجزاه الله خيرًا- والعلماء عادة يكمل عملُهم عمل البعض الآخر، من كتب في الضعفاء كثير من قبل ابن عدي ومن بعده، وقد جاء بعده كثير وتكلموا في الضعفاء، جاء الدار قطني وله الضعفاء، وجاء ابن حبان، وجاء غيره، وإن كان معاصرًا لابن عدي، جاءوا تكلموا في الضعفاء وفي غيرهم، وقد سبقه أيضًا البخاري وغيره، والنسائي، …وكذا، ومن المتأخرين الذهبي في (المغني) وفي (ديوان الضعفاء) تكلم في (الموثق) وفي (الميزان) وابن حجر. جهود متكاملة يُكْمِلُ بعضُها بعضًا، فجزاهم الله جميعًا خيرًا، ونقول: الضعفاء يُعرفون من كل هذه الجهود، وليس من كتاب واحد.

أنواع الرواة الذين تكلم فيهم ابن عدي:

ابن عدي رغم أنه تكلم فيه عن الضعفاء، أو من تُكلم فيهم،  لم يقتصر في كتابه على ذلك، لم يقتصر على الوضاعين، أو على الضعفاء ضعفًا لم يصل إلى درجة الوضع، أو المجاهيل، أو غير ذلك، وإنما تضمن كتابه كل هؤلاء، وأيضًا من لم يصل إلى درجة الثقة، وإن شئنا الدقة نقول: إنه ذكر في كتابه كل من تكلم فيه بحسب ما تيسر له جمعه.

نص ابن عدي على ذلك عند كلامه على بعض الرواة، فمثلًا قال: أحمد بن صالح المصري -وهو يترجم له- ولولا أني شرطت في كتابي هذا أن أذكر من تكلم فيه متكلم؛ لكنت أجلّ أحمد بن صالح من أن أذكره.

كما نص العلماء أيضًا الذين أتوا من بعده -أي من بعد ابن عدي- على صنيعه هذا في كتابه، ممن قرءوا الكتاب ولخصوه، أو ألفوا عليه، مثل الذهبي مثلًا قال في (سير أعلام النبلاء)، يذكر في (الكامل) كل من تُكلم فيه بأدنى شيء، ولو كان من رجال الصحيحين.

وقال السبكي في (طبقات الشافعية) ذكر ابن عدي في (الكامل) كل من تُكلم فيه ولو من رجال الصحيح.

وقال العراقي: ذكر في كتابه (الكامل) كل من تُكلم فيه وإن كان ثقة.

الذهبي تبعه في ذلك في (الميزان) كما سنذكر، لكنه لم يذكر أحدًا من الصحابة، ولا من الأئمة المتبوعين. وهذه نقطة سنشير إليها بعد قليل.

إذن الأنواع الذين ترجم لهم ابن عدي في كتابه هم الوضاعون، فقد ترجم لعدد كثير منهم، وأدخلهم في كتابه، ربما على اعتبار أن اسم الضعيف يشملهم، يعني هم مندرجون تحت وصف الضعف بشكل عام، وإن كانوا شر أنواع الضعيف، أو هم نوع مستقل.

ممن ترجم له وهو وضاع أحمد بن عبد الله الهروي، يعرف بالجوباري، قال فيه ابن عدي: حدث عن جرير، والفضل بن موسى وغيرهما، بأحاديث وضعها عليهم، وكان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، وكان ابن كرَّام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني، هذا في (الكامل).

أيضًا ممن ترجم لهم من الوضاعين: أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب، قال ابن عدي: كان بسُرَّ من رأى -يقصد سامراء- يضع الحديث.

إسحاق بن نجيح قال فيه ابن عدي: وإسحاق بن نجيح بيّن الأمر في الضعفاء، وهو ممن يضع الحديث.

إسحاق بن بشير الكاهلي قال فيه ابن عدي: وإسحاق بن بشير الكاهلي قد روى غير هذه الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث.

تكلم أيضًا عن المتروكين: والمتروك هو الذي يتهم بالكذب، ويروي حديثًا لا يعرف إلا من جهته، يعني هو يعرف بالكذب في كلامه، حتى وإن لم يظهر منه وقوع الكذب في الحديث النبوي، وربما أيضًا المتروك يدخل فيه من كان كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة، فهو عيب يتصل بالعدالة ويتصل بالضبط معًا، إذا اشتد أمره في العدالة ولو لم يصل إلى درجة الكذب أو فحش أمره في الضبط، فيتركونه؛ لأنه -مثلًا- مغفل شديد الغفلة أو يدخل حديث هذا في حديث ذاك، كما وصف ابنُ حبان بذلك كثيرًا من الرواة.

أدخل ابن عدي المتروكين في كتابه، وترجم لبعضهم، ومن أمثلة من أدخلهم: أبو هدبة الفارسي، قال فيه ابن عدي: “وهو متروك الحديث، بيّن الأمر في الضعف جدًّا”.

إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك الأنصاري قال فيه ابن عدي: وإبراهيم بن براء هذا أحاديثه التي ذكرتها وما لم أذكرها، كلها مناكير، موضوعة، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جدًّا، وهو متروك الحديث.

أيضًا يذكر ابن عدي شديدي الضعف: وهم الذين ضعِّفوا بجرح في العدالة، أو في الضبط الشديد أيضًا، وبعضهم في العدالة فقط، من أمثلتهم سعد بن طريف الإسكافي، قال ابن عدي في ترجمته: “وهو ضعيف جدًّا” وقال في ترجمة إبراهيم بن فهد بن حكيم: “مظلم الأمر”.

ذكر أيضًا الضعفاء: وهم كل من وصف بالضعف لسبب من الأسباب، غير الأنواع الثلاثة التي ذكرنا تقديمها، وهم الوضاعون، أو المتروكون، أو شديد الضعف، ذكر أيضًا الضعفاء، يعني اكتفى بقولهم: ضعفاء، وتعددت ألفاظه في الحكم عليهم، مرة يقول: “ضعيف الحديث” أو “مضطرب الحديث” أو “ليس بالقوي” “يلحقه اسم الضعف” وهكذا. من أمثلة هؤلاء قوله في عمرو بن النعمان: “ليس بالقوي في الحديث” وفي عبد الله بن عيسى الخزاز حيث قال: “وعبد الله بن عيسى هذا له غير ما ذكرت من حديث، وهو مضطرب الحديث، وأحاديثه إفرادات كلها” وفي إبراهيم بن حيان بن حكيم بن علقمة بن سعد بن معاذ الأنصاري حيث قال: “مدني ضعيف الحديث” وفي حسين بن أبي سفيان حيث قال: “وفي حديث حسين هذا ما يلحقه اسم الضعف”.

وترجم أيضًا للمجهولين: يعني وصفهم بالجهالة، المجهول من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن أهم ما يتميز به المجهول أنه لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد.

ترجم لهم أيضًا ابن عدي في كتابه، يعني هو لم يقل إنه سوف يترجم للضعفاء، إنما من خلال أحكامه على الرواة فعل ذلك، فمثلًا إبراهيم بن هانئ قال فيه: “وإبراهيم بن هانئ هذا هو شيخ مجهول، وهو في جملة مجهولي مشايخ بقيّة”.

إسماعيل بن خالد قال فيه: وقد روى أبو إسحاق الفزاري عن إسماعيل هذا عن معمر حديثًا آخر، وإسماعيل هذا مجهول، وليس له كثير حديث.

تكلم عن خفيف الضبط: يعني الذين وصفوا بأدنى عبارات التعديل، ولكنهم ليسوا تامي الضبط، من هؤلاء مثلًا إسماعيل بن مجالد، قال فيه ابن عدي: يكتب حديثه. قال في أحمد بن عبد الرحمن بن يزيد بن عقال أبو الفوارس التميمي الحراني قال فيه: ممن يكتب حديثه، إبراهيم الهجري قال فيه: وإبراهيم الهجري هذا حدث عنه شعبة والثوري وغيرهما، وأحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله، وهو عندي ممن يكتب حديثه.

أيضًا روى للذين وصفوا بعبارات متوسطة في التعديل، كمصطلح “لا بأس به” وكمصطلح “مستقيم الحديث” “مقارب الحديث”… وغيره.

من هؤلاء مثلًا إبراهيم بن أبي الليث، قال فيه ابن عدي: وإبراهيم هذا أكثر عن الأشجعي عن الثوري، وأرجو أن لا بأس به.

الصنف السابع الذين أوردهم في كتابه، وهم الثقات: ترجم ابن عدي -رحمه الله- لجملة من الرواة الثقات في كتابه (الكامل) مع أن موضوع كتابه في ضعفاء الرجال، وجاء تصنيفهم على أربعة أقسام، لكل صنف سبب في إدخال ابن عدي له في (الكامل)، فهو أدخل مثلًا الصحابة  رضي الله  عنهم طبعًا الصحابة -كما نعلم جميعا- كلهم عدول ثقات، إنما أدخلهم ليبين أن سبب إدخاله لهم هو ضعف الإسناد إليهم.

من هؤلاء مثلًًا: زيد بن أبي أوفى، وذو اليدين، وعامر بن واثلة أبو الطفيل، وغيرهم، مما يدل على السبب الذي من أجله أدخل الصحابة في هذا الكتاب قوله في ختام ترجمة زيد بن أبي أوفى رضي الله  عنه في كتابه (الكامل): وزيد بن أبي أوفى يعرف بهذا الحديث حديث المؤاخاة بهذا الإسناد، يعني: هو تكلم عن حديث واحد هو مشهور في مؤاخاة النبي صلى الله عليه  وسلم بين الصحابة يقول: بهذا الإسناد، أي: رُوي هذا الحديث له بهذا الإسناد الذي يشير ابن عدي إلى ضعفه.

“وكل من له صحبة مما ذكرناه في هذا الكتاب فإنما تكلم البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي أن ذلك الإسناد ليس بمحفوظ، وفيه نظر، لا أنه يتكلم في الصحابة؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم لحق صحبتهم، وتقادم قدمهم في الإسلام؛ لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة للصحبة؛ فهم أجلّ من أن يتكلم فيهم أحد”.

هذا كلام ابن عدي في ختام ترجمته لزيد بن أبي أوفى؛ ليبين أن السبب في إدخاله لهؤلاء الصحابة الكرام في كتابه إنما هو بسبب ضعف الإسناد إليهم، خصوصًا مع قلة أحاديثهم.

أيضًا في ترجمة ذي اليدين، ذلك الصحابي الجليل صاحب قصة حديث السهو: ((أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله)) قال: لا يصح حديثه أي: لا يصح هذا الحديث المنسوبُ إليه، أي: لا يصح الإسناد الذي يروي هذا الحديث منسوبًا إليه، وإنما صح الحديث من طريق أبي هريرة رضي الله  عنه.

إذن هو أدخل الصحابة -مع جلالة قدرهم- ليبين أن الإسانيد التي روت بعض الأحاديث عنهم، أو أحاديثهم إنما هي أحاديث ضعيفة.

أيضًا الصنف الثاني من الثقات الذين تكلم عنهم ابن عدي هم الأئمة المتبوعون في الفروع الفقهية، وممن ذكره ابن عدي منهم: الإمام أبو حنيفة وتكلم في حفظه.

الصنف الثالث: الثقات المتكلم فيهم:

ترجم ابن عدي لعدد كبير منهم مثل: البغوي؛ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي الذي قال في ترجمته: طال عمره، واحتمله الناس واحتاجوا إليه، وقبله الناس، ولولا أني شرطت في الكتاب: أن كل من تكلم فيه متكلِّم ذكرته، وإلا كنت لا أذكره.

والحافظ الذهبي -رحمه الله- نبه على منهج ابن عدي هذا في مقدمته لـ(ميزان الاعتدال) حيث قال: وفيه من تُكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدي أو غيره -من مؤلفي كتب الجرح- ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته، إلى آخر ما قال.

إنما هو بين أنه -وهذا منهج ابن عدي- أنه يذكر من تُكلم فيهم، ويرد عنهم، لا يقر هذا، إلا أن الإمام الذهبي لم يسر على منهجه في كل الأمور، إنما استبعد الصحابة، وقال: فإني أسقطهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف يقصد (ميزان الاعتدال) فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، هذا كلام الذهبي في مقدمة (الميزان).

والصنف الرابع من الثقات الذين ذكرهم ابن عدي: الثقات الذين أُنكرَت عليهم بعض الأحاديث مثل عكرمة مولى ابن عباس؛ فقد ترجم له ابن عدي في (الكامل) يقول ابن حجر -رحمه الله- في (هدي الساري)، وقال ابن عدي في (الكامل) ومن عادته فيه -هو يوضح هنا منهجه-: أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة، أو على غير الثقة، وهكذا، يعني: هو يبين منهج ابن عدي في كتابه (الكامل). إذن هؤلاء هم أنواع الرواة الذين ترجم لهم ابن عدي في كتابه (الكامل).

جهود ابن عدي في الترجمة:

ننتقل إلى عنصر آخر من عناصر الكتاب، وهو كيفية تعريفه بالمترجم لهم، ابن عدي يذكر أسماء المترجم لهم، ونسبهم فيقول مثلًا: بقية ابن الوليد حمصي يكنى أبا يحمد.

قال ابن حجر -في ترجمته-: بقية ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي أبو يحمد الحمصي، ويذكر أيضًا ابن عدي نسبه؛ فيقول مثلًا: شعيب بن إبراهيم الكوفي هنا نسبه إلى البلد، وقد ينسبه إلى القبيلة؛ فيقول: محمد بن طاهر القرشي، وينسبه إلى المهنة أحيانا: محمد بن عبد الله بن علاثة القاضي، كل ذلك في تراجمهم من الكتاب في أجزائهم، وفي صفحاتهم، أيضًا يبين كنيته، يعني: يقول فلان أبو كذا، أيضًا يبين مشتبه النسبة التي ذكرناه، يعني: مثلًا يقول في يزيد ابن ربيعة أبو كامل الرحبي الصنعاني -صنعاء دمشق- فعل هذا تمييزًا لها عن صنعاء اليمن.

أيضًًا يذكر أوصاف الرواة، فهو يقول مثلًًا: حميد بن علي الأعراج الكوفي؛ فيذكر الأعرج، والأعمش، والأحول، وغيرها، وهذا أمر معروف عند المحدثين أنه ما لم يُذكر على سبيل الجرح والغيبة؛ فلا بأس به مادام الراوي قد اشتُهر بهذا اللقب.

أيضًا يبين للمترجَم له الحالة الاجتماعية، والعلمية فيقول مثلًًا: عمر بن عبد الله مولى عفره بنت رباح أخت بلال بنت رباح مولى أبي بكر، هو هنا يبين نسبته، أو الحالة الاجتماعية أنه مولى من الموالى، أحيانًا يعرفهم ببعض أقاربهم، كما قال إدريس بن سنان الصنعاني، وهو ابن بنت وهب بن منبه، أيضًا يذكر أحيانا بعض مصنفات الراوي كمزيد من التعريف له، كقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن أيوب: صاحب (المغازي) وأحيانًا يتوسع في ذكر مصنفات المترجم له، وفي بيان جهوده العلمية، في آخر الترجمة وليس في أولها، كما جاء في ترجمة يحيى الحماني حيث قال فيه: وليحيى الحماني مسند صالح، ويقال: إنه أول من صنف المسند بالكوفة.

أيضًا يتكلم عن شيوخ المترجم له وتلاميذه، فمثلًًا يترجم لعبد الله بن عمر، يقول: ليس الصحابي، يحدث عن الليث بن سعد بمناكير، ويحدث عنه زهير بن عباد، جاء أيضًا في ترجمة حماد بن سلمة: وحماد بن سلمة من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، ومحدثها، ومقرئها، وعابدها، وقد حدث عنه من الأئمة من هو أكبر سنًّا منه، فممن هو أكبر منه سنًّا وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق، أو ممن في طبقته: حماد بن زيد، وممن هو أصغر منه سنًّا: عبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو لا يسير على نسق واحد في الترجمة فأحيانًا يورد الشيوخ والتلاميذ في الوسط، في الأول، في الآخر، لكنه يذكرهم كعنصر هام من عناصر الترجمة.

أيضًا يبين وفاة المترجم له، وهو في هذا إما أن ينقل تنصيص العلماء ممن سبقوه عن وفاة الراوي أو لا ينقل، فمثلًا ينقل قول أبي نعيم في حماد ابن أبي سليمان أنه مات سنة عشرين ومائة، وينقل قول يحيى القطان في حنظلة بن أبي سفيان الجمحي أنه مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وأحيانًا ينقل وفاة المترجم بدون أن ينسبها لأحد، يقول: عبد السلام بن عبد الحميد بن سويد أبو الحسن بن الحران مات سنة 244، ويقول: الحسن بن عمارة أبو محمد مولى بجيلة، كوفي، مات سنة 153.

ويميز بين الرواة، فإذا اشترك راويان مثلًا في الاسم فإن ابن عدي غالبًا يميز بينهما، من أمثلة ذلك ما جاء في ترجمة بشر بن آدم البصري حيث قال ابن عدي، وبشر بن آدم بالبصرة اثنان، هذا أحدهما وأقدمهما، والثاني بشر بن آدم بن بنت أزهر السمان.

أيضًا يحيل على ما سبق من تراجم إذا كان قد سبقت الترجمة واحتاج إلى معلومة فيها فيشير إلى ما سبق، فمثلًا يتكلم عن داود بن الحصين، ويقول: وهذا الحديث ليس البلاء من داود؛ فإن داود صالح الحديث إذا روى عنه ثقة، والراوي عنه ابن أبي حبيبة، وقد مر ذكره في هذا الكتاب في ضعفاء الرجال، وهكذا أمثلة كثيرة.

إذا نظرنا إلى صنيع ابن عدي -رحمه الله- نجده قد استوفى عناصر الترجمة المطلوبة تقريبًا؛ فعرف بالراوي، وقبيلته، وبلده، وكنيته، ولقبه، وشيوخه، وتلاميذه، ورحلاته، ومصنفاته، ويميز النسبة وما إلى ذلك؛ فلم يترك عنصرًا من عناصر الترجمة المطلوبة أن تستوفى إلا وبيَّنها -رحمه الله تعالى.

لكن بقيت نقطة أخرى مهمة، وهي ما يتعلق بأقوال علماء الجرح والتعديل، أي: علماء الرجال في شأن المترجم له، وهذا أهم عناصر الترجمة الذي يبحث عنه المحدِّثون، لكننا سنجعل هذا عنصرًا مستقلًا أثناء حديثنا عن كتاب ابن عدي (الكامل) فنقول: كيف يسوق ابن عدي أقوال النقاد في المترجم له؟

ابن عدي في ترجمته للرواة، وفي ذكره لكلام النقاد عنهم له أساليب متعددة، أولًا هو يعتمد على كثير من علماء الجرح الكبار المشهورين؛ فيكثر من إيراد كلام الإمام يحيى بن معين، والإمام البخاري، والإمام أحمد بن حنبل، والنسائي، والفلاس، والجوزجاني، وغيرهم، يذكر الأحاديث، لكن هذه قضية أخرى، إنما ينقل عن هؤلاء آراءهم في العلماء الذين يترجم لهم، لكنه لا يستوعب كل أقوال النقاد فهو يأتي بما يفيد الحكم على الراوي، فلا يلتزم بإيراد أقوال كل النقاد؛ لأنه لم يلزم نفسه بهذا الاستيعاب، ولعله يخشى من الإطالة أكثر من ذلك، وإلا كان الكتاب قد جاء على أكبر وأكثر مما هو عليه، ومع ذلك -أحيانًا- يطول نفسه؛ فيجمع أقوال العلماء في المترجم لهم، كما فعل مثلًا في ترجمة جابر الجعفي، وأحيانًا يختصر اختصارًا لدرجة أنه لا يذكر فيهم كلامًا للنقاد مع أنه مذكور فيه في غير كتابه، يعني: هناك كلام في الكتب الأخرى التي أوردت الضعفاء للعلماء عن هذا الراوي، لكن ابن عدي لا يذكره كما فعل في ترجمة عمر بن إبراهيم البصري التي خلت من أي نص للنقاد في بيان مرتبته من الجرح والتعديل، بينما أورد الحافظ ابن حجر في ترجمته من (تهذيب التهذيب) كلام الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وغيرهم في شأن هذا الراوي، أيضًا كما ورد في ترجمة عمر بن شقيق بن أسماء البصري لم يذكر فيه قولًا من أقوال العلماء.

يرتب ابن عدي النصوص المنقولة عن أئمة النقد في كتاب (الكامل) حسب تقدم وفيات هؤلاء الأئمة، هذا على الأعم الأغلب، قد لا يوجد ذلك أحيانًا، ففي ترجمة منكدر بن محمد بن المنكدر مثلًا أورد ابن عدي كلام ابن معين أولًا، وابن معين توفى 233 ثم أورد كلام الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241، ثم أورد كلام البخاري سنة 256، ثم كلام الجوزجاني 259، ثم كلام النسائي سنة 303.

وأحيانًا لا يلاحظ ذلك عنده؛ كما جاء في ترجمته مثلًا لعبد الله بن زياد لم يرتب النصوص المنقولة فيه؛ حيث أورد كلام البخاري، ثم ابن معين، ثم أحمد، ثم الجوزجاني، ثم النسائي، وهكذا.

أحيانًا يفسر ابن عدي النصوص الواردة عن الأئمة، ويبين المراد منها، وفعل ذلك مع الإمام البخاري كثيرًا، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ترجمة أوس بن عبد الله الربعي، حيث قال ابن عدي: سمعت محمد بن أحمد بن حماد يقول: قال البخاري: أوس بن عبد الله الربعي، أبو الجوزاء البصري في إسناده نظر، قال الشيخ: أي: هو ابن عدي، وأوس بن عبد الله أبو الجوزاء هذا يحدث عن عمرو بن مالك النكري، يحدث عن أبي الجوزاء أيضًا هذا عن ابن عباس قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة؛ ابنِ عباس، وعائشة، وابن مسعود، وغيرهم، وأرجو أن لا بأس به، ولا يصحح روايته عنهم أنه سمع منهم.

ويقول البخاري: في إسناده نظر، أي: أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود، وعائشة، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، هو هنا يوضح كلمة البخاري، والمقصود بها”في إسناده نظر” يعني: أنه يقصد: أنه لم يسمع من أمثال هؤلاء الصحابة، ولا يعني ذلك أنه ضعيف عنده.

أيضًا يفسر كلام ابن معين أحيانًا مثل ما جاء في ترجمة إبراهيم بن هارون الصنعاني؛ حيث قال: وقول يحيى بن معين: يكتب حديثه، معناه أنه في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وهكذا يوضح معاني الكلمات أو الاصطلاحات التي يستعملها علماء الجرح والتعديل، أيضًا ينقد النصوص، يعني: لا يسلم بما ينقله تمامًا، وإنما يتتبع تلك النصوص، وينقدها، ويبين ما رآه خطئًا فيها؛ سواء ما تعلق بها بتعريف الراوي، أو بأحاديثه، وغير ذلك من المعلومات.

فمثلًا في ترجمةٍ يقول ابن عدي: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا عثمان، قال سألت يحيى بن معين عن هشام بن سفيان: أتعرفه؟ قال لا، قلت: حدثنا عنه الهيثم بن خارجه أحاديث، فقال: إنه أبو مجاهد، قال: ما أعرفه، قال الشيخ -أي ابن عدي-: وهذا الذي قاله عثمان بن سعيد، فقال: سفيان بن هشام، ويقال: إنه أبو مجاهد، أخطأ، وإنما هو هشام بن سفيان أبو مجاهد، وقول يحيى: لا أعرفه؛ لأن هشام بن سفيان أبا مجاهد مروزيٌّ خراسانيٌّ، وهذا هشام بن سفيان أبو مجاهد العتكي المروزي؛ ففرق بينهما، وبين أنه هشام بن سفيان، وليس سفيان بن هشام، وأحيانًا يصحح الكنية كما فعل في ترجمة سعيد بن زربي البصري، وأثبت أن كنيته هي أبو عبيدة لا أبو معاوية، بل هو خطَّأ البخاري -رحمه الله- في ذلك؛ يقول: وأخطأ البخاري والبغوي جميعًا حيث كنَّياه بأبي معاوية، وإنما هو أبو عبيد.

وأيضًا يصحح أسماء بعض شيوخ الراوي كما جاء في ترجمة عبد الله بن نافع بن العمياء، قال سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث لم يصح حديثه، يصحح ابن عدي اسمه، فيقول: عن عبد الله بن العمياء، إذن ليس ابنُ نافع ابنَ العمياء، وهكذا.

أيضًا يعلق على بعض الأحاديث للمترجم له، وعلى أقوال العلماء عليها؛ فمثلًا: في ترجمة سعد بن سنان، الذي قيل: إن اسمه سنان بن سعد، قال ابن عدي: حدثنا ابن أبي عصمة، حدثنا أحمد بن أبي يحيى ، قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد؛ لأنهم اضطربوا بها، فقال: بعضهم: سعد بن سنان، وسنان بن سعد، إلى أن قال، ولسعد غير ما ذكرت من أحاديث عن أنس، والليث، يروي عن يزيد بن أبي حبيب؛ فيقول: عن سعد بن سنان، وعمرو بن الحارث وابن لهيعة يرويان عن ابن حبيب فيقولان: عن سنان بن سعد عن أنس، وهذه الأحاديث -هذا تعليقه-: وهذه الأحاديث، ومتونها، وأسانيدها، والاختلاف فيها يحمل بعضها بعضًا، وليس هذه الأحاديث مما يجب أن تترك أصلًا، كما ذكره ابن حنبل أنه ترك هذه الأحاديث للاختلاف الذي اختلف فيها من سعد بن سنان، وسنان بن سعد؛ لأن في الأحاديث، وفي أسانيدها ما هو أكثر اضطرابًا منها، ولم يتركوا أحدًًا أصلًا، بل أدخلوه في مسندهم، وفي تصانيفهم. انتهى كلام ابن عدي في (الكامل).

أيضًا يذكر ابن عدي نماذج من أحاديث المترجم له، والأمثلة على هذا تطول؛ ولذلك اعتبر ابن عدي، أو كتابه بالأحرى من المصادر التي يعتمد عليها في تخريج الأحاديث، وخصوصًا في الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة باعتبار أن غالب من يترجم لهم ابن عدي إنما هم من الضعفاء؛ فضمن كتابه ثروة كبيرة من الأحاديث التي قد لا نجدها إلا عنده أحيانًا.

وابن عدي نفسه قد وضح منهجه في كتابه عن ذلك فقال: وذاكر لكل رجل منهم مما رواه مما يضعف من أجله، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف، قال الذهبي -منبهًا على هذا الأمر-: يروى في الترجمة حديثًا، أو أحاديث مما يستنكر للرجل، وقال السبكي -وهو يصف كتاب (الكامل)-: وذكر في كل ترجمة حديثًا فأكثر من غرائب ذلك الرجل ومناكيره.

لن نتكلم طويلًا عن هذا، إنما هو -كما قلت-: صار من المصادر التي يعتمد عليها في تخريج الأحاديث، وأحيانا لا يذكر أحاديث في الترجمة، وهو يذكر لذلك أسبابًا، منها مثلًا أنه لا يستحضر أحاديث لذلك الراوي، مثاله: ما جاء في ترجمة إسماعيل بن مجمع، حيث قال ابن عدي: وإسماعيل بن مجمع لم يحضرني في حديثه، أو من حديثه في هذا الوقت، وليس هو من المعروفين المشهورين.

كما جاء في ترجمة عبد الله بن سلم؛ حيث قال: وعبد الله بن سلم لم يحضرني له حديث فأذكره، وأحيانًا لا يذكره لقلة أحاديثه مثل: إبراهيم بن إسماعيل المكي، قال: وإبراهيم بن إسماعيل أقل ما رأيت له من الروايات، وأحيانًا لضعف الراوي بحيث لا يحتاج الأمر لبيان أحاديثه، يقول: ولأبي بكر بن أبي يحيى هذا غير حديث منكر عن الثقات، لم أخرجه ها هنا.

وأحيانًا لعدم وجود حديث منكر للراوي، كما في ترجمة قاسم بن عبد الله بن مهدي أبو الطاهر، قال: ولم أر له حديثًا منكرًا فأذكره، وهو عندي لا بأس به، وكما جاء في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ولم أر له حديثًا منكرًا فأذكره، إلى آخره.

كلامه عن علل الحديث:

الآن ننتقل إلى عنصر آخر من عناصر كتاب ابن عدي، وهو كلامه عن العلل، والعلل علم هام جدًّ كما نعلم جميعًا.

ويعرف للعلماء العلة فيقولون: عبارة عن سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، هكذا عرفها علماء المصطلح في كتبهم مثل ابن الصلاح، وابن الملقن، والنووي، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، إلى آخره.

يعد كتاب (الكامل) لابن عدي من الكتب التي تطرقت للعلل، وتوسعت فيها؛ حتى سمي كتابه عند بعض العلماء بـ(الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث).

من المعلوم عند المحدثين أن الطريق إلى معرفة علل الحديث، أو علته هي جمع طرقه، والنظر في اختلاف رواته، والموازنة بين ضبطهم واتقانهم، ثم الحكم بعد ذلك على أيّ الروايات هي المعلولة، وأيها هي الصحيحة، إلى آخره.

يجمع ابن عدي طرق الحديث الواحد، كما جاء في ترجمة محمد بن عبيد الله العزرمي؛ حيث بين طريق حديث: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل)) وقال: وقد اختلف في هذا الأمر عن العزرمي على ثلاثة ألوان، فاللون ما ذكرته، والثاني كذا، والثالث كذا، أنا لا أريد أن أطيل في ذكر المثال؛ لأن العلل بالذات الكلام فيها طويل، ثم يقول -في النهاية-: وهذه الثلاثة ألوان في هذا الحديث عن العزرمي، والاختلاف عليه كلها غير محفوظة.

أيضًا يحتكم إلى النسخ، وبيان الصحيح منها والسقيم، جاء في ترجمة الحسن بن علي بن صالح، قال: حدثنا الحسن، حدثنا لؤلؤ بن عبد الله أبو بكر، وكامل بن طلحة، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “ما أحسن الله خَلق رجل وخُلقه فأطعمه النار”.

قال الشيخ -أي ابن عدي-: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وعندنا نسخة الليث عن نافع، عن ابن عمر، عن غير واحد، عن الليث، وما فيها شيء من هذا، “عندنا نسخة الليث” كلام طيب جدًّا ورائع، يستحق وقفة، يعني: يطابق بين ما جاء رواية عن علماء، وما جاء في نسخهم حتى يصل إلى الصحيح، ويبين الخطأ في ضوء ذلك.

منهج من قديم الزمان معروف عند علماء الحديث، وعند علماء الأمة في كل تخصصاتها سبقنا به الغرب، وغير الغرب، هكذا ضبط بطلان الإسناد في ضوء النسخة التي يملكها من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن غير واحد، عن الليث، وما فيها شيء من هذا الذي ذكر في هذا الإسناد الذي رواه، ومن ثم الاحتكام إلى النسخ بين العلة في الإسناد.

أيضًا يعلل الحديث بوقفِه أحيانًا، وبإرساله أحيانًا، كما قال -مثلًا- في حديث: “البركة مع أكابركم” قال: وهذا رواه عن ابن المبارك جماعة فأسندوه، أي: رفعوه للنبي صلى الله عليه  وسلم أو وصلوه، والأصل فيه أنه مرسل، يعني: سقط منه الصحابي.

أيضًا يبين المزيد في متصل الأسانيد، كما جاء في ترجمة عبد الله بن الحسين أبي حريز السجستاني، حديث ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم نهى أن تزوج المرأة على عمتها، أو على خالتها)).

قال ابن عدي: حدثناه إسماعيل بن موسى الحاسب، حدثنا محمود بن غليان، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حريز، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه  وسلم فذكر الحديث، قال ابن عدي هكذا حدثنا هذا الحديث؛ فزاد في الإسناد قتادة، وليس فيه قتادة، إنما هو ابن أبي عروبة، عن أبي حريز، عن عكرمة -كما تقدم.

أيضًا يعلل بخطأِ الراوي في الإسناد، ويعله أحيانا بالزيادة في المتن، يبين أن بعض الزيادات في بعض المتون إنما هي زيادة منكرة كما ذكره في ترجمة معلى بن الفضل بالإسناد إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثم ليتوضأ فإن غمس يده في الإناء من قبل أن يغسلها فليهريق ذلك الماء)) قال الشيخ: وقوله في هذا المتن: “فليهريق ذلك الماء” منكر، لا يحفظ.

وهكذا يعلل بقياس على متن آخر مشهور، مثل: ((من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد)) يقول: ((العجلة من الشيطان والتأني من الله)) يضبطه على هذا الحديث.

ويحكم ابن عدي أيضًا على الأحاديث إما صراحة، وإما ضمنًا فينص على الحديث مثلًا أنه موضوع، أو ضعيف، فمثلًا في ترجمة أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب -وذكر حديثًا في فضل علي رضي الله  عنه وهو حديث طويل: “هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته وقال: أنا مدينة العلم، وعلي بابها فمن أراد الدار فليأت الباب” قال ابن عدي، وهذا حديث منكر موضوع، لا أعلم رواه عن عبد الرزاق إلا أحمد بن عبد الله المؤدب هذا.

إذن هو يبين الحديث بأنه موضوع، ويحكم عليه في وضوح وجلاء.

وأيضًًا في ترجمة أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أبو بكر المروزي يسوق حديث: “من سقى مسلمًا شربة من ماء في موضع يوجد فيه الماء؛ فكأنما أعتق رقبة، فإن سقاه في موضع لا يوجد فيه الماء؛ فكأنما أحيا نسمة مؤمنة”.

قال الشيخ، أي: ابن عدي: وهذا الحديث كذب موضوع على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أحيانا يحكم ضمنًا على الأحاديث من خلال حكمه على صاحب الترجمة فيقول -مثلًا- في ترجمة عمرو بن يزيد أبي بردة، يقول: ولأبي بردة غير ما ذكرت من الحديث، وهو ممن يكتب حديثه من الضعفاء، وأحيانا يحكم على الحديث ببطلان سنده، ومتنه معًا؛ مثلًا الحديث: “الأمناء عند الله ثلاثة: جبريل، وأنا، ومعاوية”.

قال ابن عدي: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وبغير هذا الإسناد.

وأحيانًا يحكم ببطلان السند دون المتن، وذلك بأن يكون الحديث بهذا السند باطلًا، لكن المتن ورد من طرق أخرى صحيحة؛ فيكون الحديث باطلًا بالسند الذي فيه الوضَّاع، أو الكذَّاب، من أمثلة ذلك: ما جاء في ترجمة أحمد بن محمد بن حرب الموصوف بالكذب، قال ابن عدي، ذكر الإسناد: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)).

قال ابن عدي: وهذا أيضًا باطلٌ بهذا الإسناد، والحديث صحيح أخرجه مسلم.

أيضًا يحكم ببطلان المتن دون السند؛ العكس من المرة السابقة بأن ينشئ الوضاع متنًا من عنده، يعني: يضع حديثًا كذبًا مفترًى على رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ثم يأتي له بإسناد صحيح.

من أمثلة ذلك: ما جاء في ترجمة جعفر بن أحمد بن علي بن بيان الموصوف بالكذب والمعروف بالوضع، قال ابن عدي: جعفر هذا، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “يؤتى بالسارق يوم القيامة والمطلع عليه ولا ينذر به؛ فيجعل لهما في العرصة السابعة السرقة التي كانت في دار الدنيا؛ فيقال لهما: أتعرفان هذه السرقة… إلى آخر الحديث” فيقول: وهذا الحديث بهذا الإسناد باطلٌ، وألفاظه لا تشبه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو وضع بارد.

هو يقصد أن الكلام سمج لا ينسب إلى النبي صلى الله عليه  وسلم مع أن الوضاع أتى بإسناد صحيح: عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله  عنه وهكذا: يتكلم ابن عدي عن العلل، ويبين ما في الأحاديث من علل تتعلق بالإسناد، تتعلق بالمتن، تتعلق بهما معًا إلى آخر ما ذكرناه من الأمثلة.

حكم ابن عدي على الرواة:

الآن ننتقل إلى عنصر جديد يتعلق بكتاب ابن عدي أيضًا، ابن عدي يتكلم في كتابه عن كثير من مسائل علوم الحديث، يتكلم عن تدليس الشيوخ، ويتكلم عن تصحيف السند، والتدليس: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثًا سمعه منه؛ فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف، تعمية للشيخ، وهذا يسمى بتدليس الشيوخ، وللتدليس أنواع أخرى كثيرة، لكن مثال لما ذكر: ما ذكره ابن عدي في ترجمة محمد بن عبيد الله يقول في حديث له ((أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يتوضأ بالمُد ويغتسل بالصاع)) قال ابن عدي: ومحمد بن سلمة الحراني في عامة ما يروي عن محمد بن عبيد الله العزرمي يقول عن الفزاري؛ فيكني عنه، ولا يسميه؛ فيضعفه، وأحيانا يسميه وينسبه، فهو يبين ما يصنعه هذا الراوي في شيخه من تدليس.

يبين أيضًا تصحيف السند، ويبين رواية الاكابر عن الأصاغر، ويتكلم عن الحديث الغريب مثل ما جاء في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بعد أن ذكر الحديث: ((ما من أيام أفضل من العشر)) قال: وهذا حديث عن أبي الزبير غريب عزيز، ما أعلم له طريقًا غير هذا، ولعله يقصد بالعزة -هنا- الندرة، وليس العزيز اصطلاحًا؛ لأن الحديث لا يجمع بين الوصفين بالغريب وبالعزة، وهذا هو المعروف في المصطلح.

يتكلم أيضًا عن الإسناد العالي، ويتكلم عن سرقة الحديث، وكل ذلك له نماذج نختصرها، لأن الأمثلة تطول جدًّا.

ينفرد ابن عدي في كثير من الرواة بالحكم عنهم، وهذه الأحكام لابن عدي نحتاجها كثيرًا؛ لأننا لا نجد غيرها، فمثلًا في بشر بن عبيد الدارسي، قال ابن عدي: وبشر بن عبيد الدارسي هذا هو بين الضعف أيضًا، ولم أجد للمتكلمين فيه كلامًا، وابن عدي في حدود بحثنا، محق في هذا، لم نجد قبله كلامًا، إنما كل الذين تكلموا فيه كان من بعد ابن عدي.

ابن حجر مثلًا في (اللسان) يبين أن أبا الفتح الأسدي قد شارك ابن عدي في الحكم عليه، والأسدي من المتكلمين في الرجال بعد ابن عدي، أيضًا بريه بن عمر بن سفينة، يكنى أبى عبد الله، اسمه إبراهيم، هكذا ذكره ابن حجر -رحمه الله- في (التقريب) في الترجمة رقم 221، يقول ابن عدي: ولبريه هذا عن أبيه، عن جده أحاديث، وإنما ذكرته في كتابي هذا، ولم أجد للمتكلمين في الرجال لأحد منهم فيه كلامًا؛ لأني رأيت أحاديثه لا يتابعه عليها الثقات، ولبريه غير ما ذكرت من الحديث شيء يسير، وأرجو أنه لا بأس به.

إذن هو يحكم هنا حكما مستجدًّا لم يسبق إليه، والرائع أيضًا مرة أخرى أنه يأتي بعد سبر أحاديث الراوي: لأني رأيت أحاديثه لا يتابعه عليها الثقات، إذن هو سبر أحاديثه، ولأنه لم يتابع على أحاديث من الثقات؛ فكأنه انفرد بها؛ فخشي ابن عدي من أمره، ولكنه في النهاية قال: وأرجو -على سبيل الرجاء فقط- أنه لا بأس به.

وأحيانا يحكم على الراوي، وفق حكم إمام إذا اطمئن إلى حكم ذلك الإمام، من أمثلة ذلك ما جاء في ترجمة حبيب بن أبي ثابت؛ أورد كلام الإمام يحيى بن معين في الراوي، ثم تابعه في الحكم عليه، فيقول: وهو ثقة حجة كما قاله ابن معين.

وأيضًا من أمثلة ذلك ما جاء في ترجمة جعفر بن أبي جعفر الأشجعي، قال ابن عدي: وجعفر بن ميسرة عامة أحاديثه ما ذكرت، وبعض لم أذكره هاهنا، وله عن أبيه، عن ابن عمر أحاديث، وعن أبيه، عن أبي هريرة أحاديث، وجملته ليست بالكثيرة، وهو منكر الحديث، كما قاله البخاري.

فنحن هنا ذكرنا مثالين: مثالًا للتوثيق وافق فيه ابن معين، ومثالًا للتضعيف وافق فيه البخاري -رحمهما الله.

أحيانًا يخالف ابن عدي أحكام الأئمة إذا رأى أن الحكم عليه يقتضي خلاف ما قاله، من أمثلة ذلك -مثلًا-: ما جاء في ترجمة أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الأيامي؛ حيث نقل تضعيف النسائي له، ثم نقده وخالفه، وكلامه في ذلك عن أحمد بن شعيب النسائي، قال: أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الأيامي ليس بثقة، إلى أن قال: وأشعث بن عبد الرحمن بن زبيد له أحاديث، ولم أر في متون أحاديثه شيئًا منكرًا، ولم أجد في أحاديثه كلامًا إلا عن النسائي، وعندي أن النسائي أفرط في أمره؛ حيث قال: ليس بثقة؛ فقد تبحرت حديثه مقدار ما له؛ فلم أر له حديثًا منكرًا.

أيضًا كلام طيب جدًّا، ليس من حيث أنه لم يوافق النسائي فقط؛ فاختلاف الأئمة بعضهم مع بعض أمر محتمل جدًّا، ووارد جدًّا، لكنه اعتمد في هذه المخالفة على تبحره، واستقرائه لأحاديث الراوي أشعث بن عبد الرحمن هذا؛ فلم يجد له حديثًا منكرًا، ومن ثم خالف النسائي في حكمه على هذا الراوي.

والأمثلة في هذا كثيرة على جهده في الحكم على الرواة، وله في ذلك أيضًا نماذج متعددة؛ فجزاه الله خيرًا.

موارد ابن عدي في كتابه:

انتقل الآن إلى الكلام عن موارد ابن عدي في كتابه:

أكثر جدًّا عن الإمام يحيى بن معين في كتابه، ويعتبر من الموارد الأساسية في كتابه التي اعتمد عليها، وأكثر الأخذ منها هي أقوال يحيى بن معين رضي الله  عنه ورحمه، وابن معين -كما نعلم- من المكثرين في نقد الرجال، وأيضًا من العلماء الكبار في نقد الرجال، ولم يقتصر على بلاد معينة، أو على رواة مخصوصين، إنما نقل عنه في شأن كل رواة من كل البلاد، وفي كل الدرجات من الثقة إلى الضعيف، وغير ذلك، وقد جاءت النصوص المأخوذة عنه حوالي 1839 عن يحيى بن معين -رحمه الله.

أيضًا نقل عن الإمام البخاري حوالي 1154 نصًّا متعلقة بأسماء الرواة، بالكنى، بالأنساب، بالحكم عليهم، بالحكم على أحاديثهم، بثبوت سماعهم من شيوخهم، بألفاظ الجرح والتعديل فيهم، بسنة الوفاة، بسنة المولد… إلى آخره، معلومات متنوعة أفاد جدًّا منها ابن عدي في نقله عن الإمام البخاري، وأيضًا البخاري -رحمه الله- أحد أمراء المؤمنين في الحديث، وأكثر أيضًا عن الإمام أحمد بن حنبل، وله عنده حوالي 500 نصًّا جاءت من خمسة عشر طريقًا، وعن الإمام النسائي حوالي 482 نصًّا، وعن الإمام الجوزجاني نقل عنه 248 نصًّا، وعن الإمام يحيى بن سعيد القطان نقل عنه 220 نصًّا، وعن الإمام عمرو بن علي الفلاس نقل عنه 200 نصًّا كلها جاءت مروية بالأسانيد من طرق متعددة، حصرها يطيل الكلام جدًّا.

وله أيضًا موارد توسط في النقل عنها، مثل الإمام شعبة بن الحجاج له عنده 110 نصًّا، والإمام سفيان بن عيينة 54، وعن ابن المديني 49، وابن المبارك 46، وسفيان الثوري 33، وابن المهدي 32، إلى آخره، والإمام الشافعي 19 نصًّا، وكامل بن جراح 18 إلى آخره.

لكن العظيم أن علماءنا يجتهدون جدًّا في استقصاء المعلومات المتعلقة بموضوع كتبهم بقدر ما يطيقون، وجهودهم في هذا غاية في الجد، والاجتهاد، والاستقصاء؛ فبارك الله فيهم، وجعل ذلك في موازين حسناتهم.

استفادة العلماء من كتاب (الكامل) لابن عدي، ومكانته:

لقد تنوعت الاستفادة من هذا الكتاب؛ فالذين كتبوا في الرجال وفي الضعفاء خاصة استفادوا من ابن عدي في حكمه على الرواة، والذين عنوا بجمع الأحاديث الموضوعة، وكانت لهم كتب في الموضوعات استفادوا أيضًا من كتاب ابن عدي؛ لأن كتابه يعتبر مصدرًا هامًّا جدًّا في الوقوف على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأيضًا المشتهرة على ألسنة الناس، وسنضرب بعض الأمثلة على الاستفادة من هذا الكتاب الكبير من تلك الوجوه المتعددة:

فالذين تكلموا على الضعفاء، وعن المتكلم فيهم أكثروا من النقل عن ابن عدي، ومن هؤلاء مثلًا كتاب (الضعفاء والمتروكين) لابن الجوزي المتوفى سنة 597، وهذا غير كتاب (الموضوعات)، احتوى كتابه على 4012 ترجمة نقل في كثير منها جدًّا عن ابن عدي، ومن ذلك مثلًًا، قوله في ترجمة حجاج بن رشدين مصري، قال ابن عدي: ضعيف، قال في ترجمة شقيق الضبي كان يرى رأي الخوارج، قال ابن عدي: مذموم عند أهل بلده، وقال في ترجمة مصعب بن عبد الله النوفلي، قال ابن عدي: روى حديث “إذا أراد الله عز وجل أن يخلق خلقًًا للخلافة… إلى آخره”. يقول ابن عدي، والبلاء فيه منه.

أيضًا (ميزان الاعتدال) للذهبي أكثر جدًّا من النقل عن ابن عدي في كتابه، نقل في 1263 ترجمة من كلام ابن عدي، من ذلك مثلًًا: ما جاء في ترجمة حازم بن عبد الله البجلي، حيث قال الذهبي: بصري عن سماك بن حرب ذكره ابن عدي؛ فساق له أحاديث، ولم يذكر لأحد فيه قولًا، ولا مطعنًا، ثم قال: أرجو أنه لا بأس به، وكأن الذهبي هنا يعتمد حكم ابن عدي على الرجل، وقال في ترجمة ربيع الغطفاني، قال ابن عدي: مجهول ولم ينسب، وقال في ترجمة محمد بن معاوية، قال ابن عدي: لا يعرف.

أيضًًا ابن حجر في (لسان الميزان)، ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- المتوفى سنة 352 استفاد جدًّا من كتاب ابن عدي، أخذ كتاب (ميزان الاعتدال) و(ذيل ميزان الاعتدال) للعراقي وزاد عليهما، ومحل الشاهد هنا أنه استفاد جدًّا من كلام ابن عدي في حكم هذه الرجال.

من ذلك مثلًًا ما جاء في ترجمة سفيان بن محمد الفزاري المصيصي حيث قال، وقال ابن عدي أيضًا: ليس من الثقات، وليس له أحاديث لا يتابع عليها الثقات، وفيه موضوعات، وقال في ترجمة محمد بن عبد الله القشيري الكوفي، وقال ابن عدي: مجهول من شيوخ بقية، هذا في (اللسان) والنقل السابق عن (الميزان)، وقال ابن حجر أيضًا في ترجمة عقبة بن بشير الأسدي، وقال ابن عدي: مجهول.

أيضًا الجوزجاني استفاد جدًّا من ابن عدي في كتابه (الأباطيل والمناكير والصحابة المشاهير) نقل عنه وعن أحكامه في الرجال وفي الأحاديث، مثلًا في حديث: “الإيمان لا يزيد ولا ينقص” قال، روى بإسناده إلى ابن عدي، قال: أحمد بن عبد الله الهروي يعرف بالجوباري، كان يضع الحديث لابن كرَّام على مايريد، وكان ابن كرَّام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني.

إذن هنا نقل عن ابن عدي كلامًا طويلًا، وقال في باب: إن الله تعالى قديم: حدثنا بالإسناد إلى ابن عدي، قال: محمد بن شجاع أبو عبد الله الثلجي، كان يضع أحاديث في التشبيه، ينسبها إلى أصحاب الحديث ليثلبهم بها روى عن حبان بن هلال، وحبان ثقة عن حماد، إلى آخره، وذكر الحديث.

أيضًا من كتب الموضوعات التي استفادت من كتاب (الكامل) لابن عدي كتاب ابن الجوزي أبي الفرج عبد الرحمن بن عدي الجوزي القرشي نقل عنه في مواضع كثيرة مثلًا ما جاء في كتاب: البيع والمعاملات، باب: تعظيم أمر الدين وفي النهاية قال، قال ابن عدي: هذا الحديث باطل الإسناد والمتن، وسهل منكر الحديث، وقال ابن الجوزي في كتاب (ذم المعاصي) باب: الإقرار على النفس بالذنب، بعد أن ذكر الحديث بسنده: “إن الله تعالى وملائكته يترحمون على المقرين على أنفسهم بالذنوب” هذا حديث لا يصح عن رسول الله.

قال ابن عدي: بشر بن إبراهيم له أحاديث بواطيل، وهو عندي ممن يضع الحديث على الثقات.

أيضًا استفاد منه ابن القيم، ونقل عنه في (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) نقل عنه في مواضع كثيرة منها ما جاء وهو يتكلم عن الأحاديث الموضوعة، ومن هذا حديث: “كانت جِنّية تأتي النبي صلى الله عليه  وسلم فأبطأت عليه فقال: ما أبطأ بك… إلى آخره” ثم بعد أن ذكر الكلام كله، قال: قال ابن عدي في (الكامل): حدثنا عبد المؤمن بن أحمد، حدثنا منقر بن الحكم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن فذكره، والله أعلم بما دس في كتب ابن لهيعة، وإلا فهو أعلم بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا الهذيان.

وأيضًًا نقل عنه -وهو يتكلم عن معرفة الأحاديث الضعيفة إذا خالفت في الشريعة: من ذلك ما روى جعفر بن جسر، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس يرفعه: “من قال سبحانه الله وبحمده غرس له ألف ألف نخلة في الجنة إن أصبح… إلى آخره”، قال، وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن عدي: أحاديثه مناكير.

وهكذا: نُقل عنه كثير، فنحن هنا بينا أن كتب الرجال أفادت من كتاب ابن عدي، وكتب الموضوعات أيضًا أفادت من كتاب ابن عدي؛ ولذلك نال كتاب ابن عدي حظوة عند العلماء، وأثنوا عليه كثيرًا. ونحن الآن ننتقل إلى بيان أقوال، أو بعض أقوال العلماء في مكانة هذا الكتاب:

لقد نال كتاب (الكامل في الضعفاء الرجال) الحظوة عند العلماء، ونزل عندهم المنزلة الكبيرة، عرفوا قدره ومكانته وقيمته العلمية؛ فامتدحوه وأثنوا عليه، وقد سأل حمزة السهمي شيخه الدارقطني أن يصنف كتابًا في الضعفاء، أي: في ضعفاء المحدثين؛ فقال: له أليس عندك كتاب ابن عدي؟ فقال حمزة: نعم، قال الدارقطني فيه كفاية: لا يزاد عليها، هذا في (تاريخ جرجان)، وقال أبو يعلي الخليلي في ترجمته لابن عدي: له تصنيف في الضعفاء ما صنف أحد مثله، هذا في (الإرشاد).

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه (التوسل والوسيلة): قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى بـ(الكامل) في أسماء الرجال -ولم يصنف في فنه مثله- قالها جملة اعتراضية، وهو يتحدث عن كتاب، أو عن كتاب (الكامل)، وهو ينقل عنه.

والحافظ الذهبي في ترجمته لابن عدي في (تاريخ الإسلام) قال عنه: وله كتاب (الكامل في معرفة الضعفاء) في غاية الحسن، هذا في (تاريخ الإسلام) وقال في مقدمة (ميزان الاعتدال) عن كتاب (الكامل): وهو أكمل الكتب وأجلها.

وأما السبكي فأثنى عليه ثناء عاطرًا، وذكره ذكرًا حسنًا، وأبدى إعجابه الفائق به؛ حيث قال: وكتابه (الكامل) طابق اسمه معناه، ووافق لفظه فحواه، من عينه انتجع المنتجعون، وبشهادته حكم المحكمون، وإلى ما يقول رجع المتقدمون والمتأخرون، هذا في طبقات الشافعية الكبرى.

وقال ابن كثير في (البداية والنهاية): لم يسبق إلى مثله، ولم يلحق في شكله.

وقال ابن قاضي شهبة: كتاب (الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين) هو كامل في بابه -كما سمي- هذا في طبقات الشافعية.

والسخاوي، وهو يتكلم عن المتكلمين في الرجال في كتابه (الإعلام بالتوبيخ) قال: وابن عدي جرجاني، ومصنفه في الرجال إليه المنتهى في الجرح، هذا في (الإعلام بالتوبيخ)، ويقول في نفس الكتاب: أكمل الكتب المصنفة -قبله- وأجلها.

هذه بعض شهادات العلماء لكتاب (الكامل) لابن عدي، وهو فعلًا جدير بهذا المدح، وذلك الثناء.

ولأن هذا الكتاب الكبير بتلك القيمة العظيمة؛ فقد نال اهتمام العلماء من وجوه أخرى لخدمته؛ فهناك من اختصره كما فعل أحمد بن أيبك بن عبد الله الدمياطي الحسامي في كتاب سماه: (عمدة الفاضل في اختصار الكامل) وتوجد منه نسخة خطية في مكتبة “برلين” بألمانيا تحت رقم 9944 تقع في 114 ورقة، واختصره تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتاب سماه (مختصر الكامل)، وأيضًا يوجد منه في مكتبة مراد ملة بتركيا، و(تلخيص الكامل) للحافظ محمد بن طاهر الفضل المقدسي، نحن تكلمنا عن كتاب ابن طاهر في الأحاديث التي في (الكامل) لعله يقصد هذا.

وأيضًا هناك مختصرات غير هذا كثيرة، وأيضا عليه ذيول:

(الحافل في تكملة الكامل) لأبي العباس أحمد بن محمد بن مفرج ابن الرومية ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال)، وذكره حاجي خليفة في (كشف الظنون)، وذكره الكتاني في (الرسالة المستطرفة)، وقام بعض العلماء بجمع أحاديثه كما فعل ابن طاهر المقدسي فقد جمع أحاديث (الكامل)، ورتبها على حروف المعجم.

إذن كتاب ابن عدي كتاب جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة أوفى في بابه أو كاد؛ فجزى الله مؤلفه خيرًا، وجعله في موازين حسناته.

error: النص محمي !!