Top
Image Alt

كتاب “الموضوعات” لابن الجوزي

  /  كتاب “الموضوعات” لابن الجوزي

كتاب “الموضوعات” لابن الجوزي

ترجمة الإمام ابن الجوزي:

اسمه عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر التيمي البكري البغدادي الحنبلي، التيمي نسبة إلى تيم، وهي القبيلة أو البطن من قريش التي ينتمي إليها أبو بكر الصديق رضي الله  عنه ثم هو البكري نسبة إلى أبي بكر، وهو البغدادي نسبة إلى بغداد، وهو الحنبلي نسبة إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى.

ابن الجوزي ينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن خليفة رسول الله صلى الله عليه  وسلم أبي بكر الصديق القرشي رضي الله  عنه.

أما ابن الجوزي هذه الشهرة التي اشتهر بها فهي نسبة إلى جده التاسع جعفر، هو الذي قيل له الجوزي، وهذه النسبة نسبة إلى فرضة من فرض البصرة، يقال لها جوزة.

الفرضة في اللغة من البحر هي موضع السفن، ومن النهر مشرب الماء منه، أي: المكان الذي يستقى منه، ولعل فرضة البصرة هي مكان أو حي على شاطيء النهر، وقيل: كان في داره جوزة لم يكن بواسط جوزة سواها، ولعله يقصد شجرة من العنب، أو شجر الجوز.

الجوزة كما في (لسان العرب) ضرب من العنب ليس بكبير، ولكنه يصفر جدًّا إذا أينع، والجوز أيضا هو الذي يؤكل، يتفكه الناس به، واحدته الجوزة، وتجمع على جوزات، وأرض مجازة أي: فيها أشجار الجوز.

لقبه جمال الدين، وكنيته أبو الفرج.

ولد ابن الجوزي ببغداد بدرب حبيب سنة ثمان أو تسع أو عشر وخمسمائة، ذكر الذهبي في (السير) مولده فقال: سنة تسع أو عشر وخمسمائة.

أما ابن الدبيثي وهو من تلامذه، فيقول: وسألته عن مولده غير مرة فيقول: يكون تقريبًا في سنة عشر، وسألت أخاه عمر فقال: في سنة ثمان وخمسمائة.

مات أبوه وله نحو ثلاث سنين، لما شب وترعرع حملته عمته، وكانت امرأة صالحة إلى مجلس خاله الحافظ أبي الفضل محمد بن نصر السلامي؛ فاعتنى به وأسمعه الحديث، وكان أول سماع له في سنة 516هـ يعني: وهو في نحو الثامنة تقريبًا أو حولها، يقول في كتاب ألفه عن مشيخته: “حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر، وأسمعني العوالي، وأثبت سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلَمهم، وأؤثر من أرباب النقل أفهَمهم، فكانت همتي تجويد العدد لا تكثير العدد، هذا قاله في مشيخة ابن الجوزي.

ابن الجوزي حين نتكلم عن رحلاته نقول: لم يرحل كثيرًا، يقول الذهبي: كان عنده (مسند الإمام أحمد) و(الطبقات) لابن سعد و(تاريخ الخطيب) وأشياء أخرى عالية والصحيحان والسنن الأربعة و(الحلية) وعدة تواليف، وأجزاء أخرى يخرج منها، هو لم يرحل كثيرا في طلب العلم، ولعل السبب هو مما امتلكه من هذه الكتب بالإضافة إلى أن بغداد كانت محط رحال أهل العلم من كل حدب وصوب، يفدون إليها من كل بلاد الإسلام فهو يلتقي بهم، وهو في بلده لا يحتاج إلى الرحلة كثيرًا، ومضت حياة ابن الجوزي -رحمه الله- بين الجد والطلب والتحصيل، وبين الإقراء والتصنيف، وفي الحقيقة قد بلغ في ذلك شأنًا عظيمًا.

سمع من شيوخ كثيرين؛ سمع من أبي القاسم بن الحصين، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، وأحمد بن أحمد المتوكل، ومن الفقيه أبي الحسن ومن أبي غالب بن البناء، ومن أبي القاسم عبد الله بن محمد الأصفهاني الخطيب، ومن إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، ومن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وإسماعيل بن السمرقندي، ويحيى بن البناء، وعبد الوهاب بن المبارك الأنماطي الحافظ، وأبي الوقت السجزي، وابن ناصر، وطائفة، وقد ذكر في مشيخته سبعة وثمانين شيخًا من شيوخه، انتفع في الحديث بملازمة ابن ناصر، وفي القرآن والأدب بالسبط بن الخياط، وابن الجوالقي، وفي الفقه بطائفة.

وكما قلنا: مجموع مشايخه نيف وثمانون، وقد خرج لهم مشيخة، فترجم لهم في جزأين، أما تلاميذه فهم كثير؛ حدَّث عنه ولده محيي الدين يوسف أستاذ دار المستعصم بالله، وحدث عنه ولده الكبير علي، وسبطه الواعظ شمس الدين يوسف بن قزعلي الحنفي صاحب (مرآة الزمان) والحافظ عبد الله موفق الدين ابن قدامة، وابن الدبيثي، وابن النجار وابن خليل والضياء المقدسي، وابن عبد الدائم، والقطب بن عصرون، وخلق سواه، وبالإجازة عنه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن وابن البخاري وأحمد بن أبي الخير، والقطب بن عصرون والخضر بن حمويه، وكثيرون غيرهم.

وقد حظي ابن الجوزي -رحمه الله- بمكانة علمية كبيرة؛ فقد كان أعجوبه دهره، وحجة زمانه علمًا وورعًا وتقوى، وكان عديم النظير حفظًا وجلالة، وأكثر أهل عصره تصنيفًا.

نبغ الإمام ابن الجوزي في كثير من فنون العلم كالحديث والتفسير واللغة والفقه والطب والتاريخ، كما كان عَلَم الوعظ في زمانه، ولم يُرَ في هذا الفن مثله، ولم يأتِ الزمان بعده بنظيره سواء من جهة من كان يحضر مجلسه من الألوف المؤلفة بمن فيه من الأمراء والسلاطين في زمانه، أو من جهة من تاب على يده، ودخل في الإسلام، أو من جهة المؤلفات التي تركها في مختلف فنون العلم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الذيل على طبقات الحنابلة): كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة حتى عددتها، فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره.

وقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء): كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويسهب ويعجب ويطرب ويطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ والقيم بفنونه مع الشكل الحسن والصوت الطيب، والوقع في النفوس، وحسن السيرة، وكان بحرًا في التفسير علَّامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث ومعرفة فنونه، فقيهًا عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطلب ذا تفنن، وفهم وذكاء وحفظ، واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف مع التصور والتجمل، وحسن الشارة ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام، ما عرفت أحدًا صنَّف ما صنَّف.

وقال ابن النجار في ذيل (تاريخ بغداد) بعد أن ذكر مصنفاته: من تأمل ما جمعه بان له حفظه وإتقانه ومقداره في العلم، ومصنفاته كثيرة جدًّا جدًّا، صنف مصنفات أثرت المكتبة الإسلامية، وكانت مرجعًا لكل طالب علم في جميع فنون المعرفة أو في معظم فنون المعرفة.

ففي القرآن وعلومه صنف (التفسير الكبير) ولخصه في (زاد المسير) والكتاب مطبوع معروف.

وفي الحديث وعلومه صنف (جامع المسانيد) في سبعة مجلدات، وصنف (التحقيق في مسائل الخلاف) وصنف في مشكل الصحاح أربعة مجلدات، وفي نقل النقل مجلدان، صنف (الموضوعات) الذي سنتكلم عنه، وله أيضًا (العلل الواهية) وهو مطبوع في مجلدين، وله كتاب في الضعفاء، وله (تلقيح فهوم أهل الأثر) هذا كله في التفسير فيما يتعلق بالقرآن الكريم وعلومه، وفي السنة وعلومها.

وفي اللغة أيضًا صنف (تذكرة الأريب) و(الوجوه والنظائر) و(فنون الأفنان)، وفي التاريخ و(السير) صنف (المنتظم في التاريخ) و(صفوة الصفوة) و(أخبار الأخيار) و(أخبار النساء) وصنف (مناقب أبي بكر)، و(مناقب عمر)، و(مناقب علي)، و(مناقب إبراهيم بن أدهم)، و(مناقب الفضيل)، و(مناقب بشر الحافي) و(مناقب رابعة)، و(مناقب عمر بن عبد العزيز)، و(مناقب سعيد بن المسيب) و(مناقب الحسن)، و(مناقب الثوري)، و(مناقب أحمد)، و(مناقب الشافعي)، وفي الفقه صنف (المذهب في المذهب) وصنف (الانتصار في الخلافيات) وصنف في مشهور المسائل، وفي الوعظ له (اليواقيت) و(نسيم السحر) و(المنتخب المدهش) و(مثير العزم الساكن) و(المقعد المقيم) و(ذم الهوى) وكتاب في (تلبيس إبليس) وله (صيد الخاطر) وله (منهاج القاصدين) وفي فنون متعددة صنف (الأذكياء) و(المغفلين) و(منافع الطب) وصنف (صبا نجد) و(الظرفاء) و(المطرب) و(منتهى المشتهى) و(فنون الألباب) و(سلوة الأحزان) و(الوفا) صنف في كل هذه الفنون.

زادت تصانيفه على الثلاثمائة ما بين مجلدات كبيرة كثيرة، وما بين كراريس صغيرة، وفي أجزاء يسيرة قد سرد الذهبي -رحمه الله- منها أسماء كتب كثيرة بالعشرات في (السير) وفي (تذكرة الحفاظ) ثم قال في (السير) بعد ذلك: وأشياء أخرى تركتها، ولم أرها.

وقال سبطه: ومجموع تصانيفه بلغت مائتين وخمسين تأليفا.

قال الذهبي: وكذا وجد بخطه قبل موته أن تآليفه بلغت مائتين وخمسين تأليفًا، وقيل: نيفت تصانيفه على الثلاثمائة.

في ليلة الجمعة بين العشاءين -أي: بين المغرب والعشاء- في يوم الثالث عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة توفي هذا العالم الجليل ابن الجوزي بعد مرض لم يدم أكثر من خمسة أيام، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا غلقت الأسواق، وازدحم الخلق ازدحامًا شديدًا -رحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه.

الكلام عن كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي:

الآن ننتقل إلى الكلام عن كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي: الكتاب أولا مطبوع في ثلاثة أجزاء، طبعة دار الفكر، ضبط وتقديم وتحقيق الأستاذ عبد الرحمن محمد عثمان تحت عنوان (الموضوعات) واعتمد المحقق على نسخة خطية وحيدة كما ذكر هو، المحفوظة بالمكتبة الأزهرية، ولم يشر إلى سند على النسخة إلى مؤلف الكتاب.

نحن الآن نتكلم عن نقطة اسم الكتاب، ونسبته إلى مؤلفه الكتاب أو المؤلف لم يذكر اسم الكتاب في أوله، لكنه ذكره في فصل من الفصول كما سنذكره أيضًا بعد قليل عند كلامنا عن صنيع المؤلف في كتابه.

لكن جملة من العلماء قد ذكروا الكتاب منسوبًا إلى ابن الجوزي من ذلك الذهبي في (السير) حيث ذكر مؤلفاته وذكر منها (الموضوعات) مجلدان، وكذلك ذكره في (تذكرة الحفاظ): ومن بين مصنفاته وسماه (الموضوعات) وأيضًا قال: مجلدان، وذكره النووي في التقرير فقال: وقد أكثر جامع (الموضوعات) في نحو مجلدين -أعني أبا الفرج بن الجوزي.

وكذلك قال السيوطي في (التدريب مع التقريب) قال: وقد اختصرت هذا الكتاب فعلقت أسانيده، وذكرت منها موضع الحاجة، وأتيت بالمتون، وكلام ابن الجوزي عليه إلى آخره.

أيضًا ذكره السخاوي في (فتح المغيث)، ونسبه إلى ابن الجوزي باسم (الموضوعات) وذكره ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) فقال: وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتابًا حافلًا في (الموضوعات).

وقال الشيخ شاكر: ألف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتاًبا كبيرًا في مجلدين جمع فيه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، أخذ غالبه من كتاب (الأباطيل) للجوزقاني إلى آخر كلامه.

وسماه الدكتور/ عمر حسن فلاتة في كتابه (الوضع في الحديث) (الموضوعات في الأحاديث المرفوعات لابن الجوزي).

إذًا هناك إجماع من العلماء على نسبة الكتاب إلى ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- وأيضا على تسمية الكتاب بـ(الموضوعات) وإن كان الدكتور عمر حسن فلاتة زاد في التسمية عنوانه عند (الموضوعات في الأحاديث المرفوعات) لكنه مشهور عند العلماء بأنه (الموضوعات) لابن الجوزي.

وهو كتاب جمع فيه جملة من الأحاديث التي وضعها الوضاعون في كثير من الأمور التي تتعلق بالعقيدة وبالتوحيد، وبأمور المأكل والمشرب والملبس إلى غير ذلك.

الباعث على تأليف الكتاب:

الباعث على تأليف ابن الجوزي لهذا الكتاب قد ذكره في مقدمة كتابه؛ تأليف الكتاب جاء تلبية لطلب من بعض طلاب الحديث للإمام ابن الجوزي أن يجمع لهم الأحاديث الموضوعة، وأن يعرفهم من أي طريق يعلم أنها موضوعة، يقول هو في ذلك بعد أن أثنى على الله تعالى، وصلى على النبي صلى الله عليه  وسلم: أما بعد فإن بعض طلاب الحديث ألح عليَّ أن أجمع له الأحاديث الموضوعة، وأعرفه من أي طريق تعلم أنها موضوعة، فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصًا عند قلة الطلاب لا سيما لعلم النقل، فإنه قد أُعرض عنه بالكلية ، حتى أن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة، وكثيرًا من القصاص يريدون الموضوعات، وخلقًا من الزهاد يتعبدون بها.

الإمام ابن الجوزي له في كتابه تنظيم وتقسيم ومنهج، ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) كتب مقدمة ذكر فيها مقدمة طويلة ذكر فيها الباعث على تأليف الكتاب، ثم قدم لأحاديث الكتاب بفصول وصفها بأنها أصول لبيان الموضوعات، وجاءت تقسيمات هذه الفصول على النحو التالي:

الفصل الأول: جعله في فضل هذه الأمة من حيث تشريف الله لها، وتفضيلها على غيرها من الأمم.

الفصل الثاني: جعله في ذكر أسباب تكريم هذه الأمة؛ لأن الله عز وجل هيأها وأكرمها، وجعلها أفضل من الأمم السابقة بجملة من الأسباب لم تتوفر لهذه الأمم السابقة، أو لتلك الأمم السابقة من هذه الأسباب التي ذكرها ابن الجوزي كأسباب لتكريم هذه الأمة: وفور العقل، وقوة الفهم، وجودة الذهن، ومن هذه الأسباب أيضًا أن سنة نبينا صلى الله عليه  وسلم مأثورة بنقلها خلفًا عن سلف، ولم يكن هذا لأحد من الأمم قبلها، ولما لم يمكن أحد أن يدخل في القرآن شيئًا ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم وينقصون، ويبدلون، ويضعون عليه ما لم يقل؛ فأنشأ الله عز وجل علماء يذبون عن النقل ويوضحون الصحيح، ويفضحون القبيح، وما يخلي الله عز وجل منهم عصرًا من العصور، غير أن هذا النسل قد قل في هذا الزمان قلة شديدة.

الفصل الثالث: جعله في بيان ما وصلت إليه الحال من معرفة صحيح الحديث من سقيمه، ومعلوله من سليمه، وفي ذلك يقول -رحمه الله- وقد كان قدماء العلماء يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ثم يستخرجون حكمه، ويستنبطون علمه، ثم طالت طريق البحث من بعدهم، فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا، فكان الأمر محتملًا، إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرقون بين صحيح وسقيم، ولا يعرفون نسرًا من ظليم، ولا يأخذون الشيء من معدنه، فالفقيه منهم يقلل التعليق في خبره بين “حدثنا” و”أخبره” يعني: كأن العبارة فيها اضطراب في الكتاب كأنه يقصد لا يفرق رغم أنه فقيه بين “حدثنا” وبين “أخبره”، والمتعبد ينصب أي: يتعب من أجل حديث لا يدري من سطره، والقاص يروي للعوام الأحاديث المنكرة، ويذكر لهم ما لو شم ريح العلم ما ذكره، فيخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل، فإذا أنكر عليهم عالم قالوا قد سمعنا هذا بـ”أخبرنا” و”حدثنا” فكم قد أفسد القصاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة.

الفصل الرابع: تكلم فيه عن أقسام الحديث من وجهة نظره، وقد جعلها ستة أقسام:

الأول: ما اتفق على صحته، وهو ما رواه البخاري ومسلم معًا.

القسم الثاني: ما انفرد به أحدهما البخاري أو مسلم.

القسم الثالث: ما صح سنده على رأي أحد الشيخين، فيلحق بما أخرجاه إذا لم يعرف له علة مانعة، وهذا يعز وجوده ويقل.

القسم الرابع: ما فيه ضعف قريب محتمل، وهذا هو الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به.

القسم الخامس: الشديد الضعف الكثير التزلزل، فهذا تتفاوت مراتبه عند العلماء، فبعضهم يدنيه من الحسان، ويزعم أنه ليس بقوي التزلزل، وبعضهم يرى شدة تزلزله؛ فيلحقه بالموضوعات.

والقسم السادس: الموضوعات المقطوع بأنها محال، وكذب فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة تكون توضع على الرسول صلى الله عليه  وسلم وهي كلام غيره يعني: إما أن تكون مختلقة من أساسها، أو تكون من كلام غير النبي صلى الله عليه  وسلم وتضاف إلى النبي صلى الله عليه  وسلم.

هذه أقسام الأحاديث عند ابن الجوزي -رحمه الله- غير أني أقف وقفة مع القسم الثالث الذي قال فيه: ما صح سنده على رأي أحد الشيخين، فيلحق بما أخرجاه إذا لم يعرف له علة مانعة، وهذا يعز وجوده ويقل، أنا أتوقف مع هذه العبارة، وهي قوله: “وهذا يعز وجوده ويقل” أقول هو كثير إن الشيخين البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة ولم يقصدا ذلك، ولم يلتزما بهذا وهذا أمر معروف عند العلماء إنما تركوا أكثر مما ذكروه، وعند العلماء أحاديث كثيرة صحيحة في غير الصحيحين في بقية الكتب الستة، وفي مسند الإمام أحمد، وفي غيرهم.

والقول بأن الصحيح في خارج الصحيحين قليل إذا كان هذا مقصد ابن الجوزي من كلامه، وهذا يعز وجوده ويقل قد تكون الكلمة لها محمل آخر حتى لا نظلمه، إنما القول بقلة الصحيح في خارج الصحيحين قول غريب يرفضه الواقع السنة كثيرة، والصحيح منها كثير والحمد لله رب العالمين.

والحاكم قد ألف مستدركه؛ لاستكمال الصحيحين يعني: جمع أحاديث رأى أنها قد توافرت فيها شروط صاحبي الصحيحين.

نعم العلماء يعلمون أن الحاكم متساهل، وأنه واسع الخطو على حد تعبير ابن الصلاح -رحمه الله- في الحكم بالصحة على الأحاديث، لكن أيضًا يصفو له منه الكثير؛ إذا المهم أن الصحيح في خارج الصحيحين كثير هذا بآراء العلماء، والنقول عليه كثيرة، وموجود هذا في كتب العلم وكتب المصطلح حين تتعرض للأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين تبين ذلك، وترد على من قال بأن الأحاديث الصحيحة في خارج الصحيحين قليلة بل ردوا على من قال: قلما يفوت الأصول الخمسة أي: يقصد الكتب الستة ما عدا ابن ماجه حديث صحيح، ردوا عليه، وقالوا: يوجد أحاديث صحيحة في غير هذه المصادر الستة يوجد في مسند الإمام أحمد منها الكثير، ويوجد في موطأ مالك، وفي غيرها من كتب السنة الكثيرة بحمد الله تبارك وتعالى.

بعد أن فرغ ابن الجوزي -رحمه الله- في الفصل الرابع من الفصول التي عقدها في مقدمة كتابه من الكلام عن الأقسام الستة التي وضعها للحديث انتقل إلى الفصل الخامس، وفيه تكلم عن حال أقسام الحديث السابق ذكرها من حيث العمل من عدمه قال: وأما الأقسام الأربعة الأُول فالقلب عندها ساكن، يقصد ما اتفق على صحته، وما انفرد به البخاري أو مسلم، وما صح سنده على رأي أحد الشيخين، وما فيه ضعف قريب محتمل، وتعبير ابن الصلاح في هذا عن القسم الرابع، وهذا ما فيه ضعيف قريب محتمل، وهذا هو الحسن، ويصلح البناء عليه، والعمل به هذه الأقسام الأربعة يقول ابن الجوزي: القلب عندها ساكن.

وأما القسم الخامس يقصد الشديد الضعف الشديد الكثير التزلزل يقول: فقد جمعت لكم جمهوره -أي: أغلبه- في كتابي المسمى بـ(العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) وقد جردت لك في ذلك الكتاب (الموضوعات) الأحاديث الموضوعة التي هي القسم السادس، وجرد فيها كتاب (الموضوعات).

ثم قال: وقد جردت لك في ذلك الكتاب (الموضوعات) يقول: إلا أني لما رأيتها كثيرة، ورأيت أقوامًا قد وضعوا نسخًا، وجعلوا الحديث الواحد أوراقًا كثيرة، تركت ذكر ما لا يخفى أنه موضوع، وربما كتبت بعض الحديث مطولًا، ورفضت بعضه لتطويله، وركاكة ألفاظه شحًّا على الزمان أن يذهب فيما ليس فيه كبير فائدة.

وانتقل بعد ذلك إلى الفصل السادس: وجعله في الرواة الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب والمقلوب, وقسمهم خمسة أقسام:

في القسم الأول قال: قوم غلب عليهم الزهد والتقشف, فتغفلوا عن الحفظ والتمييز, ومنهم من ضاعت كتبه او احترقت أو دفنها ثم حدّث من حفظه فغلط, فهؤلاء تارة ما يرفعون المرسل, وتارة يسندون الموقوف, وتارة يقلبون الإسناد وتارة يدخلون حديثًا في حديث.

القسم الثاني: قوم لم يعانوا على النقل, فكثر خطؤهم وفحش على نحو ما جرى لأهل القسم الأول.

والقسم الثالث: قوم ثقات, لكنهم اختلطت عقولهم في آخر أعمالهم فخلطوا في الرواية.

والقسم الرابع: قوم غلبت عليهم السلامة والغفلة, وهؤلاء انقسموا، يقول: ثم انقسم هؤلاء فمنهم من كان يلقن فيتلقن, ويقال له: قل فيقول, وقد كان بعض أولاد هؤلاء يضع له الحديث فيدون ولا يعلم, ومنهم من كان يروي الأحاديث وإن لم تكن سماعًا له, ظنًّا منه أن ذلك جائز, وقد قيل لبعض متغفليهم: هذه الصحيفة سماعك, فقال: لا, ولكن مات الذي رواها فرويتها مكانه.

والقسم الخامس: قوم تعمدوا الكذب. قسمهم إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول من الذين تعمدوا الكذب: قوم رووا الخطأ من غير أن يعلموا أنه خطأ فلما عرفوا وجه الصواب وأيقنوا به, أصروا على الخطأ, أنفة من أن ينسبوا إلى الغلط, هؤلاء لا يفترقون عن الذين تعمدوا الكذب والوضع؛ لأنهم عرفوا الخطأ وأصروا عليه وأنفوا من الاستجابة للصواب.

القسم الثاني: قوم رووا عن كذابين وضعفاء, وهم يعلمون, ودلسوا أسماءهم, فالكذب من أولئك المجروحين, والخطأ القبيح من هؤلاء المدلسين, الكذابون والضعفاء معروفون بكذبهم ووضعهم, لكن القوم الذين رووا عنهم وهم يعلمون أنهم كذابون ووضاعون وبدل أن يبينوا كذبهم ووضعهم دلسوا أسماءهم, غيروها تعمية على من يأتي بعدهم, إذن الكذب من أولئك المجروحين والخطأ القبيح من هؤلاء المدلسين. وهم في مرتبة الكذابين لما قد صح عن النبي صلى الله عليه  وسلم أنه قال: ((من روى عني حديثًا يَرى أو يُرى أنه كذب فهو أحد الكذابين أو أحد الكاذبَيْن أو أحد الكاذبِين)) تعددت روايات الحديث بالألفاظ, وقد أيضًا تعرضنا له في المستوى الرابع, وهذا الحديث صحيح رواه الإمام مسلم-رحمه الله في مقدمته.

من هذا القسم قوم رووا عن أقوام ما رأوهم مثل إبراهيم بن هدبة عن أنس, وكان بواسط, شيخ يحدث عن أنس, ويحدث عن شريك, فقيل له حين حدّث عن أنس: لعلك سمعته من شريك فقال لهم: أقول لكم الصدق, سمعتُ هذا من أنس عن شريك. من كذبه ومن غفلته جعل أنس رضي الله  عنه روى الحديث عن شريك.

ويستمر ابن الجوزي -رحمه الله- في بيان الوضاعين الذين انقسموا إلى سبعة أقسام القسم الأول: ذكر فيه الزنادقة الذين يكيدون ضد الإسلام وأهله ويحاربون الإسلام من داخله، القسم الثاني: قوم كانوا يقصدون وضع الحديث نصرة لمذهبهم، وسوَّل لهم الشيطان أن ذلك جائز.

وبكل أسف أن الشيطان سوَّل لهم أن ذلك جائز أي: أن ينشروا مذهبهم بأحاديث مكذوبة ومفتراة على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

القسم الثالث: قوم وضعوا الأحاديث في الترغيب والترهيب؛ ليحثوا الناس -بزعمهم- على الخير ويزجروهم عن الشر.

القسم الرابع: قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن. واستدل ابن الجوزي بقول محمد بن سعيد المصلوب: لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسنادًا، وقد ضربنا أمثلة لذلك.

القسم الخامس: قوم كان يعرض لهم غرض فيضعون الحديث, فمنهم من قصد بذلك التقرب إلى السلطان لنصرة غرض كان له, ومنهم من كان يضعه في ذم من يريد أن يذمه, وأيضًا ضربنا أمثلة لذلك.

القسم السادس: قوم وضعوا أحاديث طلبًا للإغراب يعني: يغربون في الحديث ويأتون بالمنكرات والتي لم يصنعها الناس وكأنهم يتصورون أن عندهم علمًا ليس عند غيرهم فيفعلون ذلك ليطلبوا ويسمع منهم, فيقعوا في الوضع والعياذ بالله.

القسم السابع: قوم شق عليهم الحفظ فضربوا نقض الوقت, وربما رأوا أن الحفظ معروف فأتوا بما يستغرب مما يحصل مقصودهم. يعني: هم لا يحفظون يعني: لا يريدون أن يقدموا الوقت اللازم للحفظ وربما أيضًا رأوا أن الحفظ معروف, ولكنهم أرادوا أن يأتوا بغرائب تحصل لهم مقصودهم. ومن هؤلاء القصاص يزيدون أحاديث تثقف وترقق, والصحاح يقل فيها هذا. ثم إن الحفظ يشق عليهم ويتفق هذا الذي يصنعون ما عدم الدين أي: ما عدم دينهم والذين يحضرونهم جهال. إذن اجتمعت عدة عوامل شجعتهم على ذلك. فهؤلاء يأخذون فرصة في أن يتزيدوا وأن يقولوا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ما لم يقل؛ لأنهم مطمئنون أنه لا يوجد من بين سامعيهم طالب علم يرد عليهم خطأهم, ويبصرهم بما وقعوا فيه من وضعٍ على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

الصنف الثاني: الشحاذون فمنهم قصاص ومنهم غير قصاص, ومن هؤلاء من يضع وأكثرهم يحفظ الموضوع.

وبعد أن استعرض ابن الجوزي -رحمه الله- هؤلاء الأصناف في الفصل السادس, جاء الفصل السابع فجرده لذكر جملة من كبار الكذابين والوضاعين, مشفوعة بأقوال أهل الجرح والتعديل فيهم, من هؤلاء الذين ذكرهم: وهب بن وهب القاضي, ومحمد بن السائب الكلبي ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب وأبو داود النخعي وإسحاق بن نجيح الملطي, وغياث بن إبراهيم النخعي والمغيرة بن سعيد الكوفي وأحمد بن عبد الله الجويباري ومأمول بن أحمد الهروي ومحمد بن عكّاشة الكرماني ومحمد بن القاسم الكنكاني.

ومن الأقوال التي نقلها عن علماء الجرح والتعديل في هؤلاء قول يحيى بن معين: كان ببغداد قوم يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح ومحمد بن زياد اليشكري. ونقل قول الإمام النسائي عبد الرحمن بن أحمد بن شعيب النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه  وسلم أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة والواقدي ببغداد ومقاتل بن سليمان بخراسان ومحمد بن سعيد ويعرف بالمصلوب بالشام. ونقل قول سهل بن السري الحافظ: قد وضع أحمد بن عبد الله الجويباري ومحمد بن عكاشة الكرماني ومحمد بن تميم الفارابي على رسول الله صلى الله عليه  وسلم أكثر من عشرة آلاف حديثًا.

استعرض في الفصل السادس بعض أسماء الوضاعين وذكر من أقوال العلماء ما يدل على أنهم معروفون بالوضع وأن العلماء يحذرون منهم وينبهون إليهم.

الفصل السابع: بيّن فيه ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- أن الله تعالى رد كيد الوضاعين والكذابين وأنه ما كذب أحد إلا وافتضح, يقول ابن الجوزي في ذلك: ولقد رد الله كيد هؤلاء الوضاعين والكذابين بإخبار أخيار فضحوهم, وكشفوا قبائحهم, وما كذب أحد قط إلا وافتضح, ويكفي الكاذب أن القلوب تأبى قبول قوله, فإن الباطل مظلم وعلى الحق نور, وهذا في العاجل, وأما في الآخرة فخسرانهم فيها متحقق.

وفي الفصل الثامن ذكر فيه ندم جماعة من الوضاعين وتنصلهم من ذلك, وذكر شواهد على هذا, ومنها ما ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبه -رحمه الله- قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو شيبة قال: كنت أطوف بالبيت ورجل من قدامي يقول اللهم اغفر لي وما أراك تفعل, فقلت: يا هذا قنوتك أكثر من ذنبك. فقال لي: دعني. فقلت له: أخبرني. فقال: إني كذبت على رسول الله صلى الله عليه  وسلم خمسين حديثًا وطارت في الناس ما أقدر أن أرد منها شيئًا.

في الفصل التاسع: جعله في بيان أن كذب الكاذب والوضاع ليس من الغيبة المحرمة وإنما من النصيحة في الإسلام, وساق جملة من أقوال العلماء في ذلك تدلل على أن كشف الكذابين, وبيان كذبهم وخطئهم وجرمهم الشنيع في حق الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه  وسلم وفي حق السنة المطهرة ليس من الغيبة بل هو من الواجب الذي يتحتم فعله وإنه من النصيحة للإسلام.

مما ذكره ابن الجوزي في هذا ما ذكره عن يحيى بن سعيد قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة وسفيان بن عيينة عن الرجل يكذب في الحديث أو يهم فيه أبين؟ قالوا: نعم بين أمره للناس. وكان شعبة يقول: تعالوا حتى نغتاب في الله تعالى. وقال ابن مهدي: مررت مع سفيان الثوري برجل فقال: كذاب والله لولا أنه لا يحل لي أن أسكت لسكت.

وذكر ابن الجوزي طائفة أخرى من أقوال العلماء ثم عقب على ذلك فقال -رحمه الله-: وهذا الكلام من العلماء ظاهر المعنى, فإن الرسول صلى الله عليه  وسلم قال: ((عليكم بسنتي)) والمحال ليس من سنته, وقد نبه بهذا على معرفة الثقات من غيرهم, وتخليص الصحيح من السقيم, وقد كان ينصب منبرًا لحسان ليردّ عنه ما يتقوله الأعداء عليه, مما لا يضر لأنه قول مشرك لا يدخل بقوله في الدين شيئًا, فكيف لا يندب أن نذب عنه قول من يدخل في شرعه ما ليس منه.

ثم انتقل ابن الجوزي إلى الفصل العاشر, وذكر فيه طريقته في الكتاب, وإن شاء الله سيأتي الحديث عنها تفصيلا بإذن الله رب العالمين.

ثم انتقل إلى الفصل الحادي عشر, وجعله في ذكر أربعة أبواب, في الباب الأول في ذم الكذب والاستدلال على ذلك, وفي الباب الثاني في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((من كذب علي متعمدًا)) وذكر سبب, ورود الحديث, وبين طرقه وبين عدد من رواه من الصحابة  رضي الله  عنهم وقد بلغ عددهم واحدًا وستين على إحصاء ابن الجوزي في مقدمة كتابه.

ثم فصل القول -رحمه الله- في بيان معناه وفي تأويله وبيان المراد منه.

في الباب الثاني: جعله في حديث: ((من كذب علي متعمدًا)) كما قلنا من الجوانب التي تعرض لها.

ثم في الباب الثالث تكلم في انتقاد الرجال وبيان درجاتهم والتحذير من الرواية عن الكذابين والبحث عن الحديث المباين للأصول.

ثم في الباب الرابع ذكر الكتب التي يشتمل عليها هذا الكتاب أي: كتاب (الموضوعات) له يقول: ذكرتها لك لتعلم ترتيبها وتعرف مواضعها يسهل عليك ما تريد تتبعهم منها.

ابن الجوزي -رحمه الله- بعد أن فرغ من ذلك كله, قال: وإذ قد أنهيت هذه الفصول التي هي كالأصول, فأنا أرتب هذا الكتاب كتبًا يشتمل كل كتاب على أبواب, فأذكره على ترتيب الكتب المصنفة في الفقه ليسهل الطلب على طالب الحديث, وأذكر كل حديث بإسناده, وأبين علته والمتهم به تنزيهًا لشريعتنا عن المحال, وتحذيرًا من العمل بما ليس بمشروع.

ابن الجوزي هنا -وسنتناول هذا الأمر بالتفصيل- يحدد منهجه في طريقة إيراده للأحاديث وكيفية كلامه عنها وبيان الحكمة من ذلك.

الكتب التي اشتمل عليها كتاب (الموضوعات):

ننتقل الآن إلى الكتب التي اشتمل عليها كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي يعني هو كطريقة المحدثين قسم كتابه إلى كتب, وصلت إلى خمسين كتابًا ترتيبها على النحو التالي: بدأها بكتاب التوحيد ثم الإيمان ثم كتاب المبتدأ ثم كتاب العلم وفيه فضائل القرآن ثم كتاب السنة وفيه ذم أهل البدع, كتاب الفضائل والمثالب, وهو ينقسم إلى فضائل الأشخاص والأماكن وفضائل الأيام.

ثم إلى كتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب الزكاة وكتاب الصدقة وكتاب فضل فعل المعروف وكتاب مدح السخاء والكرم, وكتاب الصوم وكتاب الحج وكتاب السفر وكتاب الجهاد.

ثم انتقل إلى كتاب البيوع والمعاملات وكتاب النكاح وكتاب النفقات وكتاب الأطعمة, كتاب الأشربة كتاب اللباس كتاب الزينة كتاب الطيب, كتاب النوم, كتاب الأدب, كتاب معاشرة الناس, كتاب البر كتاب الهداية كتاب الأحكام والقضايا, كتاب الأحكام السلطانية كتاب الأيمان والنذور, كتاب ذم المعاصي, كتاب الحدود والعقوبات, كتاب الزهد وفيه الأبدال والصالحون, كتاب الذكر, كتاب الدعاء كتاب المواعظ كتاب الوصايا, كتاب الملاحم والفتن, كتاب المرض كتاب الطب, كتاب ذكر الموت كتاب الميزان, كتاب القبور كتاب البعث وأهوال القيامة, كتاب الجنة كتاب صفة النار, كتاب المستبشع من الموضوع على الصحابة. فذلك خمسون كتابًا كل كتاب يشتمل على أبواب فمن أراد حديثا طلبه في مظانه من هذه الكتب.

ننتقل الآن إلى طريقته أو منهجه في عرض كتب وأبواب وأحاديث الكتاب والعلاقة بينها.

ابن الجوزي وضع عناوين للكتب: كتاب الصلاة كتاب الصدقة كما ذكرنا, ووضع أيضا عناوين للأبواب تحت كل كتاب؛ لتعبر عن محتوى هذه الكتب, ولتعبر أيضًا عن هذه الأبواب التي يذكرها تحت كل كتاب, ولتضح العلاقة بين الحديث الموضوع الذي ذكره وبين الباب الذي وضع تحته هذا الحديث وبين الكتاب الذي وضع تحته ذلك الباب, فالأحاديث المذكورة كأنها ترجمة لتلك الأبواب, فمثلًا الكتاب الأول: كتاب التوحيد جعله ستة عشر بابًا كلها تتعلق بالتوحيد والعقيدة, وجعل للأبواب تحتها عناوين معبرة عما يحتويه كتاب التوحيد من أمور تتعلق بالله سبحانه وتعالى وبأمور الغيب, أي: بأمور العقيدة كلها.

فالباب الأول مثلا عنوانه: باب في أن الله عز وجل قديم. والباب الثاني عنون له بقوله: باب ما ذكر أن الله تعالى قرأ طه ويس قبل خلق آدم. والباب الثالث بقوله: وحي الله عز وجل بلغات مختلفة… هكذا حتى نهاية الباب السادس عشر, والذي ختم به أبواب كتاب التوحيد وعنون له بقوله: باب ما روي أن الله تعالى يجلس بين الجنة والنار يوم القيامة.

أما الأحاديث فيذكرها مطابقة لما جاءت به ترجمة الباب, فمثلًا الباب الأول من أبواب كتاب التوحيد الذي هو بعنوان: أن الله عز وجل قديم, ذكر فيه بعض الأحاديث الموضوعة منها مثلا: المنسوب لأبي هريرة رضي الله  عنه قال: “قيل: يا رسول الله مم ربنا؟ قال: لا من الأرض ولا من السماء, خلق خيلًا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق” وقد رواه عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن منده عن محمد بن الشجاع فقال فيه: “إن الله عز وجل خلق الفرس فأجراها فبرقت فعرقت ثم خلق نفسه منها” حديث نسب لجابر رضي الله  عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم من قال: القرآن مخلوق فقد كفر” أيضًا في هذا الباب حديث نسب لأنس بن مالك رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم، طبعًا هذه كلها أحاديث موضوعة-: “كل ما في السماوات وما بينهما, وما في الأرض وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن, وذلك أنه كلامه منه بدأ وإليه يعود وسيجيء أقوام من أمتي يقولون القرآن مخلوق فمن قاله منهم كفر بالله العظيم, وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي لمؤمنة أن تكون تحت كافر, إلا أن تكون سبقته بالقول”.

وحديث نسب لأبي هريرة رضي الله  عنه عن النبي صلى الله عليه  وسلم أنه قال: “القرآن كلام الله لا خالق ولا مخلوق ومن قال غير ذلك فهو كافر”.

هكذا يذكر ابن الجوزي الأحاديث التي وضعها الكذابون والوضاعون مما يتعلق بترجمة الباب, ومما يتعلق بالكتاب الذي قسمه.

أما طريقة ذكره للأحاديث: فهو يذكرها مسندة, ثم بعد ذلك يبين العلل الواقعة فيها, ويبين ممن وقع الوضع، ويبين أقوال علماء الجرح والتعديل في من قام بوضعها.

هذه هي السمة البارزة عن أحاديث الكتاب في الأعم الأغلب, من أمثلة ذلك الحديث الذي ذكره في باب: ما ذُكر أن الله تعالى قرأ طه ويس قبل خلق آدم… هذا الباب من كتاب التوحيد.. قال فيه: أنبأنا أبو البركات علي البزار قال: أنبأنا أحمد بن علي الطرسيسي قال: أخبرنا هبة الله ابن الحسن الطبري قال: أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن بكر قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن عثمان قال: حدثنا يعقوب بن سفيان… هذا إسناد ذكره ابن الجوزي.

وأخبرنا تحول إلى إسناد آخر وأخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، قال: أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن موسى بن زنجويه.

ح إسناد ثالث: وأنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قال: أخبرنا محمد بن مظفر الشامي قال: أخبرنا أحمد بن محمد العسعسي العتيقي قال: أخبرنا يوسف بن الدخيل قال: أخبرنا أبو جعفر العقيلي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمرو بن حفص بن ذكوان عن إبراهيم مولى الحرقة عن أبي هريرة رضي الله  عنه عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “إن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام, فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا, وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسن تتكلم بهذا”.

إذن نحن هنا في الخصيصة الأولى في طريقة إيراده للأحاديث أنه يذكرها بإسناد حتى بجملة أسانيد أحيانًا كما في هذا المثال الذي معنا.

حديث: “إن الله تعالى قرأ طه ويس” قال بعد أن ذكره بالأسانيد التي أشرنا إليها, قال الإمام ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. إذن حكم عليه بالوضع ذكر الحديث بالإسناد ثم حكم عليه.

سيبين العلل وأقوال العلماء, قال ابن عدي: لم أجد لإبراهيم حديثًا أنكر من هذا؛ لأنه لا يرويه غيره. قال البخاري: إبراهيم بن مهاجر ضعيف منكر الحديث.

وأما عمر بن حفص فقال أحمد بن حنبل: حرقنا حديثه, وقال يحيى بن معين: ليس بشيء, وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم ابن حبان الحافظ: هذا موضوع.

إذن في هذا المثال ذكر ابن الجوزي الحديث مسندًا بل بطرق متعددة, ثم حكم عليه بالوضع وبين علله وشفعها بأقوال علماء الجرح والتعديل فيمن وقعت منهم شبهة الوضع فيه.

أيضًا يجمع روايات الحديث المتعددة ويجمع طرقه المختلفة وشواهده ثم يذكر ما في كل طريق من علل, وعلى سبيل المثال في هذا: حديث: “ما أحسن الله خلْق رجل وخلَقه فأطعمه النار” ذكر هذا الحديث بأسانيده, وجمع رواياته المتعددة, وطرقه المختلفة ثم ذكر ما في كل رواية وطريق من علل وبين المتهمين به من الرواة.

أيضًا أحيانًا يذكر من نسب له الأحاديث من الصحابة إجمالًا ثم يفصلها ويبين عللها واحدًا واحدًَا، ومن أمثلة ذلك مثلًا, ما جاء في كتاب الملق في طلب العلم, من كتاب العلم. كتاب: العلم، باب: الملق في طلب العلم، عن معاذ وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي هريرة, يعني ذكر الصحابة إجمالًا، قال: فيه عن معاذ وأبي أمامة وأبي هريرة, ثم عاد إلى التفصيل قال: فأما حديث معاذ فأنبأنا اسماعيل بن أحمد أنبانا إسماعيل بن مسعدة قال: أنبأنا حمزة بن يوسف قال: أنبأنا أبو أحمد بن عدي قال: حدثنا بن سويلم قال: حدثنا شيبان قال: حدثنا الحسن بن واصل عن الخصيب بن جحدر عن نعمان بن نعيم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم” هذا حديث معاذ.

وأما حديث أبي أمامة, فأنبأنا ابن خيرون قال: أنبأنا ابن مسعدة قال: حدثنا أبو عمرو الفارسي قال: حدثنا ابن عدي قال: حدثنا ابن عتبة الربقي قال: حدثنا أيوب الوزان قال: حدثنا فهد بن بشير قال: حدثنا عمر بن موسى عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم”.

وأما حديث أبي هريرة, فأنبأنا محمد بن عبد الملك قال: أنبأنا اسماعيل بن مسعدة قال: أخبرنا حمزة بن يوسف قال: حدثنا بن عدي قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا عمرو بن حصين الكلابي قال: حدثنا أبو علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “لا حسد ولا ملق إلا في طلب العلم”.

إذن هنا ذكر الصحابة مجملًا أشار إلى أن هذا المعنى في هذا الباب الذي ذكره في باب الملق في طلب العلم، ذكر أن فيه أحاديث عن معاذ وأبي أسامة وأبي هريرة هذا إجمال, ثم عاد وذكر حديث كل واحد من الثلاثة بإسناده, ثم في النهاية حكم, وقال: ليس في هذه الأحاديث شيء يصح.

بعد أن ساق ابن الجوزي الأحاديث الثلاثة بأسانيده, قال: ليس في هذه الأحاديث شيء يصح, هذا حكمه عن الأحاديث. ثم انتقل إلى بيان العلل بتفصيل, فقال: أما الأول فإن الحسن بن واصل هو ابن دينار, وقد كذبه أحمد -الحسن بن واصل في إسناد الحديث الأول المنسوب إلى معاذ رضي الله  عنه قال: هو ابن دينار وقد كذبه أحمد ويحيى, وقال ابن عدي: مداره على الخصيب وقد كذبه شعبة ويحيى القطان, وقال أحمد: لا يكتب حديثه, وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات.

ولما فرغ من بيان علل معاذ انتقل إلى بيان علل حديث أبي أمامة فقال: عمر بن موسى ليس بثقة, وقال النسائي والدارقطني: هو متروك, وأما حديث أبي هريرة ففيه ابن علاثة اسمه محمد بن عبد الله بن علاثة قال الرازي: لا يحتج به قد يكون علاثة الضبط، هكذا نحن سنعرض إلى أسماء الوضاعين ونضبط, وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات, لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه.

نحاول أن نحدد ملامح منهج ابن الجوزي في كتابه بإيجاز، فنقول:

يذكر إسناد الحديث كاملًا ومتنه، ثم يذكر علته، ويبين المتهم به، ثم أيضًا يجمع روايات الحديث المتعددة، وطرقه المختلفة، وشواهده، ثم يذكر ما في كل طريق من علل، أيضًا أحيانًا يذكر تحت ترجمة الباب عدد الأحاديث المذكورة فيه، وهذا قليل جدًّا.

وأحيانًا يقول: فيه عن فلان، وفلان من الصحابة، وأحيانًا يقول فيه -أي: في الباب-: أحاديث.

قد يعمم ابن الجوزي الحكم، فيقول: وقد روي في هذا الباب أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ليس فيها شيء يثبت عنه، هذا نادر على كل حال في الكتاب، إذا كان الحديث ظاهر الوضع، واضح الكذب، وروي بلفظ مطول فإنه ربما يقتصر على بعض ألفاظه، ويترك باقيه، وهو نص أيضًا على هذا المعنى في منهجه في مقدمة الكتاب، يقول: وربما كتبت بعض الحديث المطول، ورفضت بعضه، لتطويله، وركاكة ألفاظه، شحًّا على الزمان أن يذهب فيما ليس فيه كبير فائدة.

تعددت عباراته في الحكم على الحديث يعني: استعمل صيغًا كثيرة، من ذلك مثلًا يقول: هذا حديث لا يصح، أو يقول: هذا حديث موضوع، يعني: مرة يقول: هذا حديث لا يصح، ومرة يقول: هذا حديث موضوع، مرة يقول: هذا حديث لا يثبت، وأحيانًا يقول: هذا حديث لا أصل ، وغير هذه العبارات أيضًا.

أحيانًا يعلق على بعض الأحاديث بفوائد مهمة ومتنوعة، تتعلق بالرجال، وتتعلق بعلم المعاني، ومصطلحات حديثية، إلى آخره، الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا في كتابه -رحمه الله تبارك وتعالى.

موارد كتاب (الموضوعات):

ننتقل إلى موارد ابن الجوزي في كتاب (الموضوعات) يعني: المصادر التي اعتمد عليها، اعتمد ابن الجوزي على ما صنفه العلماء قبله، لم يأت من عند نفسه، اعتمد على ما صنفه العلماء قبله في هذا، في كل كتب الضعفاء، وما ذكروه أيضًا في تراجمهم من أحاديث استنكرت عليه مما اعتمد عليه (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي (الضعفاء الكبير) للعقيلي، (المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين) للإمام ابن حبان، (المعاجم الثلاثة) للإمام الطبراني، تصانيف الإمام الخطيب البغدادي، كلها يعني مثل (تاريخ بغداد) و(الكفاية) وغيرها، تصانيف الإمام أبي نعيم الأصبهاني المتعددة، تصانيف الإمام الحاكم المتنوعة، تصانيف الإمام الدارقطني المتنوعة، وتفسير ابن مردويه، هذه أهم المصادر، بالإضافة إلى (الأباطيل) للجوزقاني، وأكثر فيه منه، لدرجة أن العلماء قد قالوا: إنه وضع كتاب (الأباطيل) في كتابه.

بدأ الاهتمام بكتاب ابن الجوزقاني، ثم صار كتاب ابن الجوزي أصلًا لكل من جاء بعده، فصار هو العمدة، فابن الجوزي تأثر بالإمام الجوزقاني في كتابه تأثرًا كبيرًا، وأكثر النقول عنه من كتاب الجوزقاني (الأباطيل) و(المناكير) حتى قال الإمام الذهبي -كما ذكرنا عند ترجمتنا للإمام الجوزقاني-: له مصنف في الموضوعات، يسوقها بأسانيده، وعلى كتابه بنى أبو الفرج بن الجوزي كتابه (الموضوعات).

يعني: نستطيع أن نذكر عدة أدلة على تأثر ابن الجوزي بكتاب الجوزقاني، من هذه الأدلة، ومن تلك المظاهر؛ أولًا: أن الإمام ابن الجوزي استعمل كثيرًا من الصيغ في الحكم على الحديث تقارب الصيغ التي استعملها الإمام الجوزقاني؛ أيضًا أن منهج الإمام ابن الجوزي في النقد للرواة يشبه إلى حد كبير منهج الإمام الجوزقاني؛ والإمام ابن الجوزي أيضًا ساق كثيرًا من كلام أهل العلم في الراوي والمروي، نحو كلام الإمام الجوزقاني فيهم؛ مثلًا كأمثلة لذلك، الذي يقرأ الحديث الثاني، والثالث من كتاب الإيمان باب الإيمان لا يزيد ولا ينقص في كتاب (الموضوعات) للإمام ابن الجوزي؛ وقارنهما بما في كتاب (الأباطيل) للإمام الجوزقاني يجد تصديقًا لما نذكره الآن.

إذن الإمام ابن الجوزي قد أدخل معظم مادة كتاب (الأباطيل) في كتابه (الموضوعات) يأخذ من كتاب (الأباطيل) بعد أن يحذف شيوخ الإمام الجوزقاني بقوله: أخبرت عن فلان، أو أنبأت، أو بقوله: روي، وساق نصوصًا كثيرة من كلام أهل العلم في الراوي والمروي بنحو كلام الجوزقاني؛ أشار محقق كتاب (الأباطيل) إلى هذه النصوص، وقارن بينها، ونستطيع بالرجوع إلى الكتابين أن نجد هذه المقارنة واضحة جيدة.

ومع أن الإمام ابن الجوزي قد تأثر كثيرًا بالإمام الجوزقاني أو الجورقاني- على خلاف ذكرناه في نسبته- وأكثر النقل عنه، وأكثر الاقتباس من كتابه، فإنه لم يشر إلى هذا ولو مرة واحدة، بل لم يصرح به أبدًا، إنما نبه العلماء على ذلك في كتبه، قال الحافظ ابن حجر: الحسين بن إبراهيم المذكور هو الحافظ المعروف بالجوزقاني، وقد ارتضاه -يعني: يقصد ابن الجوزي- هو، ونسخ كتابه الذي سماه (الأباطيل والمناكير) بخطه وذكر حديث كثيرًا من كلامه فيه، في كتاب (الموضوعات) ولا ينسبه إليه -كما بينت ذلك في عدة مواضع- هذا الكلام في (لسان الميزان)، وقال أيضًا: وقد وقفت على كتاب الجوزقاني المذكور، وترجمه بالأباطيل، وهو بخط ابن الجوزي، وقد تبعه على ما ذكره في أكثر كتابه في (الموضوعات) وقال الإمام الذهبي: النقل الذي ذكرناه منذ قليل له -أي: الإمام الجوزقاني- كتاب مصنف في الموضوعات، يسوقها بأسانيده، وعلى كتابه بنى أبو الفرج ابن الجوزي كتابه (الموضوعات).

أما طريقته في النقل؛ فهو ينقل من هذه الكتب أقوال أصحابها، فيمن وضعوا الأحاديث التي ذكرها في كتابه، يذكر الحديث يقول: هو من وَضْعِ فلان، ويذكر فيه الحكم، كما ذكرناه في حكمه عليه، أنه يضع الحديث أو متهم بالوضع، أو لين، أو ضعيف، أو غير ذلك، يعتمد على كلام ابن عدي في (الكامل)، وكلام النسائي في (الضعفاء)، وابن معين في تاريخه، وأحمد بن حنبل في علله، وابن المديني، وعلى أبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم في مصنفاتهم، ونحن نذكر أمثلة على أنه يبين علل الأحاديث، ويبين أحوال الرواة، كنا نذكر كثيرًا من نقوله لأقوال العلماء، مثلًا قال الدارقطني: غريب من حديث الألهاني، قال ابن حبان: يروي الأباطيل، أو الموضوعات عن الثقات، لا يحل رواية الحديث إلى آخره، هذا ورد في الأمثلة التي ذكرناها، وأيضًا موجود في غيره في الكتب التي اعتمد عليها، والذي يرجع إلى كتابه يجد هذه النقول كثيرة جدًّا.

درجة أحاديث الكتاب، وموقف العلماء منه:

ننتقل إلى درجة أحاديث الكتاب؛ من المعلوم أن ابن الجوزي صنف كتابه؛ لبيان الأحاديث الموضوعة، وحين نعود إلى سبب تأليفه الكتاب سنجد هذا واضحًا في كل من كلامه هو، لكن هل معنى ذلك أن كل حديث في كتابه موضوع؟ الحقيقة أن الأمر بخلاف ذلك؛ ابن الجوزي تساهل في ذكره لبعض الأحاديث، حيث أورد فيه الضعيف، بل أورد الحسن، والصحيح، مما هو في سنن (أبي داود)، وفي (سنن الترمذي)، والنسائي، وابن ماجه، (مسند الإمام أحمد)، و(مستدرك الحاكم) وغيرها من الكتب المعتمدة؛ بل إنه أورد فيه حديثًا من صحيح مسلم، وحكم عليه بالوضع.

لكن على كل حال أكثر ما فيه موضوعٌ، يسلم له الحكم بذلك كما قرر العلماء، لكنهم انتقدوا عليه إيراده لأحاديث ليست على شرط الكتاب -أي: من الموضوع- ولذلك وجهوا له انتقادات، سنجملها ببعض الأمثلة، لكن نعود إليها بتفصيل -إن شاء الله.

أولًا: قالوا: إنه أودع فيه الكثير مما لا يدل على وضعه، وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة؛ ذكر ذلك الحافظ ابن الصلاح في مقدمته، وأيضًا ورد في شرح (التبصرة والتذكرة)، وقال السيف أحمد بن أبي المجد: أطلق ابن الجوزي الوضع على أحاديث لكلام بعض الناس في رُواتها؛ كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقوي، ونحوها، وليس ذلك مما يشهد للحديث ببطلانه، ولا فيه مخالفة لكتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ينكره عقل، ولا نقل، ولا حجة معه على وضعه سوى كلام ذلك الرجل في رواته، وهذا عدوان، ومجازفة على حد ما قال، وهذا موجود في (تنزيه الشريعة).

أيضًا ذكرنا أنه أدرج فيه الحسن، والصحيح، مما هو في أحد الصحيحين، فضلًا عن غيرهم، كحديث مسلم الذي رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إن طالت بك مدة، أَوْشَكَ أن ترى قومًا يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته؛ في أيديهم مثل أذناب البقر)).

قال الحافظ ابن حجر: لم أقف في كتاب (الموضوعات) على شيء حكم عليه بالوضع، وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة، لكنهم أيضًا تكلموا عن حديثٍ عند البخاري، من رواية من رواية حماد بن شاكر، وهي رواية على كل حال ليست مشهورة، والحديث الذي عند البخاري من رواية حماد بن شاكر هذا هو حديث ابن عمر رضي الله  عنه أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((كيف بك يا ابن عمر، إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم)) قال الإمام السيوطي: هذا الحديث أورده الديلمي في (مسند الفردوس) وعزاه لـ(صحيح البخاري) فقال: قال البخاري في كتاب “الصلاة” حدثنا حامد بن عمر، حدثنا بشر بن مفضل، عن واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا، فذكره، ثم رأيت -هذا كلام السيوطي أيضًا- بخط الحافظ العراقي ما نصه: ليس هو فيما رأيناه من نسخ البخاري في الرواية المشهورة؛ وأن المزي ذكر أنه في رواية حماد بن شاكر، عن البخاري.

هذا حديث في الموضوعات من كتاب السيوطي في تعقيباته على ابن الجوزي، كما سنذكره عند كلامنا عن كتاب السيوطي، وأيضًا ذكره في (تدريب الراوي).

إذن ابن الجوزي وضع في كتابه حديثًا موجودًا عند مسلم، وحديثًا موجودًا عند البخاري، من رواية لصحيح البخاري ليست مشهورة، وهي رواية حماد بن شاكر -رحم الله الجميع.

على كل حال هم تألموا من ابن الجوزي في إسرافه في الحكم بالوضع على الأحاديث؛ لأدنى شبهة، أو ملابسة في الرواة؛ معتمدًا على أن العلماء ضعفوه، أو ما شاكل ذلك، من الأحاديث التي أيضًا ذكرها في كتابه تقريبًا ثلاثة وعشرون حديثًا عند الترمذي، عند النسائي حديث واحد، في (سنن ابن ماجه) ستة عشر حديثًا، وأيضًا في مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله  عنه استناده في الحكم بالوضع في الغالب لضعف راويه أحيانًا، لا يكون الضعف هذا يصل إلى درجة الكذب، وأحيانًا يروى الحديث من طريق فيه كذاب، لكن ابن الجوزي -الله أعلم- لماذا لم ينتبه إلى الطريق، أو إلى مجيئه من وجه آخر؟ قد يكون مقبولًا، وربما يكون اعتماده في التفرد -يعني: إن انفرد به هذا الكذاب- على قول غيره، ممن يكون كلامه محمولًا على التفرد النسبي، وليس على التفرد المطلق، مع أن العلماء لهم قواعد في هذا يقولون: إن مجرد تفرد الكذاب، بل الوضاع ولو كان بعد الاستقصاء في التفتيش من حافظ متبحر، تام الاستقراء، غير مستلزم، يعني: قد يستقصي هذا الحافظ الكبير، الفتاش، المستقصي، المتبحر، تام الاستقراء، لكن أيضًا قد يغيب عنه طريق صحيح لهذا الحديث، فهو يحكم على الحديث بالوضع من خلال تتبعه للطرق.

قال الحافظ العلائي: دخلتْ على ابن الجوزي الآفةُ من التوسع في الحكم، في حكم الوضع؛ لأن مستنده في غالب ذلك بضعف راويه، يقصد: أنه مجرد الضعف، وهذا موجود في نكت ابن حجر، وابن الصلاح، وقال الحافظ ابن حجر: قلت: وقد يعتمد على غيره من الأئمة في الحكم على بعض الأحاديث، بتفرد بعض الرواة الساقطين بها، ويكون كلامهم محمولًا على قيد أن تفرده إنما هو من ذلك الوجه؛ ويكون المتن قد روي من طريق آخر، لم يطلع عليه هو، أو لم يستحضره حالة التصنيف، فدخل عليه الدخيل من هذه الجهة، وغيرها.

فذكر في كتابه: الحديث المنكر، والضعيف، الذي يحتمل في الترغيب والترهيب، وقليل من الأحاديث الحسان؛ كحديث صلاة التسبيح، وكحديث قراءة آية الكرسي دبر الصلاة، فإنه صحيح، رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وليس في كتاب ابن الجوزي من هذا الضرب سوى أحاديث قليلة جدًّا؛ وأما مع مطلق الضعف ففيه كثير من الأحاديث، وقال السيوطي في (العلل المصنوعة في الأحاديث الموضوعة): عند البحث عن حديث ثلاث يزدن في قوة البصر؛ النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن، واعلم أنه جرت عادة الحفاظ؛ كالحاكم، وابن حبان، والعقيلي، وغيرهم، أنهم يحكمون على حديث بالبطلان، من حيثية سند مخصوص، لكون راويه اختلق ذلك السند لذلك المتن، ويكون ذلك المتن معروفًا من وجه آخر، ويذكرون ذلك في ترجمة ذلك الراوي، يخرجونه به، فيغتر ابن الجوزي بذلك، ويحكم على المتن بالوضع مطلقًا، ويورده في كتاب (الموضوعات) وليس هذا بلائق، وقد عاب عليه الناس ذلك، آخرهم الحافظ ابن حجر.

أيضًا مما انتقدوه على ابن الجوزي -رحمه الله- أنه أورد في كتابه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) كثيرًا مما أورده في (الموضوعات) كما أن في (الموضوعات) كثيرًا من الأحاديث الواهية؛ إذن هناك تداخل في رواية الأحاديث هنا وهناك.

أيضًا مما أخذوه على ابن الجوزي؛ أنه أكثر في تصانيفه الوعظية، وما أشبهها من إيراد الموضوع وشبهه، مع أنه قد شن حملة شعواء في كتابه على الوضع والوضاعين، على كل حال نعود فنوجز أهم أقوال العلماء في نقدهم لأحاديث الموضوعات عند ابن الجوزي:

منها أنه أكثر النقل عن كتاب (الأباطيل) للإمام الجوزقاني، والاقتباس منه، دون أن يصرح بذلك، أو يشير إليه ولو مرة واحدة، قال الشيخ أحمد شاكر -ونحن ذكرنا أقوال العلماء في هذا-: ألف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتابًا كبيرًا في مجلدين، جمع فيه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، أخذ غالبه من كتاب (الأباطيل) للجوزقاني، ولكن أخطأ في بعض أحاديث انتقدها عليه الحفاظ، أي: أشرنا إلى كلام ابن حجر، والذهبي، في اعتماده على كتاب الجوزقاني.

أيضًا أنه أورد في هذا الكتاب أحاديث لا تبلغ درجة الوضع، وحكم بوضعها لمجرد كلام في أحد رُواتها، كقولهم لفلان: ضعيف، أو ليس بالقوي، أو لين، وهذا لا يوجب الوضع في الحقيقة، بل يكون ضعيفًا.

وذكرنا أيضًا قول العلائي في هذا، وشيخ الإسلام ابن حجر، وقال السخاوي أيضًا في نفس القضية: خرج -أي: الإمام ابن الجوزي- عن موضوع كتابه لمطلق الضعف، حيث أخرج فيه كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، التي لا دليل معه على وضعها؛ ولذلك انتقد العلماء صنيعه إجمالًا، وربما يكون اعتماده في التفرد على قول غيره، ممن يكون كلامه فيه محمولًا على التفرد النسبي.

وذكرنا أيضًا كلام السيوطي في هذا، وغيره، أيضًا ذكر بعض الأحاديث في كتابه (الموضوعات) ثم أعاد ذكرها في كتاب (العلل المتناهية) والعكس أيضًا، مع أن موضوع الكتابين مختلف، وهذا يدلل أيضًا على أنه أدخل في الموضوعات ما ليس منها؛ لأن العلل، أو الأحاديث الواهية -أي: الضعيفة- وإن كانت شديدة الضعف لكنها لا تصل إلى الوضع، والعلماء مصطلحاتهم دقيقة في هذا الشأن، فلا يجوز الخلط بين مصطلح وآخر؛ الحديث إما موضوع، وإما ضعيف، حتى لو كان شديد الضعف فهو لا يحكم عليه بالوضع، قال الحافظ ابن حجر: ولابن الجوزي كتاب آخر سماه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) أورد فيه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، كما أورد في كتاب (الموضوعات) كثيرًا من الأحاديث الواهية.

وقال الإمام السخاوي: ثم إن من العجب إيراد ابن الجوزي في كتابه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) كثيرًا مما أورده في الموضوعات، كما أن في (الموضوعات) كثيرًا من الأحاديث الواهية، هذا موجود في (فتح المغيث).

أيضًا فاته كثير من الأحاديث الموضوعة لم يذكرها في كتابه، قال الإمام ابن كثير: وقد صنف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتابًا حافلًا في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه، ولم يهتدي إليه، هذا كلامه في (اختصار علوم الحديث).

وقال الإمام الحافظ ابن حجر: ولابن الجوزي كتاب آخر سماه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) أورد فيه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، كما أورد في كتاب (الموضوعات) كثيرًا من الأحاديث الواهية، الجديد في العبارة: وفاته من كل النوعين قدر ما كَتَبَ في كل منهما، أو أكثر.

كلام ابن حجر هذا موجود في (النكت على ابن الصلاح).

وقال السخاوي: قال شيخنا -يعني: الحافظ ابن حجر- وفاتَه -أي: الإمام ابن الجوزي- من نوعي الموضوع والوهن في الكتابين قدر ما كتب، قال: ولو انتدب شخص لتهذيب الكتاب -أي: الموضوعات- ثم لإلحاق ما فاته لكان حسنًا.

أيضًا أخذوا عليه أنه أورد في تصانيفه الوعظية أحاديث موضوعة، ذكرها في (الموضوعات) مع أن غرضه من تأليف هذا الكتاب: هو جمع الموضوعات، كما ذكر في بيان سبب تأليف الكتاب؛ تنزيهًا لشريعتنا على المحال؛ وتحذيرًا من العمل بما ليس بمشروع، هو نص على ذلك في مقدمة كتابه، والله أعلم.

وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله-: وأما ابن الجوزي، فقد ألف كتابًا كبيرًا حافلًا في الموضوعات؛ ليتنجنبها العلماء، والوعاظ، وغيرهم، ثم هو يورد في كتبه الوعظية، وما قاربها أحاديث موضوعة، وأخبارًا تالفة، وقصصًا باطلة، دون تحرج، أو مبالاة؛ بل تراه يستشهد بها كأنها من الصحاح، أو الحسان، كما تجد ذلك منتشرًا في كتابه الكبير (ذم الهوى) وكتابه (تلبيس إبليس) و(رءوس القوارير) و(التبصرة) وغيرها. هذا موجود من كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -عليه رحمة الله- في (التعليقات الحافلة على الأجوبة الفاضلة).

على كل حال في نهاية الأمر، قد أنصفه  الحافظ ابن حجر إنصافًا علميًّا، وبين الحكم على الكتاب بشكل نهائي فقال -رحمه الله- وهو يعلق على كتاب ابن الجوزي: غالب ما في كتاب الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جدًّا، وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعًا، عكس الضرر بـ(مستدرك الحاكم) فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين؛ فإن الكلام في تساهلهما أَعدم الانتفاع بهما، إلا لعالم بالفن؛ لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل؛ هذا ذكره السيوطي في (تدريب الراوي) نقلًا عن ابن حجر -رحمه الله تعالى.

لكن عمومًا الكتاب في مجمله يتعلق بموضوعه، إلا هذه المآخذ التي أشرنا عليها من أقوال العلماء.

جهود العلماء تجاه الكتاب:

ننتقل إلى نقطة أخرى وهي بيان جهود العلماء تجاه كتاب ابن الجوزي، قام مجموعة من العلماء، ممن أتوا بعد الإمام ابن الجوزي بدراسة كتابه، وتحريره، وتنقيحه، والإضافة عليه، وانتقاده، وبيان ما له، وما عليه؛ نظرًا لأهمية الكتاب، بصرف النظر عن الانتقادات حوله، تتعدد جهود العلماء عليه؛ ممن يحقق، ويشرح، والذي ينتقد، والذي يضيف، إلى آخره.

وهذا الاهتمام يدل على منزلة الكتاب، وعلى أهميته في بابه، وعلى درجته في موضعه، وكتاب ابن الجوزي يعتبر مصدرًا لكل من أتى بعده من الكتب؛ فلذلك تعددت جهود العلماء حوله؛ ممن قاموا بجهود حوله الإمام السيوطي -رحمه الله- قال في (التدريب): قد اختصرت هذا الكتاب فعلقت أسانيده، وذكرت منها موضع الحاجة، وأتيت بالمتون، وكلام ابن الجوزي عليها، وتعقبت كثيرًا منها، وتتبعت كلام الحفاظ في تلك الأحاديث؛ خصوصًا شيخ الإسلام في تصانيفه وأماليه، ثم أفردت الأحاديث المتعقبة في تأليفه، وذلك أن شيخ الإسلام -يقصد ابن حجر- ألف (القول المسدد في الذب عن المسند) أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في المسند، وهي في الموضوعات، وانتقدها حديثًا حديثًا، وذيلتُ على هذا الكتاب بذيل في الأحاديث التي بقيت في الموضوعات من المسند، وهي أربعة عشر، مع الكلام عليها، ثم ألف ذيلًا لهذين الكتابين سميته (القول الحسن في الذب عن السنن) أوردتُ فيه مائة وبضعة وعشرين حديثًا ليست بموضوعة، أيضًا صنف (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)، وهذا الكلام موجود في (تدريب الراوي).

أما في (اللآلئ المصنوعة) فيقول: وقد جمع في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي كتابًا، فأكثر فيه من إخراج الضعيف، الذي لم ينحط إلى رتبة الوضع؛ بل من الحسن ومن الصحيح، كما نبه على ذلك الأئمة الحفاظ، ومنهم ابن الصلاح في (علوم الحديث) وأتباعه، وطالما اختلج في ضمير إنقاؤه، وانتقاده، واختصاره؛ لينتفع به مرتاده، إلى أن استخرت الله تعالى، وانشرح صدري لذلك، وهيأ لي إلى أسبابه المسالك، فأُورد الحديث من الكتاب الذي أورده هو منه؛ كتاريخ الخطيب، والحاكم، وكامل ابن عدي، و(الضعفاء) للعقيلي، ولابن حبان، والأزدي، وأفراد الدارقطني، و(الحلية) لأبي نعيم، وغيرهم بأسانيدهم؛ حاذفًا إسناد أبي الفرج إليهم، ثم أعقُبهم بكلامه، ثم إن كان متعقَّبًا نبهت عليه، وأقول في أول ما أزيده: قلت، وفي آخره: والله أعلم.

جاء من بعد الإمام السيوطي الإمام علي بن محمد بن عرَّاق، فجمع بين الثلاثة؛ بين (الموضوعات) لابن الجوزي، و(اللآلئ) لـ السيوطي، و(التعقيبات) منقحًا ومضيفًا معلقًا أيضًا في كتاب مشهور سماه (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة).

هذه بإيجاز بعض جهود العلماء حول كتاب ابن الجوزي (الموضوعات)، الكتاب طبع أكثر من طبعة، من بينها الطبعة التي أشرت إليها أثناء كلامي، طبعت في ثلاثة أجزاء، بتحقيق الشيخ عبد الرحمن محمد عثمان في سنة ست وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة، وفي سنة الموافق لسنة ست وستين وتسعمائة وألف للميلاد، أعيدت الطبعة الثانية لنفس التحقيق في سنة 1403 الموافق 1983، وطبعته دار الكتب العلمية في مجلدين.

هذه أهم المسائل المتعلقة بكتاب ابن الجوزي.

error: النص محمي !!