Top
Image Alt

كتاب (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث) للدسوقي

  /  كتاب (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث) للدسوقي

كتاب (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث) للدسوقي

المرحلة الواقعية:

جاء بعد أبوللو نقاد بشروا بمرحلة جديدة في الإبداع والنقد، هذه المرحلة يطلق عليها المرحلة الواقعية، فقد أخذ هؤلاء النقاد على شعراء أبوللو انصرافهم عن مشكلات الوطن إلى ذواتهم، وإسرافهم في الحديث عن عواطفهم الشخصية، وأخذوا عليهم أيضًا رقتهم المفرطة في التعبير عن أحاسيسهم وعواطفهم، ورأى هؤلاء النقاد أن المرحلة الجديدة -خاصة بعد الحرب العالمية الثانية- وفي أواخر الأربعينات من القرن الماضي، رأى النقاد أن هذه المرحلة تتطلب أدبًا واقعيًّا يقترب من الناس ومن هموم الناس ومن مشكلات الوطن…

وقد قوي هذا الاتجاه بعد أن قامت ثورة 1952، وكان من مبادئ هذه الثورة الانحياز إلى الطبقات الفقيرة والاقتراب من جماهير الشعب؛ فالتقت هذه الدعوة مع هذا الجو السياسي الجديد، وكان من نقاد هذه المرحلة الدكتور محمد مندور، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، ونازك الملائكة، وجاء نقاد بعد ذلك منهم الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور عز الدين إسماعيل، ورجاء النقاش، والدكتور محمد النويهي، وبالإضافة إلى الأساتذة الجامعيين الذين أسهموا بكتبهم في الحركة النقدية، كالدكتور شوقي ضيف، والدكتور محمد شكري عياد، والدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، والدكتور عبد الرحمن عثمان، والدكتور محمد غنيمي هلال، وهناك أساتذة كثيرون جامعيون لهم مؤلفات نقدية مهمة، أدت دورًا كبيرًا في تقويم الأدب وتوجيهه.

ولا بد أن نؤكد أن هذه الأجيال متداخلة؛ فبعضها يعاصر بعضًا ويؤثر بعضها في بعض، لا يمكن أن نفصل فصلًا حاسمًا وحازمًا بين هذه المراحل المختلفة، بدليل أننا نجد أن العقاد مثلًا وطه حسين وقد امتد بهما العمر وعاصرا كل هذه المراحل، كان نتاجهما متواصلًا وكانا مسهميْن بقدر كبير أيضًا في الحياة الثقافية والأدبية والنقدية إلى أن رحلا عن الحياة.

هناك مؤلفات مهمة جدًّا لا بد من التوقف عندها، مثلًا من الكتب التي شرحت وبينت الاتجاهات والأدبية النقدية عند جماعة أبوللو، كتاب (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث) للدكتور عبد العزيز الدسوقي.

يحتوي هذا الكتاب على ستة فصول، بعد التقديم والمقدمة يتحدث المؤلف في الفصل الأول عن البعث القومي وعن البعث الأدبي وعن حركة التقليد.

ثم يتحدث في الفصل الثاني عن حركة التجديد وعن التيار الموضوعي والتيار الذاتي، ويتحدث كذلك عن الأدب في المهجر، ويبدو أن ذلك كله كان تقديمًا لما يريد المؤلف التركيز عليه: وهو جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث.

يأتي الفصل الثالث ليتحدث فيه المؤلف عن أحمد زكي أبي شادي رائد هذه الجماعة، فيتحدث عن حياته، وعن التيار الذاتي في شعره، وعن التيار الموضوعي في شعره، ويتوقف عند كثير من الأمور المتعلقة بحياة أبي شادي وأدبه، ويورد أمثلة من شعره كما يورد أراء النقاد فيه.

يأتي الفصل الرابع بعد ذلك ليتحدث عن التيارات السياسية والتيارات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي نشأت فيها هذه الجماعة، ويعتبر هذه الجماعة ومولدها مولدًا لتيار جديد، ثم يتحدث عن جماعة أبوللو في رأي النقاد والدارسين، ثم يذكر رأيه في نشأة هذه الجماعة، ثم يتحدث عن أصدقاء رائدها أبي شادي وجهده في إنشاء الجماعة وظهور هذا التيار الجديد، ثم يتحدث عن تطور هذا التيار الجديد، ويتحدث عن دستور الجماعة وأهدافها، وعن المؤثرات الثقافية للجماعة وعن التجديد في نظر هذا الجيل -جيل أبوللو.

في الفصل الخامس يتحدث المؤلف عن تشكيل جماعة أبوللو، وعن مجلة أبوللو التي أصدرتها الجماعة، وما قدمته هذه المجلة من خدمات جليلة للأدب والنقد والثقافة؛ لأنها قدمت عددًا كبيرًا من الشعراء الشبان، وأصبحت هذه المجلة منبرًا للكثير من الشعراء الذين كانوا مغمورين، لم يسمع عنهم أحد وعُرفوا عن طريق هذه المجلة، وكانت هذه المجلة تفسح صدرها للشعراء الشبان المصريين وغير المصريين؛ فنشر في هذه المجلة أعمال أدبية لشعراء من مصر وشعراء من السودان وشعراء من الشام وشعراء من جزيرة العرب ومن المغرب العربي، وبذلك قدمت هذه المجلة خدمات جليلة للأدب والنقد.

تحدث المؤلف أيضًا في الفصل الخامس عن التيار الجديد وعن النزعات الشعرية للجماعة، وذكر أن النزعات الشعرية للجماعة تتمثل فيما يلي: النزعة العاطفية، وفي التعبير الرمزي، والوجدان الفردي، والنزعة الوصفية، والنزعة الاجتماعية، والنزعة الإنسانية.

في الفصل السادس يتحدث المؤلف عن إنتاج الجماعة وعن معارك الجماعة -جماعة أبوللو- يتحدث عن المعركة بين التلاميذ والأنصار، وعن إمارة الشعر والعقاد، ويتحدث عن تجديد الجماعة -تجديدها في البناء الفني في طريقة بناء القصيدة- وينتقل به ذلك إلى الكلام عن الشعر الحر، وعن الشعر المرسل، وعن الشعر المنثور، وعن الشعر التمثيلي، ثم يفرد أبا شادي بالكلام؛ لأن أبا شادي كان رائدًا في مجال الشعر القصصي والتمثيلي وما يسمى بالأوبريت.

ثم يتحدث المؤلف عن التجديد في البناء الداخلي عند شعراء أبوللو، وعن الرسالة الشعرية لهم، ويتوقف عند بعض الأعمال التي رأى أنها مهمة، مثل قصيدة “شاطئ الأعراف”، وهي مطولة تأملية للشاعر محمد عبد المعطي الهمشري، كما يتوقف أيضًا مع قصيدة طويلة للشاعر علي محمود طه، عنوانها “ميلاد شاعر”، وبعد ذلك يتحدث المؤلف عن أثر أبي شادي في هذه الجماعة وفي الشعر، ثم يتساءل عن تطور التيار، وينتهي المؤلف بذلك من كتابه.

وقد قال في إجابته عن هذا التساؤل: هل تطور التيار الذي ولد مع جماعة أبوللو؟:

 أسارع إلى القول بأن هذا التيار لا يزال حتى الآن يؤثر -بصورة أو بأخرى- في كثير من الشعراء، بل لا يزال كثير من الشعراء يمثلون الامتداد الخصب لهذا التيار، ويتغنون في حماه ويتأثرون تعبيراته، ويلونون شعرهم بأصباغه وألوانه مع فارق صغير اقتضته الفترة الزمنية والأحداث التي نعيش في ظلالها، ونذكر على سبيل المثال من هؤلاء الشعراء: نازك الملائكة، وفدوى طوقان، ومحمد فهمي، وملَك عبد العزيز، وجليلة رضا، وفوزي العنتيل، وعبده بدوي، وكيلاني سند، وصالح شرنوبي، وسعد درويش، وإمام الصفطاوي، وغيرهم من الشعراء.

يقول: ولكن الذي لا شك فيه، أن ظروف الحياة قد تغيرت بعد الحرب العالمية الثانية، فقد انبثقت من خلال تجاربنا ومعاركنا الطويلة ثورة الثالث والعشرين من يوليو سنة ألف وتسعمائة واثنين وخمسين، وعكست نضالنا العربي، وتبلورت من خلال معاركها الكثيرة التي خاضتها قيم جديدة، وتحولت القومية العربي من نداءات عاطفية، إلى حقائق مادية ومذهب سياسي يؤثر في المحيط الدولي، وهذه الظروف تقتضي أن يتأثر الأدب والفن.

ونحن نرى في هذه الأيام تجارب جديدة في الشعر تحاول التخلص من القيود القديمة في الشكل والمضمون؛ فمنها تجارب تتحرر من القافية وتتخذ من التفعيلة الواحدة أساسًا لبناء القصيدة، ومنها تجارب تتحرر من التفاعيل القديمة والقافية وتعتمد على الموسيقى النفسية، وفي هذه التجارب بدأنا نرى التعبير بالصورة والقصة وبدأنا نرى اتجاهًا إلى تصوير المجتمع وآلامه، والدعوة إلى العدل الاجتماعي -هنا المؤلف يشير إلى ظهور ما يسمى بالاتجاه الواقعي.

وهذا الكتاب (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث)، صدر عن الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر سنة 1391 من الهجرة 1971 من الميلاد، وقد فرغ المؤلف من كتابته -كما يبدو من الإهداء الذي كتبه في أول الكتاب- في نوفمبر سنة 1969.

يقول الدكتور عبد العزيز الدسوقي في الإشارة إلى هذا الاتجاه الواقعي: وأصبحنا نرى بعض النقاد يهاجمون كل تراثنا القديم ويثورون عليه، ويدعون إلى تطوير الشعر وربطه بالحياة، ويدرسون كل التجارب الأدبية على هذا الأساس، ويرى أستاذنا الدكتور محمد مندور أن هذه التجارب الجديدة في الشعر، تمثل نزعة جديدة أطلق عليها اسم الواقعية الاشتراكية، ويرى أن هذا التيار الواقعي الاشتراكي هو التيار الآخذ في النمو والسيطرة على ثقافتنا الإنسانية، وعلى أدبنا وفننا المعاصريْن.

هكذا تتواصل الأجيال وتتداخل المدارس والمذاهب وإنْ كان هناك تمايز بين هذه المدارس والاتجاهات، وهذا التمايز أوضح ما يكون بين ما سمي التيار الواقعي الاشتراكي وما قبله؛ لأنه بظهور هذا التيار الواقعي الاشتراكي ظهرت الدعوة إلى الشعر الحر الذي تخلص من القافية، ثم ظهرت دعوات للتخلص من الوزن، وظهرت دعوات مسرفة على نفسها ومسرفة على الأدب تدعو إلى الكتابة بالعامية وإلى التخلص من كل قواعد التزم بها الشعر العربي على مدى قرون.

هذا إذًا كتاب الدكتور عبد العزيز الدسوقي عن جماعة أبوللو وأثرها في الشعر العربي الحديث.

error: النص محمي !!