Top
Image Alt

كتاب علي عبد الرازق: (الإسلام وأصول الحكم)

  /  كتاب علي عبد الرازق: (الإسلام وأصول الحكم)

كتاب علي عبد الرازق: (الإسلام وأصول الحكم)

كتاب علي عبد الرازق: (الإسلام وأصول الحُكْمِ):

وكان من أخطر الكتب التي وُضعت في هذه المرحلة -تجسيدًا للفكر الاستشراقي: كتاب علي عبد الرازق وهو: (الإسلام وأصول الحكم).

علي عبد الرازق هذا كان يعمل قاضيًا شرعيًّا، فألّف كتابه عن الإسلام وأصول الحُكم، ليُعلن فيه ما حرص المستشرقون على توكيده وترسيخه في أذهان المسلمين. أعلن في هذا الكتاب: أنّ الإسلام دين لا دولة، عقيدة لا شريعة، وحْي لا دستور؛ وليس في الإسلام نظام لسياسة الدولة إطلاقًا.

والكتاب من أوّله إلى آخِره يَعرض الآراء التي استقاها علي عبد الرازق من كتابات المستشرقين عن الدِّين المسيحي، الذين لم يكن لهم علاقة إطلاقًا بالدين الإسلامي، ولم يعرفوه، ولم يعرفوا ما فيه من أنظمة الحُكم، ولم يعرفوا ما فيه من مبادئ تَحكم حركة المجتمع صغيرها وكبيرها، وإنما كان التّصوّر الذي أخذوه في كتاباتهم هو تصوّرهم لواقع الكنيسة في العصور الوسطى.

تبنّى علي عبد الرازق هذه الأفكار، وأراد أن يسحبها أو يطبِّقها على الدِّين الإسلامي، وأعلن في هذا الكتاب ضرورة فصل الدِّين عن الدولة.

من المعلوم: أنّ الإسلام في حديثه عن الجماعة، عن الأمّة، عن الدولة، وضَع لها قوانين، وضَع لها مبادئ؛ لكن علي عبد الرازق أخذ تحديد الفكر الغربي للدولة من واقع علاقة السلطة بالكنيسة في العصور الوسطى، واستعان بهذا الفهم على الإسلام، وعلى تأويل الإسلام في ضوء الفهم للكنيسة، ولعلاقة الكنيسة بالسلطة في العصور الوسطى؛ وبهذا كان الدين -في تصوّر الغربيِّين من جانب، وفي تصوّر علي عبد الرازق من جانب آخر- كان مشتقًّا من طابع الرسالة الروحية البحتة التي جاء بها عيسى عليه السلام وكذا من الحال التي انتهى إليها الصراع الدائر بين الكنيسة والسلطة في العصور الوسطى، وأصبح المعنى الروحي أو الدعوة إلى رياضة النفس وصفائها هو التجسيد العملي -في نظر علي عبد الرازق، وفي نظر المستشرقين- عمّا يمكن أن يُسمّى بنظام الدولة.

هذا النظام -أيها الإخوة- لا مكان له في الإسلام. هو كان موجودًا في أوربا في العصور الوسطى، وتسلّطت الكنيسة على الجمهور وعلى الشعوب في العصور الوسطى -كما قد نتعرض لذلك فيما بعد- أمّا في الإسلام فإن شخصية الأمّة يحدِّدها القرآن الكريم أو الدستور الذي قامت عليه هذه الجماعة، والذي يَحكم حركتها أفرادًا وجماعات في علاقتها بالله، وفي علاقة الإنسان بالإنسان، وفي علاقة الإنسان بالكون وما فيه. فهي: عقيدة، عبادات، معاملات. هذه النواحي الثلاث نظّمها القرآن الكريم في صورة أوامر ونواهٍ تستقيم بمقتضاها أمور الجماعة، أو أمور الأمّة، أو أمور الدولة؛ ولذلك فإنّ الإسلام معروف عنه أنه عقيدة وشريعة.

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلاَدَكُمْ مّنْ إمْلاَقٍ نّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ}(151) {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّىَ يَبْلُغَ أَشُدّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [الأنعام: 151، 152]. ثم يختم القرآن الكريم هذه الأوامر والنواهي بقوله: {وَأَنّ هَـَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ}  [الأنعام: 153]. في هذه الآيات الكريمة نجد: أنّ القرآن الكريم قد جمع بين ثلاثة أنواع من الأسس التي لا بد منها لقيام المجتمع.

بعضها يتعلّق بعقيدة الفرد، فحرّم عليه الشرك بالله، وطلب منه التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى

الثاني: ما يتعلق بسلوك الفرد الأخلاقي، سلوكه مع الجماعة، سلوكه مع نفسه، مع الكون وما فيه؛ فأوصاه بالإحسان إلى الوالديْن، وعدم قتل الأولاد والتعلل في ذلك بالفقر أو خشية الفقر، إلى آخر ما أمرت به الآيات ونهَتْ عنه.

أمّا النوع الثالث: فهو ما يتصل بالمعاملات بين الأفراد؛ فطلب عدم المساس بمال اليتيم إلا بما يعود عليه بالنفع، وبالوفاء في الكيل والميزان، أي: بتحقيق التعادل في المعاملات بين الناس، والقضاء بالعدل، والوفاء بالعهد. هذه المعاني كلُّها يمكن أن تندرج تحت ما يسمّى بإيصال الحقوق إلى أصحابها، والحفاظ على الأمانات.

هذه هي عُمد قيام المجتمع. وعن علاقة المجتمع بغيره من المجتمعات الأخرى، هناك آيات كثيرة تبيِّن ما يُمكن أن نسمّيه الآن بالعلاقات الدولية؛ ولذلك الذين تكلموا عن فصْل الدِّين عن الدولة ليس لهم من العلم بما في الإسلام من نظام الدولة شيء، وإنما أردوا أن يطبِّقوا دعوى المستشرقين على المسيحية في أوربا، أرادوا أن يطبقوها على الإسلام.

ومن هنا، وجدْنا كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) يحمل هذه المعاني في محاولة تطبيقية على الفكر الإسلامي، مع أن هذا الرجل كان قاضيًا. وقد قيل إنه رجع عن هذا الكتاب فيما بعد؛ ولكن الأهمّ من هذا: أن الكتاب عُرف، وقُرئ، وتأثّر به مَن تأثّر. وردّ عليه جمهورٌ كبير من علماء الأزهر الشريف، لكنّ الفتنة قد ثارت، وأخذ البعض يقتنص أو يقتبس من الكتاب بعض النصوص التي يُعلنها في الصحف، وينادى بها في منتديات ومؤتمرات ثقافية؛ لأن المؤلف قد نادى في هذا الكتاب -أكثر من مرة- أنّ الإسلام دِين فقط، وأنّ ما يدعو إليه من وحدة بين المؤمنين هو وحدة دِينية وليس وحدة سياسية، وحدة عقيدة وليس وحدة دولة.

وفكرة الإسلام دين لا دولة التي نادى بها هذا الرجل نجدها مُسيطرة على الكتاب كلِّه مِن أوّله إلى آخِره. ولعل ممّا تأثّر به أكثر وأكثر أنه يقول: “لقد كان عيسى ابن مريم عليه السلام رسول الدعوة المسيحية وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر ويؤمن بسلطانه، وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة: “أَعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”.

إلى هذا الحد كان تأثّر علي عبد الرازق بكلام المستشرقين عن المسيحية، وأراد أن يطبِّقه على الإسلام، وليس متأثرًا في ذلك بالإسلام، وإنما هو تأثّر بما في ذهن المستشرقين عن المسيحية. ثم يوضح غرضه في قياس الإسلام على المسيحية أكثر وأكثر فيقول: “تكلّم عيسى ابن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة، وأمَر أن يعطى ما لقيصر لقيصر؛ فما كان هذا اعترافًا من عيسى عليه السلام بأن الحكومة القيصرية من شريعة الله، ولا ممّا يعترف به دين المسيحية، ولا كان ممّن يفهم لغة البشر في تخاطبهم أن يتّخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك، وكلّ ما جرى في أحاديث النبي صلى الله عليه  وسلم من ذكْر عن الإمامة والخلافة والبيْعة لا يدلّ على شيء أكثر ممّا دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر”.

إلى هذا الحدّ يريد علي عبد الرازق أن يوحِّد بين المسيحية والإسلام في فصل الدِّين عن الدولة. وأكثر من هذا يصرح بقوله: “لم يبق أمامك بعد الذي سبق إلا مذهب واحد، وعسى أن تجده مذهبًا واضحًا؛ ذلك هو: القول بأنّ محمدًا صلى الله عليه  وسلم ما كان إلا رسولًا لدعوة دينية خالصة لا تشوبها نزعة مُلْك ولا حكومة، وأنه صلى الله عليه  وسلم لم يَقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يُفهم سياسيًّا الآن من هذه الكلمة، وما كان إلا رسولًا كإخوانه الخالدين من الرّسل، وما كان ملِكًا، ولا مؤسِّس دولة، ولا داعيًا إلى مُلْك”.

هذا ما انتهى إليه علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) لينادي، وليعلن أمام الناس بضرورة فصل الدين عن الدولة. وهذا المعنى الذي أثاره في هذا الكتاب قد تردّد في كتابات كثيرة، وأيضًا تلقّفتْه بعض الأقلام لتجسِّده في أعمال درامية أحيانًا، وفي أعمال مسرحية أحيانًا أخرى، لتخاطب به العوام من الناس لكي تَسْرِي هذه العدوى في الشارع المسلم بدلًا من اقتصارها على المفكَّرين وكتابات المفكِّرين فقط. إلى هذا الحدّ بلغ الأثر السيِّئ لكتابات المستشرقين في صفوف المثقّفين العرب، وبعض الكُتاب المسلمين.

العمل على إحلال العامية مكان اللغة الفصحى:

أنتقل من هذا إلى قضية أخرى ما أراها إلا تكملة لآثار الفكر الاستشراقي في أوساط المثقّفين العرب، والمثقّفين المسلمين في مصر، وفي بلاد الشام بصفة خاصة، ممّا دعا إليه المستشرقون: العمل على إحلال العامية مكان اللغة الفصحى.

هذه القضية ترتبط بالقرآن الكريم من جانب، وترتبط برمز وحدة المسلمين على قلب رجل واحد من جانب آخَر. وكان من أهداف المستشرقين: فَصْم عُرى هذه الوحدة؛ إذ من المعلوم أنّ اللغة تمثِّل بالنسبة للمسلمين دِينًا وعقيدة؛ لأنها لغة القرآن الكريم؛ ولأنها رمز وحدة المسلمين؛ ولأنها تمثِّل لأية أمّة من الأمم ركنًا أساسيًّا من مكوِّنات الهُوية الثقافية لأية أمة. فتداول أي فكرة علمية أي فكرة ثقافية، ما لم تكن في ثوب لغوي متعارف عليه بين أفراد الأمّة، لا يمكن فهْمها، وكذلك الحقائق الدينية.

ومن هنا وجدْنا الرسول صلى الله عليه  وسلم يوصي بلغة العرب ويقول: ((ليست العربية من أحدكم بأب وأمّ؛ وإنما هي الدين واللسان. فمن نطق العربية فهو عربي، ومن دان بالإسلام فهو عربي)). وكل مسلم لا تُقبل صلاته إلا إذا قرأ “فاتحة الكتاب” باللغة العربية. وكل مسلم مطالَب منه -على سبيل الفرض العينيّ: أن يحفظ قدرًا من القرآن يؤدِّيه في صلاته، وإن لم يكن على سبيل الفرض العيني، فمطلوب منه على سبيل الفرض الكفائي: أن يحفظ قدرًا من القرآن الكريم باللغة العربية على قدْر الاستطاعة.

وإذا علمنا أنّ اللغة تمثل رمزًا لوحدة المسلمين، كانت تمثل للاستعمار في نفس الوقت عاملًا مهمًّا لا بد من القضاء عليه. وحديثنا عن أهمية اللغة لا يحتاج إلى تفصيل، ولا إلى مزيد من البسط؛ لأنها واضحة في ذهن كلِّ مثقّف، لكن اللغة العربية بالذات أخذت من المستشرقين قدرًا هائلًا من الاهتمام والبحث عن المداخل التي يشكِّكون في قيمتها، وفي مقدرتها على مسايرة العصر، واستيعابها للغة العلْم، بذلوا في ذلك شأنًا كبيرًا، وأرادوا أن ينقلوا نفس هذه الفكرة عن اللغة العربية إلى كثير من الناطقين باللغة العربية، ومن حَمَلة الأقلام في أمّتنا العربية والإسلامية.

لقد أدرك المستشرقون: أن الشعوب الإسلامية ما دامت على صلة وثيقة باللغة العربية، فإنها سوف تظلّ مرتبطة بالإسلام من جانب كعقيدة وشريعة، وبالقرآن الكريم من جانب آخر كمصدر ووحْي إلهي يؤمن به كلّ مسلم في شرق العالَم وغرْبه. ومن أجْل ذلك أخذ المستشرقون يوجِّهون مختلف الوسائل، ويتابعون ألوان الجهود، ويتّخذون شتّى الوسائل المتاحة لصدّ الشعوب الإسلامية وصرْفهم عن اللغة العربية الفصحى، وتغذية اللهجات المحلية والإقليمية؛ لتحلّ محل هذه الفصحى.

ولذلك وجدْنا أنّ المستشرقين بدءوا يضعون الخطط لاستئصال شأفة اللغة العربية في البلاد الإسلامية من جانب، والبلاد العربية بصفة خاصة. وكان من أهمّ هذه الوسائل التي حاربوا بها اللغة العربية:

محاولة استهجان هذه اللغة، واستهجان الناطقين بها، من خلال بعض الأعمال الأدبية التي تُنفِّر المُشاهد أو القارئ أو المستمع من معلِّم اللغة العربية. ولعلّكم رأيتم بعض المسرحيات التي تعرض على المُشاهد، ويمثّل فيها مدرس اللغة العربية ومدرّس الدِّين بشكل مُزْرٍ منفِّر، يدعو إلى السخرية، حتى إنه إذا تكلّم فإنما يتكلّم بلغة مقعّرة لا يفهمها المُشاهد، ممّا جعل مكانة معلم اللغة ومعلم الدَّين الاجتماعية تتدنّى إلى أدنى المستويات الاجتماعية في الأمّة؛ وهذا شيء مقصود ومطلوب وموصًى عليه: أن يظهر مدرِّس اللغة ومدرِّس الدِّين بهذا المظهر السيِّئ.

وكان ممّا ترتّب على ذلك: أن المستشرقين أوصَوْا بتدريس اللغة الإنجليزية أو الفرنسية كلغة إجبارية في المدارس الأولى منذ المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية، واعتبار هذه اللغة هي اللغة الأولى في كثير من البلاد، مع إهمال اللغة العربية بدعوى أنها لغة وطنية لا تحتاج إلى تعليم واسع في بعض البلاد. وهم يخلطون في هذا الكلام بين اللغة العامية المنتشرة، وبين لغة القرآن الفصحى أو لغة العلوم العربية على اختلافها، لتنطلي الحيلة على أفراد الشعب. بمعنى: أنكم تتكلّمون العربية تلقائيًّا؛ فلا داعي لتعليم اللغة العربية، وإنما تعلّموا لغة تنفعكم علميًّا كالإنجليزية والفرنسية. وماذا عن العربية الفصحى؟ يقولون: لا، إنكم تتكلّمون العربية فلا يوجد داع لتعليمها.

ثم توالت بعد ذلك التوصيات بأن تكون لغة الاستعمار -سواء كان الاستعمار إنجليزيًّا في البلاد التي يستعمرها، أو فرنسيًّا في البلاد التي يستعمرها- هي لغة دوائر الحكومة، والدواوين الرسمية في الدولة. وهذه الصورة لون من ألوان القهر للشعوب؛ بحيث ينسب المتحدث باللغة الإنجليزية إلى الثقافة الإنجليزية، والمتحدث باللغة الفرنسية إلى الثقافة الفرنسية.

error: النص محمي !!