Top
Image Alt

كتب في الدفاع عن السنة عامة

  /  كتب في الدفاع عن السنة عامة

كتب في الدفاع عن السنة عامة

ما زلنا في الفترة التي ما بين منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى الآن:

إن الذين هاجموا السنة كانوا يتخذون حججًا باطلة منها: أن هناك كثيرًا من الأحاديث التي هي باطل وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يستندوا في ذلك إلى حجج علمية تبين ذلك، وإنما هو التضليل، وشمل ذلك كل نواحي الأحاديث الصحيحة التي أرادوا أن يهاجموها. ومن ذلك أيضًا هجومهم على أبي هريرة؛ لأنه روى الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروايته تشبه كثيرًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مبثوثة في الصحاح من السنة؛ فإذا استطاعوا أن يردوا هذه الأحاديث بباطلهم، فقد هدموا السنة عن هذا الطريق.

ومن وسائلهم أيضًا: أنهم زعموا أن علماء الأحاديث لم ينظروا إلا في الأسانيد ولم ينظروا إلا في المتون، ولذلك لم يكن هناك فائدة في النظر إلى الأسانيد؛ لأن المتون كانت تشتمل في زعمهم الباطل أو الكاذب على كثير من الأمور التي لا يصح معها الحديث.

ومن وسائلهم أيضًا: قولهم: إن السنة لم تكتب إلا في بداية القرن الثاني، في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ومعنى ذلك أنه قبل هذه الفترة لم تكن السنة مكتوبة، وإنما كانت في صدور رواتها، وهذا الحفظ الذي كان يدعيه هؤلاء كان عرضة للتحريف والتغيير، ومن هنا ما كتب في بداية القرن الثاني، أو نهاية القرن الأول لم يكن صحيحًا.

زعموا أيضًا: أن السنة رويت بالمعنى، والذين رووا الحديث بالمعنى قد غيروا منه، ولم يؤدوه أداءً جيدًا.

وكل هذا أفرد له العلماء كتبًا بالتأليف، هذا علاوة على الدفاع عن السنة عامة، والدفاع عن حجية السنة عامة.

أولًا: الدفاع عن السنة عامة:

ونبدأ بكتاب (الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة) يقول صاحبه في مقدمته بعد حمد الله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“أما بعد؛ فإنه وقع إلي كتاب جمعه الأستاذ محمود أبو ريه وسماه: (أضواء على السنة المحمدية) فطالعته وتدبرته، فوجدته جمعًا وترتيبًا وتكميلًا للمطاعن في السنة النبوية، مع أشياء أخرى تتعلق بالمصطلح وغيره، وقد ألف أخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وهو على فراش المرض -عافاه الله- ردًّا مبسوطًا على كتاب أبي ريه لم يكمل حتى الآن، فرأيت من الحق علي أن أضع رسالة أسوق فيها القضايا التي ذكرها أبو ريه، وأعقب على كل قضية ببيان الحق فيها متحريًا -إن شاء الله تعالى- الحق، وأسأل الله تعالى التوفيق والتسديد إنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبي ونعم الوكيل”.

ثم قال: عني أبو ريه بإطراء كتابه فأثبت على لوحِهِ دراسة محررة، تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه، وكل ما يتعلق به من أمور الدين والدنيا، وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي -هكذا قال وهكذا ادعى وزعم- هي الأولى في موضوعها لم ينسج أحد من قبل على منوالها. وكرر الإطراء في مقدمته وخاتمته، وكنت أحب له لو ترفع عن ذلك، وترك الكتاب ينبئ عن نفسه، فإنه عند العقلاء أرفع له ولكتابه، إن حمدوا الكتاب، وأخف للذم إن لم يحمدوه، بل استجراه حرصه على إطراء كتابه إلى أمور أكرهها له، تأتي الإشارة إلى بعضها قريبًا إن شاء الله تعالى.

كان مقتضى ثقته بكتابه وقضاياه أن يدعو مخالفيه إلى الرد عليه إن استطاعوا، فما باله يتقيهم بسلاح يرتد عليه وعلى كتابه، إذ يقول في صحيفة أربعة عشر: وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته ممن تعفنت أفكارهم، وتحجرت عقولهم. ويقول في آخر كتابه: وإن تضق به صدور الحشوية، وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار الذين يخشون على علمهم المزور من سطوة الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي يستأكلون بها أموال الناس بالباطل أن يكتنفهم ضوء العلم الصحيح إلى آخر هذه الأكاذيب.

قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي: أما أنا فأرجو ألا يكون لي ولا لأبي ريه ولا لمتبوعيه عند القراء خطر ولا وزن، وأن يكون الخطر والوزن للحق وحده -أي: لهؤلاء العلماء الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن السنة وفي خدمة السنة الذين اتهمهم بهذه الاتهامات زورًا وبهتانًا- قال أبو ريه تعريف بالكتاب -يعني كتابه طبعًا- ثم ذكر علو قدر الحديث النبوي ثم قال: وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة؛ فإن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحقه من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يسمون رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم، ويدرسون على طريقتهم، وطريقة هذه الفئة التي اتخذتها لنفسها، قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل هكذا يزعم، فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحًا في نفسه، أو غير صحيح، معقولًا أو غير معقول، إذ وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب. أما المعنى فلا يعنيهم من أمره في شيء.

قال الشيخ عبد الرحمن: أقول: مراده بقوله: “العلماء” المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة، ولم يكن منهم أحد في الصحابة، والمهتدين بهديهم من علماء التابعين، وأتباعهم، والذين يلوونهم هؤلاء كلهم ممن سماهم رجال الحديث، ومنهم عامة المشهورين عند الأمة بالعلم والإمامة من السلف، أولئك كلهم ليسوا عند أبي ريه علماء؛ لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض المعقول، بل يفرون منها، وينهون عنها، ويعدونها زيفًا وضلالًا وخروجًا عن الصراط المستقيم، وقنعوا بعقل العامة هكذا يقول. وأقول: مهما تكن حالهم فقد كانوا عقلاء العقل الذي ارتضاه الله عز وجل لأصحاب رسوله، ورضيهم سبحانه لمعرفته ولفهم كتابه، ورضي ذلك منهم وشهد لهم بأنهم المؤمنون حقًّا، والراسخون في العلم، خير أمة أخرجت للناس، وقال لهم في أواخر حياة رسوله:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } فمن زعم أن عقولهم لم تكن مع تسديد الشرع لها كافية وافية، لمعرفة الله سبحانه وتعالى وفهم كتابه ومعرفة ما لا يتم الإيمان، ولا يكمل الدين إلا بمعرفته، فإنما طعن في الدين نفسه.

وكان التابعون المهتدون بهدي الصحابة أقرب الخلق إليهم عقلًا وعلمًا وهديًا، وهكذا من اهتدى بهديهم من الطبقات التي بعدهم، وهؤلاء هم الذين سماهم أبو ريه: رجال الحديث.

قد يقال: أما نفي العلم والعقل عنهم؛ فلا التفات إليه، ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟.

أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن:

– عند السماع.

– وعند التحديث -أي: الرواية.

– وعند الحكم على الرواة.

– وعند الحكم على الأحاديث.

فالمتثبتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه، ولم يحفظوه؛ فإن حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكره ذكروه، مع القدح فيه، وفي الراوي الذي عليه تبعته.

قال الإمام الشافعي في (الرسالة): وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه، بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه. وقال الخطيب في (الكفاية في علم الرواية) باب وجوب إخراج المنكر والمستحيل من الأحاديث: وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث؛ لكن الأئمة بالمرصاد للرواة؛ فلا تكاد تجد حديثًا بين البطلان، إلا وجدت في سنده واحدًا أو اثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة، والأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوي بخبر واحد منكر جاء به، فضلًا عن خبرين أو أكثر، ويقولون: الخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد منكر أو باطل، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات، والمتثبتون لا يوثقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه وينقدوه حديثًا حديثًا، فأما تصحيح الأحاديث فهم به أعنى وأشد احتياطًا، نعم ليس كل من حكي عنه توثيق أو تصحيح متثبتًا، ولكن العارف الممارس يميز هؤلاء من أولئك.

هذا وقد عرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أن منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى، وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها، أو هي من قبيلها، قد ثقلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدين بالقرآن، ويقتدي به؛ فمن المعقول جدًّا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من تلك الآيات.

ثم يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي: “من الحقائق التي يجب ألا يغفل عنها: أن الفريق الأول وهم الصحابة ومن اهتدى بهديهم من التابعين وأتباعهم ومن بعدهم عاشوا مع الله ورسوله؛ فالصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ومع القرآن، والتابعون مع القرآن والصحابة والسنة، وهلم جرًّا، وأن الفريق الثاني وهم المتكلمون والمتفلسفون ونحوهم عاشوا مع النظريات والشبهات والأغلوطات والمخاصمات”.

والمؤمن يعلم أن الهدى بيد الله، وأنه سبحانه وتعالى إذا شرع إلى الهدى سبيلًا؛ فالعدول إلى غيره لن يكون إلا تباعدًا عنه، وتعرضًا للحرمان منه، وبهذا جاء القرآن، وعليه تدل أحوال السلف، واعتراف بعض العلماء واعتراف بعض أكابرهم في أواخر أعمارهم، والدقائق العلمية شيء والدقائق الدينية شيء آخر، فمن ظن الطريق إلى تلك طريقًا إلى هذه؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًًا.

قال: واعلم أن أكثر المتكلمين لا يردون الأحاديث التي صححها أئمة الحديث، ولكنهم يتأولونها كما يتأولون الآيات التي يخالفون معانيها الظاهرة، لكن بعضهم رأى أن تأويل تلك الآيات والأحاديث تعسف ينكره العارفون باللسان، وبقانون الكلام وبطبيعة العصر النبوي، والذي يخشونه من تكذيب القرآن لا يخشونه من تكذيب الأحاديث؛ فأقدموا عليه وفي نفوسهم ما فيها، ولهم عدة مؤلفات في تأويل الأحاديث أو ردها، قد طبع بعضها فلم يهملوا الحديث، كما زعم أبو ريه.

قول أبي رية والأدباء يعني بهم: علماء البلاغة، يريد أنهم لم يتصدوا لنقد الأحاديث بمقتضى البلاغة، وقال: ولما وصلت من دراستي إلى كتب الحديث، ألفيت فيها من الأحاديث ما يبعد أن يكون في ألفاظه، أو معانيه، أو أسلوبه من مُحكم قوله، وبارع منطقه -صلوات الله عليه- ومما كان يثير عجبي: أني إذا قرأت كلمة لأحد أجلاف العرب أهتز لبلاغتها، وتعروني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت بعض ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول لا أجد له هذه الأريحية، ولا ذاك الاهتزاز، وكنت أعجب كيف يصدر عنه -صلوات الله عليه- مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة، والعاري عن الفصاحة، وهو أبلغ من نطق بالضاد، أو يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة وهو أحكم من دعا إلى رشاد.

رد عليه الشيخ عبد الرحمن بقوله: أما الأحاديث الصحيحة فليست بهذه المثابة والاهتزاز والأريحية، مما يختلف باختلاف الفهم والذوق والهوى؛ ولأن كان صادقًا في أن هذه حاله مع الأحاديث الصحيحة، فلن يكون حاله مع كثير من آيات القرآن وسوره إلا قريبًا من ذلك، هذا والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والنبي صلى الله عليه وسلم كان همه إفهام الناس وتعليمهم على اختلاف طبقاتهم، وقد أمره الله تعالى أن يقول: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين} والكلمات المنقولة عن العرب ليست بشيء يذكر بالنسبة لكلامهم كله، إنما نقلت لطرافتها ومقتضى ذلك أنه لم يستطرف من كلامهم غيرها، وكذلك المنقول من شعرهم قليل، وإنما نقل ما استجيد وشعره مظنة التصنع البالغ، ومع ذلك قد تقرأ القصيدة؛ فلا تهتز إلا للبيتين والبيتين، ثم إن كثيرًا مما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم روي بالمعنى كما يأتي؛ فأما سقم المعنى فقد ذكر علماء الحديث أنه من علامات الموضوع كما نقله أبو ريه نفسه.

وذكر ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل في علامات الصحيح: أن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة؛ فإن كان أبو ريه يستسقم معاني الأحاديث الصحيحة فمن نفسه أتي.

وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ

*يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا

وقوله: أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء، كذا قال. وقد أسلفت أن رعايتهم للمعنى سابقة، يراعونه عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الراوي، ثم يراعونه عند التصحيح، ومنهم من يتسامح في بعض ذلك، وهم معروفون كما تقدم.

وقد قال أبو ريه: ذكر المحققون أمورًا كلية يعرف بها أن الحديث موضوع؛ فذكر جميع ما يتعلق بالمعنى نقلًا عنهم، فإن قال: ولكن مصححي الأحاديث لم يراعوا ذلك، قلت: أما المتثبتون كالبخاري ومسلم؛ فقد راعوا ذلك، بل في كل منهما أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد.

وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر، وقد انتقدت عليهما أحاديث من جهة السند، فلا يقال لأجل ذلك: إنهما لم يراعيا هذا أيضًا، قال في صـ5 -يعني أبا ريه-: “وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث روايته، فإنهم قد أهملوا جميعًا أمرًا خطيرًا، أما هذا كله فقد انصرف عنه العلماء والباحثون، وتركوه أخبارًا في بطون الكتب مبعثرة”. هذا تلخيص ما قال.

يعني: فجمعها هو في كتابه، وغالب ذلك قد تكفلت به كتب المصطلح، وسائره في كتب أخرى من تأليف المحدثين أنفسهم، ومنها ينقل أبو ريه.

وقال في صفحة أخرى: أسباب تصنيف هذا الكتاب… إلى آخره إلى أن قال: ” ومما راعني أني أجد في معاني كثير من الأحاديث ما لا يقبله عقل صريح. أقول: لا ريب أن في ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار ما يرده العقل الصريح، وقد جمع المحدثون ذلك، وما يقرب منه في كتب الموضوعات، وما لم يُذكر فيها منه فلن تجد له إسنادًا متصلًا إلا وفي رجاله ممن جرحه أئمة الحديث رجل أو أكثر، وزعم أن في الصحيحين شيئًا من ذلك سيأتي النظر فيه، وقد تقدمت قضية العقل، قال: ولا يثبته علم صحيح، ولا يؤيده حس ظاهر، أو كتاب متواتر”.

أقول: لا أدري ما فائدة هذا مع العلم بأن ما يثبته العلم الصحيح، أو يؤيده الحس الظاهر، لا بد أن يقبله العقل الصريح، وإن القرآن لا يؤيد ما لا يقبله العقل الصريح.

ثم قال: “كنت أسمع من شيوخ الدين -عفا الله عنهم- أن الأحاديث التي تحملها كتب السنة، قد جاءت كلها على حقيقتها، أقول: العامة في باديتنا باليمن، والعامة من مسلمي الهند إذا ذكرت لأحدهم حديثًا، قال: أصحيح هو؟ فإن قلت له: هو في سنن الترمذي مثلًا. قال: هل جميع الأحاديث التي في الكتاب المذكور صحيحة، فهل هؤلاء أعلم من شيوخ الدين في مصر؟ ثم ذكر حديث: “من كذب علي” وقضايا أخرى ذكر أنها انكشفت له، أجمل القول فيها هنا على أن يفصلها بعد، فأخرت النظر فيها إلى موضع تفصيلها. ثم قال: لما انكشف لي ذلك كله، وغيره مما يحمله كتابنا وبدت لي حياة الحديث المحمدي في صورة واضحة جلية، تتراءى في مرآة مصقولة، أصبحت على بينة من أمر ما نسب إلى الرسول من أحاديث آخذ ما آخذ منه ونفسي راضية، وأدع ما أدع وقلبي مطمئن، ولا علي في هذا أو ذلك حرج أو جناح”.

أقول: أما إنه بعد اطلاعه على ما نقله في كتابه هذا صار عارفًا بتاريخ الحديث النبوي إجمالًا، فهذا قريب، لولا أن هناك قضايا عظيمة يصورها في كتابه هذا على نقيض حقيقتها، كما سنقيم عليه الحجة الواضحة، إن شاء الله تعالى. وأما أنه أصبح على بينة إلى آخر ما قال؛ فهذه دعوى تحتمل تفسيرين:

الأول: أنه أصبح يعرف بنظرة واحدة إلى الحديث من الأحاديث حقيقة حاله من الصحة قطعًا أو ظنًّا أو احتمالًا، أو البطلان كذلك.

الثاني: أنه ساء ظنه بالحديث النبوي، إن لم يكن بالدين كله؛ فصار لا يراه إلا أداة يستغلها الناس لأهوائهم؛ فأصبح يأخذ منه ما يوافق هواه، ويرد ما يخالف هواه بدون اعتبار لما في نفس الأمر من صحة أو بطلان.

إلى آخر ما قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه، مما فصله على طول كتابه وعرضه، كتاب (الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة).

كتاب (حجية السنة):

وننتقل إلى كتاب آخر ولا شك أن معنى الهجوم على الحديث النبوي إنكار حجيته، ولذلك أنبرى لحجيته أحد العلماء الكبار ومنهم الشيخ عبد الغني عبد الخالق ألّف (حجية السنة) ليرد فيها على المبتدعة، وعلى الجاهلين بحجية السنة، بما تؤدي أقوالهم إلى عدم حجيتها. يقول في مقدمة هذا الكتاب:

“أما بعد؛ فإنه لما قررت دراسة تاريخ التشريع الإسلامي على طلبة تخصيص المادة بكلية الشريعة الإسلامية، وزعت إدارة الكلية مذكرة فيه ألفها ثلاثة من أساتذة الكلية ليدرسها الطلبة، وتكون عمدتهم في أداء الامتحان في هذا الفن، فكان من المباحث التي تعرضوا لها أثناء كلامهم على الدور الرابع من أدوار التشريع الإسلامي: موقف المعتزلة من السنة الشريفة؛ فقرروا أن فريقًا منهم ينكر الاحتجاج بالسنة من حيث هي سنة صادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعموا أن الشافعي -رحمه الله- قد عقد في الجزء السابع من كتاب (الأم) بابًا سرد فيه شبه هذا الفريق ورد عليها.

وقد كان من المعلوم لي قبل ذلك من كتب الأصول أن حجية السنة لا نزاع فيها بين المسلمين، وأنها ضرورة دينية، فاستبعدت أن يكون ما قرره أصحاب هذه المذكرة في هذه المسـألة حقًّا؛ لأن علماء الأصول واسعو الاطلاع شديدو الاعتناء بنقل الخلاف عن السلف والخلف من المسلمين، في دقيق المسائل وجليلها؛ فلو كان هناك خلاف في حجية السنة لنقلوه، كما فعلوا في الإجماع والقياس مع أن المخالفين فيهما قد انقرضوا، ولو قصر البعض في ذكر الخلاف فيها لما فات الآخرين التصريح بها.

فإجماعهم على عدم نقل الخلاف، بل على ضرورية حجية السنة يبطل ما فهمه أصحاب المذكرة من كتاب (الأم) ثم إني رجعت إلى الأم، وبعبارة أصح إلى كتاب (جماع العلم) الملحق بـ(الأم)، وقرأته من بدايته إلى نهايته فلم أجد فيه ما يؤيد رأي أصحاب المذكرة ويثبت صحته، بل وجدت على العكس من ذلك ما يفيد أن الشافعي رسم بأنه ليس أحد من المسلمين ينكر حجية السنة، وكل ما يؤخذ من كلامه أن بعض الناس يرد الأخبار كلها، ولا يقول بالاحتجاج بها؛ لأنه يرى أن ليس هناك طريق صحيح لنقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعجبت من ذلك، واستبعدت أن يكون هؤلاء الأفاضل -حفظهم الله- قد أطلعوا على كلام الشافعي، ثم فهموا منه ما قرروا، ورجحت أن يكونوا قد نقلوا هذا الكلام عن مصدر آخر وثقوا به فرجعت إلى سائر المظان المتداولة في تاريخ التشريع فوجدت الأستاذ الخضري -عليه رحمة الله- يقرر ذلك في كتابه (تاريخ التشريع الإسلامي) ويؤكده وينقل عبارات الشافعي التي أخذ منها الخلاف في حجية السنة.

ثم اطلعت في مجلة القانون والاقتصاد على بحث قيم؛ للأستاذ الجليل الشيخ عبد الوهاب خلاف -أعزه الله- نشره تحت عنوان: (السلطات الثلاث في الإسلام) فإذا به يقرر ما يقرره الأستاذ الخضري، وإن كان رده على الفريق المخالف قد يشعر بأنهم يردون الأخبار كلها للسنة من حيث هي سنة. ويحيل من يريد أن يقرأ بالتفصيل أدلة المختلفين في أن السنة حجة إلى (الأم) وإلى ما نشر بـ”مجلة المنار” مناظرات مسهبة بعنوان: الإسلام هو القرآن وحده، بين الدكتور محمد توفيق صدقي، وأحد كبار علماء الأزهر فرجعت إلى هذه المجلة، وبحثت فيها عن المناظرات التي أشار إليها حتى عثرت عليها فقرأت كلام الطرفين، فرأيت أن الدكتور ينكر حجية السنة ويبحث في موضوع لم يعد العدة له، ولم يعرف أصله، ويخبط فيه خبط عشواء، ويخلط بين بحث حجية السنة من حيث ذاتها، وبين أبحاث طرقها والاعتماد عليها، ويتكلم كلام من يريد أن يتكلم فحسب؛ فلا يهمه أن يكون كلامه موافقًا للحق مقبولًا عند الخلق، ثم وقع في يدي كتاب عنوانه (الإسلام الصحيح)، للكاتب المعروف محمد إسعاف النشاشيبي، وجدت كلامه في مقدمته يشعر بأنه ينحو نحو الدكتور لكنه لم يفصح عن مراده.

قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق: ولما كان لهذا الأمر خطورته، وأهميته في التشريع الإسلامي، واستنباط الحكم الشرعي، وكان الواقع يتنافى مع ما تقدم، رأيت أن أضع رسالة في حجية السنة، وأبين ضروريتها، وأنه لم يحدث خلاف فيها بين المسلمين في أي زمن، وأن كلام الشافعي لا يعطي ذلك أصلًا، ثم أبين حجيتها بالأدلة القاطعة التي لا مجال للشك فيها، وأحدد الفرق بين حجية السنة من حيث هي سنة، وبين حجية الأخبار، وأدفع في الوقت نفسه ما أورده الدكتور مما قد يسمى شبهًا.

وهكذا نرى أن هذا الفريق من العلماء أنبرى للدفاع عن السنة، إما لبيان حجيتها، وإما لبيان زيغ وزلل من تعرضوا لها بالهجوم في صورة الدفاع عنها، كما فعل صاحب (أضواء على السنة المحمدية).

error: النص محمي !!