Top
Image Alt

كتب في بيان كتابة الحديث في القرن الأول الهجري

  /  كتب في بيان كتابة الحديث في القرن الأول الهجري

كتب في بيان كتابة الحديث في القرن الأول الهجري

وننهي بموضوع آخر وهو: كتابة السنة:

كان من الشائع أن كتابة السنة لم تكن إلا في نهاية القرن الأول، وبداية القرن الثاني الهجري، وقد تلقف المستشرقون ومن جرى مجراهم هذا، وبينوا أن السنة في القرن الأول لم تدوَّن، وكانت عرضة للتغيير والتحريف، بناء على رواياتها بالمعنى أولًا وبناءً، على أن الذاكرة في هذه المدة كلها لا تستطيع أن تعي الأحاديث كما هي دون تحريف ودون تغيير، وقائل هذه المحاضرات قد انبرى لهذه القضية وبين في بحث صغير أن السنة كتب كثير منها في عهدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ثم بين أيضًا أن الأحاديث التي كتبت في هذين العهدين، وفي القرن الأول هي كثيرة نظرًا لأنها كانت كالجذور للأحاديث فمثلًا إذا كانت صحيفة همام بن منبه فيها مائة وأربعين حديثًا تقريبًا إذا كانت قد كتبت في عهد أبي هريرة، وقريبًا من عهد النبوة، فهذه الأحاديث قد تفرعت إلى متابعات وشواهد نظرًا لكثرة تلاميذ أبي هريرة، وكل هذه المتابعات والشواهد عند أبي هريرة وتلاميذه وعند غيره، وتناقلها التلاميذ جيلًا بعد جيل؛ فكثرت الأحاديث إلى درجة كبيرة، وكلها في حكم المكتوب نظرًا لأن جذورها قد كتب بعضها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كالصحيفة الصادقة وبعضها كتب في عهد الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى نهاية القرن الأول.

وبهذا يتبين أنّ العُلماء في هذا العصر قد أتوا بجديد عندما دافعوا دفاعًا كبيرًا وفي كتب مؤلفة مستقلة عن السنة، ضد من هاجموها في نواح مختلفة، سواء أكان عموم رواية السنة، أو في الهجوم على أبي هريرة رضي الله عنه منفذًا إلى الهجوم على غيره، وفي زعمهم أن المتون لم تنقل نقلًا صحيحًا، وأنه لم يكن هناك اهتمام بالمتون، وأن السنة لم تكتب إلا في أواخر القرن الثاني، وأن رواية الحديث بالمعنى قد أضرت بالحديث النبوي، نقول: إن العلماء قد تصدوا لهذه النواحي كلها، وألفوا الكتب التي توضح بجلاء أولًا: أن جهود علماء الحديث لم يكن ينفذ منها ما هو غير صحيح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين وأن ما صححوه إنما صححوه سندًا ومتنًا على ضوابط دقيقة وضعوها، وهي ضوابط علمية لا يرتقي إليها الشك أو الزيف.

وأن علماء السنة أيضًا إذا كانوا قد أجازوا الرواية بالمعنى؛ فكان هذا في نطاق ضيق جدًا، وأن الرواية بالمعنى لم تضر بالحديث النبوي، وأن السنة قد كتبت ابتداءً من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نبالغ إذا قلنا: إنها كتبت في القرن الأول، أما ما في جد في عهد عمر بن عبد العزيز فهو التدوين، وفرق ما بين التدوين وبين الكتابة، الكتابة كانت في مجموعات وفي صحف، أما التدوين فهو وضع السنة في دواوين، وكان هذا مرتكزًا على ما دون قبل ذلك من صحائف كثيرة عن الصحابة، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن غيره من أتباع التابعين في القرن الأول.

وهذا ما بينه ابن حجر في (هدي الساري) حيث يقول: “إن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة” فتأمل في قوله: “مدونة في الجوامع” أي: في كتب جامعة. وفي قوله: “ولا مرتبة” أي: ليست مرتبة كما كانت المصنفات المرتبة بعد هذه الفترة. ولا يعني ذلك أن الحديث لم يكتب في صحف في القرن الأول الهجري ابتداءً من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يزيد الأمر وضوحًا أن ابن حجر قال بعد هذا: “ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار؛ فأول من جمع ذلك: الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام”.

فهذا النص في غاية من الأهمية في مسألة الكتابة والتدوين والتصنيف؛ فبالإضافة إلى قوله: “مدونة في الجوامع” أي: جمعت ما كان موجودًا. وقوله: “تبويب الأخبار” يعني: أن هذه المرحلة لم تكن مرحلة الإنشاء، وإنما كانت مرحلة التبويب.

بالإضافة إلى ذلك نجد أن قوله: “فأول من جمع ذلك” يفيد أن الجمع يعني أكثر من عمل التسجيل، وكأن هناك كتابات جمعت في هذا العصر. وكذلك قوله: “وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك” فإذا كانت هذه المرحلة مرحلة ترتيب وتصنيف وجمع، كل باب على حدة، وهذا غير الكتابة في القرن الأول التي سنجدها واقعًا عمليًّا -إن شاء الله عز وجل وبينا ذلك في هذا البحث الصغير.

ونسأل الله التوفيق والسداد في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وننتهي من هذه الدروس التي ألقيت في مناهج المحدثين ابتداءً من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا.

والله ولي التوفيق، وله الحمد والمنة، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

error: النص محمي !!