Top
Image Alt

كرامات الأولياء: تعريفها, والفرق بينها وبين معجزات الأنبياء -عليهم السلام

  /  كرامات الأولياء: تعريفها, والفرق بينها وبين معجزات الأنبياء -عليهم السلام

كرامات الأولياء: تعريفها, والفرق بينها وبين معجزات الأنبياء -عليهم السلام

1. الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء:

إن الله سبحانه وتعالى يُرسل أنبياءه ورسله الذين يصطفيهم على سائر البشر؛ ليبلغوا أوامر الله تعالى، وينشروا رسالته السماوية إلى كافة البشر، فيكونوا بذلك واسطةً بين الله تعالى وخلقه في إبلاغ الوحي، ونشر الحقّ والصّدق، وإخراج الناس من الظّلمات إلى النور.

وعندما يصطفي ربنا -تبارك وتعالى- هؤلاء الرسل يُصادفون -كما جرت عادة الأمم- أعداءً من الكفار المكذبين، وأعداء الرسل المعاندين.

فيقفون في وجه دعوات الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ويصدّون الناس عن الإيمان بالله تعالى، ويحذّرونهم من الانفراط في سلك تلك الرسالات السماوية, مشكّكين في صدق الرّسل، ومكذبين بالوحي، والاتصال بالسّماع، ومتحدّين للرسل في إثبات صدق ادّعائهم، وأن الله تعالى أرسلهم برسالاته السماوية، وأنزل عليهم ملائكته، وأيّدهم بوحيه.

عند ذلك يصبح الرسل في حاجةٍ لما يبين صدق دعواهم، فيجري الله سبحانه وتعالى على أيدي رسله معجزات، ويؤيّدهم بآياتٍ غريبة على الناس وليست في مقدورهم, يتحدّى الله تعالى بها أعداء الرسل والمكذبين.

ويبيّن بها صدق دعوات الرسل، وغالبًا ما يرعوي المعاند عند رؤيته لهذه المعجزات النبوية.

كما حصل لسحرة فرعون عندما شاهدوا آية موسى عليه السلام وانقلاب العصا حيةً تسعى، فأعلنوا إيمانهم بالله تعالى، وكفرهم بفرعون، وردّ ألوهيته.

قال تعالى: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُون * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِين * رَبِّ مُوسَى وَهَارُون} [الشعراء: 44-48].

بينما الكرامة أمر خارق للعادة وغريب على الناس، لكنه غير مقرون بالتحدي, وليس لصاحب الكرامة فيها تدخّل؛ بل إن الكرامة قد تحصل للرجل الصالح من غير علمه، فعنصر التحدّي هو أكبر فرقٍ بين المعجزة والكرامة.

يقول سيد سابق -رحمه الله-:

لم يرسل الله تعالى رسولًا ليبلغ الناس الدين ويعلمهم الشريعة, إلا وأيده بالآيات التي تقطع بأنه مرسل من عنده، وأنه موصولٌ بالملأ الأعلى يتلقى عنه، ويأخذ تعاليمه منه.

وهذه الآيات التي يؤيد الله بها رسله لا بد وأن تكون فوق مقدور البشر، وخارج نطاق طاقاتهم وعلومهم ومعارفهم، كما يجب أن تكون مخالفة للسنن الخاصة بالمادة, وخارقة للعادات المعروفة والقوانين الطبيعية المألوفة؛ ولذلك سمى العلماء هذه الآيات بالمعجزات؛ لأنها تعجز العقل عن تفسيرها، كما تعجز القدرة الإنسانية عن الإتيان بمثلها.

ومن ثَمَّ كانت المعجزة ضرورية وإظهارها واجبًا؛ ليتمَّ بها المقصود من تبليغ الرسالة، وتقامَ بها حجةُ الله على الناس، وهذه الآياتُ ممكنةٌ في ذاتها والعقل لا يمنعها، والعلم لا ينفيها، والواقع يؤيدها.

ولا تلتبس معجزات الرسل، وآيات الأنبياء بما يحدث على يد غيرهم من خوارق العادات؛ فإن المعجزات تأتي مصحوبةً بالتحدّي، وتصدر عن رجالٍ عُرفوا بالتّقوى والصلاح، وأنهم بلغوا منهما الذّروة التي لا يتطاول إليها أي إنسان.

وتأتي المعجزات بدون كسب بأحدٍ من الناس، وإنما هي آية من الله وحده، ومعجزة لنبيه يتحدّى بها معارضيه، وأما ما يظهر على يدي غير الرسل من خوارق العادات.

هو كما قال الشيخ رشيد رضا، فنقلوا عن جميع الأمم في جميع العصور نقلًا متواترًا في جنسه دون أنواعه، وليست كلها حقيقيّةً؛ فإن منها ما له أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعي يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لمن خصائص قوى النفس في توجيهها إلى مطالبها، وفي تأثير أقوياء الإرادة في ضعفائها، ويدخل في هذين الأمرين المكاشفةُ في بعض الأمور، والتنويم المغناطيسي، وشفاء بعض المرضى، ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التي يؤثّر فيها الاعتقاد والوهم.

ثم يقول: “ومنها انخداع البصر بالتخيل الذي يحذقه المشعوذون، ومنها ما فعله سحرة فرعون المعني بقوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، ومنها انخداع السمع كالذي يفعله الذين يدعون استخدام الجن؛ إذ يتكلمون ليلًا بأصواتٍ غريبة عن أصواتهم المعتادة، فيظن مصدقهم أن ذلك صوت الجن، وقد يتكلمون نهارًا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم، فلا ينبغي أن يُوثق بشيءٍ من أخبارهم، فأين هذا من معجزات الأنبياء وآيات الرسل؟! أين هذا من انشقاق البحر لموسى، أو إحياء الموتى لعيسى، وإخراج الناقة من الصخرة لصالح، ونبع الماء من أصابع محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟!

والكرامة هي: ما يُكرم الله به أولياءه بما يظهره على أيديهم، وليس من شرطها أن تكون خارقةً للعادة، ولا خارجةً عن مألوف الناس، كما تقدّم معنا في المعجزة، ومن الكرامة: الاستقامة والتوفيق إلى طاعة الله، والزيادة في العلم والعمل، وهداية الخلق إلى الحقّ.

وقد يحدث بعضُ الخوارق للعادات على أيدي بعض الصالحين في بعض الأحوال، فيعدّ ذلك من الكرامات التي تلازم بعض المخلصين لله والمتفرغين لعبادته، والذين سلمت فطرهم، وزكت نفوسهم كما وقع للسيدة مريم، وقد حكى القرآن الكريم عنها أنه {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب} [آل عمران: 37]؛ ولكن مع ذلك لا يتحدّى بها، بل الأصل فيها الإخفاء والكتمان”.

قال الشيخ أحمد الرفاعي:

“إن الأولياء يستترون من الكرامة كما تستتر المرأة من دم الحيض، وهذا يُخالف المعجزة؛ لأن إظهارها واجبٌ ليتمّ بها تبليغ الرسالة” انتهى كلامه.

وكرامات أولياء الله تعالى إنما حصلتْ -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ببركة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي في حقيقة الأمر تدخل في معجزاته صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول -رحمه الله-: “ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل, فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج؛ أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسدّ حاجته، ويكون من هو أكمل لله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلوّ درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة بخلاف من تجري على يديه الخوارق؛ لهدى الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة” انتهى كلامه.

2. الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن الكريم؛ أسماؤهم وعددهم:

لا شك أن الإيمان بالرسل -عليهم السلام- ركن من أركان الإيمان، التي لا يتمّ إيمان عبد إلا باعتقادها والإيمان الجازم بها، وهؤلاء الأنبياء والرسل الذين كان الله -جل وعلا- يصطفيهم ويرسلهم إلى أممهم واسطة بينه تعالى وبين الأمم، جم غفير وأعداد كبيرة؛ لأن الله تعالى سبحانه وتعالى رحيم بخلقه، فلإقامة الحجة على الناس والإعذار إليهم أرسل إلى كل أمة رسولًا؛ ليبيّن لهم ما أُوحي إليهم، قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِير} [فاطر: 24]، وقال تعالى أيضًا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15].

ومضى ركب الأمم على هذا المنوال, كلما خلت أمة وانقطعت رسالة السماء التي أتاهم بها رسولهم؛ بعث الله للأمة الجديدة رسولًا جديدًا حتى بعث الله خاتم النبيين محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته خاتمة الرسالات السماوية؛ من أجل ذلك كانت عامة لجميع البشر وتخاطب كافة الناس, قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً} [سبأ: 28].

يقول سيد سابق -رحمه الله-: “أوجب الله على المسلم أن يُؤمن بجميع رسل الله دون تفريق بينهم، قال سبحانه: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} [البقرة: 136], وبين أن هذا هو إيمان المؤمنين فقال سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} [البقرة: 285].

وأخبر أن البر في هذا الإيمان فقال: {وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، وإذا آمن الإنسان ببعض الرسل ولم يؤمن بالبعض الآخر، وفرّق بينهم في الإيمان فهو كافر, قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 150، 151].

وهؤلاء الرسل منهم من قصّه الله علينا فذكرهم بأسمائهم، ومنهم من لم يقصصه علينا, قال سبحانه: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164].

أما الذين قصّهم الله علينا فعددهم خمسة وعشرون, وهم المذكورون في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِين} [الأنعام: 83-86].

وقد جمعت هذه الآيات ثمانية عشر رسولًا، ويجب الإيمان بسبعة آخرين مذكورين في عدة آيات {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين} [آل عمران: 33] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73] {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِين * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِين} [الأنبياء: 85، 86] {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]” انتهى كلامه.

ويقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-:

“وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلًا سواهم وأنبياء, لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم، فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأتِ في عددهم نصّ, وقد قال تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164]، وعلينا الإيمان بأنهم بلّغوا جميع ما أُرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بيّنوه بيانًا لا يسع أحدًا ممّن أرسل إليه جهله، ولا يحلّ خلافه، قال تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِين} [النحل: 35]، {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِين} [النحل: 82] {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين} [النور: 54] {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِين} [التغابن: 12]” انتهى كلامه.

والمسمّى في القرآن الكريم من الرسل سبعة وعشرون رسولًا، ذكر أسماءهم الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- في (أعلام السنة المنشورة), حيث طرح السؤال التالي: كم سمى الله منهم في القرآن الكريم؟

ثم قال في جوابه: “سُمي منهم فيه: آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وشعيب، ويونس، وموسى، وهارون، وإلياس، وزكريا، ويحيى، واليسع، وذو الكفل، وداود، وسليمان، وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى، ومحمدًا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين” انتهى كلامه.

ويقول الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه (الرسل والرسالات):

“ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبيًّا رسولًا، فذكر في مواضع متفرقة آدم، وهودًا، وصالحًا، وشعيبًا، وإسماعيل، وإدريس، وذا الكفل، ومحمدًا؛ قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ} [آل عمران: 33]، وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73]{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِين} [الأنبياء: 85] {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29], وذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد في سورة الأنعام.

ومن هؤلاء الخمسة والعشرين أربعة من العرب؛ فقد جاء في حديث أبي ذرّ في ذكر الأنبياء والمرسلين: ((منهم أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر)) رواه ابن حبان في صحيحه” انتهى كلامه. 

ما ورد في عدد الأنبياء -عليهم السلام-:

من سنة الله تعالى أنه لم يترك الخلق هملًا، ولم يخلقهم سدًى؛ بل خلق الله الخلق لعبادته وابتلاهم ليعلم أيهم أحسن عملًا، ومن أجل قيام الحجة عليهم والإعذار إليهم، ولا أحد أعذر من الله، أرسل الله إلى الأمم السابقة رسلًا مبشرين ومنذرين، فكان الرسول يبعث في قومه خاصّة، يبشرهم وينذرهم، ويقيم الحجة عليهم حتى إذا انقضت تلك الأمة، وانطمست أنوار الرسالة السماوية التي كان يحمل مشعلها ذلك الرسول؛ بعث الله سبحانه رسولًا آخر في الأمة الجديدة حتى يعرفوا ربهم ويعبدوه حقّ عبادته, ويُطيعوا رسوله، وتصلح برسالة ذلك الرسول أمور دينهم ودنياهم.

وهكذا بعث الله رسله تترى, كلما خلتْ أمة وانقضت رسالتها بعث الله في الأمة الجديدة رسولًا, قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس: 47]، وقال تعالى أيضًا: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِير} [فاطر: 24]، حتى جاءت رسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فختمت الرسالات, فلا رسالة بعد الإسلام كما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء فلا نبيّ بعده؛ من أجل ذلك كانت رسالة الإسلام عامّة تُخاطب جميع الأجناس وكافة الأمم، وكان خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثًا لجميع الناس في كل زمان ومكان حتى تقوم الساعة.

وبناءً على ذلك نجد أن الأنبياء والرسل جمّ غفير، لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا الله الذي خلقهم؛ فمنهم من قصّ الله تعالى قصته وعرفنا أخباره في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة، ومنهم من لم يقصصْ علينا خبره؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78].

يقول السفاريني -رحمه الله-:

وتقدّم أن جميع الأنبياء -عليهم السلام- من لدن آدم إلى خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، وأن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ ففي صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: “دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: ((قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة وعشرون ألفًا. قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا. قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: آدم عليه السلام. قلت: يا رسول الله, أنبيّ مرسل؟ قال: نعم, خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا. ثم قال: يا أبا ذرّ, أربعة سريانيون: آدم، وشيث، وأخنوخ -وهو إدريس, وهو أول من خَطَّ بالقلم- ونوح، وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك محمد. قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزله الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب؛ أُنزل على شيث خمسون صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثون صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان))” الحديث. وقد تكلّم عليه الولي العراقي، وردّ على ابن حبان جماعة من الحفاظ؛ لإدخاله هذا الحديث في الصحيح.

وفي كتاب (شرح الإيمان والإسلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية في قول الإمام أحمد رضي الله عنه في الرسل وعددهم، وأنه يجب الإيمان بهم, ويصح الإقرار بهم في الجملة مع الكفّ عن عددهم، وكذلك ذكر محمد بن نصر المروزي وغيرهما من أئمة السلف, قال: وهذا يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم.

وقد روي أن الأنبياء ألفُ ألفٍ ومائة ألف، والمشهور في الكتب أنهم مائة ألف وأربعة عشر ألفًا.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح):

“أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء، وبُعث إليهم موسى بن عمران بشريعة التوراة، وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون حتى قيل: إنهم ألف نبيّ, كلهم يأمرون بشريعة التوراة ولا يغيرون منها شيئًا؛ إلى أن جاء المسيح بعد ذلك بشريعة أخرى, غيّر فيها بعض شريعة التوراة بأمر الله عز وجل” انتهى كلامه. 

من هم أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؟

لقد اصطفى الله النبيين -عليهم السلام- من بين البشر لأداء الرسالة وإبلاغ الوحي، وهم كلهم مصطفون حازمون، جادون، صابرون، كاملو العقل؛ إلا أن الله سبحانه وتعالى اصطفى من بين هؤلاء الرسل مجموعة فضّلهم على سائر الرسل بصفات خُصّوا بها وحالات تميزوا بها، وسُمُّوا بأولي العزم من الرسل.

وقد اختلف أهل العلم في تحديد أولي العزم من الرسل؛ فمنهم من خصّهم بأولئك الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من ذهب إلى أقوال فقال: إنهم الذين ثبت أنهم صبروا، وصرّح القرآن الكريم بصبرهم، ومدحهم الله تعالى بالصبر، وقيل: إنهم أولئك الذين جاهروا الأعداء بالجهاد والقتال؛ فكانوا أيضًا أولي عزم من هذه الناحية، ومنهم من ذهب إلى أنهم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام، ومنهم من قال: إن المقصود بأولي العزم من الرسل هم كل الرسل، وإن “مِنْ” للتجنيس وليست للتبعيض في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}, فـ”من” هنا للتجنيس -أي: لبيان جنس الرسل- وليست للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكيسة من الخز، وليس المقصود هنا: من بعض الخز، وإنما هي هنا لبيان الجنس. لكن الذي يترجّح -والله أعلم- هو قول الجمهور, الذي يرى أن المراد بأولي العزم من الرسل هم الخمسة الذين سبقت الإشارة إليهم, وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد.

error: النص محمي !!