Top
Image Alt

كشف الخطأ المقصود وغير المقصود, وبيان ما يصح أن يحمل عليه الحديث

  /  كشف الخطأ المقصود وغير المقصود, وبيان ما يصح أن يحمل عليه الحديث

كشف الخطأ المقصود وغير المقصود, وبيان ما يصح أن يحمل عليه الحديث

وقال أبو إسحاق: سألت الأسود بن يزيد عما حدثت عائشة عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: “كان ينام أول الليل ويحيي آخره، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ولم يمس ماء حتى ينام”. قال مسلم: هذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة؛ وذلك أن النخعي وعبد الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق، فعن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها قالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضأ وضوءه”.

وروى عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه, عن عائشة أنها قالت: “كان رسول -صلى الله عليه وسلم- يجنب ثم يتوضأ وضوءه للصلاة, ثم ينام حتى يصبح”.

وروى بسنده عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة: “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام” فكشف خطأ الراوي عمن روى عنه, بمخالفته لروايات غيره من الثقات.

وعن صالح عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره: أنه بلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لم تقصر الصلاة, ولم أنس)) ثم ذكر سجود السهو، وفي هذه الرواية التي رواها مسلم: “فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتم ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين تسجدان إذا شك الرجل في صلاته حتى لقاء الناس”.

قال ابن شهاب: وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله، قال مسلم: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وَهْم غير محفوظ؛ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا، فروى عن أيوب أنه قال: سمعت ابن سيرين يقول: سمعت أبا هريرة, وساقه في هذا.

وروى عن نافع عن ابن عمر وعن أبي المهلب عن عمران، كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين سها في صلاته يوم ذي اليدين؛ سجد سجدتين بعد أن أتم الصلاة. قال مسلم في التمييز: فقد صح بهذه الروايات المشهورة المستفيضة في سجود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم ذي اليدين, أن الزهري واهمٌ في روايته؛ إذ نفى ذلك في خبره من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وروى ابن عدي بسنده إلى سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: “سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من أصحابه، فقال: يا فلان هل تزوجت؟ قال: ليس عندي ما أتزوج به. قال: أليس معك {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ}الإخلاص: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، قال: أليس معك {ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ}النصر: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، قال: أليس معك {ﭑ ﭒ ﭓ}الكافرون: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، قال: أليس معك {ﭩ ﭪ}الزلزلة: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، قال: أليس معك آية الكرسي؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، تزوج تزوج”.

قال مسلم: هذا الخبر الذي ذكرناه عن سلمة عن أنس خبرٌ يخالف الخبر الثابت المشهور، فنقل عوام أهل العدالة ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الشائع من قوله: (({ﭑ ﭒ ﭓ ﭔتعدل ثلث القرآن)) فقال ابن وردان في روايته: إنها ربع القرآن -أي: فخالف الثقات المشاهير- ثم ذكر في خبره من القرآن خمس سور, يقول في كل واحد منها: “ربع القرآن”، وهو مستنكر غير مفهوم صحة معناه؛ لأن الواحد الصحيح أربعة أرباع، وهنا ذكر أكثر من ذلك بكثير, كله ربع ربع، ولو أن هذا الكتاب قصدنا فيه الأخبار عن سنن الأخيار بما يصح وبما يستقيم -قال مسلم- لما استجزنا ذكر هذا الخبر عن سلمة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بلفظه باللسان, فضلًا عن روايته. وكذلك ما أخرجه من الأخبار المنكرة، ولكننا سوّغنا روايته لعزمنا على إخبارنا فيه من العلة التي وصفنا؛ أي: بعد أن نقد روايات المتن عن بعض الثقات الكبار لشيء في المتن مخالف لروايات غيرهم من الثقات؛ أتى بهذا الخبر عن هذا الراوي الضعيف لكي يعطي نوعًا من نقد المتون الظاهر؛ لأن من يتكلم بغير علم يفوته ما لا يفوت صغار الطلاب، فالواحد أربعة أرباع يعرفه كل عاقل، وهنا ذكر ستة أرباع أو سبعة أرباع للقرآن، وهذا مما لا يقبل من عاقل؛ فضلًا عن راوٍ.

ثم ذكر رواية أخرى نقلها الكوفيون على الغلط, عن عطاء وأبي الزبير عن جابر: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر ببيع المدبر في دين الذي دبره” قال: ورواه عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما باع خدمة المدبر” ثم رواه عن عطاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أنه أمر ببيع خدمة المدبر إذا احتاج”، وروى عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير وعمرو أن جابرًا حدثهم: “أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكه إن حَدَثَ به حَدَثٌ -أي: موت- فمات, فدعا به النبي -صلى الله عليه وسلم- فباعه من نعيم بن عبد الله أحد بني عدي”.

قال مسلم: ذكرنا رواية أهل الكوفة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيع المدبر، وقد ساعد بعضهم بعضًا في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- باعه في دَيْن كان على سيده. وذكر عبد الملك في روايته أن الذي باعه النبي -صلى الله عليه وسلم- باعه بعد موت السيد. قال: وما ذكرنا من زيادتهم في الخبر غير البيع فخطأ لم يحفظ, وسنذكر -إن شاء الله- رواية من حفظ هذا الخبر وأداه على جهته وصحته.

ثم روى بسنده عن الليث, عن أبي الزبير, عن جابر أنه قال: “أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ألك مال غيره؟)) قال: لا، قال: ((من يشتريه مني؟)) فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم”.

ثم ذكر روايته وأن أيوب رواه عن أبي الزبير عن جابر، ومعمر عن أيوب, وسفيان عن أبي الزبير، وسفيان عن عمرو، وحماد عن عمرو بن دينار، وأيوب عن عمرو، وابن جريج عن عمرو، وعبد المجيد بن سهيل عن عطاء عن جابر، وِأبو عمرو بن العلاء عن عطاء عن جابر، وابن المنكدر عن جابر.

ثم قال: قد ذكرنا عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيع المدبر وجوهه، ونتبين سبيله إن شاء الله، ونعرف وهمهم وتمييزهم؛ إذ اتضح بما ذكرنا من روايتهم لهذا الخبر أن الذي رواه الكوفيون فيه وهم, حين ألحقوا من الخبر ذكر الدين على الذي دبره، وإلحاقهم فيه البيع بعد موت السيد.

وكذلك من ذكر منهم بيع الخدمة، وأن الصحيح من ذلك ما روي عن غيرهم، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- باع المدبر، ودفع الثمن إلى سيده من غير ذكر دين كان عليه.

فقد اتفق على ذلك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحاب عمرو بن دينار، وكذلك عن أبي الزبير عن جابر، والليث بن سعد وابن أبي ذئب عن ابن المنكدر.

فأما رواية ابن فضيل عن عبد الملك عن عطاء فوهم كله برمته؛ الإسناد والمتن، وذلك أن عبد الملك إنما روى هذا الحديث عن أبي جعفر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا -أي: ورواه هو متصلًا- فأما ذكر الخدمة فغلط لا شك فيه -إن شاء الله.

وروى عن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما الطهور بالخفين؟ قال: ((للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)) وروى أن هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة؛ لأن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين.

وروى بسنده عن أبي زرعة أنه قال: “سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين، فدخل دار مروان بن الحكم فبال ثم دعا بماء فتوضأ، وخلع خفيه وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم”. قال: فصح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره بقوله: “ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم”, وقوله: “ما أبالي على ظهر حمار مسحت, أو على خفي” -بان بذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وأن من أسند ذلك عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- واهي الرواية, أخطأ فيه إما سهوًا وإما تعمدًا.

وهل يمكن أن نقول: إن أبا هريرة يصعب ألا يعرف أحاديث المسح على الخفين, وأنه فعل ذلك ليدل على اختصاص المسح بالسفر أو بالحاجة إلى الخفين؛ كالبرد ونحو ذلك؟ يمكن أن ينظر في هذا.

قال مسلم: فبجمع الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ؛ ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباهه؛ لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ.

وإنما أوردنا ما ذكره مسلم من ذلك؛ لأنه في كثير منه نقله عن الأئمة السابقين عليه، فيدخل في نقد المتن في عصر الصحابة والتابعين.

وأخرج مسلم والنسائي عن شريح بن هانئ, عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وأخرج مسلم عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر؛ إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أُحد، ومن صلى عليها ثم رجع؛ كان له قيراط مثل أحد)), فأرسل ابن عمر إلى عائشة فسألها، فقالت: صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة.

error: النص محمي !!