Top
Image Alt

كلام ابن عدي في الاستجازة

  /  كلام ابن عدي في الاستجازة

كلام ابن عدي في الاستجازة

جعل ابن عدي -رحمه الله- في مقدمة كتاب (الكامل في الضعفاء) أكثر من مائة وخمسين صفحة تقريبًا في مقدمة كتابه، تحت عنوان “ذِكر من استجاز تكذيبَ من تبيّن كذبه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا، رجل عن رجل”.

وهو لا يقصد أن الصحابة كذبوا، وإنما يقصد الصحابة الذين بينوا كذب الآخرين، ومن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا.

قوله: “من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين” متعلقًا بقوله: “استجاز” أي: من استجاز أن يبين كذب الآخرين من الرواة، من الذي استجاز ذلك من الصحابة؟ ومن الذي استجاز ذلك من التابعين؟ أي: أجاز لنفسه ولدينه بأن يتكلم في الرواة جرحًا وتعديلًا، وعدَّ ذلك جائزًا.

فهو يذكر الذين جرَّحوا وعدَّلوا من الصحابة، ويذكر أقوالهم في هذا، ثم يسير معهم على طبقات إلى أن يصل إلى زمانه الذي هو فيه.

يقول: “رجل عن رجل” أي: إلى زمان ابن عدي الذي توفي فيه -رحمه الله- سنة 365.

إذًا الذين استجازوا الكلام في الرجال مجموعة من العلماء بدءوا من جيل الصحابة ومن بعدهم. والصحابة الذين تكلموا ذكر ابن عدي منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم.

ويذكر ابن عدي -رحمه الله- بعض النماذج على هذا فيقول بسنده: إن أُبيًّا قرأ: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} [المائدة: 107] فقال له عمر: كذبت. فقال له: أنت أكذَب، فقيل له: أتكذِّب أمير المؤمنين، فقال- لمن قال له ذلك-: أنا أشد تعظيمًا لأمير المؤمنين منك. وقال: إني كرهت أن أصدُقَ في تكذيب كتاب الله، وأكذب في تصديق كتاب الله، فقال له عمر: صدقت.

أي: غار على كتاب الله فردَّ على الخليفة، وإن كانت الرواية تحتاج إلى دراسة، لكن عمومًا محل الشاهد فيها ليس إطلاق لفظ الكذب؛ لأنه معلوم أن لفظ الكذب في جيل الصحابة إنما يقصد به الخطأ، وهذا معروف في لغة العرب، أي: أخبر بخلاف الواقع، فيقال له: كذبت، من هذا الباب.

وليس معنى ذلك أنه يقصد أنه تعمد الكذب، وبالنسبة لجيل الصحابة فكانوا يستعملونها على هذا النحو، ومرادهم ليس التكذيب بالمعنى الشرعي.

والكاذب الآثم: هو من كلامه يخالف الواقع ويخالف اعتقاده، أي: يكذب ويعلم أنه يكذب، فهذا كاذب، لكن افترضْ مثلًا أنني سألت فلانًا عن فلان، هل سافر؟ فقال: لم يسافر، وهو يخبر بذلك بناء على علم عنده، كأن يكون قد أخبره مثلًا: أنه سيسافر، ثم لم يسافر لسبب أو لآخر، فهو يخبر بما علمه، فهذا كلامه نقول عنه: كذبت، بمعنى أخطأت، لأنه لم يقصد الكذب؛ ولذلك لا يحاسب شرعًا؛ لأنه لم يتعمد الكذب، أما الكاذب فهو الذي يخبر بغير الحقيقة أو بما لا يعتقده، وهو يعلم أنه كاذب؛ كقول المنافقين: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1]، ولذلك شهد الله عليهم بالكذب؛ لأنهم رغم إخبارهم بالواقع إلا أنهم أخبروا بما يخالف اعتقادهم.

فالكاذب الآثم شرعًا هو ما يخالف الاعتقاد، وما يخالف الواقع، أما مخالفة الواقع فقط فتسميتها بالكذب من باب المشاركة اللفظية، وإلا فإن الصواب أن يقال عنه: أخطأ؛ لأنه أخبر بخلاف الواقع بينما هو لا يقصد أن يكذب.

على كلٍّ، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يتراجعون ليتأكدوا من الصواب؛ كقصة أبي موسى في الاستئذان مع عمر، وقصة أبي بكر في ميراث الجدة، حتى لا يمر عليهم حديث يكون مخالفًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما لم يقله.

ثم ينتقل بعد ذلك ابن عدي -رحمه الله- للأجيال التي بعد جيل الصحابة، ويذكر التابعين فيذكر منهم عددًا: كالشعبي، وابن سيرين، وابن جبير، وابن المسيِّب، ويبين أن ابن المسيب قد خطَّأ ابن عباس في أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بميمونة بنت الحارث وهو مُحرم، وقال: وهم ابن عباس، والصواب: أنه لم يبنِ بها إلا بعد أن أحل، أي: بعد أن انتهى من إحرامه، ورغم أنها خالته إلا أنه وهم في هذا.

فوهّم ابن عباس، وذكر ابن عدي الحديث بسنده إلى ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، قال: وقال سعيد بن المسيب: وهِم ابن عباس، وإن كانت خالته، ما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أحل.

وفي آخر عصر التابعين، عند حدود الخمسين ومائة جاء أبو حنيفة والأعمش أبو محمد سليمان بن مهران.

ومن جيل أتباع التابعين ذكر ابن عدي شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وهشامًا الدستوائي، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وهشام بن بشير، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وجرير بن عبد الحميد، والفضل بن موسى السجستاني.

وأخرج ابن عدي من طريق أبي موسى، إسحاق بن موسى الأنصاري أنه قال: سألت سفيان بن عيينة فأخبرنا عن ابن جريج قال: حديث أبي هريرة مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجد عالمًا أعلم من عالم أهل المدينة)) يقصد الإمام مالك رضي الله عنه، فهذا يعتبر من التعديل.

فهذه الأجيال صارت تجرّح وتعدل.

سار هذا في عصر الصحابة، وذكر منهم سبعة، ثم ذكر من التابعين أيضًا الحسن البصري، وذكر قوله: إياكم ومعبدًا الجهني؛ فإنه ضال مُضل.

وأيضًا أيوب السختياني -رحمه الله- يذكر بسنده إلى حماد بن زيد قال: ذكر أيوب يومًا رجلًا فقال: لم يكن مستقيم اللسان، فهذه نماذج للتجريح.

ونماذج أخرى للتعديل: مثلًا أشعب بن إسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير: جهبذ العلماء.

ومحمد بن شهاب الزهري كان ابن عدي يقول عنه: سمعت أيوب يقول: ما رأيت أعلم من الزهري، قلت: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري.

الخلاصة من هذا الأمر: أن المستجيزين أو المبيحين للكلام في الرجال تعديلًا وتجريحًا بدءوا من عصر الصحابة رضي الله عنهم، لكن العصر كان عصر صدق وأمانة وثقة وعدالة، فكان الأمر من باب تصويب الأخطاء لبعضهم، بصرف النظر عمن المخطئ ومن المصيب، وسار الأمر في حلقات تلاميذ الصحابة من التابعين؛ لأن ذلك كان صيانة للدين.

وابن عدي لعله الذي أسس لذلك فقد كتب كثيرًا في مقدمة كتابه كما قلنا.

والإمام المؤرخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي -رحمه الله- المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902 له كتاب أو رسالة في (المتكلمون في الرجال) ذكرها في آخر كتاب (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ)، وأيضًا ذكرها في كتاب (شرح فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وبدأ بهذا: “أما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى ومصابيح الظلم، المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة، وهلم جرّا…

وقد سرد ابن عدي في مقدمة كتابه منهم خلقًا إلى زمنه.

هذا كلام السخاوي في مقدمة كتابه. يقول: فالصحابة الذين أوردهم عمر وعلي… السبعة الذين ذكرناهم، وتصريح كل منهم بتكذيب من لم يصدقه فيما قاله –أي: لا يعتقد أنه كاذب، إنما يصوب له فقط- وسرد من التابعين عددًا ذكرنا بعضهم.

ويعقب السخاوي ويقول: ولكنه من التابعين بقلة -الكاذب أو الخاطئ- لقلة الضعف في متبوعيهم؛ إذ أكثرهم صحابة عدول، وغير الصحابة من العدول أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور والمختار الكذاب، فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائلهم من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضُعّفوا غالبًا من قِبَل تحملهم وضبطهم للحديث، فنراهم يرفعون الموقوف ويرسلون كثيرًا ولهم غلط، كأبي هارون العبدي.

فلما كان عند آخر عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التوثيق والتضعيف طائفة من الأئمة، فقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، وضعّف الأعمش جماعة، ووثق آخرين، ونظر في الرجال شعبة وكذا مالك… إلى آخره.

وممن إذا قال سمع منه في هذا العصر وقبل قوله: معمر وهشام الدستوائي والأوزاعي والثوري وابن الماجشون وحماد بن سلمة والليث وغيرهم.

ثم طبقة أخرى بعد هؤلاء كابن المبارك وهُشيم، وتتبعهم طبقة طبقة، ثم كان بعدهم ممن إذا قال سمع منه إمامنا الشافعي، ويزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي، أي: دخلنا في مطلع القرن السادس الهجري وهو يتتبعها طبقة طبقة.

ثم صنفت الكتب ودونت في الجرح والتعديل والعلل وبين من هو في الثقة والثبت كالسارية، ومن هو في الثقة كالشاب الصحيح الجسم، ومن هو لين كمن توجعه رأسه وهو متماسك يعد من أهل العافية، ومن صفته كمحموم ترجح إلى السلامة، ومن صفته كمريض شبعان من المرض، وآخر كمن سقط قواه وأشرف على التلف، وهو الذي يسقط حديثه.

وولاة الجرح والتعديل بعدما ذكرنا يحيى بن معين، ومن طبقاته أحمد بن حنبل.

وكذا تكلم في الجرح والتعديل أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي في “طبقاته” بكلام جيد مقبول.

هذا حكم السخاوي على كلام ابن سعد.

وأبو خيثمة زهير بن حرب له كلام كثير، وأبو جعفر محمد بن عبد الله النُّفيلي حافظ الجزيرة الذي قال فيه أبو داود: “لم أرَ أحفظ منه”، وعلي ابن المديني وله التصانيف الكثيرة في العلل والرجال، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو بكر بن شيبة… إلى آخره.

والقواريري والموصلي أبو جعفر بن محمد، وله كلام جيد في الجرح والتعديل، ثم من بعدهم الدارمي والذهلي والبخاري والعجلي، ثم من بعدهم أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومسلم وأبو داود السجستاني وبقي بن مخلد وأبو زرعة الدمشقي، ثم من بعدهم ابن خراش وابن إسحاق الحربي ومحمد بن وضاح الأندلسي حافظ قرطبة… إلى آخره، وعبد الله بن أحمد وصالح جزرة… إلى آخره، ثم من بعدهم يتتبعهم، إلى أن يصل إلى الدارقطني وأبو أحمد الحاكم.

ويقول عن الدارقطني: به خُتم معرفة العلل، والدارقطني توفي سنة 358، وبعد ذلك أبو عبد الله بن منده وأبو عبد الله الحاكم.

هكذا ذكر الذين تكلموا في الجرح والتعديل على مدار التاريخ، وصارت أقوالهم يعتمد عليها.

error: النص محمي !!