Top
Image Alt

كيفيةُ نزول القرآن

  /  كيفيةُ نزول القرآن

كيفيةُ نزول القرآن

أولًا: القرآن مُنزَّل، وليس بمخلوق؛ والقول بخَلْق القرآن كُفْر وضلال وإلحاد في دين الله عز وجل، وتكذيب لصريح الكتاب العزيز في أكثر من موضع؛ منها -على سبيل المثال-: قوله تعالى: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدْر: 1] وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىَ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1]، وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ثانيًا: لمْ ينزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه  وسلم جملة واحدة، كما كانت الكتب السابقة تنزل على الرّسل؛ فالتوراة آتاها الله عز وجل موسى في الألواح جملة واحدة. وكذلك الإنجيل أُعطِيه عيسى عليه السلام جملة واحدة. أمّا القرآن الكريم، فقد نزل على النبي صلى الله عليه  وسلم مُنجَّمًا، يعني: مُفرّقًا حسب الوقائع والأحداث؛ منه المدنيّ، ومنه المكي، ومنه ما نزل في تبوك، ومنه ما نزل في السفر، ومنه ما نزل حال الإقامة، ومنه ما نزل في حادثة معيَّنة، ومنه ما كان ردًّا على تساؤل. وهكذا جميع آيات القرآن وسوَره، تارة تنزل سورة بكاملها على النبي صلى الله عليه  وسلم، كـ(الفاتحة)، وتارة تنزل بعض السورة، وينزل بعضها في وقت آخر؛ بل ربما نزل جزء مِن آية في وقت، ثم ينزل الجزء الآخر منها في وقت لاحق، كما في قوله تعالى: {لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [النساء: 95]؛ نزلت الآية في أول الأمر بدون قوله: {غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ} ثم ألحقت بالآية بعد ذلك.

 إذًا، لم ينزل القرآن على النبي صلى الله عليه  وسلم جملة واحدة، بل نزل مُفرَّقًا؛ وهذا ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم. فالواقع يدلّ عليه، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106]، وقوله تعالى: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32].

ثالثًا: اختلف أهل العلْم في: هل كان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه  وسلم مِن اللوح المحفوظ مباشرة؟ أم إنه نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه  وسلم مفرّقًا من بيت العزة؟

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين مشهورين, وهم في هذيْن القوليْن يجمعون بين ما ظاهِره التعارض من نصوص الكتاب، حيث إنه جاء ما يدل على نزول القرآن الكريم جملة واحدة في أكثر من آية، وهي ثلاث آيات: قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، ومثلها قوله تعالى: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدْر: 1]، ومثْلها قوله تعالى: {إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3].

ظاهر هذه الآيات الثلاث يدلّ على نزول القرآن الكريم جملة واحدة في ليلة القَدر، وهي ليلة من ليالي شهر رمضان، وهي أيضًا الليلة المباركة؛ فلا تعارض مِن بيْنها. إنما التعارض في الظاهر حاصل بين دلالة هذه الآيات الثلاث من جهة، وبين ما سبق من الأدلة الدالة على نزوله منجَّمًا من جهة أخرى.

فذهب أهل العلْم في الجمْع بين هذا التعارض إلى مذهبيْن مشهوريْن, هما:

المذهب الأول: وهو مذهب ابن عباس رضي الله  عنهما وجماعة، وهو مذهب جمهور أهل العلْم. قالوا: المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث الدالة على نزوله جملة واحدة: أنه أُنزل جملة واحدة إلى بيت العِزّة في السماء الدنيا؛ وفي هذا التنزيل تعظيم لشأن القرآن الكريم عند الملائكة, ثم نزل بعد ذلك منجّمًا على النبي صلى الله عليه  وسلم من بيت العزة، حسب الوقائع والأحداث.

ويدلّ لهذا القول: ما ثبت عن ابن عباس رضي الله  عنهما في الآثار الصحيحة الدالة على ذلك، منها: ما رواه النسائي والبيهقي، وغيرهما عنه رضي الله  عنهما أنه قال: ((أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القَدْر، ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة)).

ومنها: ما رواه الحاكم، عن ابن عباس رضي الله  عنهما، أنه قال: ((فُصِل القرآنُ مِن الذِّكْر، فوُضع في بيْت العِزَّة من السماء الدنيا، فجَعل جبريلُ ينزل به على النبي صلى الله عليه  وسلم)).

ومِن المعلوم: أنّ مثْل هذا القول ممّا لا يقال فيه بالرأي والاجتهاد، فيكون له حُكم المرفوع.

المذهب الثاني: وهو مرويّ عن الشعبي –رحمه الله-: أنّ القرآن الكريم أُنزل منجّمًا مِن اللوح المحفوظ إلى النبي صلى الله عليه  وسلم، وليس هناك تنزيلان: تنزيل إلى بيت العِزّة، ثم تنزيل إلى النبي صلى الله عليه  وسلم، بل هو تنزيل واحد مِن اللوح المحفوظ إلى النبي صلى الله عليه  وسلم؛ فالآيات الثلاث السابقة الدالة على نزوله جملة واحدة المراد بها: أنّ القرآن الكريم ابتدأ تنزيله في ليلة القدر –وهي: الليلة المباركة-، ثم تتابع نزوله بعد ذلك حسب الوقائع والأحداث.

ويدل لهذا المذهب: الأدلة السابقة الدالة على نزول القرآن منجّمًا، كقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106]؛ فظاهرها: أنه أُنزل تنزيلًا واحدًا مِن اللوح المحفوظ إلى النبي صلى الله عليه  وسلم. وقالوا: لا يظهر للبشر مزيّة لشهر رمضان، وليلة القدر التي هي الليلة المباركة، إلّا إذا كان التنزيل الذي تم فيها وقع على النبي صلى الله عليه  وسلم.

الراجح: هو القول الأوّل؛ لأن أثَر ابن عباس له حُكم الرفع؛ وهو ممّا لا مجال للرأي والاجتهاد فيه؛ فوجب قبوله لعدم المعارض.

error: النص محمي !!