Top
Image Alt

كيفية إقامة الحجة ومن يقيمها

  /  كيفية إقامة الحجة ومن يقيمها

كيفية إقامة الحجة ومن يقيمها

اعلم أن الحجة ينبغي أن يقوم بها من يحسنها لا من يجهل أمور الدين، ولا يجيد الجواب على شبهات الزائغين فيزيدهم تمسكًا بباطلهم ويكون سببًا للإضلال لا للهداية.

ولا يلزم من إقامة الحجة أن يكون الذي يقوم به أميرًا أو نائبًا، وإنما كل من أتقنن العلم والأدلة وجواب الشبهات في هذا الأمر وجب عليه إقامة الحجة أو استحب بحسب الحال.

وأما ما ذكره بعض العلماء من أن يقيم الحجة الأمير أو نائبه فمرادهم به الحكم؛ لأنه إذا أقام الحجة وحكم بمقتضى ذلك لزم حكمه ونفذه، أما آحاد الرعية فلو أقام الحجة ورتب عليه تكفير شخص لم ينفذ فيه حكم الردة من القتل وخلافه لما في ذلك من الفوضى، وقد يكون فاعل ذلك مخطئًا أو جاهلًا وكفر الآخر بغير موجب، وينبغي الإبلاغ في إقامة الحجة وقطع الشبهات للجاهل المخالف والاستدلال بنصوص الكتاب والسنة وتفسير الأئمة المشهورين.

صفة قيام الحجة كما قال أبو محمد بن حزم، أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها، وقال ابن العربي: “حتى تبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا لا يلتبس على مثله”، وقال ابن تيمية: “ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة كل شبهة”.

ونفهم من كلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه لا بد من إقامة الحجة وهي شرط لازم في تكفير المعين، وواجب في جميع مسائل الدين سواء مسائل العقيدة أو التوحيد أو مسائل العبادات كالصلاة والزكاة، وسواء في المسائل القطعية والظنية فلا فرق بين هذه وتلك، فالحجة واجبة الإقامة أيًّا كان نوع الجهل الذي جهله الشخص المسلم، وقد يقال: نقل عن بعض السلف أنهم لا يعذرون بالجهل من يخطئ في المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يشترطون في ذلك إقامة الحجة، وإليكم إزالة هذا الإشكال، نقول:

إن المتأمل لعبارات العلماء في تعريف المعلوم من الدين بالضرورة يجدها تدور حول أمر من الأمور لا يجهلها عالم ولا عامي فالكل يعلمها، فما الداعي لعذر إنسان في شيء هو يعلمه، وإليكم عبارات هؤلاء العلماء التي تدل على ذلك:

قال النووي: إن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، ثم قال: وكذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة.

وقال الخطابي: وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأئمة إذا كان علمه منتشرًا.

وقال ابن أبي العز: ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له يبين له الصواب ليرجع إليه.

وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-: وإنكار ما هو معلوم بالضرورة من الدين الإسلامي مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًّا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل، هذا هو المعلوم بالضرورة الذي لا عذر فيه، وكيف في شيء قامت في شأنه الحجة فعرفه كل المسلمين، وهكذا بقية العلماء كلهم يشترطون الجحود أو الرد أو الإنكار أو الاستحلال، فكل هذه الألفاظ يفهم منها أن الأمر معلوم للشخص ثم هو يجحده أو يرده أو ينكره أو يستحله، وإلا فلو لم يعلم الحكم الشرعي فأي شيء ينكره أو يجحده أو يستحله أو يرده ذلك الشخص.

فخلاصة الكلام: أن العلة في عدم العذر في المعلوم من الدين بالضرورة لأنها أمور معلومة وليست مجهولة؛ فلا وجه لعذر شخص في شيء هو يعلمه، ولو قدر أن هناك من يجهل المعلوم بالدين بالضرورة لعذره العلماء، ويدل على ذلك تكملة كلام النووي والخطابي؛ ففي كلام النووي إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو نحوه مما يخفى عليه، وفي كلام الخطابي، إلا أن يكون رجلًا قريب عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، ولعل ابن تيمية عندما اشترط لإقامة الحجة أيضًا في هذا المعلوم بالضرورة أراد أن يبين أن الأمر قد يكون أيضًا مجهولًا للشخص فلزم إقامة الحجة؛ حيث قال: “وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة؛ وذلك لأن المعلوم بالضرورة يختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والأمكنة”.

قال ابن القيم: “إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والأمكنة؛ فقد تقوم حجة الله على الكافر في زمان دون زمان، وفي بقعة دون بقعة، كما أنها تقوم على شخص دون آخر”.

قال ابن تيمية: “وكون المسألة قطعية أو ظنية فهو من الأمور الإضافية فقد تكون المسألة عند رجل قطيعة؛ لظهور الدليل القاطع لها كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتيقن مراده منه، وعند رجلًا لا تكون ظنية فضلًا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته”.

إذًا نقول: إن علة عدم العذر بالجهل في المسالة المعلومة بالضرورة من دين الإسلام وهي انتشار علمها لم تعد تخفى على عامي وغيره، وإنه لو وُجدَ من يجهل المعلوم بالضرورة فهو معذور كما ذكرنا عن العلماء إذا اختفت عليه لسبب من الأسباب التي ذكرها النووي أو الخطابي أو ابن أبي العز أو ابن تيمية؛ وذلك لاختلاف المعلوم من الدين بالضرورة الذي يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فالمعلوم أيام الصحابة يمكن أن يكون مجهولًا في أيامنا، والمعلوم في بلاد يكثر فيها العلماء يمكن أن يكون مجهولًا في بلاد يقل فيها العلماء، والمعلوم للعلماء مجهول لبقية الناس أو من دونهم، فلا يمكن تحديد ذلك والفصل فيه إلا عن طريق العلماء أو الحكام المسلمين فهم الذين يفتوننا أن حكم كذا وكذا صار معلومًا من الدين بالضرورة في هذا الزمان أو لا.

وبهذا نكون قد وقفنا على ما يتعلق بإقامة الحجة وشروط إقامتها ومن يقيمها.

error: النص محمي !!