Top
Image Alt

كيفية التعرف على المصادر والمراجع

  /  كيفية التعرف على المصادر والمراجع

كيفية التعرف على المصادر والمراجع

إذا كان قد اتّضح للباحِث أنه لا بُدَّ له قَبل أن يَمضي في بَحْثه أن يكون على ثِقة من توافُر مصادِر بَحْثه؛ ليكون على ثِقة واطمئنان من أنه سيمضي في إنجاز بَحْثه دون مصاعِب أو عَقبات؛ إذ إنه لا يمكن له المُضيّ في عَمله دون مصادِر عِلمِيّة يسْتَمِدّ منها مادة البَحْث، فمن الواضح أنّ توفّر المَصادِر يمثِّل ضَرورة عِلمِيّة لا يصحّ التَّفريط فيها، أو التَّهَاون تجاهَها.

والبَاحِثون نوعان:

  1. نوع مُتَمَرِّس بالبَحْث، ذو صِلة وثيقة به، بسبب ما قام به من دِراسَاتٍ وبُحُوث، وليس لدى مثل هذا البَاحِث مُشكِلة في التَّعرُّف على مصادِر بَحْثه ومراجِعه، بسبب خِبرتِه الطَّويلة في مجال البَحْث العِلمِي، وهي خِبرة تؤدِّي به إلى تَحصيل ذَخِيرة عِلمِية، تجْعَله في غير حاجة إلى الاستعانة بالآخَرين، إلَّا في حُدود ضَيِّقة، وخصوصًا في المَصادِر أو المَراجِع الحَديثة؛ هذا النوع ليس عنده مُشكِلة في معْرفة مصادِر الأبحاث.
  2. ونوع في أوائل عَهْدهِم بالبَحْث العِلمِي: وهؤلاء بحَاجة إلى مَن يأخُذ بأيديهِم ليدُلَّهُم على المَصادِر والمَراجِع الأساسية في حَقْل التخصّص بصِفة عامة، وفي مجال البَحْث الخاص بالبَاحِث بصفة أساسية؛ وعندئذٍ نتساءل: ما الوسائل والطُّرق التي ينبغي أن نعْرف منها هذه المَصادِر والمَراجِع؟

وللإجابة على مثل هذا التساؤل، نقول: إنه يُمكِن لهؤلاء البَاحِثين المُبتدئين أن يتعرّفوا على المَصادِر والمَراجِع من الوسائل الآتية:

أولًا: الموسوعات العِلمِية، ودوائر المعارف الصادرة عن هيئات عِلمِيّة رفيعة، تلتزم مقاييس عِلمِية دقيقة للنشر؛ لأن العادة قد جَرت بأن هذه الموسوعات تَستَكتب كِبار العلماء من ذوي الاختصاص، ولا يكتفي هؤلاء العُلماء الكِبار بتقديم معلومات عِلمِية دقيقة فقط، بل إنهم يُعنَوْنَ أيضًا -وبنَفس الأهمية- بتقديم المَصادِر والمَراجِع التي استعانوا بها عند القيام ببُحُوثِهم. ومن أمثلة هذا النوع: “دائرة المعارف الإسلامية”، في لُغاتِها الأصلية، بالإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، أو في تَرجمتها العَربية، و”الموسوعة العَربية المُيسَّرة”.

دوائر المعارف مثل: “دائرة المعارف البريطانية”، “دائرة المعارف الألمانية”، أو “الفرنسية”، أو غيرها … فهذه يُمْكِن للبَاحِث أن يعْرف منها المَصادِر التي يعْتمد عليها العُلماء في دِراسَتِهم التي قدّموا بها هذه المَوسوعات.

ثانيًا: الدَّوريات العِلمِية المُتخَصِّصة التي تُعنى بنَشرِها والإشراف عليها الجَامِعات ومراكز البَحْث العِلمِي، مثلًا: جامعة كبيرة كجامعة الملك سعود، أو جامعة القاهرة، أو أمثالهما من الجامعات التي تنتشر على سِعَة الوَطن العَربي، هذه تُقدم دَوريات عِلمِية مُتَخَصّصة، ربما تكون سَنويّة، وربما تكون نِصف سَنويّة، أو ربع سَنويّة أو نحو ذلك. هذه الدَّوريات التي تُصدِرُها تلك الجامعات أو المؤسّسات العِلمِية العالية والرفيعة الشأن، وذات السُّمْعَة الطَّيبة، تتميّز بارتفاع مُستواها العِلمِي، وتوثيق البُحوث، كما أنها تتميز بتَحْكِيم البُحوث العِلمِية التي تُنْشر بها مِن قِبَل العُلماء المخْتَصّين المَشهود لهم بالسُّمْعَة العِلمِية الطَّيبة.

كما تتميز البُحوث المَنشورة بهذه الدَّوريات بإثبات المَصادِر والمَراجِع في نِهاية كل بَحْث منها، ممّا يُفيد البَاحِث في معْرفة ما رَجَع إليه أصحاب هذه البُحوث المَنشورة، من مصادِر عِلمِية.

ومن الحقائق المعروفة: أنّ نشْر كتاب وطَبعه أسهل من نشر بَحْث عِلمِي في دورية عِلمِية متخصّصة؛ لأن صاحِب الكِتاب ينْشُره على مسئوليته دون تَحْكِيم من أحد، لا يعْرضه على أحد في غَالب الأمر، أمّا البَحْث المَنشور في إحدى الدَّوريات العِلمِية فإنه لا يُنْشَر إلا بعْد تَحْكيمه من عُلماء مخْتصّين، فإذا لم يكُن مُستواه جَيدًا فإنه لا يَرى طَريقه إلى النَّشر. بخِلاف الكِتاب، فإن صاحبه ينْشُره
-كما قلنا- على مسئوليته دون خُضوعِه للتحكيم العِلمِي.

ثالثًا: البُحُوث والرَّسائل الجَامعية الصَادِرة عن جامعات معْروفة بالالتزام بالمَنهج العِلمِي الحديث، وبالسُّمعة العِلمِية العالية، ولا بُدَّ في مثل هذه البُحوث والرَّسائل من إثبات المَصادِر والمَراجِع؛ فيكون ذلك عَونًا للباحثين على معْرفتها.

ومن حُسْن حَظ البَاحِثين أن يجدوا في بعْض الجامعات قوائم وفهارس للبُحُوث التي أجريت فيها، والدوريات التي صَدرت عنها، وتقوم بعْض المعاهد والمؤسسات والمراكز بنشر مثل هذه القوائم والفهارس، مثل: معهد المخطوطات العَربية، ومَركز الملك فيصل للبُحُوث والدِّراسَات الإسلامية، الذي يقوم بإصدار دليل للرسائل الجامعية في المملكة العَربية السعودية، منذ عام (1410هـ-1990م). وهو يَطْبع هذه المعْلومات على أقراص ممغْنَطة، وهكذا.

وتُوجَد أمثال هذه النَّشرات العِلمِية في بعْض البلاد الأجنبية، كالموجود منها في أوروبا، وأمريكا. ويا ليت أحدًا يتولّى جَمع العناوين المُتعلِّقة بالبُحوث التي تُجْرى في البُحوث على مدار العالّم العَربي كلِّه؛ حتى لا يؤدّي الأمر إلى تَكْرار البُحوث، وإهدار أوقات، وتبذير أموال، في بُحُوث سَبَق إجراؤها فعلًا. هذه مسألة تحتاج إلى أهل الهِمَم، وأهل الحِرص على البَحْث العِلمِي؛ حتى يقوموا بمثل هذا الأمر.  

رابعًا: مُدوّنات مصادِر العُلوم العَربية الإسلامية، التي تُعنى ببيان المَصادِر الأساسية في كلّ تَخصّص من التَّخَصّصات، كما تُعْنى ببيان أسماء المؤلِّفين، وما كتبوه من الكُتب والمؤلَّفات. ومن أمثلة هذه المُدوّنات كتاب (مفتاح السعادة) لطاش كُبرى زادة. هذا كتاب يعرفه البَاحِثون في الدِّراسَات الإسلامية، وكتاب (كشف الظنون عن أسامي الكُتب والفُنون) لحاجي خليفة، و(هدية العارفين) للبغدادي، و(معجم المؤلِّفين) لعمر رضا كحالة، و(الأعلام) لخير الدِّين الزِّرِكْلِي، و(معجم المطبوعات العَربية) لسركيس، و(تاريخ الأدب العربي) لكارل بروكِلْمان، و(تاريخ التُّراث العَربي) لفؤاد سزكين … إلى آخر هذه الكُتب التي تُعْنى بذِكر الكُتب والمَصادِر العَربية.

خامسًا: الكُتب العِلمِية التي يهتمّ أصحابها بذكْر المَصادِر التي اعتمدوا عليها، يعني: إذا كان هناك بَاحِث عِلمِي، فإنه في كلّ ما يكتب -سواء أكان ذلك مقالة عِلمِية ستنشر في دورية مُحكَّمة، أو كتابًا يُصدره على مسئوليته- يُعْنى دائمًا بذكر المَصادِر والمَراجِع التي اعتمد عليها. وأمثال هذه الكُتب بها ثروة كبيرة وذخيرة عظيمة يمكن الإفادة منها. وكم من البُحوث أجريت بالرجوع إلى أمثال هذه الكُتب! وكم من الكُتب عُرفت عن هذه الكُتب العِلمِية!

سادسًا: بطاقات المكتبات وفهارسها، وهي تذكر بحَسَب المؤلِّفين أحيانًا، وبحَسَب عناوين الكُتب أحيانًا أخرى، وبحَسَب موضوعات هذه الكُتب في أحيان ثالثة. وعلى البَاحِث أن يختار ما يشاء من هذه القوائم بحَسَب حاجته، فإذا كان يبَحْث عن شخصية، فإن عليه أن يبَحْث في قوائم الأعلام عن مؤلفاتها. وإذا كان يبَحْث عن موضوع معيَّن، فإنه يبَحْث في قوائم الموضوعات. وقد يكون محتاجًا في بعْض الأحيان أن يبَحْث في أكثر من موضوع، أو أكثر من تَخصُّص بحَسب الشخصية التي يبَحْثها.

فإذا كان يبَحْث عن شخصية كشخصية الطبري -مثلًا- فإنه محتاج إلى فحْص فهارس التاريخ، والتفسير، والحديث، والعقيدة. وإذا كان يبَحْث عن شخصية كشخصية الغزالي، فإن عليه أن يبَحْث عنه ضِمن الفهارس في الفقه، والأصول، والتَّصوف، وعلم الكلام، والفلسفه، والتربية، والأخلاق، ونحوها … فينطبق هذا على الشخصيات الكُبرى، مثل شخصية الإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيِّم، وأمثالهما، كابن الجَوزي، وابن كثير، والذَّهبي، وفخر الدين الرازي، وإمام الحَرميْن الجُويني، وأمثالهم من كِبار العُلماء.

سابعًا: سؤال أمَناء المَكْتبات، الذين يُمْكِن تَشبيههم في عِلمِهم بالكُتب في المَكتبات التي تقَع تحت إشرافِهم، يُشبَّهون بالصّيادلة في عِلمهم بالأدوية التي تتضمّنها الصيدليات التي يعْملون بها. والبعْض يُشَبِّههم بأنهم مثل مفتاح نور الكهرباء إذا أدَرْتَه حَصلت على النور. وهكذا فإن لهؤلاء دورًا كبيرًا جِدًّا، وخصوصًا إذا كانوا من ذَوي الخِبرة الطويلة، ومن ذوي الأمانة العِلمِية، والرَّغَبة في معاونة الدَّارسين؛ لأنهم يكونون على علْم بالكُتب المهمّة والنادِرة، كما يكونون على علْم بالمخطوطات الموجودة في مكتباتهم. وربما كان بعْض هؤلاء من المُشتغلين بالعِلْم والتَّحقيق، فتكون فائِدتهم أكثر، ونصائحهم أوثق، ممّا يُوفِّر على البَاحِث جُهدًا كَبيرًا في التَّعرف على الكُتب والمَصادِر اللازمة للبَحْث.

ثامنًا: المُشْرِف العِلمِي على البَاحِث، ودوره مُهِمّ جِدًّا، بسَبب تَخصّصه وعِلمه وقُرْبه من موضوع البَحْث، وقيادته للبَاحِث في بَحْثه العِلمِي.

تاسعًا: الرُّجُوع إلى مواقِع الجامعات والمؤسّسات العِلمِية على شَبكة “الإنترنت”، وهذا أمر بدأت الجامعات تتّجه إليه في العَصر الحَديث، بعد تقدّم وسائل الاتصال. فبعْض الجامعات تُعْنى بأن تجعل لها مواقع تنزل فيها وتكتب فيها ما يصدر عنها من مؤلّفات ودَوريّات تكون مُتَضمّنة لشُروط البَحْث العِلمِي، ومُتحقّقًا فيها تلك الشُّروط.

عاشرًا: الزُّملاء الكِبار، ممّن لهم بُحُوث سابقة وخِبرة قَديمة، وكذلك سؤال كلّ من له عناية بالبَحْث العِلمِي.

ومن حَصيلة هذه المَصادِر كلّها -وقد وصلت إلى عشرة مصادِر- يتوفّر للباحث زاد وفير من المَصادِر والمَراجِع، عليه أن يَستَفيد منها. كما أنّ عليه أن يقوم بتَدوين كلّ المَعارف التي يَحْصل عليها لهذه المَصادِر، وعَدم التهَاون في تسجيلها اعتمادًا على الذَّاكِرة. بعْض الناس عِنده ثِقة زَائِدة على الذَّاكِرة، لكن الذَّاكِرة تَخون، و”الذَّاكِرة خَئون” كما قال لنا القُدامى، وكما تدلنا على ذلك التَّجربة؛ فكم من مَرجِع تعذَّر الوصول إليه بسبب التقاعُس عن تدوين بياناته، وتحديد مكان وجوده.

ولا بُدَّ إذًا من الاهتمام بتدوين المعْلومات وتَسجيلها، لئلَّا يَعود البَاحِث إلى البَحْث عنها مَرة أخرى، فيضيع وقْته وجُهْده، ولعله لا يَصل إليها أبدًا. فلا بُدَّ من العِناية بالتَّوثيق للمَعْلومات التي يَحْصل البَاحِث عليها.

error: النص محمي !!