Top
Image Alt

كيفية التمييز بين المدعي والمدعى عليه

  /  كيفية التمييز بين المدعي والمدعى عليه

كيفية التمييز بين المدعي والمدعى عليه

التمييز بين المدعي والمدعى عليه من الأهمية بمكان؛ لأنه يسهل على القاضي النظر في الدعوى، والسير فيها، وبتكليف كل طرف من أطرافها بما يجب عليه شرعا، فعرف أن فلانا هو المدعي طالبه بالإثبات، وأن فلانا هو المدعى عليه طالبه باليمين إذا أنكر، بل إن التمييز بينهما يحدد مسار الدعوى كلها من أساسه، وإذا لم يدرك القاضي منذ اللحظة الأولى من هو المدعي؟ ومن هو المدعى عليه؟ اختلطت عليه الأمور، وقد يؤدي به ذلك إلى عكس المطلوب منه؛ لأنه سيقيم المدعي عليه مكان المدعي والعكس، سيخلط الأوراق، وتختلط عليه الأمور. فإذا أراد القاضي أن يسلك طريق الحق من أقرب وسائله، فإن عليه أن يبدأ بتمييز المدعي من المدعى عليه؛ لأن كثيرا ما يختلطان على بعض الناس من غير ذوي الخبرة، والممارسة.

والفقهاء -رحمهم الله- وضعوا لنا علامات عديدة من خلالها يمكن التمييز بسهولة بين المدعي، والمدعى عليه. وسنكتفي بعلامتين:

 العلامة الأولى: أن المدعي: من إذا تَرَك الخصومة تُرِك، والمدعى عليه: من إذا ترك الخصومة لم يترك. وهو تمييز وتوضيح عند جماهير أهل العلم، ووصفه بعضهم كالشوكاني: بأنه أسلم تعريف؛ يفرق به القاضي بين المدعي والمدعى عليه.

ويعتمد هذا التعريف على آثار الاعتراف بالحق، وأن صاحب الحق مخير بين المطالبة بحقه أو تأجيله، أو إسقاطه، أو إبراء المدعى عليه منهم. وذلك، فإنه إذا اختار ترك الخصومة والدعوى والمطالبة فله ذلك، ويترك وشأنه، ولا يلاحقه القضاء، ولا تلاحقه الشرطة، ولا يجبر على رفع الدعوى، ومخاصمة الآخرين؛ لأن هذا محض حقه؛ ولذلك إذا اختار ترك رفع الدعوى ترك. وإذا اختار المطالبة بحقه، وسعى للحصول عليه، واستعان بالدولة والقضاء والمحاكم فله ذلك، وعلى هذه الجهات أن تساعده، وأن تستجيب له.

أما المدعى عليه: فهو ملزم بالحضور لبيان رأيه، والجواب عن الدعوى، وبيان موقفه سلبا وإيجابا، ويجب على الشرطة إحضاره إلى المحكمة إن امتنع عن الحضور، ويجب عليه الاشتراك في الخصومة؛ للتأكد من براءة ذمته، أو شغلها. ومن ثم، إذا كانت ذمته مشغولة يجب عليه أداء الحق لصاحبه.

وبتعبير أدق، إذا نظرنا إلى الشخصين، وأردنا التمييز بينهما، ننظر من منهما من حقه أن يستمر في الدعوى، ومن حقه أن يخرج منها، وإذا خرج منها ترك، فليس من حقنا أن نفرض عليه الاستمرار، ومن منهما الذي إذا أراد الخروج من الدعوى لا يستجب له، بل عليه أن يستمر فيها؛ لأنه هو  مدين، وذمته مشغولة، أو عليه أن يثبت أن ذمته غير مشغولة. إذا ميزنا بينهما سهل بعد ذلك السير في القضاء.

العلامة الثانية: أن المدعي من يتمسك بغير الظاهر، أو بخلاف الظاهر، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر. أو بتعبير آخر، المدعي: من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه: من يوافق قوله الظاهر.

فمثلا: في القضية التي رفعت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحضرمي، والكندي كانت الأرض في يد الكندي، وهو يزرعها فهو مدعى عليه، والحضرمي يزعم خلاف الظاهر، فهو مدعي، وإذا أراد الكندي أن يترك الدعوى، لم يكن هذا من حقه، لكن إذا أراد الحضرمي ألا يرفع دعوى هذا حقه ويترك وشأنه.

فهاتان علامتان دقيقتان وضعهما الفقهاء بجدارة؛ للتمييز الصحيح بين المدعي، والمدعى عليه. وإذا نحن حكمناهما في أية قضية، اختلطت فيها الأوراق، ولم نميز المدعي من المدعى عليه، فإننا نلجأ إلى أي من هاتين العلامتين.

وقد تركنا علامات أخرى؛ لأهمية هاتين العلامتين وكفايتهما؛ لأن المطلوب هو الوصول إلى طريق يؤدي بنا إلى التمييز بين المدعي، والمدعى عليه، وأحد هاتين الوسيلتين كافية وواضحة -بإذن الله- وهذا المعيار مبني على ظواهر الأمور، ومجريات الحياة يعني  بالعلامة الثانية: أن يكون من يوافق قوله الظاهر فهو مدعى عليه، ومن يخالف قوله الظاهر فهو مدعي.

هذا مبني على ظواهر الأمور، ومجريات الحياة، وغالب الأحوال، وهو  أن يضع يده على حق، أو يتصرف فيه، أو ينفق عليه، فهو حقه، خصوصا إذا استقرت الأحوال على هذه الأوضاع، فإنه في الغالب والظاهر صاحب الحق، ويتفق قوله وفعله مع هذا الظاهر حتى يثبت العكس.

ومن يدعي خلاف ذلك، وينكر وجودها، ويثير الشبه حول هذا الظاهر، فهو المدعي. ولذلك، كان جانب المدعي ضعيفًا؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر؛ ولذلك؛ كلفه الشرع بأن يثبت هذا بالبينات القوية؛ لأن جانبه ضعيف، وكان جانب المدعى عليه قويا؛ لأن قوله يوافق الظاهر. ولذلك؛ كلفه الشرع باليمين فقط. وهو شيء سهل قال صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر))، وفي رواية: ((واليمين على المدعى عليه))، وبالتعريف الثاني قال الشافعية، والأزهر، والزيدية، وقول عند الحنفية، والحنابلة، والمالكية.

error: النص محمي !!