Top
Image Alt

كيفية التوبة من الربا، والبديل عنه

  /  كيفية التوبة من الربا، والبديل عنه

كيفية التوبة من الربا، والبديل عنه

إن مما عمت به البلوى في هذا الزمان تعامل بعض ضعاف الدين بالربا حتى وجدنا الكثيرين -إلا من رحم الله- قد انكبوا على الربا فتعاملوا به أخذًا وإعطاءً، وبيعًا وشراءً، واستعاضوا به عن القرض الذي حض الله عليه، وشرعه، وحث عليه النبي صلى الله عليه  وسلم في سنته، وصدق النبي صلى الله عليه  وسلم حين قال: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا أَكَلَ الرِّبَا ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِه)). والعياذ بالله.

وأصبح الناس الآن لا يتعاملون بالقرض الحسن؛ لأنهم استسهلوا الربا، وهذا مما عمت به البلوى، ولكن لما كان كل ابن آدم خطاء، فقد جعل الله خير الخطائين التوابين، فحث على التوبة وحض عليها، ولم يفرق في ذلك بين كبيرة وصغيرة، أو عظيمة وحقيرة، فالذنوب جميعها في الغفران سواء، ما دام القلب قد خالطه الدواء، من ندم وإصرار وعزم، وشدة نحيب وبكاء، قال الله تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]، وقال: {قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ} [الزمر: 53].

وبناء على ذلك رسم الشرعُ لنا منهجًا وسبيلًا للتخلص من أكل الربا وشره، فسبيل ذلك التوبة المعنوية بين العبد وربه، ويتمثل ذلك في الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على اجتنابها فيما هو آتٍ من الزمان.

وأما التوبة الحسية فنعني بها التطهر من هذا الغبار الذي أصابه نتيجةَ تعاملة بالربا، فقد رسم العلماء له منهجًا مستمَدًّا من الآيات القرآنية، ونصوص من السنة النبوية ثابتة، ويتمثل هذا المنهج في التفرقة بين ما اكتسبه الإنسان بطريق الربا، وهو ما تم قبضه بالفعل من أموال، وبين ما لم يتم قبضه:

– أما ما لم يتم قبضه، فسبيل التطهر منه هو ترك قبضه، وأخذ رأس المال فقط دون زيادة، وفي هذا يقول المولى عز وجل: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أنه قال في خطبة الوداع: ((ألا أن كل ربًا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون))، فردهم الله ورسولُه مع التوبة إلى رءوس أموالهم، فقال: ((لا تظلمون)) فتأخذون الربا، ((ولا تُظلمون))، بأن تدفعوا الربا.

– وأما ما تم قبضه بالفعل، وضمه صاحبه إلى أمواله، فسبيل التطهر منه بعد التوبة، أن يرده على مَن أربى عليه -أي: من أخذ منه ربا.

ويدل على ذلك: حديث أبي سعيد -السابق ذكره- والذي ابتاع فيه بلال تمرًا برنيًّا قَدْر صاع بصاعين من تمر رديء، فقال له رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((هذا ربا، فردوه))، أي: نرد هذه المعاملة، ونرجع إلى الأصل، ونرد الزيادة إلى من أخذناها منه.

 وقوله  صلى الله عليه  وسلم: ((ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا))، أمر الرسول صلى الله عليه  وسلم فيه برد الربا والزيادة، وتوسيط معيار منضبط وهو النقود.

وعن العالية بنت أنفع، قالت: “خرجت أنا وأم محبة إلى مكة، فدخلنا على عائشة رضي الله  عنها  فسلمنا عليها، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا: من أهل الكوفة، قالت: فكأنها أعرضت عنَّا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية وإني ابتعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه -أي: إلى أن يستلم العطاء عندما تُوزع الدولة أو الخليفة العطاء على مستحقيه- وإنه أراد بيعها، فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، قالت: فأقبلت علينا، فقالت: بئس ما شَريت وما اشتريت، أبلغي زيدًا -يعني: ابن أرقم- أنه قد أبطل جهادَه مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم” وهذا وعيد شديد إلا أن يتوب- “فقالت لها: أرأيتِ إن لَمْ آخذْ منه إلا رأس مالي، فقالت عائشة: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ} [البقرة: 275]”، يعني: له ما مضى وأمره إلى الله.

وهذا نص بأن التوبة لا تتم إلا بردِّ الزائد على المال إلى أهله.

وهذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وفيه كلام بالنسبة لبيع العينة، لكن الشاهد الذي سقنا هذا الحديث من أجله شاهد صحيح، وهو أنها -أي: أم محبة- قالت للسيدة عائشة رضي الله  عنها: “أرأيتِ إن أخذت رأسَ مالي فقط؟”، فتلت عليها الآية: {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ}، فبينت لها أنها تتوب إلى الله، وأن لها رأس مالها فقط.

فإن لم يجد صاحبه، يعني: إذا لم يجد صاحب هذا الربا الذي أخذه، اجتهد في طلبه، فَإِنْ أيس من وجوده، فليتصدق بذلك المال عنه، فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كم قَدْر الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده؛ حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له، فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى مَن أربَى عليه.

ولا عبرةَ هنا بقول بعض الغلاة من أهل الورع: إن المال الحرام إذا خالط الحلالَ حتى لم يتميز، ثم أخرج العبد مقدارَ الحرام المختلط به، لم يحل له المال، أن هذا من الورع الكاذب؛ لأنه لا يمكن أن يكون الذي أخرجه هو الحلال والذي بقي هو الحرام، فإنه غلوٌّ في الدين وشَطط في التفكير.

وأما البديل فهو العمل، وأفضل سبيل للتنمية، وأيضًا القرض الحسن، والمؤمن في عَوْن أخيه يفرج كربته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والمداومة على أداء الزكاة؛ لأن أداء الزكاة إذا انتشر بين المسلمين حارب الربا وقضَى عليه، والتشجيع على إنشاء المصارف الإسلامية؛ لأن المصارف الإسلامية فيها هيئات شرعية، وهي أقربُ إلى روح الشرع من غيرها.

error: النص محمي !!