Top
Image Alt

كيفية القبر، وإدخال الميت فيه

  /  كيفية القبر، وإدخال الميت فيه

كيفية القبر، وإدخال الميت فيه

باب تعميق القبر واختيار اللحد على الشق:

الحديث الأول:

عن رجلٍ من الأنصار قال: ((خرجنا في جنازة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفيرة القبر، فجعل يوصي الحافر ويقول: أوسع من قِبَلِ الرأس، وأوسع من قِبَلِ الرجلين، رب عَذقٍ له في الجنة)) رواه أحمد وأبو داود.

هذا الحديث يدور في معناه على توسيع القبر وإعماقه الذي سيوضع فيه الميت؛ حتى يتوارى عن الأعين وعن السباع، ويوضع عليه بعد ذلك التراب، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يخرج مع الجنازة، ويوصي الحافر الذي يحفر القبر، ويقول له: ((أوسع من قِبَلِ الرأس، وأوسع من قِبَلِ الرجلين)).

أ. شرح مفردات الحديث، وبيان ما يستفاد منه:

قوله: ((يوصي)) بالواو والصاد من التوصية، وذكر بعضهم أن الصواب “يرمي” بالراء والميم وأطال في ذلك، وفيه مشروعية التوصية من الحاضرين للدفن بتوسيع القبر، وتفقد ما يحتاج إلى التفقد.

قوله: ((رب عَذقٍ)) العَذق بفتح العين النخلة، والجمع: أعذق وأعذاق، وبكسر العين عِذق القنو منها يعني: الشيء الذي يكون فيه الشماريخ، وأيضًا يُطلق على العنقود من العين عِذق، والجمع: أعذاق وعذوق.

ويستفاد من الحديث: إعماق القبر وإحسانه، وقد اختلف العلماء في حد الإعماق، فقال الشافعي: قامة، وقال عمر بن عبد العزيز: إلى السرة -يعني: إذا وقف الإنسان إلى الحفرة يبلغ الحفر إلى السرة- وقال الإمام يحيي: إلى الثدي، وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع بحيث لا تطوله السباع، وقال مالك: لا حد لإعماقه، وأخرج بن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال: “أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة”.

قال الشيرازي: المستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة؛ لما روي أن عمر رضي الله عنه: “أوصى أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة” ويستحب أن يوسع من قِبَلِ رجليه ورأسه؛ لما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحافر: ((أوسع من قِبَلِ رأسه، وأوسع من قِبَلِ رجليه)) فإن كانت صلبةً أُلحد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللحد لنا، والشق لغيرنا))، وإن كانت الأرض رخوة شق الوسط.

قال النووي: حديث: ((أوسع من قِبَلِ رأسه، وأوسع من قِبَلِ رجليه)) الذي معنا رواه أبو داود في كتاب البيوع من (سننه)، ورواه البيهقي في الجنائز وغيرهما من رواية عاصم بن كُليب بن شهاب عن أبيه، وهو تابعيٌّ عن رجلٍ من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال النووي: وإسناده صحيح، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية هشام بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم أُحد: ((احفروا وأوسعوا وأعمقوا)) قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح.

وأما حديث: ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) فرواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي وغيرهم من رواية ابن عباس، وإسناده ضعيف؛ لأن مداره على عبد الأعلى بن عامر، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ورواه الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه أيضًا من رواية جرير بن عبد الله، وإسناده أيضًا ضعيفٌ، وفي رواية لأحمد في حديث جرير: ((والشق لأهل الكتاب)) ويغني عنه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: “ألحدوا لي لحدًا، وأنصبوا عليّ اللبنَ نصبًا كما صُنِعَ برسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه مسلمٌ في (صحيحه).

قال أهل اللغة: يقال: لحدت للميت، وألحدت له، لغتان، وفي اللحد لغتان فتح اللام وضمها، وهو أن يُحفر في حائط من أسفله إلى ناحية القبلة قدر ما يُوضع الميت فيه ويستره، والشَّق -بفتح الشين- أن يحفر إلى أسفل كالنهر.

وقوله: “يُعمق” هو بالعين المهملة، وقوله: “رِخوة” بكسر الراء وفتحها، والكسر أفصح وأشهر، يعني تقال: أرض رِخوة ورَخوة.

قال النووي: يُستحب أن يعمق القبر لحديث هشام بن عامر الذي ذكرناه، ويُستحب أن يكون عمقه قامة وبسطة؛ لما ذكره الشيرازي. هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في كل طرقهم إلا وجهًا حكاه الرافعي وغيره أنه قامة بلا بسطة، وهذا شاذٌّ ضعيفٌ، ومعنى القامة والبسطة: أن يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه.

error: النص محمي !!