• العربية
Top
Image Alt

كيفية ضبط الكتاب وتقييده

  /  كيفية ضبط الكتاب وتقييده

كيفية ضبط الكتاب وتقييده

ولما كان الأمر يتعلق بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا، وهو أفصح من نطق بالعربية على الإطلاق، ولأن حديثه صلى الله عليه وسلم دين يُدان لله به، ويتقرب به إليه؛ وجب على المشتغلين بالحديث أن يضبطوا ألفاظ الحديث، وأن يهتموا بذلك اهتمامًا عظيمًا؛ لأنه يترتب علي ضبط النص ضبطًا صحيحًا صحة استنباط الأحكام الشرعية؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تؤخذ من ألفاظ الأحاديث التي تقوم بها المعاني، ويترتب على اللحن، وعدم ضبط ألفاظ الحديث؛ الخطأ في استنباط الأحكام الشرعية، وحتى لا يُدخلوا أنفسهم في الوضاعين الذين يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لحَّانًا، فالذي لا يهتم بضبط النص النبوي، ويلحن فيه؛ فإنه يُفسد النص، وقد تنقلب المعاني، وتفسد الأحكام المستنبطة من النص النبوي، فيجعل الحلال حرامًا والحرام حلالًا. وأيضًا لا بد من ضبط أسماء الرواة؛ لأن الخطأ في ضبط أسماء الرواة لا يُتدارك من سياق الكلام، مثل الخطأ في ضبط الكلمات، فقد يتدارك من سياق الكلام، ولأنه يترتب على الخطأ في أسماء الرواة خطأ في الحكم على الحديث؛ خاصة إذا ترتب على الخطأ إبدال راوٍ ثقة براوٍ ضعيف، أو العكس، وحتى يسلم طالب الحديث الشريف من الزلل عليه أن يُراعي ما يأتي: أولًا: ينبغي أن يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه، وكنيته، ونسبه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، وإذا كتب الكتاب المسموع فينبغي أن يكتب فوق سطر البسملة أسماء من سمع معه، وأنسابهم، وتاريخ ووقت السماع، ويستحب أن يكتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب، أو آخره، أو في موضع آخر؛ حيث لا يخفى منه، والأول أحوط. ثانيًا: ينبغي أن يكتب السماع بخط شخص موثوق به، معروف الخط، وفي هذه الحالة لا يُشترط أن يكتب الشيخ خطه بالتصحيح ما دام أن الذي كتبه ثقة، ولا بأس على صاحب الكتاب إن كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فلقد فعل الثقات ذلك. وقد قال أبو أحمد الفرضي لعبد الرحمن بن منده: “لما قرأ عليه جزءًا، وسأله خطه ليكون حجة له: “عليك بالصدق، فإنك إذا عُرفت به لا يُكذبك أحد، وتُصَدَّق فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك، فإن قيل لك ما هذا خط الفرضي. فماذا تقول لهم”. قال الخطيب البغدادي: “إن كان السماع في مجالس عدة كُتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ”، وتكره في كتابة الأسماء المشتملة على التعبيد لله تعالى مثل عبد الله، أو عبد الرحمن أن يكتب عبد في آخر السطر، ويكتب اسم الله مع سائر النسب في أول السطر الذي يليه، قال الخطيب: “إن ذلك يُمنع”، وقال بعضهم: “إن ذلك كله غلط قبيح”، فيجب على الكاتب أن يتوقاه، يكره أن يكتب قال رسول في آخر السطر، ويكتب في أول السطر الذي يليه الله صلى الله عليه وسلم. مقابلة الكتاب: يجب أن يقابل الطالب كتابه بأصل شيخه، وإن أجازه أو بنسخة مقابلة على نسخة شيخه؛ ليضمن سلامة كتابه من الخطأ، وقد عاب العلماء على من لم يقابل؛ لأنه لا يسلم من الخطأ والزلل، قال عروة بن الزبير لابنه هشام: “كتبت؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا. قال: لم تكتب”. وقال الأخفش: “إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا”. كيفية المقابلة: أفضل أنواع المقابلة أن يمسك الشيخ كتابه، وكذلك الطالب حال التسمية، وينظر الطالب في كتابه فإن وجد خطأ أصلحه، فإذا لم يتحقق ذلك فهو أنقص رتبة، هل يشترط أن يقابل الطالب نسخته بأصل الشيخ بنفسه. أولًا: مذهب الجمهور، ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يشترط أن يقابل الطالب نسخته بأصل الشيخ بنفسه، بل تكفي مقابله ثقة في أي وقت كان حال قراءة الشيخ على الطلاب، أو بعدها، لا يُشترط أن يقابل الطالب نسخته بأصل الشيخ، بل يكفي أن يقابل نسخته على نسخة مقابلة على أصل الشيخ؛ لأن الغرض من المقابلة مطابقة كتاب الطالب بأصل شيخه، فسواء حصل ذلك مباشرة أو بواسطة؛ فقد تحقق المطلوب، والله أعلم. يُستحب للطالب الذي ليست معه نسخة أن ينظر مع من معه نسخة من الطلاب حال السماع، خاصةً إذا أراد النقل من هذه النسخة، قال يحيى بن معين: “لا يجوز للحاضر بلا نسخة أن يروي من غير أصل الشيخ إلا أن ينظر فيه حال السماع”. قال ابن الصلاح: “وهذا من مذاهب أهل التشدد، والصواب ما ذهب إليه الجمهور”. هل يجوز للطالب إذا لم يقابل نسخته بأصل الشيخ أن يروي من هذه النسخة التي لم تُقابل لا على أصل الشيخ، ولا على نسخة مقابلة بأصل الشيخ، ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو بكر الخطيب، والإسماعيلي والبرقاني إلى أنه يجوز للطالب الذي لم يقابل نسخته بأصل الشيخ، أو بفرع مقابل بأصل الشيخ أن يروي من نسخته بشروط وهي: الشرط الأول: أن يكون الناقل للنسخة صحيح النقل، قليل السقط. الشرط الثاني: أن ينقل من الأصل أي: من أصل الشيخ أو فرعًا مقابل عليه. الشرط الثالث: أن يبين حال الراوية أنه لم يقابل، وهذا شرط شرطه الإسماعيلي فقط، ذهب القاضي عياض إلى أنه لا يجوز لمن لم يقابل نسخته أن يروي منها، وإن تحققت الشروط السابقة. إذا وقع في الكتاب ما ليس منه، فإنه يُنفى عنه بالضرب عليه، أو الحك له أو المحو أو غير ذلك، والضرب خير من المحو والحك. قال الرامهرمزي: “قال أصحابنا: “الحك تهمة،” وقال غيره: “كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع، حتى لا يُبْشَرَ شيء، وذلك لأن ما يُبْشَرُ منه ربما يصح في رواية أخرى، وقد يُسمع الكتاب مرة أخرى على شيخ آخر يكون ما بُشِرَ من رواية هذا صحيحًا في رواية الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشِرَ، بخلاف ما إذا خط عليه، فإن صح من رواية شيخ آخر؛ اكتفى بعلامة الآخر عليه في صحته”. كيفية الضرب: أجود الضرب ألا يطمس المضروب عليه، بل يُخط من فوقه خط جيد بيّن، يدل على إبطاله، ويقرأ من تحته ما خُطَّ عليه، وأكثر العلماء على مد الخط على المضروب عليه مختلطًا بالكلمات المضروب عليها، ويسمى بالشق، ومنهم من يجعله خطًّا فوق الكلام ولا يخطه به، ولكنه يعطف طرفي الخط على أول المضروب عليه وآخره، ومنهم من يحوِّق على أول الكلام المضروب عليه بنصف دائرة، وكذا في آخره أي: يُجعل الكلام المضروب عليه بين قوسين إذا كثر الكلام المضروب عليه، فقد يحوَّق على أول الكلام وآخره بمعنى أن يجعل الكلام المضروب عليه بين قوسين، قوس في أوله وقوس في آخره، وقد يحوَّق أول كل سطر وآخره وهو أوضح، ومنهم من اكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها، وسماها صفرًا بإشعارها بخلو ما بينهما من صحة، وقيل يُكتب “لا” في أوله، أو “زائدًا” و”إلى” في آخره. الضرب على المكرر: قيل يضرب على الثاني مطلقًا دون الأول؛ لأن الأول كتب على الصواب، فالخطأ أولى بالإبطال، وقيل: يُبقي أحسنهما صورةً، وأبينهما قراءة، ويضرب على الآخر، قال القاضي عياض: “هذا إذا تساوت الكلمتان في المنازل بأن كانتا في أثناء السطر، أما إن كان أول سطر ضرب على الثاني أو آخره، فعلى الأول يُضرب صونًا لأوائل السطور وأواخرها عن الطمس، إن كانت الثانية أول سطر والأولى آخر سطر؛ فيُضرب على ما بآخر السطر مراعاة لأوائل السطور. فإن تكرر المضاف والمضاف إليه، أو الموصوف والصفة ونحوه؛ رُوعي اتصالهما، فلا يضرب على المتكرر بينهما، بل على الأول في المضاف والموصوف أو الآخر في المضاف إليه والصفة؛ لأن ذلك مضطر إليه للفهم، فمراعاته أولى من مراعاة تحسين الصورة في الخط. يجب على كاتب التسميع التحري، وبيان السامع والمُسْمِع والمسموع بلفظ وجيز غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبته، والحظر من إسقاط بعضهم لغرض فاسد، فإن لم يحضر؛ فله أن يعتمد في حضورهم خبر ثقة حضر. ومن ثبت في كتابه سماع غيره، فقبيح به كتمانه ومنعه نقل سماعه منه، أو نسخ الكتاب، وإذا أعاره فلا يبطئ عليه، فإن منعه فإن كان سماعه مثبتًا برضا صاحب الكتاب؛ لزمه إعارته، وإلا فلا، ولا ينبغي أن يصطلح كاتب الحديث مع نفسه في كتابه بما لا يفهمه غيره، كأن يستخدم رموزًا أو مصطلحات خاصة به، حتى لا يوقع غيره في حيرة، فإن فعل ذلك فلا بد أن يُبيِّن مراده من ذلك في أول الكتاب، أو آخره؛ حيث لا يخفى. يُكره الخط الدقيق من غير عذر يقتضيه، كألا يجد الورق الذي يستوعب ما يكتب، أو يكون رحَّالًا يحتاج إلى تدقيق الخط؛ ليخفَّ عليه حمل الكتب، لأنه لا ينتفع به من في نظره ضعف، وربما ضعف نظر كاتبه بعد ذلك فلا ينتفع به. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق ورآه يكتب خطًّا دقيقًا: “لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك”. وكان بعض المشايخ إذا رأى خطًّا دقيقًا، قال: “هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله” ولله الحمد والمنة، فلقد كثرت الأوراق ووسائل الكتابة، ولو أن هذه الوسائل وُجدت في زمان أولئك الصابرين المحتسبين أصحاب الهمم العالية؛ لرأينا ثراءً علميًّا غير الذي رأيناه. يُستحب تحقيق الخط دون مشقه وتعليقه، والمشق: سرعة الكتابة وخفة يد الكاتب بها، قال عمر بن الخطاب: “شر الكتابة المشق” أي: سرعة الكتابة، وأجود الخط أبينه, وعلى طلبة الحديث وكتبته أن يضبطوا ما يكتبونه، أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلًا ونقطًا؛ بحيث يُؤمَن معهما الالتباس، وذلك لأن إعجام المكتوب أي: نقط الحروف التي تُنطق يمنع من استعجامه، وشكله -أي: ضبط الحروف بالشكل- يمنع من إشكاله أي: التباسه. ولا ينبغي أن يعتنى بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، كما قالوا: إنما يُشْكَل ما يُشكِل، وقيل: ينبغي أن يشْكَل ما يُشْكِل وما لا يُشْكِل، وذلك لأن المبتدئ أو غير المتبحر لا يميز ما يُشْكِل مما لا يُشْكِل، والأصوب الإعراب؛ لأمن الخطأ. ينبغي أن يكرر طالب الحديث ضبط الألفاظ المشكلة بأن يضبطها في متن الكتاب، ثم يكتبها مقابل ذلك في الحاشية مفردة مضبوطة، فإن ذلك أبلغ في إبانتها، وأبعد من التباسها، ويُقطِّع حروفها بأن يكتب كل حرف على حدة؛ ليظهر شكل الحرف بكتابته مفردًا كالنون والياء إذا وقعت في أول الكلمة، أو في وسطها، وهذا في الحاشية. ينبغي أن تضبط الحروف المهملة غير المعجمة بعلامات الإهمال؛ لتدل على عدم إعجامها، كما تُضبط الحروف المعجمة بالنقط، وضبط الناس يختلف: فبعض الناس يجعلوا النقط الذي فوق المعجمات تحت ما يشاكلها من المهملات، فينقط تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والطاء والعين، وذلك في غير الحاء المهملة، فلو نُقطت من أسفلها صارت جيمًا، وقيل: يوضع فوقها علامة كقُلامة الظفر مضجعة على قفاها، وقيل: يوضع تحتها حرف صغير مثلها، وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير، وفي بعضها تحتها همزة. ينبغي أن يهتم طالب الحديث بضبط ما يلتبس من أسماء الناس؛ لأنها لا تستدرك بالمعنى، ولا يستدل عليها بما قبلها ولا بما بعدها، ولأنه لا يدخله القياس، ينبغي أن يجعل الطالب بين كل حديثين دائرة تفصل بينهما، وتميز كل حديث عن الآخر، فإذا عارض كتابه على أصل كتاب الشيخ أو نسخة مقابلة على نسخة الشيخ؛ فيجعل في وسط كل دائرة نقطة، أو يخط في وسطها خطًّا، وكان بعض أهل العلم لا يعتدُّ من سماعه إلا بما كان كذلك.

error: النص محمي !!