Top
Image Alt

كيف أثر الفكر الاستشراقي في بعض مفكِّري العرب والمسلمين

  /  كيف أثر الفكر الاستشراقي في بعض مفكِّري العرب والمسلمين

كيف أثر الفكر الاستشراقي في بعض مفكِّري العرب والمسلمين

سوف أختار بعض النماذج التي تحدثت عن القرآن الكريم، وعن بشريّته، وكيف أثرت هذه الشخصية وغيرها في بعض مفكِّري العرب والإسلام، فتحمّلوا عن المستشرقين أعباء هذه الاتّهامات، وتولّى بعض الكتاب العرب وبعض المفكرين العرب والذين يتسَمَّوْن بأسمائنا الترويج لهذه الإشاعات الكاذبة بين أبناء الوطن العربي. سوف أختار نموذجًا واحدًا فقط وأذكر مَن تأثّر به من المفكِّرين العرب.

هناك مستشرق معروف في تاريخ الحضارة الإنسانية اسمه: “هامِلتون جِب” تحدّث عن بشرية القرآن، ووضع كتابا أسماه: (المذهب المحمدي) أو (الديانة المحمدية) كما في بعض الترجمات. يقول في هذا الكتاب: “إن الرسول صلى الله عليه  وسلم ككلّ شخصية مُبدعة، تأثّر بالظروف الموجودة في مكة، وأنه قد شقَّ طريقًا جديدًا بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه والدائرة في مكانه. وظلّ محمد صلى الله عليه  وسلم يتطوّر في تأثّره بأجواء مكة إلى أن حدَث عنده ما يُسمّى بالثورة النفسية. هذه الثورة النفسية لم تظهر في صورة إصلاح اجتماعي، بل بدلًا من ذلك دفعَتْه إلى اتّجاه دينيّ أعلنه في اعتقاد ثابت لا يتأرجح بأنه رسول من الله لينذر أتباعه ويبشّرهم إمّا بالجنة وإمّا بالنار. وكلّ ما جدّ بعد ذلك كان نتيجة منتظَرة للتصادم بين ما جاء به هذا الرجل -الرسول صلى الله عليه  وسلم وبين الكفر”.

كما يقول أيضًا: “ومحمد صلى الله عليه  وسلم في البداية لم يكن نفسه على علم بأنه صاحبُ دعوة إلى دين جديد؛ بل كانت دعوته مجرّد معارضة للمكيين ولخصومهم، كان يدعو بذلك إلى إعلان الإسلام كجماعة دينيّة جديدة تدعو إلى الانتصار للفقراء من الأغنياء”.

ويقول أيضًا: “ومعروف من القرآن نفسه أنّ فكرة الوحدانية التي جاء بها محمد كانت معروفة في جزيرة العرب. لقد كان وجود الإله الأكبر -وهو الله- مبدأً مقبولًا كأصل عام لدى محمد ولدَى خصومه على السواء. والقرآن لم يناقش هذه النقطة، وحجّته التي كان يقيمها فقط على أن لا إله إلا الله”.

هذه بعض مقتطفات من كتاب “جِب”: (المذهب المحمدي). ماذا يريد أن يقول؟

يريد أن يقول: إن محمدًا لم يكن رسولًا، وإنما كان طالب زعامة، وصاحب سلطة. وبما أنّ المقدّسات الدينية التي كانت موجودة في جزيرة العرب كان من شأنها: مَن يحتمي بها ومَن يلجأ إليها يَجِد فيها شيئًا من الانتصار له والتئام الجموع الغفيرة حوله، لجأ محمد إلى هذه القضايا الدينيّة ليلتف حوله الفقراء، فأراد أن ينافس المكيين في الزعامة وفي الرياسة. لماذا؟ ليصرف جمهور المكيين عن زعماء مكة ويلتفوا حوله هو. بل أكثر من هذا: يضيف “جِب” في هذا الكتاب قوله: “إنَّ محمدًا قد استغلَّ فكرة الجنة والنار بتفصيلاتها الواردة في القرآن الكريم، واعتبرها مصدرًا من مصادر الترغيب والترهيب …” يقول: “إنه قد أخذها من المسيحية”.

وأريد أن ألخّص لكم ما جاء في هذا الكتاب، حتى تكونوا على بيِّنة من الأمر:

إنّ هؤلاء لم يقرءوا الإسلام حبًّا له ولا شوقًا فيه ولا عشقًا لحقائقه، ولكن من باب: {إِنّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً}(15) {وَأَكِيدُ كَيْداً}[الطارق: 15، 16] يريد أن يقول “جِب”: إنّ مكة كان فيها حضارة وزعامة، ولم تكن أرضًا جرداء، ولم يكن سكّانها حفاة ولا عراة؛ بل كانت لديهم فطنة وذكاء، وكان فيهم سياسة، وما يمكن أن يشبه بالدولة، وأنّ حياة محمد صلى الله عليه  وسلم كانت حياة مكية خالصة بما فيها نشأته ودعوته، ولذلك تأثرت بظروف مكة. فدعْوتُه حينئذ -وهذا ما صرح به “جِب”- ليست دعوة عامة لكل العرب؛ بل كانت لأُناس معيّنين هم: أهل مكة فقط. وكان اختياره لطابع الدعوة الدينية، ثم اختيار هذه الدعوة بأن تكون في صورة حكومة إلهية ملفوفة بأساليب الترغيب والترهيب بالجنة والنار، كان هو من تحديد عوامل الحياة المكية، والظروف المكية فقط هي التي فرضت على محمد أن يستخدم هذا الأسلوب في الدعوة إلى ما يسميه بالديانة الجديدة.

ثم يضيف “جِب”: “وأن القرآن ليس جديدًا كله على العرب خاصةً المكيين، وأنّ ما فيه من مسيحية أو يهودية أو ديانات أصحاب اللغات السريانية القديمة، وكل ما فيه لا يتعدّى إمّا آثارًا يهودية أو آثارًا مسيحية كان يعرفها بعض زعماء مكة؛ ولذلك يحتجّ بالآية القرآنية التي ذكرها القرآن عن أهل مكة: {بَلْ قَالُوَاْ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّهْتَدُونَ}(22) {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّقْتَدُونَ}(23) {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىَ مِمّا وَجَدتّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوَاْ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}  [الزخرف: 22 – 24]، ولكن جاءت معارضة مكة في نظر “جِب” بسبب المنافسة على الزعامة وعلى السياسة، وليس رفضًا للدِّين، وليس رفضًا للقرآن الكريم.

هذا تصوير لموقف أحد المستشرقين بشيء من التفصيل الموجز. هذه الصورة بكاملها انتقلت إلى مفكّرٍ من مفكِّري العرب المسلمين هو: طه حسين، الذي ألّف في النصف الأوّل من القرن العشرين، وبالتحديد 1926م، صدرت الطبعة الأولى من كتابه المسمى بـ(الشعر الجاهلي). ماذا جاء في هذا الكتاب؟ على سبيل الإجمال نفس الصورة التي شرحتها أمامكم عن موقف “جِب” في كتابه (المذهب المحمدي). نفس الصورة تقريبًا انتقلت على لسان وعلى قلَم طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي).

وفكرة هذا الكتاب تقوم على بعض القضايا أو الحقائق أو الملاحظات التي أراد طه حسين أن يطرحَها على القرّاء؛ حيث أراد أن يقول: إن الشعر الجاهلي لا يمثِّل حياة العرب قبل ظهور الإسلام، وإنّ هذا الشعر مُصطنع مفتعل؛ ولذلك لا يعبّر عن حقائق الحياة العربية، ولا يعبِّر عمّا دار فيها. وإذا كان العرب أصحابَ علم ودِين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة خارج الجزيرة العربية، متأثّرة بها ومؤثّرة فيها، فما أخْلَقهم أن يكونوا أمّةً متحضرةً لا أمّةً جاهلة همجية. نفس القضية التي صرح بها “جِب”.

يريد أن يقول: إن العرب في مكة كانوا أصحاب حضارة، أمّة متحضّرة، على درجة عالية جدًّا من الرّقي، ولم يكونوا يعيشون حياة البادية. ولذلك يقول طه حسين نقلًا أو تأثرًا بـ”جِب”: “وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدِّق أنّ القرآن ظهر في أمة جاهلة همجية؟”. النص في كتاب: (الشعر الجاهلي) صفحة 15.

فبما أنّ الشعر الجاهلي لا يصحّ أن يكون مرآة صافية للحياة الجاهلية، فالشيء الذي يعبّر عن هذه الحياة تعبيرًا صادقًا هو: القرآن؛ فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي. هكذا يريد أن يقول طه حسين. ومن هنا يستطرد ليشرح نظرته أو نظريته في هذه القضية، فيقول: “لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي، لم يكونوا معتزِلين ولا معتزَلين. فأنت ترى القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفُرس والروم: {الَـمَ}(1) {غُلِبَتِ الرّومُ}(2) {فِيَ أَدْنَى الأرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}(3) {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}  [الروم: 1 – 4]”. فهذا الذي ذكَره القرآن في سورة (الروم) يراه طه حسين عناية سياسية أكثر منه إخبارًا عن طريق الوحي بمصير الإمبراطورية الرومانية في الشرق.

ثم يستطرد ويقول: “والقرآن الكريم يصف اتّصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السوَر المعروفة بالقرآن المكي، كما في سورة “لإيلاف قريش””.

ويستطرد بعد ذلك طه حسين في شرح نظريته في أنّ القرآن الكريم بشريّ المصدر، وأنه يشتمل على بعض الأساطير التي كذَّبها التاريخ، كما سنوضّح ذلك.

تحدّثنا عن قضية تأثُّر بعض المفكِّرين المسلمين أو العرب بآراء المستشرقين حول ما جاء في القرآن الكريم، وحول بشريّة القرآن الكريم أو ألوهية مصدره، واخترنا نموذجًا واحدًا فقط وهو “هامِتلون جِب” في كتابه (المذهب المحمدي). وأردنا أن نبيِّن لكم كيف انتقلت هذه الفكرة -فكرة بشريّة المصدر- وما ردّده “جِب” في كتابه من أنّ محمدًا صلى الله عليه  وسلم هو إفراز للبيئة المكية في فكره وفيما دعا إليه، انتقلت هذه الفكرةُ بقضِّها وقضيضها إلى الفكر العربيِّ، وردَّدها طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي). ونريد أن نوضِّح ما بين الكتابيْن من صلة، لكي نُثبت أن دعاوى المستشرقين قد آتت أكلها في كثير من المواقف؛ حيث وجدْنا أن أمثال طه حسين يردِّد نفس الدعوى في كتابه في الشعر الجاهلي.

قلنا: إنّ هذا الكتاب قد أُلِّف في النصف الأول من القرن العشرين، أو في الربع الأوّل، وبالتحديد في سنة 1926م تقريبًا، وأراد المؤلِّف أن يبيِّن لنا في هذا الكتاب: أن القرآن الكريم هو حكاية لتاريخ الجاهليِّين في مكة، وأنه انطباع للحياة الاجتماعية الواقعة في عصر النبي، وهو يمثل لذلك تأريخًا عمليًّا للبيئة المكية، تأريخ لها في عقيدتها، في لغتها، في عاداتها، في اتّجاهها العام. وهذه البيئة التي يتحدّث عنها في كتابه هي بيئة العرب في الجزيرة العربية. يريد أن يقول: إنّ ما جاء به النبي من القرآن الكريم هو تأريخ للحياة المكية. وليصرف النظر عن أنّ الشِّعر الجاهلي هو تأريخ لهذه الحياة، فيكون القرآن من عند محمد كتأريخ للواقع المكي، أمّا الشعر الجاهلي فيرى أنه انتحال، ويشتمل على كثير من الأكاذيب؛ ونظرية الانتحال الشعري معروفة عند طه حسين.

يقول هذا المؤلف: إنه ليس من اليسير أبدًا أنّ القرآن كان جديدًا كلّه على العرب. يقول: إنّ هذا أمر صعب أن نصدِّقه! لأنه لو كان جديدًا على العرب لما فهموه، ولما وعَوْه، ولا آمن به بعضهم، ولا جادله وناهضه بعضهم. وفي القرآن ردّ على الوثنيِّين فيما كانوا يعتقدونه من وثنيّة، وفيه ردّ على اليهود، وفيه ردّ على النصارى، وفيه ردّ على الصابئة، وفيه ردّ على المجوس. وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم، ولا على مجوس الفُرس، ولا على صابئة الجزيرة العربية، وإنما يردّ على فِرَق من العرب كانت تمثِّلهم في البلاد العربية نفسها. ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر. يريد أن يقول: إن محمدًا صلى الله عليه  وسلم شغل الناس حوله بواقعهم، ولم يخرج بنظره ولا بفكْره خارج نطاق الجزيرة العربية، وأنّ القرآن جاء تسجيلًا لواقع العرب في بيئة العرب، وليس لواقع غير العرب خارج الجزيرة العربية؛ فهو محلي وليس عالَميًّا.

ولذلك يصرِّح طه حسين ويقول: “وإذًا فالقرآن بعبارة أخرى دِين محلِّيّ، لا إنساني عالمي، قيمته وخطره في هذه المحلية وحدها. قال به صاحبه متأثرًا بحياته الخاصة التي عاشها وعاش فيها؛ ولذلك هو يعبِّر تعبيرًا صادقًا عن هذه الحياة. أما أنه يمثل غير الحياة العربية، أو يرسم هدفًا إنسانيًّا عامًّا، فليس ذلك بحق” هكذا يصرِّح طه حسين. إنه إذن دين بشريّ وليس وحيًا إلهيًّا، قاله صاحبه لقوم معيَّنين؛ ولذلك تجاوب معه بعضهم، وقاومه بعضهم. ولو أنّ صاحبه قاله في جماعة أخرى، لما حفل به أحد؛ لأن ما يقوله فيه لا يتّصل عندئذٍ بحياة الجماعة الآخَرين.

هذه مقتطفات فقط من هذا الكتاب الذي نقَل فيه طه حسين نظرية “جِب” وغيره من المستشرقين حول القرآن الكريم. فالقرآن إذًا مؤلَّف ومؤلِّفه هو محمد صلى الله عليه  وسلم. ويمتاز تأليفه بأنه يمثِّل حياة العرب المحدودة في شبه جزيرة العرب، بدليل أنه ناقش يهود الجزيرة، ونصارى الجزيرة، وصابئة الجزيرة، ومجوس الجزيرة، ولم يمتدّ بنظره خارج الجزيرة العربية.

كما أشار طه حسين أيضًا إلى: أنّ القرآن مصنوع ومؤلّف، ومنهج دراسة الحياة الجاهلية للعرب قبل الإسلام كان يدور عند صاحب هذا الكتاب بيْن أمريْن لا ثالث لهما: إمّا ما ورد في الشعر الجاهلي، أو ما ورد في القرآن الكريم، وكلاهما صناعة إنسانية، وكلاهما يتحدّث عن الحياة العربية الجاهلية، ولكنه استبعد الشعر الجاهلي كمصدر للتأريخ لحياة العرب، ولم يبق أمامه إلّا القرآن الذي صنعه وألّفه محمد. فهو المرآة الصادقة لحياة العرب في الجاهلية، وما في القرآن من عقائد وديانات ومِلَل ونِحَل لا يمثِّل إلّا البيئة الجاهلية فقط؛ فحديثه عن النصرانية وحديثه عن اليهودية وغيرهم ليس إلّا عن يهود ونصارى الجزيرة. ويستدل طه حسين على ذلك بالآية الكريمة: {لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنّ أَقْرَبَهُمْ مّوَدّةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّا نَصَارَىَ ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}  [المائدة: 82]؛ حيث يرى طه حسين: أنّ احتكاك المسلمين بالنصارى كان ضعيفًا، على العكس من احتكاكهم باليهود في المدينة المنورة.

وبناءً على هذا التصور العام، ينتقل طه حسين إلى ما احتواه القرآن وما اشتمل عليه القرآن من بعض القصص، فيتطرّق إلى قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام التي وردت في القرآن الكريم. ويرى أنّ القرآن في نظره لا يعبِّر عن الحقائق التاريخية التي وقعت في الحياة العربية قبل مجيء محمد، وأنَّ ما جاء في القرآن حول هذه القضايا أشبه بالأساطير التي تنقصها الدقة التاريخية. وبناء على هذا التصور يرى: أنّ قصة إسماعيل عليه السلام الذي ينسب إليه العدنانيون قصة خيالية. وكذلك ما يروى من الحديث النبوي: ((أنّ أوّل من تكلّم بالعربية ونسي لغة أبيه وهي اللغة العبرية أو الكلدانية هو: إسماعيل بن إبراهيم)). ويرى: أنَّ هذا حديث مكذوب، بل أكثر من هذا، يرى: أنّ القرآن الكريم ومحمدًا صلى الله عليه  وسلم لم يشأ أن يُغفل شأن هذه القصة، لما لها من أهمية في حياة قريش. لماذا؟ لأنه كان هناك صراع بين قريش وبينه باعتباره صاحب السيادة المنتظرة في الجزيرة العربية، وباعتبار أنّ قريشًا هي الحريصة على مناوأته ومعاندته في هذه القضية.

ولا يملّ طه حسين أن يُسمِّي هذه القصة بالأسطورة. تكرّر ذلك أكثر من مرة في كتابه حيث يقول: “وقد كانت قريش مستعدّة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح قبل ظهور الإسلام بقليل؛ فقد كانت قريش أوّل هذا القرن قد انتهت إلى حظٍّ من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في مكة، وبسط سلطانها المعنوي على جزءٍ غير قليل من جزيرة العرب”. فأمْر هذه القصة عند طه حسين واضح؛ فهي حديثة العهد، وظهرت قبل الإسلام. ويرى: أن محمدًا صلى الله عليه  وسلم قد استغلّ هذه الأسطورة لسبب ديني، وقبلَتْها مكة منه أيضًا لسبب ديني. وإذن يقول طه حسين: “فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي أن يحفل بهذه الأسطورة عندما يريد أن يتعرّف أصل اللغة العربية الفصحى. ونستطيع أن نقول: إن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلّمها العدنانية، واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن كانت كالصلة بين اللغة العربية وأيّة لغة من اللغات السامية الأخرى”. ويصرّح في أكثر من موضع بأنّ هذه القصة قصّة خيالية، ربما لا نجد لها أثرًا حقيقيًّا في الوقائع التاريخية.

لك الآن أن تلاحظ ما بين الموقفيْن من تشابه كبير جدًّا، بين موقف “جِب” في كتابه (المذهب المحمدي) وبيْن طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي)؛ فكلاهما يرى: أن الحياة الجاهلية قبل الإسلام كانت حياة حضارية حافلة بالكياسة والسياسة والنشاط الاقتصادي والنهضة الدينية. وأظنّ أن هذا التصور في الكتابيْن يُكذبه واقع العرب قبل الإسلام. وكلا الكتابيْن يرى: أنّ محمدًا أو أن الإسلام أو أنّ القرآن قد استغلّ المقدسات الدينية في مكة، وفي مقدّمتها البيت الحرام وهو أول بيت وُضع للناس في مكة، والذي قام على عمارته إبراهيم وابنه إسماعيل، وظاهرة استغلال هذه المقدسات -كما يرى “جِب”- هي في أن ثورة محمد أخذت طابع الدِّين دون الطابع الاجتماعي. أمّا عند طه حسين، فيرى: أن ثورته أخذت الطابع الاجتماعي وليس الطابع الديني؛ ولذلك جاءت مشتملة على بعض الخرافات والأساطير، كاستشهاده بقصة الذبيح إسماعيل عليه السلام

وكلا الكتابيْن يصرِّح بأن القرآن لم يكن جديدًا على العرب، فما فيه من عقائد كانت تعرفها مكة، وكانت تعرفها العرب في شبه الجزيرة العربية، لكن كان يرى “جِب”: أن آية معرفتهم لذلك أنهم لم يعارضوا محمدًا فيما ذكَره من عقائد، وأرجع معارضتهم له لأسباب سياسية وللتنافس على الزعامة. أما عند طه حسين، فلم يكن القرآن مألوفًا لديهم، وإنما عارضوه وحاولوا أن يثيروا حوله هذه الشكوك حقدًا واستكبارًا وعنادًا لمحمد.

وكلا الكتابيْن يرى: أنّ دعوة الإسلام دعوة محلِّية وليست عالمية، خاصة بالبيئة المكية؛ ولذا فالقرآن أو الإسلام انطباع واضح لهذه الجماعة ولهذه البيئة، كما يرى “جِب” وكما يرى طه حسين. ومنطق هذا كلّه أو معنى هذا كلّه: أن القرآن ليس وحيًا من الله؛ إذ لو كان وحيًا من الله لكان للناس عامّة. والفرق الذي نراه بين هاتيْن النظرتيْن: أنّ أحد الكتابيْن في وصفه لصلة القرآن بالعرب: أنه أخذ من المسيحية العربية وأخذ من اليهودية العربية كما ذهب إلى ذلك “جِب”، بينما طه حسين يرى: أن هذا الكتاب الذي هو القرآن الكريم فيه ردّ على الوثنية العربية، وردّ على المسيحية العربية، وردّ على اليهودية العربية. الفرق بين الاثنين: “جِب” يرى: أنه تأثّر بالديانات المحلّية، وطه حسين يرى: أنه ردّ على الديانات المحلية. والهدف من الاثنيْن واحد: أن الكتاب -أي: القرآن الكريم- أثَر من آثار الدِّيانات المحلِّيّة.

إنّ القصد من المقارنة بين هذيْن الكتابيْن: أن كتاب (الشعر الجاهلي) لطه حسين يحكي رأي المستشرقين في هذا الجانب، وأنه أثَر من آثار الاتهامات والأكاذيب، أو إن شئت فقل: من آثار الغزو الفكري لعقول العرب وعقول المسلمين بمثل هذه الاتهامات.

أمّا القرآن الكريم نفسه، فنقرأ فيه الآيات الكثيرة التي تُكذِّب هذه الدعاوى، قال تعالى: {هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الاُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ}(2) {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(3) {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2 – 4].

error: النص محمي !!