Top
Image Alt

كيف نشأت بدعة التكفير عند الخوارج، وأثرها في العصر الحديث

  /  كيف نشأت بدعة التكفير عند الخوارج، وأثرها في العصر الحديث

كيف نشأت بدعة التكفير عند الخوارج، وأثرها في العصر الحديث

أما المسارعة إلى التكفير فهي بدعة ابتدعها الخوارج للمرة الأولى، قد تولوا كبرها، وتحملوا وزرها، ذلك أن القضية لها جذورها في تاريخ الفكر الإسلامي منذ عهد الخوارج، ولعلها أول قضية فكرية شغلت المسلمين، وكان لها آثارها العقلية والعملية أو العسكرية والسياسية لعدة أجيال، وذلك حين نمضي إلى الوراء وينتهي بنا المطاف إلى الحروب الأسيفة التي دارت بين الإمام علي رضي الله عنه وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما تلك الحروب التي تنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل، وأخبر أن باب الفتنة إن يكسر يومها فلن يغلق أبدًا وإن سكنت الفتنة من آن لآخر.

وفي خضم هذه المعركة أطلت هذه البدعة برأسها لأول مرة حيث تولى كبرها صبية أحداثُ الآسنان، سفهاءُ الأحلام، انشقوا عن الإمام علي رضي الله عنه حين رفع أصحاب معاوية المصاحف على أسِنة الرماح، وطلبوا تحكيم كتاب الله، وأدرك الإمام علي بفطنته أنها مناورة مكشوفة وخديعة سافرة، لا ينبغي لمثله أن يستخف بمثلها، فأمر جنده بالمضي في الحرب حتى يرجع معاوية ومن معه لطاعته، لكن هذه الفئة تمردت على المضي في القتال, وقالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف، فقال لهم الإمام: “أنا أعلم بما في كتاب الله منكم”.

وأهاب بهم أن يمضوا في قتالهم، فركبوا رءوسهم وقالوا: لئن لم تنتهِ لنفعلن بك ما فعل بعثمان، فاضطر علي رضي الله عنه إلى أن يرسل إلى الأشتر -قائد جيشه- بوقف القتال، ثم أجبروه أن يختار أبا موسى الأشعري متحدثًا باسمه في التحكيم بدلًا من عبد الله بن عباس -رضي الله عن الجميع.

وما إن انعقد التحكيم حتى تمردوا مرة أخرى، وقالوا: كيف تحكموا الرجال في دين الله، لا حكم إلا لله، فرد الإمام علي رضي الله عنه عليهم بقوله: “كلمة حق أريد بها باطل”، فهو العالم بكتاب الله الذي يعرف جيدًا أنه لم يحد عنه بقبوله التحكيم، وإنما تحكميه الرجال كان من كتاب الله عز وجل فإن الله حكَّم في أرنب يُباع بربع درهم في قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] في صيد الحَرم، وحكَّم في أمر المرأة فقال: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فهل حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل، أو في حكم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة؟!

وعلي رضي الله عنه لم يحكم قط رجلًا في دين الله -وحاشاه من ذلك- وإنما حكم كلام الله عز وجل بعد أن اتفق الفريقان على الدعوة إلى حكم القرآن الكريم، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} [النساء: 59] وقال تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].

ولما كان من المستحيل أن يتناظر الفريقان بكامل أفرادهما، فقد تم اختيار كل منهم عن الفريق الذي يمثله، مدليًا بحجج المعسكر الذي ينوب عنه، أبو موسى الأشعري عن أهل العراق، وعمرو بن العاص عن أهل الشام، فلم يخطئ علي إذًا في قبول التحكيم للرجوع إلى ما أوجبه القرآن.

فانظر كيف يجدون عليه في أمرهم الذي أجبروه عليه وأرغموه على سلوكه من البداية، ثم ثاروا عليه مرة أخرى، وقالوا له: كيف تبيح لنا من القوم استحلال دمائهم دون سبي ذراريهم وأموالهم، فرد عليهم بقوله: “أفتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا، فقد كفرتم، فأنتم تتردون بين ضلالتين”.

كما اتهموه بمحو اسمه من إمرة المؤمنين يوم كتب إلى معاوية، فرد عليهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين صالَحَ النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان وسهيل بن عمرو، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ((اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسولك، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وابن عمرو))، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: ((إن اسمي واسم أبي لا يذهبان بنبوتي وأمري)).

ويشار في التاريخ الإسلامي إلى جماعة الخوارج بأنهم أول مَن ابتدع التكفير لكل من يخالفهم في الرأي، فهم يرون أن الخليفتين عليًّا وعثمانَ، وكذلك الحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص جميعًا كفرة، وكل من وافق على التحكيم كذلك.

بل ذهبت الخوارج بعد ذلك إلى تكفير أنفسهم حتى أصبحوا عشرين فرقةً، كل واحدة تدعي أنها وحدها المؤمنة والبقية كافرة، يجمعهم جميعًا مذهب واحد، هو تكفير أصحاب الذنوب من المسلمين. كما قالوا: بأن العمل شرط في صحة الإسلام، وشذ منهم فرقة الإباضية الذي قالوا: بإن العمل شرط لتمام الإسلام. ولا يرون كفر العصاة من المسلمين، ومَن سماهم كفارًا فإنما أراد كفر النعمة المرادف عند غيرهم بكلمة الفسق أو المعصية.

 وقد انقرضت وتلاشت هذه الفرق ما عَدَا الإباضية؛ إذ ما زال لهم أتباع في عمان واليمن وبعض مناطق شمال إفريقيا في الجزائر وطرابلس.

كما يذكر التاريخ: أن دعوة ظهرت في زمن المأمون وانتشرت في زمن المعتصم تسمى الباطنية، تأولوا في الدين، فزعموا أن الصلاة تعني: موالاة إمامهم، أما الصوم فهو إمساك عن إفشاء سر الإمام. والباطنية لا يظهرون دينهم إلا لخواصهم، وبعد أخذ المواثيق والحلف بالله على أن لا يذكروا أسرار الدين لغيرهم، وكان عندهم إباحة شرب الخمر والزواج بالبنات والأخوات.

ثم رأينا بعد ذلك مَن سار على نهج الخوارج من شباب أخطئوا الطريق، فاعتنقوا هذه الأفكار مرة أخرى، فوجدنا مَن يعتقد كفر مَن ارتكب المعصية أو أصر عليها، بل كفر جماعة المسلمين، وكفروا جميع المسلمين عداهم وإن صلوا وصاموا، وإن كان لنشأتهم صلة وثيقة بالأحداث العدوانية التي مرت بعالمنا الإسلامي، لكن هؤلاء القوم بادروا في التكفير، وتوسعوا فيه بصورة فاقت ما كان عليه الخوارج القدامى.

وقد علمتَ أن الكفر حكم شرعي له ضوابطه، وأن التكفير حق الله تعالى لا نكفر إلا مَن كفره الله عز وجل أو كفره رسوله صلى الله عليه وسلم لما يترتب على هذا التكفير من أحكام في الدنيا وفي الآخرة، والذي ينطق حكمًا من أحكام التكفير إنما يكون ناقلًا عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم وما فهمه سلف الأمة رضي الله عنهم لمعرفة الأدلة، والجمع بينها، ولا يكون الحكم لمجرد نص واحد أو دليل واحد، بل لا بد من الجمع بين الأدلة، ولا بد من التثبت في هذه القضية، وعدم التسرع في الحكم على أحد بالكفر، فإن الحكم على إيمان بالكفر لا يقل عن خطورة الحكم لكافر بأنه من أهل الإيمان، ومن ثم كانت أهمية العقيدة وخطورة هذا الأمر.

error: النص محمي !!