Top
Image Alt

لا نكاح إلا بولي، وما جاء في الكفاءة في النكاح

  /  لا نكاح إلا بولي، وما جاء في الكفاءة في النكاح

لا نكاح إلا بولي، وما جاء في الكفاءة في النكاح

لا نكاح إلا بولي:

عن أبي موسى رضي الله  عنه عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا نكاح إلا بولي)).

ومنها عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) رواهما الخمسة إلا النسائي.

وروى الحديث الثاني أبو داود الطيالسي، ولفظه: ((لا نكاح إلا بولي، وأيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل؛ فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له)).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)) رواه ابن ماجه والدارقطني.

و هذه الأحاديث يستفاد من جملتها: أن الولي شرط من شروط النكاح، فقوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا نكاح إلا بولي)) هذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية؛ لأن الذات الموجودة -أعني صورة العقد بدون ولي- ليست بشرعية. أو يتوجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الذات، فيكون النكاح بغير ولي باطلًا، كما هو مصرح بذلك في حديث عائشة المذكور، وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور؛ لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان.

ومن ذهب إلى أن النكاح بغير ولي باطل وفاسد: عليّ وعمر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود، وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري، وابن المسيب وابن شبرمة وابن أبي ليلى، وأحمد وإسحاق والشافعي، وجمهور أهل العلم قالوا جميعًا: لا يصح العقد بدون ولي. قال ابن المنذر: “إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك”. وحُكي في (البحر) عن أبي حنيفة: “لا يعتبر الولي مطلقًا؛ لحديث: ((الثيب أحق بنفسها من وليها…)) لكن سيأتي شرح هذا الحديث.

وأجيب بأن المراد اعتبار الرضا منها؛ جمعًا بين الأخبار، كذا في (البحر). وعن أبي يوسف ومحمد: “للولي الخيار في غير الكفء، وتلزمه الإجازة في الكفء. وعن مالك: يعتبر الولي في الرفيعة دون الوضيعة”.

وأجيب عن ذلك بأن الأدلة لم تفصل. وعن الظاهرية أنه يعتبر الولي في البكر فقط، وأجيب عنه بمثل ما أجيب به عن الذي قبله. قال أبو ثور: “يجوز لها أن تزوج نفسها بإذن وليها؛ أخذًا بمفهوم قوله: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها…)). ويجاب عن ذلك بحديث أبي هريرة المذكور”.

والمراد بالولي هو الأقرب من العَصَبة من النسب، ثم من السبب، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور.

وروي عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء، فإذا لم يكن ثَم ولي انتقل الأمر إلى السلطان؛ لأنه ولي من لا ولي له، كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو متكلم فيه.

ورأي الجمهور هو الرأي الراجح في هذه المسألة، وهو الرأي الذي ينبغي أن نأخذ به في هذا الموضوع.

ما جاء في الكفاءة في النكاح:

فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ((جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أُعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء)) هذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه، ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه من حديث ابن بريدة.

وفي الباب أيضًا: عن عائشة وعن عمر قال: “لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكْفَاء”، رواه الدارقطني في سننه.

وفي الباب عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟! قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مرات)) وهذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال: “هذا حديث حسن غريب”.

وفي الباب عن عائشة: “أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه  وسلم تبنى سالمًا، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار”. رواه البخاري والنسائي.

في هذه الأحاديث وغيرها مما ذكرت في هذا الباب يتضح لنا أن الكفاءة في النكاح أمر مطلوب، والأكْفَاء: جمع كفء، وهو الْمِثْل والنظير.

وجمهور العلماء يرون اعتبار الكفاءة في النكاح، لكنهم اختلفوا فيما تكون الكفاءة، فالجمهور يرى أن الكفاءة تكون في الدين والخلق، وهذا ما يدل عليه حديث: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه…)) ففي الحديث دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق.

وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالكٌ، ونقل عن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور، وقال أبو حنيفة: “قريش أكْفَاء بعضهم بعضًا، والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كُفْأً لقريش، كما ليس أحد من غير العرب كفأً للعرب” وهو وجه للشافعي.

قال في (الفتح): “واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه، فلا تحل المسلمة لكافر. قال الخطابي: إن الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء: الدين والحرية والنسب والصناعة، ومنهم من اعتبر السلامة من العيوب، واعتبر بعضهم اليَسَار، ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة رفعه: “أن أحساب أهل الدنيا الذين يَذْهَبُون إليه هذا المال”، وما أخرجه أحمد والترمذي، وصححه هو والحاكم من حديث سمرة رفعه: “الحسب: المال، والكرم: التقوى”.

قال في (الفتح): يحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، أو أن من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعًا، وضِعَة من كان مُقِلًّا وكان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد”.

فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال، لا على الثاني، وقد قدمنا الإشارة إلى شيء من هذا في باب صفة المرأة التي يستحب خطبتها.

قال الشافعي: “أصل الكفاءة في النكاح حديث بريدة” يعني هذا.

ومن جملة الأمور الموجبة لرفعة المُتَّصِف بها الصنائع العالية، وأعلاها -على الإطلاق- : العلم ؛ لحديث: ((العلماء ورثة الأنبياء)) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من حديث أبي الدرداء، وضعفه الدارقطني في (العلل) وقال المنذري: “وهو مضطرب الإسناد، وقد ذكره البخاري في صحيحه بغير إسناد”.

والقرآن شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)).

وكل هذه الأحاديث وغيرها تؤكد اعتبار الكفاءة في النكاح، وهذا ما ذكره العلماء وما ذهب إليه الجمهور.

error: النص محمي !!