Top
Image Alt

لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان ما قيل في ضرورة صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه

  /  لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان ما قيل في ضرورة صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه

لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان ما قيل في ضرورة صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه

لمحات عن التنازع:

نبدأ -بتوفيق من الله- في دراسة الجانب التطبيقي لمسائل التنازع في القرآن الكريم، وذلك من خلال كتاب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) تأليف المرحوم الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة.

بدأ الشيخ -رحمه الله- بذكر لمحات عن التنازع، وهذه اللمحات من شأنها أن توقظ في أذهاننا صورة القاعدة التي درسناها في باب التنازع، يقول الشيخ:

اللمحة الأولى: لا بد من الارتباط بين العاملين المتنازعين؛ إما بعطف، أو عمل أولهما في ثانيهما، أو كون الثاني جوابًا للأول، أو أن يكون بين العاملين ارتباط بوجه ما من الوجوه.

اللمحة الثانية: لا يتقدم المتنازع فيه على العاملين.

اللمحة الثالثة: من شرط المتنازع فيه أن يكون قابلًا لأن يحل محله الضمير؛ وعليه فلا تنازع في الحال، ولا في مجرور حتى ونحوه من كل ما لا يجره الضمير.

اللمحة الرابعة: لا بد من صلاحية توجه العاملين إلى المعمول، من جهة المعنى.

اللمحة الخامسة: قد يختلف طلب العاملين للمعمول، فيطلبه هذا فاعلًا، وذاك مفعولًا، وغير ذلك.

اللمحة السادسة: إعمال الثاني أكثر في كلام العرب بالاستقراء، وكل ما جاء من أساليب التنازع في القرآن كان على إعمال الثاني، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني ما يطلبه، وقال أبو حيان: إعمال الأول لم يرد في القرآن؛ لقلته.

اللمحة السابعة: العاملان المتنازعان فعلان، ووصفان، ومصدران، وثلاثة مصادر، وفعل ومصدر، وفعل ومصدران، وفعل ووصف، وفعل واسم فعل.

اللمحة الثامنة: كان المتنازع فيه في القرآن الكريم فاعلًا، ومفعولًا به، ومفعولًا لأجله، وظرفًا، وجارًّا ومجرورًا.

دراسة التنازع من الناحية التطبيقية:

اللمحة الأولى: لا بد من الارتباط بين المتنازعين، وأثر هذا الشرط على الحكم بالتنازع في قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 259].

جاء في (الكشاف): فاعل {تَبَيَّنَ} مضمر تقديره: “فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير”، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: “ضربني وضربت زيدًا”، ويجوز أن يكون التقدير: “فلما تبين له ما أشكل عليه -يعني أمر إحياء الموتى- قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير”. وينبغي أن يحمل هذا الكلام من (الكشاف) على أنه تفسير معنى، لا تفسير إعراب.

وتفسير الإعراب أن يُقدر مضمر يعود على كيفية الإحياء التي استغربها بعد الموت، وهذا ليس من باب الإعمال -أي: ليس من باب التنازع- لأنهم نصّوا على أن العامليْن في هذا الباب لا بد أن يشتركا، وأدنى ذلك بأن يكون الاشتراك بحرف العطف؛ حتى لا يكون الفصل معتبرًا، أو يكون العامل الثاني معمولًا للأول، وذلك نحو قولك: “جاءني يضحك زيد”، فجُعل في “جاءني” ضمير، أو في “يضحك”؛ حتى لا يكون هذا الفعل فاصلًا، وسبب ذلك: أننا لو لم نقدر ضميرًا في “يضحك” عند إعمال “جاءني”؛ لترتب على ذلك الفصل بين الفعل وفاعله بأجنبي.

والخلاصة: أن قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} اعتمادًا على المقياس الذي ذكرناه، لا يدخل في باب التنازع على الوجه الذي ذكره صاحب (الكشاف).

اللمحة الثانية: المتنازع فيه لا يتقدم على العاملين، وبناء عليه لا يصح أن يكون من التنازع قول الله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 128]، وفي جواز تقدم المتنازع نظر، فالأكثرون لا يذكرون فيه تقدمه عليهما، وأجاز بعض النحويين التقدم، فتقول: “زيدًا ضربتُ وشتمتُ” على التنازع، وقد بيّنا أن تقدم معمول ما في حيز العطف ممتنع، فلا يجوز التنازع في مثل ذلك.

وكذلك في قوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُون * وَأَنتُمْ سَامِدُون * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 59-62]؛ “أفمن” متعلق بـ”تعجبون” ولا يجيء فيه الإعمال؛ لأن من شرط الإعمال -أي التنازع- تأخر المعمول عن العوامل، وهو هنا متقدم، وفيه خلاف بعيد، وعليه تتخرج الآية الكريمة، فإن كلًّا من “تعجبون” “وتضحكون” و”لا تبكون” يطلب هذا الجار من حيث المعنى.

ومن الأساليب التي شاع ذكرها في القرآن الكريم: “أرأيت” إذا كانت بمعنى أخبِرْني.

قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} [الأنعام: 40] تنازَع “أرأيتكم” و”أتاكم” في “عذاب الله”، وأعمل الثاني “إن أتاكم عذاب الله”، وجملة الاستفهام وهي: “أغير الله تدعون” هي المفعول الثاني لـ”أرأيت”، والرابط محذوف تقديره: تدعونه لكشفه، وجواب الشرط محذوف تقديره: فأخبروني عنه، أتدعون غير الله لكشفه، وجعل الزمخشري جملة الاستفهام هي جواب الشرط، ورد عليه أبو حيان بأنها لو كانت جوابًا لوجب اقترانها بالفعل.

ومن الآيات القرآنية التي فيها “أرأيتم” بمعنى أخبِروني قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ} [الأنعام: 46]، جاء في (البحر): أن مفعول أرأيتم محذوف، والتقدير: قل أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله، وجملة الاستفهام -وهي: من إله غير الله يأتيكم به- هي المفعول الثاني، كما تقول: أرأيتك زيدًا ما صنع؟” وذلك من باب الإعمال، ويقصد بذلك التنازع، حيث أعمل الثاني وهو أخذ، وحذف الأول الذي هو مفعول أرأيت، وأوضحنا كيفية ذلك في الآية قبل هذه وهي قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ}.

ومن الآيات القرآنية أيضًا في هذا المجال قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُون} [يونس: 50] جواب الشرط محذوف تقديره: قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتًا أو نهارًا فأخبروني: ماذا يستعجل منه المجرمون؟

وجوّز الزمخشري أن تكون جملة الاستفهام جواب الشرط، ورد عليه أبو حيان بخلوها من الفاء، فقد تنازع “أرأيت” و”أتى” في “عذابه”، فأعمل الثاني وهو “أتى” وحذف المفعول من الأول.

وفي قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 13-14] المفعول الأول محذوف تقديره: “أرأيت الذي إن كذب وتولى”، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جملة الاستفهام “أرأيت الذي إن كذب وتولى، فهل يعلم بأن الله يرى”.

كانت هذه نماذج مختلفة لاستخدام أرأيت في القرآن الكريم، وقد بينا وجه التنازع فيها.

اللمحة الثالثة: قلنا: إنه لا تنازع في الحال، وبناءً عليه في قوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [يوسف: 12] نجد أن جملة: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} حالية، والعامل الأمر وهو: أرسله، أو الجواب وهو: يرتع ويلعب، ولا يكون ذلك من باب الإعمال؛ لأن الحال لا تضمر، والإعمال لا بد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول.

وكذلك لا تنازع في حتى، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} حتى يصح أن تكون غاية، أي: “فأجره إلى أن يسمع كلام الله”، ويصح أن تكون للتعليل، أي: “فأجره ليسمع كلام الله”، وهي متعلقة في الحالين بـ”أجره”، ولا يصح أن يكون من باب التنازع، لكن من ذهب من النحويين إلى أن “حتى” تجر المضمر يجوز عنده أن يكون ذلك من باب التنازع، وكون “حتى” لا تجر المضمر هو مذهب الجمهور.

اللمحة الرابعة: من الأصوليات أو الثابت في هذا الباب وهو باب التنازع، أنه لا بد من صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه.

قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25] أجاز المبرد في قوله: {رُطَبًا} أن يكون منصوبًا بقوله: {وَهُزِّي}، أي: وهزي إليك بجذع النخلة رطبًا تساقط عليك، فعلى هذا الذي أجازه تكون المسألة من باب الإعمال، ويكون قد حذف معمول “تساقط”، فمن قرأه بالياء من تحت فظاهر، ومن قرأه بالتاء من فوق فإن كان الفعل متعديًا جاز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان لازمًا فلا؛ لاختلاف متعلق “وهزي” إذ ذاك والفعل اللازم؛ لأنه لم يجئ في القرآن إعمال الأول، فلنا في الآية التالية أن نذكر ما قاله العلماء في توجيهها، وهي قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ} [آل عمران: 180]:

قُرئ “ولا تحسبن” بالتاء، فيكون الذين أول المفعولين، وهو على حذف مضاف، والتقدير: ولا تحسبن بُخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم، وقرئ بالياء، والفعل إما مسند إلى ضمير أحد، فيكون الذين هو المفعول الأول على ذلك التقدير، وإما مسند إلى الذين -أي: أن يكون الذين هو الفاعل- فيكون المفعول الأول محذوفًا تقديره: بخلهم، وحذف لدلالة “يبخلون” عليه، وحذفه عزيز جدًّا عند الجمهور؛ فلذلك كان الأولى تخريج هذه القراءة على قراءة التاء، من كون “الذين” هو المفعول الأول على حذف مضاف و”خيرًا” المفعول الثاني.

قال أبو حيان: ويظهر لي تخريج غريب في الآية تقتضيه قواعد العربية، وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال، إذا جعلنا الفعل مسندًا للذين، وذلك أن “يحسبن” يطلب مفعولين، و”يبخلون” يطلب مفعولًا بحرف الجر، فقوله: “ما آتاهم” يطلبه “يحسبن” على أن يكون المفعول الأول، ويكون “هو” فصلًا، و”خيرًا” المفعول الثاني ويطلبه “يبخلون” بتوسط حرف الجر، فأعمل الثاني على الأفصح في لسان العرب وعلى ما جاء في القرآن الكريم وهو “يبخلون”، فعُدّي بحرف الجر وأخذ معموله، وحذف معمول “يحسبن” الأول وبقي معموله الثاني؛ لأنه لم يتنازع فيه، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول، وساغ حذفه وحده كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه: “متى رأيت أو قلت: زيد منطلق؟”.

من ذلك قوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران: 181] العامل في موضع “إنَّ” وما عملت فيه “قالوا”، وهي المحكية به؛ أي: جملة:{إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} محكية بـ”قالوا”، ويجوز أن يكون معمولًا لقول المضاف وهو قول الذين؛ لأنه مصدر، وكونه معمولًا لقول يجوز على رأي الكوفيين بإعمال الأول وهو أصل ضعيف، ويزداد هنا ضعفًا؛ لأن الثاني فعل والأول مصدر، وإعمال الفعل أقوى.

والخلاصة: أن جملة {إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} يتنازعها {قَوْلَ} و{قَالُواْ}، والعامل فيها الثاني وهو قالوا، فقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران: 181] من باب التنازع، يتنازع جملة {إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} المصدر المضاف وهو “قول” والفعل وهو “قالوا”، وأعمل الفعل ولم يعمل المصدر لسببين:

السبب الأول: أن “قالوا” فعل و”قول” مصدر، وإعمال الفعل أقوى من أعمال المصدر.

السبب الثاني: قرب الفعل على مذهب البصريين.

error: النص محمي !!